الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ قاطع الطريق
هُوَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ لَهُ شَوْكَةٌ، لَا مُخْتَلِسُونَ يَتَعَرَّضُونَ لآخِرِ قَافِلَةٍ يَعْتَمِدُونَ الْهَرَبَ. وَالَّذِينَ يَغْلِبُونَ شِرْذِمَةً بِقُوَّتِهِمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ،
===
(باب قاطع الطريق)
سمي بذلك؛ لامتناع الناس من المرور خوفًا منه.
والأصل فيه: قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ، الآية، نزلت فيهم؛ كما نقله الماوردي عن الفقهاء وجمهور المفسرين (1)، وقيل: في العرنيين، وقيل: في المشركين.
(هو مسلم) فالكافر ليس له حكم قاطع الطريق وإن أخاف السبيل، وتعرض للنفس والمال، كذا قالاه (2)، قال في "المهمات": ولا وجه لذلك في الذمي، وبسطه (3)، (مكلف) ولو عبدًا وامرأة، فالمراهق لا عقوبة عليه وإن ضمن المال والنفس، (له شوكة) أي: قوة وقدرة، وإفراده للصفات يؤخذ منه أنه لا يشترط فيهم العدد، وهو كذلك، فالواحد إذا كان له فضل قوة يغلب بها الجماعة، وتعرض للنفس وللمال مجاهرة .. فهو قاطع طريق، ولا يشترط شهر السلاح، بل تكفي العصي والحجارة.
(لا مختلسون يتعرضون لآخر قافلة يعتمدون الهرب) لانتفاء الشوكة، لأن المعتمد على الشوكة ليس له دافع من الرفقة، فغلظت عقوبته؛ ردعًا له بخلاف المختلس؛ فإنه لا يرجع إلى قوة.
(والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم) لاعتمادهم على الشوكة بالنسبة
(1) الحاوي الكبير (17/ 235).
(2)
الشرح الكبير (11/ 249)، روضة الطالبين (10/ 154).
(3)
المهمات (8/ 348)، قال: فإنه إن كان لانتقاض عهده بذلك، وأنا نقتله كالحربي .. فليس كذلك لأن الصحيح: أن العهد لا ينتقض به إلا إذا اشترط عليهم الانتقاض به لو فعلوه، وبتقدير القول بالانتقاض فسيأتي أن من انتقض عهده بذلك أو بغيره .. يقام عليه ما يقتضيه ذلك الشيء، ثم يفعل فيه بعد ذلك من القتل أو غيره فيما ذكروه، فالصواب: التعبير بالالتزام للأحكام بدلًا عن الإسلام؛ لإخراج الحربي فقط؛ فإنه لا يضمن نفسًا ولا مالًا. اهـ هامش (أ).
لَا لِقَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَحَيْثُ يَلْحَقُ غَوْثٌ لَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَفَقْدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ أَوْ لِضَعْفٍ، وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي بَلَدٍ فَهُمْ قُطَّاعٌ
===
إلى الشرذمة اليسيرة، (لا لقافلة عظيمة) لأنه لا قوة لهم مع القافلة الكبيرة.
واحترز بقوله: (بقوتهم): عما لو كانت الرفقة عددًا يتأتى منهم دفع القاصدين، ومقاومتهم فاستسلموا حتى قتلوا، وأخذت أموالهم؛ فالقاصدون ليسوا بقطاع؛ لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم وقوتهم، بل الرفقة ضيعوا، هكذا أطلقوه، وفيه بحث للرافعي (1).
نعم؛ لو نالت كل طائفة من الأخرى بالقتال. . فأصحُّ احتمالي الإمام: أنهم قطاع، وبه جزم الغزالي، كذا قاله في "أصل الروضة"(2).
(وحيث يلحق غوث) لو استغاثوا (ليسوا بقطاع) لإمكان الاستغاثة.
نعم؛ هم منتهبون.
(وفقد الغوث يكون للبعد) عن العمران وعساكر السلطان، (أو لضعف) أطلق الضعف، وقيداه في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" بضعف السلطان (3)، وإطلاق "الكتاب" أحسن؛ فإنه لو دخل جماعة بالليل دارًا، وشهروا السلاح، ومنعوا أهل الدار من الاستغاثة. . فقطاع على الصحيح مع قوة السلطان وحضوره.
(وقد يغلبون والحالة هذه في بلد) عند ضعف السلطان أو بعده أو بعد أعوانه، وعدم مقاومة أهل الستر والعفة لهم (فهم قطاع) لوجود الشروط فيهم، ولأنهم إذا وجب عليهم هذا الحد في الصحراء وهي موضع الخوف. . فلأن تجب في البلد وهي موضع الأمن أولى؛ لعظم جرأتهم.
(1) الشرح الكبير (11/ 250)، قال الرافعي:(ويجوز أن يقال: ليست الشوكة بمجرد العدد والعدة، بل يحتاج مع ذلك إلى اتفاق كلمة، وواحد مطاع، وعزيمة على القتال، واستعمال السلاح، والقاصدون للرفقة في الغالب هكذا يكونون، والرفقة في الغالب لا تجتمع لهم كلمة واحدة، ولا يضبطهم مطاع، ولا يكون لهم عزم على القتال، وخلوهم عن هذه الأمور يجرهم إلى التخاذل لا عن قصد منهم، فما ينبغي أن يجعلوا مضيعين، ولا أن يخرج القاصدون لهم عن كونهم قطاعًا)، وتبعه المصنف، وابن الرفعة على هذا، قال الأَذْرَعي: وهو حسن، بل متعين. اهـ هامش (أ).
(2)
روضة الطالبين (10/ 155).
(3)
المحرر (ص 438)، الشرح الكبير (11/ 251)، روضة الطالبين (10/ 155).
وَلَوْ عَلِمَ الإِمَامُ قَوْمًا يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَا نَفْسًا. . عَزَّرَهُمْ بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ نِصَابَ السَّرِقَةِ. . قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ. . فَيُسْرَاهُ وَيُمْنَاهُ، وَإِنْ قَتلَ. . قُتِلَ حَتْمًا، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا. . قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ.
===
(ولو علم الإمام قومًا يخيفون الطريق، ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا) أي: ولم يقتلوا نفسًا (. . عزرهم بحبس وغيره) لخروجهم للحرابة، كما يعزر على مقدمات الزنا والشرب.
(وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة. . قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد. . فيسراه ويمناه) للآية السالفة، وهي وإن اقتضى ظاهرها التخيير. . فالمراد بها: الترتيب عندنا؛ اقتداءً بابن عباس رضي الله عنهما (1).
واحترز بالنصاب: عما دونه؛ فإنه لا قطع به على الأصحِّ؛ كالسرقة، وسكت عن اعتبار الحرز ولا بد منه؛ كما نقلاه عن الأصحاب، حتى لو كان المال تسير به الدواب بلا حافظ، أو كانت الجمال مقطورة، ولم تتعهد؛ كما شرط في السرقة. . لم يجب القطع (2).
ويشترط أيضًا: انتفاء الشبهة في المأخوذ، وكونه ممن يقطع في السرقة.
(وإن قتل) قاطع الطريق عمدًا عدوانًا من يكافئه لأجل أخذ المال؛ كما قيده البَنْدَنيجي، وقال البُلْقيني: إنه مقتضى نص "الأم"(. . قتل) لما سيأتي (حتمًا) فلا يسقط بعفو الولي؛ لأن كل معصية فيها عقوبة في غير المحاربة تجب فيها زيادة عند المحاربة؛ كأخذ المال، ولا زيادة هنا إلا بالحتم.
(وإن قتل وأخذ مالًا. . قتل ثم صلب) هكذا نزَّل ابن عباس رضي الله عنهما العقوبات المذكورة في الآية على هذه المراتب، والمعنى: أن يقتلوا إن قتلوا، ويقتلوا ويصلبوا إن أخذوا المال وقتلوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال.
وكلمة (أو) للتنويع لا للتخيير؛ كما يقال: الزاني يجلد أو يرجم، وإنما صلب
(1) أخرجه الشافعي في "مسنده"(ص 434)، والطبري في "تفسيره"(11833).
(2)
الشرح الكبير (11/ 253)، روضة الطالبين (10/ 156).
ثَلَاثًا ثُمَّ يُنْزَلُ، وَقِيلَ: يَبْقَى حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُصْلَبُ قَلِيلًا ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُقْتَلُ. وَمَنْ أَعَانَهُمْ وَكَثَّرَ جَمْعَهُمْ. . عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتغرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيْثُ يَرَاهُ. وَقَتْلُ الْقَاطِعِ يُغَلَّبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ، وَفِي قَوْلٍ: الْحَدِّ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ وَذِمِّيٍّ، وَلَوْ مَاتَ. . فَدِيَةٌ، وَلَوْ قَتَلَ جَمْعًا. . قُتِلَ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتٌ،
===
بعد قتله؛ لأن في صلبه قبله زيادة تعذيب، وهو منهي عنه، ولو مات قبل قتله. . لم يصلب على الأصحِّ؛ لأنه تابع.
(ثلاثًا) ليشتهر الحال، ويتم النكال (ثم ينزل) لأن الثلاث لها اعتبار في الشرع، وليس لما زاد عليها غاية.
نعم؛ إن خيف تغيره قبل الثلاث. . أنزل على الأصحِّ.
(وقيل: يبقى حتى يسيل صديده) وهو الودك؛ تغليظًا عليه، (وفي قول: يصلب) حيًّا (قليلًا ثم ينزل فيقتل) لأن الصلب شرع عقوبة له، فيقام عليه وهو حي.
(ومن أعانهم وكثر جمعهم) ولم يزد على ذلك (. . عزر بحبس وتغريب وغيرهما) كسائر المعاصي ولا حد؛ كما لا حد في مقدمات الزنا، (وقيل: يتعين التغريب إلى حيث يراه) الإمام؛ لأن عقوبته في الآية النفي.
(وقتل القاطع يغلب فيه معنى القصاص) لأنه قتل في مقابلة قتل، (وفي قول: الحد) لتحتمه وتعلق استيفائه بالسلطان لا بالولي.
(فعلى الأول: لا يقتل بولده وذمي) وعبد؛ لانتفاء المكافأة، وعلى الثاني: يقتل.
(ولو مات) القاطع (. . فدية) في ماله على القول الأول، وعلى الثاني: لا شيء.
(ولو قتل جمعًا. . قتل بواحد، وللباقين ديات) كما في القصاص، فلو قتلهم مرتبًا. . قتل بالأول، ولو عفا وليه. . لم يسقط؛ لتحتمه حكياه عن البغوي وأقراه (1)، وعلى الثاني: يقتل بجميعهم ولا دية.
(1) الشرح الكبير (11/ 263)، روضة الطالبين (10/ 161).
وَلَوْ عَفَا وَلِيُّهُ بِمَالٍ. . وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَيُقْتَلُ حَدًّا، وَلَوْ قَتلَ بمُثَقَّلٍ أَوْ بِقَطْع عُضْوٍ. . فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ. وَلَوْ جَرَحَ فَأنْدَمَلَ. . لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ فِي الأًظْهَرِ. وَتسقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ بِتَوْبَتِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ،
===
(ولو عفا وليه بمال. . وجب، وسقط القصاص ويقتل حدًّا) كما لو وجب القصاص على مرتد فعفا عنه وليه، وعلى الثاني: العفو لغو، كذا قالاه في "الشرح" و"الروضة"(1)، وقال البُلْقيني: إن المنصوص والذي عليه الجمهور: أنه لا يصح عفو الولي على القولين، لا بمال ولا بغير مال، قال: ولم أر هذا التفريع إلا في كلام الفوراني، وتبعه الإمام والغزالي والرافعي، وهو غير معتمد بل غلط، واستحقاق العافي المال لا في مقابلة حصلت للدافع. . من أكل المال بالباطل، ولا يصح التشبيه بوجوب القصاص على المرتد حيث يصح العفو على مال وإن كان مقتولًا بالردة؛ لانفكاك أحد السببين عن الآخر، وهما القصاص والردة، ولأنه إذا أسلم. . لم يقتل، بخلاف من تحتم قتله.
(ولو قتل بمثقل أو بقطع عضو. . فعل به مثله) تغليبًا للقصاص، وإن غلبنا الحد. . قتل بالسيف؛ كالمرتد.
(ولو جرح فاندمل. . لم يتحتم قصاص) في الطرف المجني عليه (في الأظهر) بل يتخير المجروح بين القصاص والعفو على مال أو غيره؛ لأن التحتم حق الله تعالى فاختص بالنفس؛ كالكفارة، والثاني: يتحتم؛ كالنفس، والثالث: يتحتم في اليدين والرجلين؛ لأنهما مما يستحقان في المحاربة دون الأنف والأذن وغيرهما.
وقوله: (فاندمل) من زياداته على "المحرر"، واحترز به: عما إذا سرى إلى النفس. . فهو كالقتل.
(وتسقط عقوبات تخص القاطع) مما هو حد لله تعالى، وهو انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وكذا اليد في الأصحِّ (بتوبته قبل القدرة عليه) لقوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} ، الآية، أما ما لا يخص القاطع؛ كأصل
(1) الشرح الكبير (11/ 263)، روضة الطالبين (10/ 161).