الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني في شروط تكبيرة الإحرام
الشرط الأول أن تقع تكبيرة الإحرام مقارنة للنية حقيقة أو حكمًا
المدخل إلى المسألة:
• لو عرا أول الصلاة عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.
• إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78].
• صحح الشارع بعض العبادات مع وجود فاصل طويل بين النية والعمل كالصيام والزكاة والكفارة ولم يَأْتِ عنه ما يدل على أن الحكم خاص بهذه العبادات حتى يمتنع القياس.
• الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالنية إذا عقدها المصلي فهو على نيته كالمقارن؛ حتى يقطعها أو يأتي بما ينافيها، والذهول عن النية ليس قطعًا لها بل يبقى مستصحبًا حكمها.
[م-473] العلماء متفقون على أنه لو كبر قبل نية الصلاة لم تصح تكبيرته.
ومتفقون على أن النية إذا عقدت قبل العمل بيسير، ثم استصحب ذكرها إلى أن كبر تكبيرة الإحرام، فإن صلاته تنعقد.
قال ابن تيمية: «إذا كان مستحضرًا للنية إلى حين الصلاة أجزأ ذلك باتفاق العلماء»
(1)
.
(1)
. مجموع الفتاوى (22/ 228).
[م-474] واختلفوا فيما إذا تقدمت النية على تكبيرة الإحرام، وعزبت عنه ذهنه حين تكبيرة الافتتاح، أتنعقد صلاته أم لا؟
فقال الحنفية: مقارنة النية لتكبيرة الإحرام تستحب، وليست بشرط، فيجوز تقدم النية ولو قبل دخول الوقت، لكن يشترط عدم المنافي لها، من أكل أو شرب، أو كلام، وإن لم يفهم، أو تنحنح بلا عذر؛ لأن هذه الأشياء تبطل الصلاة، فتبطل النية، ولا يضره المشي والوضوء، ولو طالا
(1)
.
وقيل: يجوز تقدم النية إن كان الفاصل يسيرًا، اختاره ابن رشد وابن عبد البر وخليل من المالكية، وهو مذهب الحنابلة
(2)
.
(1)
. حاشية ابن عابدين (1/ 453، 416)، مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، فتح القدير (1/ 266) البحر الرائق (1/ 292)، شرح عمدة الفقه لابن تيمية (1/ 587، 588)، الفروع (1/ 173) و (2/ 137).
جاء في البحر الرائق (1/ 292): «فعن محمد أنه لو نوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية، وهكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف» .
وقال ابن نجيم في البحر الرائق (1/ 291): «والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب؛ لأن هذه الأفعال تبطل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام، وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي» .
وجاء في البحر الرائق أيضًا (1/ 291): «وفي منية المصلي والأحوط أن ينوي مقارنًا للتكبير ومخالطًا له كما هو مذهب الشافعي. اهـ وبه قال الطحاوي، لكن عندنا هذا الاحتياط مستحب وليس بشرط، وعند الشافعي شرط» .
(2)
. قال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص: 19): «فإن تأخرت عن محلها أو تقدمت بكثير بطلت، وإن تقدمت بيسير فقولان» . اهـ وانظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 96). وجاء في التوضيح (1/ 316): «النية إن اقترنت فلا إشكال في الإجزاء، وإن تأخرت عن تكبيرة الإحرام فلا خلاف في عدم الإجزاء، وإن تقدمت بكثير لم يجزئ اتفاقًا، وبيسير قولان .... ثم رجح خليل جواز التقدم بيسير، فقال: «مَن تأمل عمل السلف، ومقتضى إطلاقات متقدمي أصحابنا يرى هذا القول هو الظاهر؛ إذ لم ينقل لنا عنهم أنه لابد من المقارنة، فدل على أنهم سامحوا في التقديم اليسير» . وانظر المقدمات الممهدات (1/ 156)، البيان والتحصيل (1/ 142)، والكافي
…
لابن عبد البر (ص: 39).
…
وقال في الفروع (1/ 143)«ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة. اهـ ويفهم منه أنه لا يجوز تقديمها بزمن كثير» .
وانظر الكافي لابن قدامة (2/ 241)، المغني (1/ 339).
قال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك لم يجزئه»
(1)
.
وقيل: يشترط أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، اختاره جماعة من المالكية كالقاضي عبد الوهاب البغدادي، وابن الجلاب، وابن شاس، وهو المشهور من مذهب الشافعية، وبه قال ابن حزم
(2)
.
وقيل: يجوز تقدم النية على الصلاة بشرط أن يكون الوقت قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة
(3)
.
وقد تكلمت على أدلة الأقوال في مباحث النية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
* * *
(1)
. المغني (1/ 279)، وذكر صاحب كشاف القناع شروطًا لجواز تقدم النية، بأن يكون العمل يسيرًا، ولم يفسخ النية، مع بقاء إسلامه بحيث لا يرتد، فإن الردة تبطل النية، انظر كشاف القناع (1/ 316).
(2)
. التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب لخليل (1/ 316)، التفريع لابن الجلاب (1/ 226)، عقد الجواهر الثمينة لابن شاس (1/ 97)، المجموع (3/ 242)، الحاوي الكبير (2/ 92)، البيان للعمراني (2/ 160)، فتح العزيز (3/ 257)، روضة الطالبين (1/ 224)، المحلى، مسألة (354).
وقال الزركشي في كتابه المنثور في القواعد (1/ 104): كل عبادة تجب أن تكون النية مقارنة لأولها إلا الصوم والزكاة والكفارة. اهـ.
(3)
. قال البهوتي في كشاف القناع (1/ 316): وعلم مما تقدم: أن النية لو تقدمت قبل وقت الأداء أو الراتبة ولو بيسير لم يُعْتَد بها، للخلاف في كونها ركنًا للصلاة، وهو لا يتقدم كبقية الأركان، وأول من اشترط لتقدم النية كونه في وقت المنوية: الخرقي، وتبعه على ذلك ابن الزاغوني والقاضي أبو يعلى وولده أبو الحسين وصاحب الرعاية والمستوعب، والحاويين وجزم به في الوجيز وغيره، ولم يذكر هذا الشرط أكثر الأصحاب، فإما لإهمالهم أو بناء منهم على الغالب قال في الإنصاف: وظاهر كلام غيرهم، أي: غير من تقدم الجواز، لكن لم أَرَ الجواز صريحًا. اهـ وانظر شرح منتهى الإرادات (1/ 175).