الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث في وقت تكبير الإمام بالصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لا يكبر الإمام قبل الفراغ من الإقامة وتسوية الصفوف.
• سنة الصلاة الفعلية المنقولة بالتواتر أن الإقامة تقام، ليقوم الناس إلى صلاتهم ويتداعى لها من كان خارج المسجد، حتى إذا فرغ المؤذن من الإقامة فإذا الناس قد تأهبوا قيامًا إلى صلاتهم، حتى إذا سوِّيت الصفوف، كبر الإمام.
• حرف (قد) في قوله: (قد قامت الصلاة) للتقريب، أي قرب قيامها، وتأتي للتحقيق كما في قوله تعالى:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ} [المجادلة:1].
[م-470] قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: الأفضل أن يكبر عند قوله: قد قامت الصلاة، فإن كبر بعد فراغ المؤذن جاز
(1)
.
(2)
.
وقال أبو يوسف وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة
(3)
.
(1)
. المبسوط (1/ 39)، حاشية ابن عابدين (1/ 479)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 44)، ملتقى الأبحر (ص: 136)، بدائع الصنائع (1/ 200)، المحيط البرهاني (1/ 353)، تبيين الحقائق (1/ 108).
(2)
. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (4/ 168).
(3)
. عمدة القارئ شرح البخاري (5/ 153)، المدونة (1/ 160)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 557)، مواهب الجليل (1/ 469)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (1/ 256)، شرح الزرقاني على خليل (1/ 291)، الذخيرة (2/ 78)، الأوسط (4/ 169)، المجموع (3/ 253)، فتح العزيز (4/ 380)، روضة الطالبين (1/ 369)، التعليقة للقاضي حسين (2/ 727)، حلية العلماء للقفال (2/ 69)، تنقيح التحقيق (2/ 123)، المغني (1/ 332) مسائل أحمد وإسحاق (2/ 626)، المبدع (1/ 376)، الإنصاف (2/ 38، 39)، كشاف القناع (1/ 327)، شرح منتهى الإرادات (1/ 182، 183)، مطالب أولي النهى (1/ 414)، الكافي لابن قدامة (1/ 242)، الروض المربع (ص: 87).
جاء في المدونة «قال مالك: إذا فرغ المؤذن من الإقامة انتظر الإمام قليلًا قدر ما تستوي الصفوف، ثم يكبر، ويبتدئ القراءة
…
»
(1)
.
وجاء في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله: «سألت أبي عن الإمام يكبر إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، أو حتى يفرغ من الإقامة؟
قال حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوموا حتى تروني).
وقد روي عن عمر أنه كان يبعث إلى الصفوف، فإذا استوت كبر، وحديث (لا تسبقني بآمين) وأرجو ألا يضيق ذلك»
(2)
.
وقال ابن مفلح في المبدع: «ولا يحرم الإمام حتى تفرغ الإقامة، نص عليه، وهو قَوْلُ جُلِّ أئمة الأمصار»
(3)
.
• دليل من قال: يكبر عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-1164) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عاصم،
عن أبي عثمان، قال: قال بلال: يا رسول الله لا تسبقني بآمين
(4)
.
[مرسل، على اختلاف في إسناده، وقد رجح أبو حاتم والدارقطني وابن خزيمة والبيهقي إرساله]
(5)
.
وجه الاستدلال:
في هذا الحديث دليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر للإحرام ويقرأ، وبلال
(1)
. المدونة (1/ 160).
(2)
. مسائل أحمد رواية عبد الله (ص: 61).
(3)
. المبدع شرح المقنع (1/ 376).
(4)
. المسند (6/ 12).
(5)
. سبق تخريجه، انظر ح (174).
ما زال في إقامة الصلاة.
• ويجاب بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن الراجح فيه أنه مرسل، والمرسل لا حجة فيه على الصحيح، وعلى القول بالاحتجاج به كما هو مذهب الحنفية فإنه يشترط للاحتجاج به ألا يخالف ما هو أصح منه، وقد عارض هذا المرسل حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث أنس في البخاري، وسوف نأتي على ذكرها في أدلة الجمهور إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني:
قال ابن حزم: إذا كان الإمام يكبر بعد أن يقول المؤذن قد قامت الصلاة، فلم يَبْقَ على المقيم شيء إلا أن يقول:(الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، فمن المحال الممتنع الذي لا يُشْكِلُ أن يكون الإمام يتم قراءة أم القرآن قبل أن يتم المقيم قول الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم يكبر.
فكيف يكون هذا دليلًا على أن الإمام يكبر إذا قال المقيم (قد قامت الصلاة)، بل لو كبر الإمام مع ابتداء المقيم الإقامة لما أتمَّ (أم القرآن) أصلًا إلا بعد إتمام المقيم الإقامة، وبعد أن يكبر للإحرام، فكيف بثلاث كلمات؟
فإن قيل: ما معنى قول بلال، وأبي هريرة: لا تسبقني بآمين؟ قلنا: معناه بَيِّنٌ في غاية البيان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإمام إذا قال:(آمين) قالت الملائكة: آمين، فإن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، فأراد بلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمهل في قول:(آمين) فيجتمع معه في قولها، رجاءً لموافقة تأمين الملائكة
(1)
.
وقد يدفع هذا بقول من يقول: إن بلالًا كان يقيم في موضع أذانه، ثم يأتي إلى الصلاة، وقد أجبت عن هذا في مباحث الأذان، فانظره مشكورًا.
الدليل الثاني:
قوله: (قد قامت الصلاة) إخبار عن قيام الصلاة، لا عن القيام إليها، وقيامها
(1)
. انظر المحلى (3/ 32).
يعني وجودها، وحتى يكون الخبر موافقًا للواقع يستحب له أن يكبر إذا قال:(قد قامت الصلاة).
قال السرخسي: «فإذا قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام والقوم جميعًا في قول أبي حنيفة ومحمد»
(1)
.
ولأن قوله: (قد قامت الصلاة) محمول على الحقيقة: وذلك يعني وجود فعلها، والكلام إذا أمكن حمله على الحقيقة لم يحمل على غيره، ولا تقوم الصلاة إلا إذا كبر بعد قوله:(قد قامت الصلاة).
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
لو صح تخريجكم لكان عليه أن يكبر قبل شروع المؤذن بقوله: (قد قامت الصلاة)، حتى إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة كان الخبر مطابقًا للواقع، أما إذا كبروا بعد قوله:(قد قامت الصلاة) لم يكن الخبر محمولًا على الحقيقة.
الوجه الثاني:
لو كان الخبر محمولًا على الحقيقة لكان التكبير قبل الفراغ من جملة (قد قامت الصلاة) من باب الوجوب، وليس من باب الأفضلية حتى لا يقع الخبر كاذبًا، وأنتم جعلتم الأمر من باب الأفضلية.
الوجه الثالث:
أن (قد) تدخل على الماضي والمضارع، فإذا دخلت على الفعل الماضي جاءت للتقريب، فهي تقرب الفعل من الحال، ومنه قول المؤذن (قد قامت الصلاة).
وقد تأتي للتحقيق كما في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ} . [المجادلة: 1].
فمعنى قوله: (قد قامت الصلاة) أي قرب قيامها، كما تقول: قامت الحرب: أي أوشكت أن تقوم، وكما في قوله تعالى:{أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1].
• دليل من قال: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة:
الدليل الأول:
(ح-1165) روى البخاري من طريق عبد العزيز بن صهيب،
(1)
. المبسوط (1/ 39).
عن أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم
(1)
.
فلو كان يكبر عند قوله (قد قامت الصلاة) ما كانت المناجاة بعد الإقامة.
الدليل الثاني:
(ح-1166) ما رواه البخاري من طريق الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم
…
الحديث
(2)
.
ورواه مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب به، بلفظ: أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلنا الصفوف، قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ..... الحديث
(3)
.
الدليل الثالث:
(ح-1167) ما رواه البخاري من طريق زائدة بن قدامة، قال: حدثنا حميد الطويل،
حدثنا أنس بن مالك، قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري
(4)
.
فدلت السنة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بتسوية الصفوف بعد الإقامة.
(ث-273) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوه فأخبروه أن قد استوت كبر
(5)
.
[صحيح عن عمر، وهذا إسناد منقطع، نافع لم يسمع من عمر]
(6)
.
(1)
. صحيح البخاري (642)، مسلم (376).
(2)
. صحيح البخاري (640).
(3)
. صحيح مسلم (606).
(4)
. صحيح البخاري (719).
(5)
. الموطأ (1/ 158).
(6)
. اختلف فيه على نافع:
…
فرواه مالك في الموطأ كما في حديث الباب، وعنه الشافعي كما في المعرفة للبيهقي (2/ 330).
ورواه ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (2437)،
وعبد الرزاق في المصنف (2438)، ثلاثتهم (مالك، وابن جريج، وعبد الرزاق)، عن نافع، عن عمر، ونافع لم يسمع من عمر.
ورواه البيهقي في السنن (2/ 34) من طريق محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن بكير، حدثنا مالك به. ومحمد بن إبراهيم متروك.
وخالفهم أيوب، فرواه عبد الرزاق في المصنف (2439) عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان عمر لا يكبر حتى تعتدل الصفوف، يوكل بذلك رجالًا.
فوصله أيوب، إلا أنه من رواية معمر عنه، ورواية معمر عن أهل البصرة فيها كلام.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف (3537) حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: ما رأيت أحدًا كان أشدَّ تعاهدًا للصف من عمر أن كان يستقبل القبلة حتى إذا قلنا: قد كبر، التفت، فنظر إلى المناكب والأقدام، وإن كان يبعث رجالًا يطردون الناس حتى يلحقوهم بالصفوف. فهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وقد قال شعبة: عاصم أحب إلي من قتادة في أبي عثمان النهدي؛ لأنه أحفظهما.
• الراجح:
المجزوم به من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الدخول في الصلاة يأتي بعد الفراغ من الإقامة، وتسوية الصفوف، والحنفية لا يرون الجهر بالتأمين، لا من الإمام ولا من المأموم، فكيف يقول بلال: لا تسبقني بآمين، والسبق إنما يحاط به إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجهر بالتأمين، والجهر به من الإمام والمأموم هو السنة المحفوظة من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
* * *