الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشرط السادس أن تكون التحريمة بالعربية من القادر عليها
المدخل إلى المسألة:
• الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.
ومنها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق، فتصح بكل لسان.
ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه دون العجز عنه، كألفاظ التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة، فلا تجوز ترجمته مع القدرة عليه
(1)
.
• العجز عن أذكار الصلاة يوجب الانتقال إلى أبدالها.
[م-483] اختلف العلماء في التكبير بغير العربية:
فقيل: يصح مطلقًا، ولو كان يحسن العربية، وهو قول الإمام أبي حنيفة
(2)
.
وقيل: لا يصح مطلقًا، وتسقط تكبيرة الإحرام بالعجز، ويدخل في الصلاة بالنية، وبه قال أكثر المالكية، وهو قول عند الحنابلة
(3)
.
(1)
. انظر: قواعد ابن رجب، القاعدة العاشرة (ص: 13).
(2)
. الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير (ص: 94)، المبسوط للسرخسي (1/ 36)، بدائع الصنائع (1/ 131)، ملتقى الأبحر (ص: 139)، العناية شرح الهداية (1/ 284)، حاشية ابن عابدين (1/ 484)، التجريد للقدوري (1/ 472)، الفتاوى الهندية (1/ 69).
(3)
. الذخيرة للقرافي (2/ 168)، مواهب الجليل (1/ 548)، منح الجليل (1/ 270)، شرح الزرقاني على مختصر خليل (1/ 386)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 233)، التاج والإكليل (2/ 206)، شرح الخرشي (1/ 265)، المغني (1/ 335)، الفروع (2/ 164)، الإنصاف (2/ 42).
وقال المالكية في المعتمد: إن قدر على بعض تكبيرة الإحرام، أتى به إن كان له معنى، كلفظ الجلالة، أو على صفةٍ من صفاته، وأطلق بعض المالكية القول بأنه إذا لم يقدر سقط
(1)
.
وقيل: لا يصح إن كان يحسن العربية، وإن كان لا يحسنها وجب عليه أن يتعلمه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا خشي أن يفوته الوقت كبر بلغته، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة
(2)
.
وقال في الإنصاف: «فإن لم يحسنها لزمه تعلمها بلا نزاع
…
فإن خشي فوات الوقت كبر بلغته، وكذا إن عجز، وهذا المذهب، وعليه الجمهور، وقطع به أكثرهم»
(3)
.
قال خليل من المالكية: «وكره
…
بعجمية لقادر»
(4)
.
قال الخرشي: «ومفهومه الجواز للعاجز»
(5)
.
والتعبير بالجواز لا يدل على وجوب المرادف للعربية من لغة أخرى.
وقال في الفواكه الدواني: «والمعتمد عدم بطلان الصلاة بشيء من ذلك كما يؤخذ من كلام خليل؛ فإنه قال في مكروهات الصلاة: أو بعجمية لقادر»
(6)
.
والقول بعدم البطلان لا يدل على وجوب المرادف في حال العجز.
• دليل من قال بالجواز مطلقًا:
الدليل الأول:
استدلوا بقوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15].
(1)
. الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 233)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 306)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/ 259)، شرح الخرشي (1/ 265).
(2)
. المبسوط للسرخسي (1/ 36)، الأم للشافعي (1/ 122)، المهذب للشافعي (1/ 135)، المجموع (3/ 293)، الإنصاف (2/ 42)، الإقناع (1/ 113)، شرح منتهى الإرادات (1/ 184)، كشاف القناع (1/ 331)، مطالب أولي النهى (1/ 419).
(3)
. الإنصاف للمرداوي (2/ 42).
(4)
. خليل (ص: 33).
(5)
. شرح الخرشي (1/ 292).
(6)
. الفواكه الدواني (1/ 176).
فالذكر مطلق، والمعتبر فيه تعظيم الله سبحانه وتعالى، وهذا حاصل بكل لسان.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الأذكار المقيدة يقصد لفظها، كما بينت ذلك في المبحث السابق، لقول النبي للصحابي الذي قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال له النبي: قل: وبنبيك الذي أرسلت، وقد سبق تخريجه في المبحث السابق، فإذا كان لا يصح استبداله بمرادف عربي مع القدرة، لم يصح استبداله بمرادف أعجمي من باب أولى.
الوجه الثاني:
أن المطلوب هو لفظ التكبير من القادر عليه دون معناه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: تحريمها التكبير؛ يعني: لا غيره، حيث حصر المبتدأ في الخبر، والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به، ففيه إثبات الحكم المذكور، ونفيه عما عداه، فهو في قوة: لا تحريم إلا بتكبير، فإذا كان لا يجوز استبداله بغيره ولو بلفظ عربي آخر، فمن باب أولى أن لا يجوز بسائر اللغات، وقد شرحت لك في المبحث السابق دلالة الحصر بالأمثلة، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
القياس على الإيمان، فلو آمن بغير العربية جاز إجماعًا لحصول المقصود، وقياسًا على التلبية في الحج والتسمية في الذبح يجوز بغير العربية بالإجماع فكذا هنا
(1)
.
• ويناقش:
هذه الأشياء قد اختلف العلماء في صحتها بغير العربية، وعلى القول بصحتها فلا يصح القياس عليها، ذلك أن الصلاة شرعت على وصف لا يعقل معناه، لا في وقتها، ولا في عددها، ولا في هيئتها، ولا في تنوع أذكارها، فغَلَب عليها جانب التعبد، فلزم الإتيان بها على الصفة المشروعة، بخلاف الدخول في الإسلام فالمقصود من لفظها الإخبار عن تصديق القلب، وهذا المعنى يستوي فيه اللفظ العربي بغيره.
كما أن القياس على الذبح لا يصح أيضًا؛ لأنه قياس في مقابل النص، ولأن المطلوب في الذبح ذكر اسم الله عليه، والنصوص مطلقة، ولم يطلب صيغة معينة
(1)
. تبيين الحقائق (1/ 110).
فأي اسم من أسماء الله تعالى ذكر فقد تحقق المقصود.
قال صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر.
رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج
(1)
.
• دليل من قال: لا يصح بغير العربية مطلقًا:
الدليل الأول:
الواجبات في اللغة العربية على قسمين:
1 -
واجبات تسقط بالعجز، قال صلى الله عليه وسلم: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب.
2 -
وواجبات إذا عجز الإنسان عنها انتقل إلى بدلها، كالتيمم بدل عن الوضوء، ومثلها بعض الكفارات التي على الترتيب، ولا يصار إلى البدل إلا بدليل، وتكبيرة الإحرام باللغة العربية واجب، فإذا عجز عنه سقط، لأن القول بوجوب بدل عنه يحتاج إلى توقيف، ولا يوجد نص من الشارع يوجب البدل، والأصل عدم وجوب البدل.
الدليل الثاني:
أن المطلوب هو لفظ التكبير دون معناه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: تحريمها التكبير.
الدليل الثالث:
القياس على من عجز عن قراءة القرآن بالعربية، فإنه لا يعبر عنها بغيرها.
الدليل الرابع:
القياس على الأخرس، فكما أن الأخرس عاجز عن النطق، فيسقط عنه، فكذلك الأعجمي عاجز عن نطق التكبير بالعربية، فيسقط عنه.
• ونوقش:
بأن قياس الذكر على القرآن قياس مع الفارق؛ لأن القرآن معجز بلفظه، فلا تجوز ترجمته بلغة أخرى بخلاف أذكار الصلاة فإنها لا إعجاز فيها، كما أن قياس العاجز عن العربية بالأخرس قياس مع الفارق، فإن الأخرس ليس معه آلة
(1)
. البخاري (2507)، وصحيح مسلم (20 - 1968).
النطق، بخلاف العاجز عن العربية، فهو قادر بلغته.
• دليل من قال: يجوز بشرط العجز عن العربية:
الدليل الأول:
الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه، وهو القرآن؛ لإعجازه، فلا تجوز الترجمة عنه بلغة أخرى.
ومنها ما يعتبر معناه دون لفظه، كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق؛ فيجوز بكل لسان؛ لأن العبرة بالعقود بمعناها دون لفظها.
ومنها ما يعتبر لفظه مع القدرة عليه، كألفاظ التكبير والتسبيح والدعاء في الصلاة، فلا تجوز الترجمة مع القدرة على اللفظ، فإذا عجز جازت الترجمة؛ لأن هذه الألفاظ لا إعجاز فيها، فلا يمنع من ترجمتها
(1)
.
الدليل الثاني:
بأن الأمر بالصلاة لإقامة ذكر الله تعالى، قال تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14]، فكونه يذكر الله تعالى بلغته خير من الوقوف والركوع والسجود بلا ذكر، فإن الذكر سبب للخشوع، والخشوع من الصلاة كالروح من الجسد، فإذا خلت الصلاة من ذكر الله تعالى صارت حركات بلا روح، وإذا كان من يعجز عن الفاتحة وهو كلام الله المعجز والمنزل بلسان عربي مبين ينتقل إلى التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير بمقدار الفاتحة، فالتكبير الذي هو من كلام الناس من باب أولى أنه إذا عجز عنه باللغة العربية انتقل إلى بدله من لغته، وسوف يأتي بحث هذه المسألة في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.
• الراجح:
أرجح الأقوال القول بالتفصيل، وأن القادر على نطق الأذكار باللغة العربية لا يجوز له ترجمتها، بخلاف العاجز، والله أعلم.
* * *
(1)
. انظر: قواعد ابن رجب، القاعدة العاشرة (ص: 13).