الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني افتتح النافلة قائمَا فأراد الجلوس من غير عذر
المدخل في المسألة:
• ما كان مستحبًّا لا يكون واجبًا بالشروع فيه إلا نفل الحج والعمرة.
•لا يوجد دليل من الشرع يلزم المتنفل بالقيام إذا شرع فيه قائمًا، والأصل عدم الوجوب.
• قالت عائشة: أهدي لنا حيس، فقال صلى الله عليه وسلم: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فإذا جاز إبطال الصيام بعد الشروع فيه، جاز الجلوس في النفل بعد الشروع فيه قائمًا من باب أولى.
[م-492] لا خلاف فيمن افتتح النافلة قاعدًا أن له أن يقوم فيها؛ لأنه انتقال من الأدنى للأعلى
(1)
، واختلفوا فيمن افتتحها قائمًا، ثم أراد أن يقعد:
فقال أبو حنيفة، وابن القاسم من المالكية، وهو المعتمد: يجوز، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وعليه عامة العلماء
(2)
.
قال ابن عبد البر: قال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز أن يقعد فيها
(1)
. التمهيد (21/ 165)، مواهب الجليل (2/ 6).
(2)
. البناية شرح الهداية (2/ 542)، بدائع الصنائع (1/ 297)، شرح التلقين (2/ 818)، التهذيب في اختصار المدونة (1/ 246)، الجامع لمسائل المدونة (2/ 532)، المنتقى للباجي (1/ 234)، صحيح البخاري لابن بطال (1/ 107)، شرح الزرقاني على الموطأ (1/ 488)، إكمال المعلم (2/ 385)، القوانين الفقهية (ص: 43)، فتح الباري (3/ 33)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (8/ 540)، شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 11)، الكافي في فقه أحمد (1/ 270)، المغني لابن قدامة (2/ 106)، كشاف القناع (1/ 441)، نيل الأوطار (3/ 101)، مرعاة المفاتيح (4/ 136)، عون المعبود (3/ 164).
كما يجوز له أن يفتتحها قاعدًا
(1)
.
قال النووي: «هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وعامة العلماء، وسواء قام ثم قعد، أو قعد ثم قام
…
»
(2)
.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وأشهب من المالكية: من افتتح النافلة قائمًا فليس له أن يجلس فيها إلا من عذر
(3)
.
وقيل: إن التزم القيام لم يجلس، وإن نوى الجلوس جلس، ذكره اللخمي
(4)
.
وقال ابن يونس في الجامع تعليقًا: لا يختلف في هذا قول ابن القاسم وأشهب؛ لأن من نوى شيئًا، ودخل فيه لزمه حكمه، وصار حكمه حكم من نذر شيئًا بلسانه، وإنما اختلفا إذا افتتحها قائمًا من غير نية.
وحكي لنا عن أبي عمران أن ذلك لا يلزمه بالنية، والدخول فيه، بخلاف الاعتكاف وصوم اليوم؛ لأن هذا لا يتجزأ، فيلزمه بالدخول فيه. والقراءة في الصلاة تتجزأ، وله إذا افتتح القراءة في الصلاة مع أم القرآن بسورة طويلة أن لا يتمها، ففارق صوم اليوم والاعتكاف»
(5)
.
(ح-1203) ويشهد لقول أبي عمران، ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا قتادة،
أن أنس بن مالك، حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه
(6)
.
(1)
. التمهيد (22/ 122).
(2)
. شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 11).
(3)
. بدائع الصنائع (1/ 297)، النوادر والزيادات (1/ 529)، شرح التلقين (2/ 818)، المنتقى للباجي (1/ 234).
وقال محمد ميارة المالكي في الدر الثمين والمورد المعين (ص: 249): ومن افتتح النافلة قائمًا، ثم شاء الجلوس فقولان لابن القاسم وأشهب، بخلاف العكس فيجوز اتفاقًا.
(4)
. الدر الثمين والمورد المعين (ص: 249).
(5)
. الجامع لمسائل المدونة (2/ 533).
(6)
. صحيح البخاري (709)، وصحيح مسلم (192 - 470).
• دليل الجمهور على جواز الجلوس لمن دخل في النفل قائمًا وبالعكس:
الدليل الأول:
الأصل عدم الوجوب، فلا يوجد دليل من الشرع يلزم المتنفل بالقيام إذا شرع فيه قائمًا.
الدليل الثاني:
إذا كان النفل لا يجب بالشروع فيه، لقول عائشة: أهدي لنا حيس، فقال صلى الله عليه وسلم: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا
(1)
، فكذلك لا يجب القيام بالنافلة بالشروع فيه من باب أولى
(2)
.
الدليل الثالث:
ولأنه إذا جاز له القيام بعدما دخل في الصلاة جالسًا بالاتفاق،
(ح-1204) لما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي،
عن عائشة، قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا، حتى إذا كبر قرأ جالسًا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية قام فقرأهن، ثم ركع
(3)
.
(1)
. رواه مسلم (170 - 1154) من طريق طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
(2)
. اختلف الفقهاء في وجوب إتمام نفل الصلاة بالشروع فيه بعد اتفاق الأئمة الأربعة على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة؛ لوجوب المضي في فاسده.
فقال الحنفية: يجب الإتمام بالشروع فيه، ولو أفسده وجب قضاؤه مطلقًا، قياسًا على نفل الحج والعمرة.
وقال الشافعية والحنابلة: لا يجب إتمام النفل مطلقًا؛ لأنه لا يجب المضي في فاسده.
وقال المالكية: إن قطع النفل بعذر لم يجب الإتمام، وإن قطعه بلا عذر وجب إتمام نفل يبنى آخره على أوله، كالصلاة، والصوم والاعتكاف وطواف التطوع، وائتمام المقتدي.
انظر بدائع الصنائع (1/ 164)، البحر الرائق (2/ 61)، مجمع الأنهر (1/ 132)، حاشية ابن عابدين (2/ 31)، البحر المحيط في أصول الفقه (1/ 384)، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص: 412)، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير (1/ 410)، نشر البنود على مراقي السعود (1/ 40)، حاشية الدسوقي (1/ 546).
(3)
. البخاري (1148)، ومسلم (111 - 731).
جاز له العكس، وهو أن يقعد بعدما دخل جالسًا.
• دليل من قال: إذا دخل فيها قائمًا لم يجلس:
الدليل الأول:
الواجبات نوعان: ما تُلُقِّيَ وجوبه من الشارع أصالة، كالصلاة المفروضة.
وما تُلُقِّيَ وجوبه من التزام العبد كالنذر، وكالشروع بالنفل على صفة معينة، والفرق أن النذر يجب بالقول، وغيره من النوافل يجب بالفعل، وهو الشروع.
وقياسًا على وجوب إتمام نفل الحج والعمرة بالشروع فيهما، قال تعالى:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، [البقرة: 196]، فإذا وجب إتمام نفل الحج والعمرة فغيرهما قياس عليهما.
وقد سبق الرد على هذه المسألة في مسألة وجوب إتمام تحية المسجد بالشروع فيها، فانظره هناك.
الدليل الثاني:
(ح-1205) ما رواه مسلم من طريق خالد، عن عبد الله بن شقيق، قال:
سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن تطوعه؟ وفيه: .... كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ، وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا، ركع وسجد، وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين
(1)
.
• ويجاب:
إذا جازت ثلاث صور بالنص جازت الصورة الرابعة بالقياس.
فحديث عبد الله بن شقيق، عن عائشة دل على جواز صورتين:
الأولى: أن يصلي قائمًا في كل تطوعه.
الثانية: أن يصلي قاعدًا في كل تطوعه.
وأما الصورة الثالثة: فدل عليها حديث عروة، عن عائشة: أن يصلي قاعدًا في أول تطوعه، ثم يقوم فيقرأ بعض القراءة، ثم يركع ويسجد قائمًا.
فهذه الصور الثلاث جاء النص بجوازها، ولم يختلف فيها.
(1)
. صحيح مسلم (105 - 730).
وتبقى الصورة الرابعة: أن يكون قائمًا في أول صلاته، ثم يجلس، ودليل الجمهور على صحة هذه الصورة بالقياس على عكسها، فإذا صح بالنص أن يقعد ثم يقوم، صح منه أن يقوم ثم يقعد، ولا دليل على لزوم الصفة بالشروع فيها، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في الصلاة يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي فيتجوز فيها، والإطالة صفة في الصلاة فإذا جاز له تغيير ما التزمه بنيته جاز له الجلوس بعد أن كان قائمًا، فما كان من أفعال الصلاة ليس واجبًا كالقيام في النفل لا يتحول إلى واجب بمجرد الشروع، قياسًا على جميع أفعال الصلاة التي ليست واجبة.
* * *