الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع الثاني إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي النافلة
المدخل إلى المسألة:
• إبطال العمل ليس له حكم واحد، منه ما هو محرم، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، انظر الأمثلة في البحث.
• إذا كان النفل لا يلزم ابتداؤه، لم يلزم إتمامه؛ لأن لزوم الإتمام فرع عن لزوم الابتداء، إلا نفل الحج والعمرة فهذا خاص بهما.
• الصحيح أن النفل لا يجب بالشروع فيه، لقول عائشة: أُهْدِيَ لنا حيسٌ، فقال صلى الله عليه وسلم: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا.
• العلة من النهي عن التنفل إذا أقيمت الصلاة: أهو من أجل تحصيل فضل الجماعة؟ وبأي شيء يدرك فضل الجماعة؟ أم هو من أجل الأمر بمتابعة الإمام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا كبر فكبروا؟ الراجح الثاني.
• الصلاة إذا أقيمت تعين الوقت للفرض، والنفل لا يزاحم الفرض.
[م-467] إذا أقيمت الصلاة، وهو يصلي تحية المسجد، أو الراتبة، أيقطعها أم يتمها خفيفة؟
فقيل: يتمها مطلقًا، ولو خشي فوات الجماعة، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وبه قال بعض المالكية
(1)
.
وقيل: يقطعها مطلقًا، ولو كان في التشهد، وإليه ذهب بعض الظاهرية
(2)
،
(1)
. إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 43)، تفسير القرطبي (1/ 166، 167)، المغني (1/ 330)، الفروع (2/ 24)، الكافي لابن قدامة (1/ 290)، المحرر (1/ 40)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (1/ 456)، الإنصاف (2/ 220).
(2)
. المحلى (2/ 146)، فتح الباري (2/ 151)، إكمال المعلم (3/ 43).
هذان قولان متقابلان.
وقيل: إن خشي أن تفوته ركعة قطعها بسلام أو بفعل منافٍ، وإن كان يمكنه أن يتمها قبل أن يركع الإمام أتمها، ولو بقراءة أم القرآن وحدها، وهذا قول مالك
(1)
.
وقيل: يتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة، على اختلافٍ بينهم بماذا تفوت الجماعة.
فقيل: إذا أدرك من الصلاة مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ وعليه إذا ظن أنه يدرك من التشهد الأخير مقدار تكبيرة الإحرام أتم النافلة، وإلا قطعها، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة
(2)
.
وقيل: تدرك الجماعة بإدراك ركعة، وعليه يقال: إذا كان يدرك من صلاة الجماعة مقدار ركعة أتمها، وإلا قطعها.
(1)
. مختصر خليل (ص: 40)، الذخيرة للقرافي (2/ 405)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 43)، التاج والإكليل (2/ 411)، شرح الخرشي (2/ 20)، منح الجليل (1/ 357).
وقال المالكية: إن قطعها بغير سلام أو بفعل منافٍ أعاد المكتوبة؛ لأنه على إحرام الأول، ولقوله عليه السلام: لا صلاتان معًا، ولقوله صلى الله عليه وسلم: وتحليلها التسليم. والله أعلم.
والصحيح أن قطع الصلاة لا يتوقف على فعل منافٍ، ولا سلام، فإذا خرج من النافلة بالنية بطلت الصلاة، وعلى قول من يرى أن الصلاة تبطل بمجرد الإقامة لا يحتاج حتى إلى نية الخروج من النافلة، والله أعلم.
(2)
. واختلف الشافعية والحنابلة في حكم القطع إذا خشي فوات الجماعة، فقال الشافعية: يقطعها وجوبًا في الجمعة، وندبًا في غيرها. وقال الحنابلة: يقطعها وجوبًا مطلقًا؛ لوجوب الجماعة عندهم، انظر: مغني المحتاج (1/ 500)، المهذب للشيرازي (1/ 178)، المجموع شرح المهذب (4/ 208)، أسنى المطالب (1/ 231)، البيان للعمراني (2/ 376)، حاشية الجمل (1/ 556)، المغني (1/ 330)، الفروع (2/ 24)، الإنصاف (2/ 221)، المحرر (1/ 40)، المبدع (2/ 55)، عمدة الحازم في الزوائد على مختصر ابن القاسم (ص: 93).
جاء في الممتع في شرح المقنع للتنوخي (1/ 457): «ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه أراد فوات جميع الصلاة، وقال صاحب النهاية فيها: المراد بالفوات: فوات الركعة الأولى، وكل متجه» . اهـ
وقال في المبدع (2/ 55): «وظاهره أنه أراد فوات جميعها، وَخَصَّ صاحب النهاية بفوات الركعة الأولى» .
وقال في الإنصاف (2/ 221): «ومن كبر قبل سلام إمامه فقد أدرك الجماعة، هذا المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وهو المعمول به في المذهب
…
».
قال في الإنصاف: «وقيل: لا يدركها إلا بركعة، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، واختاره الشيخ تقي الدين، وذكره رواية عن أحمد، وقال: اختاره جماعة من أصحابنا»
(1)
.
واختار شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: أنه إن صلى منها ركعة كاملة أتمها خفيفة، وإلا قطعها
(2)
.
واختار شيخ شيخنا ابن باز عليه رحمة الله: أنه إن بقي من النافلة مقدار ركعة كاملة قطعها، وإن بقي من النافلة أَقَلُّ من ركعة أتمَّها، وبه قال المباركفوري رحمه الله
(3)
.
هذه أقوال فقهائنا عليهم رحمة الله، وسبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم في مسألتين:
المسألة الأولى: الاختلاف في وجوب إتمام النفل بعد الشروع فيه.
المسألة الثانية: اختلافهم في العلة من النهي عن التنفل إذا أقيمت الصلاة: أهو من أجل تحصيل فضل الجماعة، وبأي شيء يدرك فضل الجماعة، أم هو من أجل الأمر بمتابعة الإمام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا كبر فكبروا، ولأن الصلاة إذا أقيمت تعين الوقت للفرض، والنفل لا يزاحم الفرض.
إذا علم ذلك ننتقل منه إلى ذكر الأدلة:
• دليل من قال: يتمها مطلقًا ولو خشي فوات الجماعة:
هذه المسألة بناها الحنفية على مسألة أخرى، وهي وجوب إتمام النافلة بالشروع فيها، وهي مسألة خلافية
(4)
.
(1)
. الإنصاف (2/ 222).
(2)
. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (15/ 101).
(3)
. فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (12/ 391)، مرعاة المفاتيح (3/ 501).
(4)
. اختلف الفقهاء في وجوب إتمام نفل الصلاة بالشروع فيه بعد اتفاق الأئمة الأربعة على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة؛ لوجوب المضي في فاسده.
فقال الحنفية: يجب الإتمام بالشروع فيه، ولو أفسده وجب قضاؤه مطلقًا، سواء أبطله لعذر أم لغير عذر، قياسًا على نفل الحج والعمرة.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يجب إتمام النفل مطلقًا؛ لأنه لا يجب المضي في فاسده.
…
وقال المالكية: إن قطع النفل بعذر لم يجب الإتمام، وإن قطعه بلا عذر وجب إتمام نفل يبنى آخره على أوله، كالصلاة، والصوم والاعتكاف وطواف التطوع، وائتمام المقتدي.
انظر بدائع الصنائع (1/ 164)، البحر الرائق (2/ 61)، مجمع الأنهر (1/ 132)، حاشية ابن عابدين (2/ 31)، البحر المحيط في أصول الفقه (1/ 384)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 412)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (1/ 410)، نشر البنود على مراقي السعود (1/ 40)، حاشية الدسوقي (1/ 546).
قال في بدائع الصنائع: «النفل يصير واجبًا عندنا بالشروع، ويلتحق بالواجبات الأصلية في حق الأحكام»
(1)
.
• واستدل الحنفية على مذهبهم بدليلين:
الدليل الأول:
القياس على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع فيهما، قال تعالى:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، [البقرة: 196]، فإذا وجب إتمام نفل الحج والعمرة فغيرهما مقيس عليهما.
ولأن الواجبات نوعان: ما تُلُقِّيَ وجوبه من الشارع أصالة، كالصلاة المفروضة.
وما تُلُقِّيَ وجوبه من التزام العبد كالنذر، والشروع بالنفل، والفرق أن النذر يجب بالقول، وغيره من النوافل يجب بالفعل، وهو الشروع.
• ونوقش هذا من وجهين:
الوجه الأول:
الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يجوز قطع النافلة بعد الشروع فيها، ولا يجب عليه إتمامها بعد الشروع فيها إلا نفل الحج والعمرة، لوجوب المضي في فاسدهما بخلاف غيرهما من العبادات فلا يجب المضي فيها إذا فسدت.
(ح-1145) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة،
عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: هل عندكم شيء؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول
(1)
. بدائع الصنائع (1/ 164).
الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا
(1)
.
الوجه الثاني:
لا يصح القياس على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة، لأن النسك له أحكام ينفرد بها عن سائر العبادات، فلا يقاس عليه غيره، من ذلك وجوب المضي في فاسده، وجواز قلب نية الحج فيه إلى عمرة بعد الفراغ من طواف القدوم والسعي، وجواز إبهام نية إحرامه كما لو قال: أحرمت بما أحرم به فلان، ولا يدري ما ذا أحرم به فلان، إلى غيرها من الأحكام التي تخص المناسك.
الدليل الثاني:
استدلوا بقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، فكل ما يبطل العمل فالمسلم منهيٌّ عنه، وقوله:{أَعْمَالَكُمْ} نكرة مضافة فيشمل جميع الأعمال واجبًا كان أم نفلًا، وقطع النافلة إبطال لها، والأصل في النهي التحريم.
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الآية القرآنية عامة، وأحاديث النهي عن النافلة بعد إقامة الصلاة خاصة، والخاص مقدم على العام.
الوجه الثاني:
أن إبطال العمل ليس له حكم واحد، منه ما هو محرم، ومنه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، وإليك بعض صوره.
الصورة الأولى: إبطال العمل من أصله وذلك يكون إما بالردة والعياذ بالله إذا مات عليها الإنسان، أو بالرياء (الشرك الأصغر).
وقد دل على الأول قوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} ، [البقرة: 217].
(ح-1146) ودل على الثاني: ما رواه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن ابن يعقوب، عن أبيه،
(1)
. صحيح مسلم (170 - 1154).
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه
(1)
.
الصورة الثانية: إبطال ثواب العمل، وإنْ كان العمل صحيحًا، وذلك يكون بالحرمان من ثوابه لكثرة المعاصي، فالعمل صحيح؛ لاستيفاء شروطه وأركانه، إلا أن إثم المعاصي إذا ما قورن بأجر العمل كان الإثم أكبر، فكأنَّ الإثم قد أحبط الانتفاع بالثواب، وذهب بالأجر.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264].
فالصدقة، وإن كانت صحيحة متقبلة، فإن إثم المن والأذى إذا ما قورن بأجر الصدقة ذهب بالأجر.
(ح-1147) ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، قال:
كان جرير بن عبد الله، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أَبَقَ العبد لم تقبل له صلاة
(2)
.
[سبق تخريجه]
(3)
.
(ح-1148) ومنه ما رواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن صفية،
عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة
(4)
.
فنفي القبول هنا لا يلزم منه إبطال العمل، وعدم صحته، بل الصلاة صحيحة، ونفي القبول متوجه إلى نفي الثواب لعظم الذنب.
الصورة الثالثة: إبطال مباح وذلك بالخروج من النفل قبل إتمامه لسبب من
(1)
. صحيح مسلم (46 - 2985).
(2)
. صحيح مسلم (70).
(3)
. صحيح مسلم (716)، انظر الاختلاف في وقفه ورفعه في المجلد الثالث من الجامع في أحكام الصلاة المكتوبة، لم يطبع بعد (ح 716).
(4)
. صحيح مسلم (2230).
الأسباب، فهذا إذا لم يكن من نفل الحج أو العمرة فيجوز، لحديث عائشة السابق (
…
أهدي لنا حيس، فقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، رواه مسلم
(1)
.
ومثله إذا أحدث الرجل باختياره، وهو على طهارة، فإنه لا يحرم عليه إبطال الوضوء؛ لأن إخراج الريح فيه مصلحة للبدن.
وإذا كان النفل لا يلزم ابتداؤه، لم يلزم إتمامه؛ لأن لزوم الإتمام فرع عن لزوم الابتداء، إلا نفل الحج والعمرة فهذا خاص بهما.
الصورة الرابعة: إبطال واجب، كأن يقضي الشارع بإبطال العمل، كما لو صام اليوم الثلاثين ظانًّا أنه من رمضان، ثم جاء خبر برؤية الهلال في أثناء اليوم، فإن الصيام يبطل.
الصورة الخامسة: إبطال مكروه، وهو إبطال النفل بعد الشروع فيه بلا سبب، ولا مصلحة، فهذا لا يمنع منه، ولكنه خلاف الأولى.
فهذه صور خمس يختلف فيها حكم إبطال العمل من صورة إلى أخرى، فكان النهي عن إبطال العمل في قوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، أي لا تبطلوها بمعصية الله ورسوله؛ لأن الآية أمرت بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونهت عن المعصية المؤدية إلى إبطال العمل.
جاء في تفسير الطبري بإسناده عن قتادة، قوله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، من استطاع منكم أن لا يبطل عملًا صالحًا عمله بعمل سيئ فليفعل، ولا قوة إلا بالله، فإن الخير ينسخ الشر، وإن الشر ينسخ الخير، وإن ملاك الأعمال خواتيمها
(2)
.
الوجه الثالث:
لو سلمنا أن الآية يقصد بها العموم، وأن المسلم منهي عن إبطال النافلة بعد الشروع فيها، فإن النهي يتوجه لمن تعمد إبطال عمله بلا عذرٍ، ولا مسوغٍ شرعيٍّ، ولا يدخل في الآية من عرض له في صلاته ما أوجب له قطع نافلته، فهذا لم يبطلها، بل أبطلها الشرع، وكما تبطل الصلاة بالحدث تبطل بحضور الفريضة، ومن امتثل
(1)
. صحيح مسلم (170 - 1154).
(2)
. تفسير الطبري ط هجر (21/ 226).
الأمر الشرعي بالخروج من النافلة لم يبطل عمله؛، بل يرجو المصلي من الله أن يكتب له أجرها كاملًا لحديث أنس رضي الله عنه: إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر، رواه البخاري
(1)
.
• دليل من قال: يقطعها مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-1149) ما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
ورواه مسلم من طريق زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار به.
ورواه مسلم من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن دينار به.
قال حماد: ثم لقيت عَمْرًا، فحدثني به ولم يرفعه
(2)
.
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول:
أن قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة
…
) عام يشمل ابتداء النافلة بعد الإقامة، ويشمل إتمامها بعد الإقامة، لا فرق بين النافلة التي دخل فيها قبل الإقامة والنافلة التي لم يدخل فيها إلا بعد الإقامة، ومن حصر النفي على ابتداء الصلاة فقد خصص العام بلا مخصص.
وقوله (لا صلاة إلا المكتوبة) نفي بمعنى النهي، والنفي إن حملناه على الوجود فالمراد به الوجود الشرعي، فإذا وجدت صورة الصلاة فهي باطلة، فيؤول إلى نفي الصحة، ولا يراد به نفي الكمال إلا بقرينة.
الوجه الثاني:
أن العلة في النهي عن التطوع إذا أقيمت الصلاة هو التفرغ للفريضة، ليشرع
(1)
. رواه البخاري (4423) من طريق عبد الله بن المبارك، عن حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه.
(2)
. صحيح مسلم (710).
فيها عقب شروع الإمام، ولا ينشغل عن الفريضة بالنافلة، فإذا كانت هذه هي العلة لم يكن هناك فرق بين ابتداء النافلة وبين إتمامها؛ لأن كلًّا منهما قد تشاغل بالتطوع عن الفرض، وفاته قدر من صلاة الفريضة.
• ونوقش هذا الاستدلال من وجهين أيضًا:
الوجه الأول:
بأن الحديث سبق تخريجه في المسألة التي قبل هذه، وقد تردد فيه راويه عمرو بن دينار، فمرة يرويه مرفوعًا، ومرة يرويه موقوفًا، والموقوف هو المتيقن، فلا يحكم برفعه مع تردد راويه، ولا مجال للترجيح بين الرواةٍ والشَّكُّ إنما جاء من الرجل الذي عليه مدار الحديث، فالعهدة عليه، لا من الرواة عنه، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن قوله: (لا صلاة
…
) يحتمل أن يكون النفي للكمال، وليس للصحة، وإلى ذلك مال ابن حجر وجماعة من أهل العلم.
(1)
.
وقد أجبت على هذا الاحتمال في المسألة السابقة، فارجع إليه دفعًا للتكرار، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-1150) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة،
عن ابن عباس، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟
(2)
.
ورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد (يعني: ابن هارون)، حدثنا صالح بن رستم
(1)
. فتح الباري (2/ 149)، وانظر مواهب الجليل (2/ 89)، الكوكب الوهاج في شرح صحيح مسلم (9/ 287).
(2)
. مسند أبي داود الطيالسي (2859).
(أبو عامر الخزاز) به بنحوه، وفيه: فجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه، وقال: أتصلي الصبح أربعًا؟
(1)
.
[المحفوظ أنه مرسل]
(2)
.
الدليل الثالث:
الصلاة من الواجبات الموسعة، لكن الوقت يتعين لفعلها بأحد أمرين:
الأول: أن يضيق الوقت حتى لا يبقى إلا مقدار فعلها، فيتعين الوقت لفعل الفريضة،
الثاني: أن يتعين الوقت لفعلها بفعل العبد، بأن يُدعى الناس إلى فعلها جماعة فإذا توجه الأمر إلى الناس بالإقبال على الصلاة وذلك بقول المؤذن في الإقامة: حي على الصلاة، حي على الفلاح تعين الوقت للفعل، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا سمعتم الإقامة فامشوا
…
)، وهذا لمن كان خارج المسجد.
ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتفق عليه:
…
فإذا كبر فكبروا، وهذا لمن كان داخل المسجد، وقوله:(فكبروا) الفاء دالة على الترتيب والتعقيب بلا تأخير، فلا يجوز الإعراض عن إجابة المؤذن، ولا التأخر عن متابعة الإمام بالاشتغال عنها بالتطوع، فإذا تعين الوقت للفريضة بطل التطوع.
الدليل الرابع:
(ح-1151) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناسَ؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا
(1)
. مسند أحمد (1/ 238).
(2)
. سبق تخريجه في المسألة السابقة، ولله الحمد.
في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة
(1)
.
[صحيح]
(2)
.
(1)
. المسند (4/ 161).
(2)
. الحديث مداره على يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، وجابر وأبوه صحابيان، وقد رواه عن يعلى بن عطاء جماعة كثيرة.
فرواه أبو عوانة كما في مسند أحمد (4/ 161)، والمعجم الكبير للطبراني (22/ 234).
وشعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (1343)، ومسند أحمد (4/ 161)، وسنن الدارمي (1407)، وسنن أبي داود (575، 576)، وشرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 363)، وسنن الدارقطني (1533).
والثوري كما في مصنف عبد الرزاق (3934)، ومسند أحمد (4/ 161)، وسنن أبي داود (614)، والسنن الكبرى للنسائي (1258)، وصحيح ابن خزيمة (1638)، وصحيح ابن حبان (1564)، وسنن الدارقطني (1533).
وهشام بن حسان كما في مصنف عبد الرزاق (3934)، ومسند أحمد (4/ 161)، وصحيح ابن خزيمة (1638)، والمعجم الكبير للطبراني (22/ 232) ح: 609، وسنن الدارقطني (1533).
وهشيم بن بشير كما في مصنف ابن أبي شيبة (6642)، ومسند أحمد (4/ 160)، وسنن الترمذي (219)، والنسائي في المجتبى (858)، وفي الكبرى (933)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (1462)، وصحيح ابن خزيمة (1279، 1638)، وصحيح ابن حبان (1565، 2395)، وسنن الدارقطني (1532)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 427).
وشريك كما في مسند أحمد (4/ 161)، وصحيح ابن خزيمة (1638)، وسنن الدارقطني (1533)،
وحماد بن سلمة كما في المعجم الكبير للطبراني (22/ 233) رقم: 612، كلهم رووه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه.
قال الترمذي: حديث يزيد بن الأسود حسن صحيح.
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان فأخرجاه في صحيحيهما، وصححه الحاكم، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي كما في الأحكام الوسطى (1/ 283)، وابن الملقن في البدر المنير (4/ 412).
قال الحافظ في التلخيص: قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول.
قلت: يعلى من رجال مسلم، وأما جابر بن يزيد فقال المزي في تهذيب الكمال (4/ 465): له صحبة، فإن صح فكفى بها تزكية، وإن لم تَصِحَّ فقد وثقه النسائي وابن حبان، وقال ابن حجر: صدوق.
وقال أحمد كما في علل الحديث: لم يسمع هشيم هذِه الكلمة من يعلى بن عطاء -يعني: أن النبي صلى بهم الغداة فانحرف.
…
وقال مرة: رواه هشيم وسمعه من يَعْلَي، ولكنه لم يسمع منه: انحرف فكان هشيم إذا قيل له: انحرف؛ قال: نعم، ولم أسمعه. اهـ
وجه الاستدلال:
إذا كان من صلى الفرض إذا دخل المسجد، وشهد حضور الصلاة كان مأمورًا بإعادتها والدخول مع الإمام، وعدم الاختلاف عليه، فكيف بمن لم يُصَلِّ الفرض؟ فمن باب أولى أن يكون مأمورًا بالدخول فيها مباشرة، والخروج من النافلة، وعدم الاختلاف على الإمام.
الدليل الخامس:
(ح-1152) ما رواه البخاري من طريق عطاء،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أَحَبَّ إليَّ مما افترضته عليه
…
الحديث، رواه البخاري
(1)
.
• دليل من قال: إذا خشي فوات الركعة الأولى قطعها، وإلا أتمها:
المالكية حملوا النهي عن التطوع إذا أقيمت الصلاة من أجل إدراك فضيلة الجماعة، وكيف يدرك فضل الجماعة؟
نقل حفيد ابن رشد من المالكية أن المصلي إن كان معذورًا أدرك الجماعة بإدراك ركعة كاملة من الصلاة، لحديث: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
وإن كان غير معذور، بأن فوَّت ركعة من الصلاة اختيارًا وتفريطًا لم يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك ركعات الصلاة كلها
(2)
.
(1)
. صحيح البخاري (6502).
(2)
. جاء في مواهب الجليل (2/ 83): «قال الحفيد -يعني حفيد ابن رشد-: مذهب مالك أنه لا يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك الركعة
…
وأما إذا فاته ذلك عن اختيار وتفريط، فلا يحصل له فضل الجماعة إلا بإدراك الصلاة كلها».
وفي شرح الزرقاني على مختصر خليل (2/ 7): «إن فاته ولو ركعة اختيارًا لم يحصل له
…
فضلها، ومقتضى الشاذلي اعتماده».
وانظر: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/ 302)، بداية المجتهد (1/ 216)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 426)، حاشية الدسوقي (1/ 320).
ونقل ابن عرفة عن ابن يونس وابن رشد أن فضلها يحصل ويدرك بجزء قبل سلام الإمام انظر منح الجليل (1/ 352)، حاشية الدسوقي (1/ 320)، حاشية الصاوي (1/ 426).
وعلى هذا التفصيل بنوا فقه هذه المسألة: فإذا أقيمت الصلاة، فإن خشي أن تفوته الركعة الأولى قطعها من أجل إدراك فضل الجماعة؛ لأنه إن تمادى في النافلة حتى فاتته الركعة الأولى لم يدرك فضل الجماعة؛ لأنه ترك ذلك باختياره وتفريطه، وإن أمكن المصلي إتمام النافلة وإدراك الركعة الأولى فهذا أكمل لتحقيقه المصلحتين: إتمام النافلة وإدراك فضل الجماعة.
• ونوقش هذا:
بأن حديث (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) عام يشمل من كان يدرك الركعة الأولى ويشمل غيره، والعلماء على وجوب العمل بالعام حتى يرد ما يخصصه، ولم يرد ما يخصص العام.
وحديث إدراك الركعة بإدراك الركوع، لم يذكر في بيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، بخلاف حديث أبي هريرة:(إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة).
وحديث ابن بحينة (آلصبح أربعًا)؟
وحديث عبد الله بن سرجس (بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟
(1)
، وهي أحاديث خاصة سيقت لبيان حكم النافلة بعد إقامة الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي بأن الدلالة الصريحة مقدمة على الدلالة غير الصريحة، والمعنى المقصود بالحكم مقدم على معنى غير مقصود بالحكم، والخاص مقدم على العام، وهذا معروف في أصول الفقه.
ولأن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من آكد أركان الصلاة، فإدراك الركعة بإدراك الركوع يكون في حق من لم يتمكن من إدراك القيام، والله أعلم.
(1)
. سبق تخريجها بأسانيدها في المسألة السابقة.
ولا يسلَّم بصحة ما ذكره حفيد ابن رشد: أن من فوَّت الركعة الأولى اختيارًا مع القدرة على تحصيلها فقد فوَّت فضل الجماعة، فالجماعة على الصحيح تدرك بإدراك ركعة مطلقًا، والعذر يرفع الإثم بخلاف المفرط، فإنه مستحق للإثم، وإنْ أدرك فضل الجماعة، والله أعلم
(1)
.
جاء في حاشية الدسوقي نقلًا عن الأَقْفَهْسِيِّ: أن ظاهر الرسالة حصول الفضل -يعني وإن ترك الركعة الأولى بلا عذر- وأنه ينظر: هل ما قاله الحفيد موافق للمذهب أو لا، واللَّقَانيُّ كما في خش (حاشيته على الخرشي) قال: إن كلام الحفيد مخالف لظاهر الروايات اهـ نقلًا من مج (محمد الأمير)
(2)
.
• دليل من قال: إذا خشي فوات الجماعة قطعها:
أصحاب هذا القول يرون أن الحكمة في النهي عن إتمام النافلة بعد إقامة الصلاة من أجل تحصيل فضل الجماعة، لهذا رأوا أنه إن أمكنه تحصيل فضل الجماعة فإنه يتم النافلة على اختلافهم فيما تدرك به الجماعة، فمنهم من قال: تدرك بإدراك ركعة قياسًا على إدراك الوقت والجمعة، وعليه يذهب إلى أنه إن خشي أن يدرك من الجماعة أقل من ركعة قطعها، وإلا أتمها، ومن قال تدرك بإدراك جزء من التشهد قبل سلام الإمام راعى ذلك أيضًا، وجوَّز التمادي في النافلة إن غلب على ظنه إدراك الإمام قبل السلام؛ لإحرازه الفضيلتين فضيلة الجماعة وإتمام النافلة.
• ونوقش هذا بما نوقشت به الأقوال السابقة:
وأن حديث: (فلا صلاة إلا المكتوبة) عام، يشمل من يدرك فضيلة الجماعة وغيره، وتخصيص النهي في الحديث بمن تفوته الجماعة تخصيص له بلا مخصص.
بل الأظهر أن النفي من أجل متابعة الإمام وعدم الاختلاف عليه، كما في
(1)
. جاء في الفواكه الدواني (1/ 207): «ظاهره أيضًا حصول الفضل، ولو فاتته بقية الصلاة مع الإمام اختيارًا خلافًا لتقييد حفيد ابن رشد بما إذا فاته باقي الصلاة اضطرارًا، ويدل لما قلناه أن إدراك ركعة من الاختياري بمنزلة إدراك جميع الصلاة في نفي الإثم، ولو أخر اختيارًا، وأيضًا لم يقل أحد: إن من فاته بعض الصلاة مع الإمام اختيارًا يعيد لتحصيل فضل الجماعة هذا ما ظهر لنا» .
(2)
. حاشية الدسوقي (1/ 320)، وانظر ضوء الشموع شرح المجموع (1/ 445).
حديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا
…
الحديث، وهو من الأحاديث المقطوع بصحتها
(1)
.
فكان المصلي مأمورًا بأن يكون تكبيره عقب تكبير الإمام المستفاد من (الفاء) في قوله: (إذا كبر فكبروا)، لا يتأخر عنه، ولا يشتغل عنه بالتطوع.
• دليل من قال: إن صلى منها ركعة كاملة أتمها وإلا قطعها:
(ح-1153) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة
(2)
.
وجه الاستدلال:
هذا المتنفل قبل الإقامة قد شرع في النافلة في وقت يؤذن له بالتطوع.
وقت النافلة ينتهي بإقامة الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة خرج وقتها، لكنه حين أدرك منها ركعة كاملة بسجدتيها فقد أدرك وقتها، فليتمها خفيفة، ويغتفر وقوع الركعة الثانية خارج وقتها، كما أنه إذا أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك وقتها، وإن وقعت الركعة الثانية خارج الوقت. أما إذا كان لم يُصَلِّ ركعة كاملة بأن أقام، وهو في الركعة الأولى، فليقطعها؛ لعموم (فلا صلاة إلا المكتوبة).
• ويناقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول: أنني لا أعلم أحدًا قال به من المتقدمين إلا أن يقال: إنه قول ملفق من قولين:
فإن قيل: لعله يندرج في مذهب المالكية القائلين بأنه إذا خشي فوات الركعة قطعها، فإن من صلى ركعة كاملة بسجدتيها قبل الإقامة سيدرك الإمام بالركعة الأولى، ولابد؛ لأن وقت الإقامة وتسوية الصفوف يستغرق وقتًا يمكنه أن يتم فيه الركعة الثانية.
(1)
. رواه البخاري (734)، ومسلم (75 - 410) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
وروياه من طرق أخرى عن أبي هريرة.
(2)
. صحيح البخاري (580)، وصحيح مسلم (161 - 607).
فالجواب: لعله كذلك، إلا أن قول شيخنا أخص من مذهب المالكية، فإن شيخنا يأمره بقطع النافلة إذا لم يُصَلِّ منها ركعة كاملة، ولو غلب على ظنه أنه يلحق الإمام بالركعة الأولى كما لو عُلِمَ من حال الإمام أنه يطيل القراءة.
الوجه الثاني:
أن حديث: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، هذا الحديث عام، يشمل الفرض والنفل المؤقت، ويشمل إدراك الركعة الأولى، لإدراك الوقت، ويشمل إدراك الركعة الثانية؛ لإدراك الجمعة والجماعة.
وحديث: (فلا صلاة إلا المكتوبة) خاص في النافلة إذا أقيمت الصلاة، والقواعد الأصولية تقضي أن الخاص مقدم على العام، ومستثنى من حكمه هذا على التسليم بأن النافلة داخلة في هذا العام، وهو أمر مشكوك فيه، والله أعلم.
الوجه الثالث:
وجود الفارق بين النفل قبل الإقامة وبين غيرها فحديث من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، أو قبل سلام الإمام فقد أدرك الصلاة لا يزاحم عبادة أخرى، بخلاف الحكم في النافلة فإن صلاته الركعة الثانية من النافلة سوف يزاحم الفريضة، وقد يفوت عليه القيام في الركعة الأولى، وقراءة الفاتحة فيها، ومراعاة الفريضة أولى، فإن النافلة لا تزاحم الفريضة، وبإقامة الصلاة تعين الوقت للفريضة.
الوجه الرابع:
أن الاشتغال بالنافلة بعد إقامة الصلاة قد يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، وقد يلزم منه ترك قراءة الفاتحة مع القدرة، وهو ركن أو واجب، وسقوطها عن المسبوق ليس مسوغًا لسقوطها عن القادر على إدراك ذلك، واشتغاله بالنفل ليس عذرًا وقد نهي عنه.
• دليل من قال: إن بقي من النافلة أقل من ركعة أتمها، وإلا قطعها:
أقل ما يطلق عليه صلاة ركعة كاملة كما في صلاة الوتر، فإذا أقيمت الصلاة، وقد بقي عليه ركعة كاملة من النافلة قطعها؛ لأن من صلى ركعة كاملة بعد إقامة الصلاة صدق عليه أنه صلَّى بعد إقامة الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أقيمت
الصلاة فلا صلاة
…
ومن بقي عليه أقل من ركعة كالسجود والتحيات فإنه يتمها، ولو أقيمت الصلاة؛ لأن مقدار ما يصليه بعد إقامة الصلاة لا يصدق عليه أنه صلاة، لو استقل، فكأنه ما صلَّى
(1)
.
وقد يستدل للشيخ ابن باز عليه رحمة الله بأن الأكثر يعطى حكم الكل، وهي قاعدة أغلبية في الشريعة.
• ويناقش:
هذا القول فيه قوة إن كان محفوظًا، إلا أنه يشترط ألا يفوته من الفريضة ما هو واجب لها كإدراك الفاتحة في الركعة الأولى، فإن في إدراكها إدراكًا لها وإدراكًا للقيام وكلاهما واجبان للصلاة لمن أدركهما، وسقوطهما عن المسبوق ليس مسوغًا لسقوطهما عن القادر على إدراك ذلك، واشتغاله بالنفل ليس عذرًا وقد نهي عنه.
كما أن إعطاء الكثير حكم الكل يشترط فيه ألا يوجد نص في المنع منه، فقوله:(إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة)، نفي بمعنى النهي، ولم يقيد ذلك بشرط أن يكون قد صلى أكثر النفل، والله أعلم.
• الراجح:
في الترجيح في هذه المسألة ينبغي ألا يغيب عن طالب العلم القواعد الأصولية التي يمكن أن يتمسك بها وهو يرجح أحد الأقوال، فمن هذه القواعد:
أن النهي في النافلة إذا أقيمت الصلاة مطلق، يشمل ابتداء النفل ويشمل إتمامه، فمن خص النهي بابتداء النفل فقد خص العام في قوله:(فلا صلاة) وقيد النهي في قوله: (آلصبح أربعًا)؟ بلا مخصص، ولا مقيد، والنصوص الشرعية لا يخصصها إلا نص من الشارع، أو إجماع.
ومنها: أن تقييد النهي بما إذا خشي أن تفوته الركعة الأولى، أو إذا خشي أن يفوته فضل الجماعة، أو تخصيص النهي بمن صلى قدرًا يسيرًا لم يبلغ ركعة كاملة، أو بمن بقي عليه من النافلة ركعة فأكثر، كل ذلك تقييد للنصوص الشرعية بكلام المجتهدين، وكلام المجتهد لا يخصص النص الشرعي، بل إن اختلافهم على هذا
(1)
. فتاوى نور على الدرب عناية الشويعر (12/ 393).
النحو دليل على أن هذا التقييد لم يُبْنَ على نص من عند الشارع.
ومنها: إذا ثبت النهي عن النافلة بعد إقامة الصلاة فإن الأصل في النهي التحريم، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بقرينة، والقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بقطع النافلة لا يكفي لصرف النهي عن التحريم؛ لأن التحريم لا ينافي الصحة، فقد تكون الصلاة صحيحة مع التحريم؛ لأن النهي لا يعود لذات النافلة، وإنما لحضور الفريضة، وقد أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم تنفله، وهذه قاعدة أخرى: في التفريق بين النهي إذا عاد إلى ذات الشيء وإذا عاد إلى أمر خارج.
وقد يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بقطعها؛ لأن التكليف مع العلم، وقد دخل الصحابي في النافلة جاهلًا فتركه النبي صلى الله عليه وسلم يتم النافلة، والأول أقوى.
ومنها: أن الوقت إذا تعين للفريضة لا يجوز الاشتغال عنه بالنافلة؛ والوقت يتعين بأحد أمرين: إما أن يضيق الوقت المتسع حتى لا يبقى من الوقت إلا مقدار الفريضة، فهذا لا يجوز له الاشتغال بالنافلة عن الفريضة بالإجماع.
الأمر الثاني: أن تقام الفريضة، والرجل في المسجد، فإن الوقت تعين بتعيين المكلف، فلا يجوز إذا تعين الوقت للفرض أن يزاحم بالنفل.
ومنها: إذا كان النهي عن النافلة إنما هو لأجل الفريضة، فإذا كان الاشتغال بالنافلة يلزم منه ترك القيام في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو من أركان الصلاة بالاتفاق، ويلزم منه ترك قراءة الفاتحة في الركعة الأولى مع القدرة عليه، وهو ركن أو واجب فإن النافلة يجب أن يقطعها لِحَقِّ الفريضة، وإذا كان سيدرك من الفريضة مثل هذا القدر، فقطعُها أحبُّ إليَّ تعظيمًا لنهي الشارع، وإن أتمها فأرجو أنه لا حرج عليه.
ولا يصح أن يقال: إن هذا قول جديد، فإن هذا جزء من قَوْلَيْ المسألة، والله أعلم.
* * *