الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الشافعي وأحمد: يكفي في بول الطفل الذي لم يطعم ولم يشرب إلا اللبن: الرش بالماء، ويتعين في بول الصبية الغسل لورود النضح في بول الصبي دون الصبية، لما روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبيٍ فبال عليه، فقال:"صبوا عليه صبًا".
قال: فعلم منه أن حكم بول الغلام [الغسل](1)، إلا أنه يجزئ فيه الصب، وحكم بول الجارية أيضًا الغسل، إلا أنه لا يكفي فيه الصب؛ لأن بول الغلام يكون في موضع واحد؛ لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لمواضع، لسعة مخرجها، والله أعلم.
ولما ذكر غُسل ما أصاب بول الصبي، وما يتعلق به، شرع في ذكر الوضوء من المذي، وما يتعلق به، فقال: هذا
* * *
باب في الوضوء من المذي
لأجل خروج المذي، هو بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وتخفيف الياء التحتية، والأفصح بكسر الذال، وتشديد الياء، ثم الكسر مع التخفيف، وهو ماءٌ أبيض رقيق، لزج، يخرج عند الملاعبة بزوجته، أو جاريته، أو عند تذكر الجماع، أو إرادته، وقد لا يُحَسُّ بخروجه.
42 -
أخبرنا مالك، أخبرني سالم أبو النَّضْرِ: مولى عمر بن عُبيد الله بن مَعْمر التَّيْمِيَّ، عن سليمان بن يَسَار، عن المِقْدَاد بن الأسود، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المَذْيُ، ماذا عليه؟ فإن عندي ابنتَه، وأنا أستَحى أن أسأله، قال المِقْدَاد: فسألته، فقال:"إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فَرْجَه وليتوضأ وُضُوءه للصلاة".
(42) أخرجه: البخاري (178)، ومسلم (303)، وأبو داود (206)، (207)، وأحمد (607)، ومالك (86).
(1)
ساقطة من الأصل.
• محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثني بالإِفراد، وفي نسخة: أنا بدل أخبرنا مالك، قال: أخبرني، كذا في نسخة سالم أبي النَّضْرِ، وفي نسخة: أبو بدل أبي بعد ابن تقريره، سالم هو أبو النضر (1)، بالضاد المعجمة، ابن أبي أمية القرشي مولاهم المدني، ثقة ثبت من رجال الجميع، وكان يرسل، روى عن أنس، والسائب بن يزيد وغيرهما، وروى عنه: الليث والسفيانان ومالك، مات سنة تسع وعشرين ومائة، مولى عمر بن عُبيد الله بالتصغير ابن مَعْمر بفتح الميم، ابن عثمان بن عمر بن سعد بن تميم بن مرة، القرشي، كان أحد وجوه قريش، وأشرافها، جوادًا، ممدوحًا، شجاعًا، له في الجود والشجاعة أخبار شهيرة، مات بدمشق سنة اثنين وثمانين.
وَجَدُّ معمر صحابي، ابن عم أبي قحافة؛ والد الصدِّيق، التَّيْمِيِّ، عن سليمان بن يَسَار، مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأخو عطاء بن يسار، من أهل المدينة، وكبار التابعين، كان فقيهًا فاضلًا ثقة عابدًا، ورعا حجة وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، عن المِقْدَاد بن الأسود، بكسر الميم، ابن عبد يغوث الزهري، تبناه وهو صغير، فعُرِفَ به، وهو: المقداد بن عمرو بن الثعلبة البهيراني بفتح الموحدة، والراء: قبيلة من قضاعة، ثم الكندي؛ لأنه كان أبوه حالف في قبيلة كِندة، ثم الزهري، صحابي مشهور من السابقين شهد المشاهد كلها، وكان فارسًا يوم بدر، ولم يثبت أنه شهدها فارس غيره، روى عن علي وابن مسعود وابن عباس وجماعة، مات سنة ثلاث وثلاثين اتفاقًا، وهو ابن سبعين سنة، وفي الإِسناد انقطاع سقط منه ابن عباس، وسليمان بن يسار لم يسمع من المقداد؛ لأنه ولد سنة أربع وثلاثين، بعد موت المقداد بسنة، وقد أخرج مسلم والنسائي من طريق ابن وهب عن (ق 45) مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أمره أي: المقداد بن الأسود، قال ابن عبد البر: سليمان لم يسمع من المقداد، ولا من علي، نعم بين سليمان وعلي وفي هذا الحديث ابن عباس.
وأخرجه مسلم والنسائي عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، قال علي: أرسلتُ المقداد أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل، أي: جنسه، إذا دنا، أي: قرب من أهله،
(1) انظر: التقريب (1/ 194).
أي: امرأته أو جاريته، بقصد مداعبته أو مجامعته؛ فمن هنا بمعنى الباء، كما في قوله تعالى في سورة الشورى:{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45]، كذا قاله ابن هشام، فخرج أي: منه، أي: من الرجل المَذْيُ، ماذا عليه؟ أيُّ شيءٍ يلزم عليه من الوضوء أو الغسل؟
وذكره أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، بسبب السؤال من طريق آخر عن علي: إني كنتُ رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشققت ظهري (1).
وفي الصحيحين: عن ابن الحنفية، عن علي: قال: فأمرتُ المقداد أن يسأله، وكذا لمسلم عن ابن عباس، رضي الله عنهما: أن عليّا رضي الله عنه أمر عمارًا أن يسأله.
ولابن حبان والإِسماعيلي أن عليّا قال: سألتُ.
وجمع ابن حبان: أن عليّا أمر عمارًا أن يسأله، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأله بنفسه.
قال الحافظ العسقلاني: وهو جمع جيد لآخره، مغاير لقوله: فإن عندي أي: تحت عقدي ابنتَه، أي: فاطمة، رضي الله عنها، والحال وأنا أستَحى أن أسأله، أي: النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة. قال المِقْدَاد: وفي نسخة: فقال المقداد، بالفاء، ولكن لم يوجد بالنسخ التي عندي ولا نسخ (الموطأ) قديمها وجديدها لمالك بن أنس، فسألته، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا وجد أي: علم أحدكم ذلك، أي: المذي في بدنه، فليَنْضَحْ بكسر الضاد المعجمة وفتحها، أي: ليغسل فَرْجَه، أي: ذكره، إن كان رجلًا، وقُبله إن كانت امرأة.
قال في (النهاية): النضح بمعنى الغسل، ويطلق على الرش كذا ذكره السيوطي.
فهذا حجة لنا في الحديث السابق، وليتوضأ وُضُوءه للصلاة، أي: كما يتوضأ إذا قام للصلاة؛ لأنه يجب الوضوء بمجرد خروجه، قال به قوم، ورد عليهم الطحاوي بما رواه عن علي، قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي: فقال: "فيه الوضوء، وفي المني الغسل"، فعرف أنه كالبول وغيره، من نواقض الوضوء لا يوجب الوضوء بمجرده.
(1) أخرجه: أبو داود (206)، وأحمد (870)، وابن خزيمة (20)، والبيهقي في الكبرى (821).
قال الرافعي: في قوله: "وضوءه للصلاة"، قطع احتمال حمل المتوضئ على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج؛ فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوء، كما ورد أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، والمراد به غسل اليد، فيجوز الاستنابة بالاستئناف، وفيه ما كان عليه الصحابة من حفظ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، واستعمال الأدب في ترك المواجهة بما يستحي منه عرفًا، وحسن العشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما ينغلق بجماع المرأة ونحوه، بحضرة أقاربها.
واستدل البخاري بهذا الحديث لمن استحيى، فأمر غيره بالسؤال فيه جمعًا بين المصلحتين: استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم.
* * *
43 -
أخبرنا مالك، أخبرني زيد بن أسْلَمَ عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: إني لأَجِدْه يَنْحدِرُ مني مثل الْخُرَيْزَةِ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل فَرْجه وليتوضأ وُضوءه للصلاة. وهو قولُ أبي حنيفة.
• محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، وأنا بدل أخبرنا مالك، قال: ثنا بدل حدثنا، وفي نسخة أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا زيد بن أسْلَمَ عن أبيه، كما في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة: زيد بن أبي سلمة، عن أبيه، روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه بالمدينة على قوله، ومن مشاهر التابعين وأعلامهم، وهو ممن غلبت عليه كنيته، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: إني لأَجِدْه أي: المذي يَتَحَدَّر بتشديد الدال المهملة والراء، على وزن يتفضل، أي: يقطر وينزل مني مثل الْخُرَيْزَةِ، بضم الخاء، وفتح الراء، وياء تحتية ساكنة: تصغير خرزة بفتحتين، وهو الجوهرة، وعنه مثل الجمانة، وهي بضم الجيم والميم بعدها ألف ونون اللؤلؤ.
كذا ذكره السيوطي: فإذا وجد أحدكم ذلك، أي: المذي فليغسل فرجه، أي: ذكره إن كان رجلًا، وإن كان امرأة فلتغسل مثلها وليتوضأ وضوءه، أي: وضوءه للصلاة.
(43) صحيح، أخرجه: مالك (87)، والبيهقي في الكبرى (1713).
قال الرافعي: هذا مقطع احتمال التوضي على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج، فإن غسل العضو قد يسمى وضوءًا، كما ورد: أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، والمراد غسل اليد، كذا ذكره.
قال محمد: وبهذا، أي: بهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل ونفتي، بغسل الشخص، وهي جملة استثنائية موضع المذي، أي: حيث أصابه من بدنه، وثوبه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، أي: عند إرادتها، وهو أي غسل موضع المذي، قولُ أبي حنيفة رحمه الله، ولا أظن خلافًا للمسألة، وإنما الخلاف في القدر المعفو عنه كما هو تقرر في محله.
* * *
44 -
أخبرنا مالك، أخبرني الصَّلت بن زيد أنه سأل سليمان بن يَسَار، عن البلل يجدُهُ؟ قال: انْضَح ما تحت ثوبك بالماء وَالْهَ عنه. . . . .
قال محمد: وبهذا نأخُذُ: إذا كثُر ذلك من الإِنسان، وأدْخَلَ الشيطان عليه فيه الشكَّ، وهو قولُ أبي حنيفة. . . .
• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا مالك، قال: أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد الصَّلت بالصاد المهملة وسكون اللام والتاء الفوقية ابن زييد بضم الزاي ومثناتين تحت، مُصغَّر زيدًا أو زياد الكندي، وثقه العجلي، وغيره أنه سأل سليمان بن يَسَار، عن البلل أي رأس الذكر يجدُهُ؟ أي: الصلت بن زييد، البلل، فقال: أي: سليمان بن يسار، للصلت بن زييد: انْضَح، وهو أمر من باب ضرب أو فتح، أي: اغسل البلل، ما تحت ثوبك أي: اغسل الموضع الذي تحت ثوبك أو سروالك بالماء، قوله: وَالْهَ عنه بفتح الهمزة وكسر اللام وسكون الهاء أمر من لهى كرضى ويرضى، أي اشتغل عنه بغيره، دفعًا للوسواس.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأت فانتضح"(1)، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، رضي
(44) حسن الإسناد، أخرجه: مالك (90).
(1)
أخرجه: الترمذي (50)، وابن ماجه (463)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.