الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اغتسل قبل الفجر وبعده، والمراد بالعيد، جنسه الشامل للعيدين، ولا يبعد أن يراد به العهد، ويحتمل على عيد الأضحى، وهو العيد الأكبر فتدبر.
* * *
70 -
أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يَغْدُوَ.
قال محمد: الغسل يوم العيد حَسَن، وليس بواجب، وهو قولُ أبي حنيفة.
• محمد قال: ثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، عن ابن عُمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر وهو الأفضل، إذا صلى به للجمع الأكمل، قبل أن يَغْدُوَ، أي: يقبل أن يذهب إلى المصلى.
قال محمد: الغسل يوم العيد حَسَن، أي: سنة مؤكدة، وليس بواجب، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله.
بعد ذكره ما يتعلق باغتسال يوم العيدين، ولا يعرف خلاف كغيره، لما ذكر الطهارة بالماء، شرع بما يقوم مقام الماء، فقال: هذا
* * *
باب في بيان أحكام التيمم بالصعيد
التيمم: هو القصد لغة، ولهذا اعتبر النية عندنا بخلاف الوضوء والغسل؛ ولأن الماء بطبعه مطهر، والتراب مغير، والمراد بالصعيد: وجه الأرض لغة.
وفي الشرع: كل ما يكون من جنس الأرض، ولا يذب، ولا يرمد، وهو قول أبي حنيفة، وزاد مالك فقال: الصعيد طاهر؛ لقوله تعالى في سورة المائدة: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6]، وروى البخاري ومسلم (1) عن حذيفة بن اليمان،
(70) صحيح الإسناد.
(1)
أخرجه: مسلم (522).
رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فُضِّلْنَا على الناس - أي: على الأمم السابقة - بثلاث خصال، لم يكن لهم واحدة منها: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعِلَت لنا الأرض كلها مسجدًا، ولم يجز لهم أن يصلوا إلا في كنائسهم ومعبدهم، وجعلت تربتها - أي: تراب الأرض - لنا طهورًا، أي: مطهرًا، إذا لم نجد الماء، ولم يجز للأمم المتقدمة"، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح).
71 -
أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجُرُف؛ حتى إذا كانا بالمِرْبَدِ، نزل عبد الله بن عُمر، فتيمم صعيدًا طيبًا؛ فمسح بوجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، ثم صلى.
• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا نافع: أنه أي: نافع، أقبل هو ضمير تأكيد للمستتر ليصح العطف عليه بقوله: وعبد الله بن عمر من الجُرُف؛ بضم الجيم فسكون، أو بضمتين، وبالفاء: موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جانب الشام حتى إذا كان أي: ابن عمر، (ق 71) وفي نسخة: إذا كانا بالبناء المثنى، أي: إذا انتقل نافع وابن عمر بالمِرْبَدِ، وهو بكسر الميم وسكون موحدة مفتوحة ومهملة: موضع بقرب المدينة نحو ميل، كما في (المصباح)، وهو أيضًا موضع التمر، وكان الظاهر أن يقول: حتى إذا كنا بالمربد، نزل عبد الله بن عُمر، فتيمم صعيدًا طيبًا؛ أي: ترابًا ظاهرًا، فمسح بوجهه، أي: بضربة، ويديه بأخرى، لما رواه الحاكم والدارقطني عن ابن عمر: التيمم ضربتان، ضربة لوجهه وضربة ليديه، إلى المِرْفَقَيْنِ، أي: معهما، وهو قول أبي حنيفة، والجديد من قول الشافعي، وعن مالك وأحمد إلى المرفقين مستحب، وإلى الكوعين: جائز، وكأنهما نظرا إلى إطلاق الآية.
والكوع، بالضم: طرف الزند، الذي يلي الإِبهام، كذا في الأختري.
وحكي عن الزهري المسح إلى الآباط؛ لشمول اليد إياها عند الإطلاق لغة، ثم صلى، ومن الأدلة لمذهبنا ما رواه الحاكم والدارقطني عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "التيمم
(71) صحيح الإسناد.
ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين" (1). قال الحاكم: صحيح الإِسناد، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، كما قاله علي القاري.
ويصح التيمم بشروط ثمانية:
الأول: النية؛ لأن التراب ملوث فلا يصير مطهرًا إلا بالنية، والماء: خلق مطهرًا، ووقت النية به عند ضرب يده على ما يتيمم به، وهي عقد القلب، أي: قصده على إيجاد العقل جزمًا، وللنية في حد ذاتها شروط لصحتها.
وشروط صحة النية على ثلاثة أقسام: الأول: الإِسلام، ليصير الفعل سببًا للثواب ومحروم منه، والثاني: التمييز، لفهم ما يتكلم به. والثالث: العلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي.
ويشترط صحة نية التيمم للصلاة، فتصح به أحد ثلاثة أشياء: إما نية الطهارة من الحدث القائم، ولا يشترط لتعيين الجنابة من الحدث فتكفي فيه الطهارة؛ لأنها شرعت للصلاة، أو نية استباحة الصلاة؛ لأن إباحتها برفع الحدث، فيصح بإطلاق النية، وبنية رفع الحدث؛ لأن التيمم رافع له كالوضوء، أو بنية عبادة مقصودة، لا يصح بدون طهارة، فيكون المنوي إما صلاة، أو جزء للصلاة في حد ذاته، كقوله: نويت التيمم، أو لصلاة الجنازة، أو لسجدة التلاوة، أو لقراءة القرآن، وهو جنب، أو نوته لقراءة بعد انقطاع حيضها، أو نفاسها؛ لأن كلًا منهما لا بد له من الطهارة.
وهو عبادة؛ فلا يصلي بالتيمم إلا إذا نوى به فقط، أي: مجردًا من غير ملاحظة شيء مما تقدم، أو نوى التيمم لقراءة القرآن ولم يكن جنبًا.
الثاني: من شروط صحة التيمم: العذر المبيح، كبعد الشخص عن ماء مطهر، ولو كان بعده في المطر ميلًا، وهو ثلث فرسخ بغلبة الظن، وهو المختار للحرج بالذهاب إلى هذه المسافة، وما شرع التيمم إلا لرفع الحرج، وثلث الفرسخ: 4 آلاف خطوة، وهو ذراع بذراع العامة، فيتيمم لبعده ميلًا عن ماء، ومن العذر المبيح للتيمم: مرض يخاف منه اشتداد المرض أو بطء البرء.
(1) أخرجه: الدارقطني (1/ 181)، والبيهقي في الكبرى (1031).
ومن الأعذار: برد يخاف منه لغلبة الظن، التلف لبعض الأعضاء، والمرض إذا كان خارج المصر.
ومن الأعذار: خوف عدو آدمي أو غيره.
ومن الأعذار: عطش (ق 72)، سواء خافه حالًا ومالًا على نفسه أو رفيقه في القافلة أو دابته، ولو كلبًا؛ لأن المعد للحاجة كالمعدوم.
ومن الأعذار: خوف فوت صلاة جنازة، أو خوف فوت صلاة عيد، ولو اشتغل بالوضوء، وليس من العذر المبيح للتيمم: خوف فوت الجمعة، وخوف فوت الوقت، لو اشتغل بالوضوء؛ لأن الظهر يُصلى بفوت الجمعة، وتقتضي الفائتة، فلهما خلف.
الثالث: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يكون المُتَيَمَّمُ به طاهرًا طيبًا؛ وهو الذي لم يمسه نجاسة، ولو زالت بذهاب أثرها.
الرابع: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: استيعاب المحل بالمسح.
الخامس: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يمسح بجميع اليد، أو بأكثرها حتى لو مسح بإصبعين، لا يجوز كما في (الخلاصة)، ولو كرر حتى استوعب، بخلاف مسح الرأس، كذا في (سراج الوهاب).
السادس: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يكون التيمم بضربتين بباطن الكفين ولو كان الضربتان في مكان واحد على الأصح.
السابع: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: انقطاع ما ينافيه، من حيض ونفاس، أو حدث، كما هو شرط أصله.
الثامن: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: زوال ما يمنع المسح على البشرة، كشمع وشحم، لأنه يصير به المسح عليه، لا على الجسد.
كما بيناه في (سلم الفلاح) شرح (نور الإِيضاح) و (نجاة الأرواح).
* * *
72 -
أخبرنا مالك، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسْفَارِهِ، حتى إذا كانا بالبَيْدَاء - أو بِذَاتِ الْجَيْش - انقطع عِقْدِي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الْتِمَاسِه، وأقام الناسُ، ولَيْسُوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا تَرَى إلى ما صنَعَت عائشةُ؛ أقَامتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وَاضعٌ رأسَه على فَخِذِي؛ قد نام، فقال: حَبَسْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، ولَيْسُوا على ماء، معهم ماء؟ قالتْ: فعاتبني، وقال ما شاء الله أن يقولَ، وجعل يَطْعنني بَيدهِ في خَاصِرَتي، فلا يَمْنَعُني من التحرُّك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فَخِذِي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبحَ على غير ماء، فأنزل الله عز وجل آيةَ التيمم، {فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]، قال أسَيْد بن حُضَيْرِ: ما هي بأوّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي بكر، قال: وبَعَثْنَا البعيَر الذي كنتُ عليه، فوجَدْنَا العِقْدَ تحته.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، والتيمم ضربتا يَدٍ: ضربةٌ للوجهِ، وَضَرْبَةٌ لليدين، إلى المرفقين وهو قولُ أبي حنيفة.
• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا يرمز إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنبا يرمز إلى أخبرنا مالك بن أنس، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، بالمدينة، من أكابر التابعين، روى عنه جماعة منهم: مالك وسماك بن حرب، وأيوب، والزهري، وحميد الطويل، والسفيانان، وخلق وكان ثقة جليلًا. قال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، مات بالشام سنة ست وعشرين ومائة، وقيل
(72) صحيح، أخرجه: البخاري (3672)، (4607)، ومسلم (367)، وأبو داود (320)، والنسائي (310)، وأحمد (24927)، ومالك (122).
بعدها، عن عائثسة، أم المؤمنين، رضي الله عنها، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسْفَارِهِ، قال في التمهيد: يقال: إنها غزوة بني المصطلق، في سنة ست، وقيل: خمس، وجزم بذلك في (الاستذكار)، وسبقه ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق: هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإِفك لعائشة رضي الله عنها، وكان ابتداء ذلك، وسببه وقوع عقدها أيضًا، فإن كان ما جزموا بان ثابتًا حمل على أنه سقط منها في ذلك السفر مرتين، لأجل اختلاف القصتين كما هو بين في سياقهما، وذهب جماعة إلى تعدد ضياع العقد، وإن هذه كانت بعد قصة الإِفك، محتجين بما رواه الطبراني عن عائشة: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإِفك ما قالوا، خرجتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة أخرى فسقط أيضًا عقدي، حتى حبس الناس على التماسه، فقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه: يا بنية في كل مرة تكونين عنا وبالًا على الناس، فأنزل الله آية التيمم.
فقال أبو بكر: إنك لمباركة، ففيه التصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين، وبذلك جزم محمد بن حبيب الأخبار فقال: سقط عقدها في غزوة بني المصطلق، وفي ذات الرقاع، واختلف أهل المغازي في أيهما كانت أولًا.
روى ابن أبي (ق 73) شيبة (1): عن أبي هريرة: لا نزلت آية التيمم، لم أدر كيف أصنع، ففيه دليل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.
حتى إذا كانا بالبَيْدَاء بفتح الموحدة، وسكون التحتية، والدال الممدودة، وهي الصحراء، والمراد به الشرف الذي قدام ذي الحليفة، من طريق مكة، أو بِذَات الْجَيْش، كلمة "أو" للشك من عائشة، رضي الله عنها، كما قاله الحافظ: وهي بفتح الجيم وسكون الياء التحتية والشين المعجمة: موضع على بريد من المدينة، وبينها وبين العقيق ستة أميال. قال أبو عبيد البكري في (معجمه): العقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، كما قاله الزرقاني.
(1) أخرجه: ابن أبي شيبة (1/ 185).
انقطع عِقدِي، بكسر أوله: وهو كل ما يعقد ويعلق به في العنق، ويسمى قلادة، وكان من جزع ظفار على ما ذكره السيوطي، والجزع، بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز فيه بياض وسواد، الواحد جزعة كتمر وتمرة، وكذا في (المصباح)، وظفار كقطا، اسم مدينة باليمن، كذا في (النهاية).
قيل: اشتقاقه من الجزع بفتحتين، ولذا كانت ملوك حمير لا تدخل الجزع خزائنها، ولا تقلد شيئًا ولا تختم به.
وفي (القاموس): الجزع بكسر الخرز اليماني العيني، فيه سواد وبياض شبه العين، والتختم به: يورث الهم والحزن، والأحلام المفزعة، ومخاصمة الناس، وإن لف به شعر مسعر ولدت من ساعتها .. انتهى.
وكان العقد ملكًا لأسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنها، استعارته منها عائشة، وكان ثمنه اثنى عشر درهمًا، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: توقف فسأل على الْتِمَاسِه، أي: لأجل طلبه، وأقام الناسُ، أي: تبعًا له صلى الله عليه وسلم، ولَيْسُوا على ماء، أي: والحال أنهم ليسوا على بير أو عين، والحال: وليس معهم ماء نقية، إشارة إلى ترك إضاعة المال، واعتنى الإِمام بحفظ حقوق المسلمين، ويلحق بتحصيل الضايع، والإِقامة لإِلحاق المنقطع، ودفن الميت، ونحو ذلك من مصالح الناس، واستدل به على جواز الإِقامة في مكان لا ماء فيه، وسلوك طريق لا ماء فيها.
ونظر فيه الحافظ: بأن المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، قال: ويحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم بعدم الماء مع الركب، وإن علم أن المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن قوله: ليس معهم ماء، أي: للوضوء، وإما للشرب، فيحتمل أنه معهم، والأول محتمل لجواز المطر، أو نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، كما وقع في مواطن أخرى.
فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، أي: شاكيًا من الإِقامة، فقالوا: ألا تَرَى الهمزة للاستفهام، إلى ما صنَعَت عائشهُ؛ رضي الله عنها؟ أقَامَتْ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليس معهم ماء؟ أسند الفعل إليها، لأنه كان بسببها، وفيه شكوى عن المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا لأنه صلى الله عليه وسلم نائم وكانوا لا يوقظونه.
قال ابن حجر: وخافوا تغيظه، لشدة محبة المصطفى لها، كما قاله الزرقاني عن
بعض شيوخه. قالت: أي: عائشة، رضي الله عنها، كما في (الموطأ) لمالك: فجاء أبو بكر الصدِّيق، رضي الله عنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وَاضعٌ رأسَه على فَخِذِي؛ بالذال المعجمة وبالياء للمتكلم، قد نام، أي:(ق 74) والحال أنه صلى الله عليه وسلم قد نام على فخذي، وفيه جواز دخول الرجل على بنته، وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاء ذلك، ولم يكن حالة مباشرة، فقال: أي: أبي بكر الصديق توبيخًا لي: يا عائشة حَبَسْتِ على بناء المفرد المخاطبة، أي: منعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس عن السير، ولَيْسُوا على ماء، وليس معهم ماء؟ وفيه ضرر شديد، قالتْ: أي: عائشة رضي الله عنها، فعاتبني، أي: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولم تقل فعاتبني أبي؛ لأن قضية الأبوة رحمة وشفقة.
والعتاب بالقول، والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر فأنزلته؛ أي: أبا بكر منزلة الأجنبي، وقال أبو بكر ما شاء أن يقولَ، أي: وما مصدرية بمعنى الوقت، يعني: قال أبو بكر وقت مشيه تكلمه في العتاب بعائشة، وفيه دلالة على أن أحدًا لا يقول خير إلا بتوثيق الله ولا شرًا إلا بخذلان الله، فإنهم يدعون أن العبد مستقل؛ أي: في فعله، وهو ليس كذلك، بل الأقوال والأفعال كلها بخلق الله تعالى، كما قال الله تعالى في سورة الصافات:{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].
وجعل، أي: شرع أبو بكر الصديق، حال كونه يَطْعنني بيَدهِ وهو بضم العين، وكذا جميع ما هو حِسِّي، وأما المعنوي فيقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما.
وحكى فيهما معًا الفتح والضمِ، ذكره في (المصباح)، طعن بالرمح كنصر وطعن فيه، والمعنى: يضربني بيده في خَاصِرَتي، أي: جنبي، بحيث إنه زائل عني راحتي، وفيه تأديب الرجل بنته، ولو متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق به تأديب من له تأديبه، ولو لم يأذن الإِمام، فلا يَمنَعُني من التحرُّك: الاستقرار إلا رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فَخِذِي، وفيه استحباب، بمعنى بيان الصبر، لمن قاله ما يوجب الحركة ويحصل به التشويش لنائم، وكذا المصلي، وقارئ مشتغل بعلم أو ذكر، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصْبحَ، إلى أن ينتهي إلى الصباح، على غير ماء متعلق بنام، وأصبح متنازعًا فيه، هكذا الرواية في (الموطأ)، حتى وهي رواية مسلم عن يحيى والبخاري في فضل أبي بكر عن قتيبة، كليهما عن مالك، ورواه في التيمم عن عبد الله بن يوسف بلفظ حين بتحتية ونون. قال الحافظ: ومعناهما متقارب؛ لأن كلًا منها يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح.
وقال بعضهم: ليس المراد بقوله حتى أصبح بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأن قيد الغاية بقوله: على غير ماء، أي: أمره إلى أن أصبح على غير ماء.
وأما رواية عمرو بن الحارث، فلفظه: ثم إن النبي استيقظ وحضرت الصبح، فإن أغربت الواو حالته، كان دليلًا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصبح، وهو الظاهر.
واستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر، إن ثبت أنه كان واجبًا عليه، وعلى أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عمرو بعد قوله: فحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فأنزل الله تعالى آية التيمم.
قال ابن العربي: هذه (ق 75) معضلة ما وجدت لذاتها من ذوي الأنام، لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. وقال ابن بطال: هي آية النساء والمائدة.
وقال القرطبي: هي آية النساء؛ لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر للوضوء فيها.
وأورد الواحدي في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء، وقال الحافظ (1): وخفى على الجميع ما ظهر للبخاري أنها آية المائدة بلا تردد؛ لرواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عند البخاري في التفسير؛ أنه قال فيها: فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
…
} [المائدة: 6].
وقال: واستدل به على أن الوضوء كان واجبًا قبل نزول الآية، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.
قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل حين فرضت الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند.
قال: وفي قولها: آية التيمم، إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا الوضوء. وقال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع ما تقدم العمل به ليكون فرضه متلوًا بالنزول.
(1) انظر: فتح الباري (1/ 434).
وقال غيره: يحتمل أن أول آية الوضوء نزل قديمًا فعلموا به، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة وإطلاق آية التيمم على هذا من قبيل إطلاق الكل على البعض، كما قاله الزرقاني.
{فَتَيَمَّمُوا} أي: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي نسخة: فتيممنا، أي: نحن جميعًا، قال أسَيْد بن حُضَيْرِ: بضم الهمزة، وفتح السين المهملة وسكون التحتية والدال المهملة، ابن حُضَيْرِ؛ بضم الحاء المهملة وفتح الضاد وسكون التحتية، والراء المهملة: تصغير فيهما، وهو أوسي، أنصاري، شهد العقبة، وبدرًا وما بعدها من المشاهد، روى عنه جماعة من الصحابة، ومات بالمدينة سنة عشر ودفن بالبقيع. ما هي أي: هذه البركة التي حصل منها هذه الرخصة، بأوّلِ بَرَكَتِكُمْ أريد بها الجنس، أي: ليست هذه البركة بأول بركة من بركاتكم، بل هي مسبوقة بغيرها من البركات يا آل أبي بكرٍ، والمراد بأبي بكر نفسه وأهله وأتباعه، وفي (تفسير إسحاق): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "ما كان أعظم بركة قلادتك"، وفي رواية عمرو بن الحارث:"لقد بارك الله فيكم".
وللبخاري من وجه آخر، فقال أسيد لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا.
وفي لفظٍ له: إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين منه بركة، وإنما قال ذلك أسيد دون غيره؛ لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع، قالت: أي: عائشة، فبَعَثْنَا وفي نسخة بالواو، فأقمنا البعير الذي كنتُ راكبة عليه، فوجَدْنَا العِقْدَ تحته، أي: تحت البعير، هذا ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولًا لم يجدوه.
وفي رواية عائشة في البخاري: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا فوجدها، أي: القلادة.
وللبخاري ومسلم: فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها.
ولأبي داود: فبعث أسيد بن حضير وناسًا معه.
وطريق الجمع بين هذه الروايات: أن أسيد بن حضير كان رأس من بُعِثَ لذلك (ق 76)، فلذا سُمِّيَ في بعض الروايات دون غيرها، وأسند إلى واحد منهم في رواية دون غيره، وهو المراد كأنهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلت الآية، وأرادوا الرحيل،
وأثاروا البعير وجده أسيد، فقوله في رواية عروة: فوجدها، أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره. وقال الثوري: يحتمل أن فاعل وحدها: النبي صلى الله عليه وسلم، كما قاله الزرقاني.
قال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، والتيمم ضربتا يَدٍ، أي: وضعتان للوجه، أي: لمسحه والاستيعاب فرض، وَضَرْبَةٌ لليدين إلى المرفقين، وهو أي: الضرب لكل واحد منهما مع النية للعبادة، قولُ أبي حنيفة، رحمه الله، وأصحابه.
ما الحكمة في الأمر: بالماء فى الوضوء؟ والتراب في التيمم؟
الجواب: لأن أصل وجود الإِنسان من التراب، قبض عزرائيل عليه السلام، من أنواع التراب على عدد بني آدم وهيئاتهم، كما ورد في الحديث، وأصل وجودك ونشأتك من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، وأنهما: أي: الماء والتراب أوسع شيء وجودًا فأمرك بهما لئلا يتعذر بفقدانهما، وتتواضع برؤيتهما بافتقارك إليهما.
أما ترى قول إبليس، كيف ترك التواضع، وقال:{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، وقيل: أمر بهما لسر الطهارة والحياة والقابلية والإِحياء في الماء، وسر التواضع والتذلل والثبات في التراب، بخلاف النار؛ لأن في النار صفة العلو والرفع في الهواء صفة الإنقلاب وعدم الثبات، ففي استعمالهما على وجه التقرب بالتعبد تأثير في تكميل الوجود الإِنساني؛ ولهذا قيل: الوضوء نور، أي: ينور الوجود ويصفيه.
والتيمم: بالتراب يثبته، ويمكنه في طريق الرشاد، ولله أسرار خفيفة في أوضاع أحكام الشريعة، أبقاها الله إلى يوم الحساب، كما في (خواتم الحكم).
الحكمة في التيمم بالتراب: هل يقوم التراب مقام الماء؟
الجواب: أن الله تعالى خلق الذرة، ونظر إليها، فصارت ماء، وعليه زبد بيضاء، ثم خلق الله تعالى الأرض من زبد الماء، فيكون أصل الأرض من الماء، لهذا أقام التراب مقامه، عند عدم الماء في التيمم، كما في (الفوائد).
لما فرغ من بيان التيمم، شرع في بيان حال الرجل يقبل امرأته، في حال حيضها، فقال: هذا
* * *