الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ القِسْمَة
قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصُوبُهُمْ أَوْ مَنْصُوبُ الإِمَامِ، وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ: ذَكَرٌ، حُرٌّ، عَدْلٌ، يَعْلَمُ الْمِسَاحَةَ وَالْحِسَابَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ .. وَجَبَ قَاسِمَانِ،
===
(باب القسمة)
هي بكسر القاف.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} ، وقسمتُه صلى الله عليه وسلم الغنائمَ (1)، والحاجة داعية إليها؛ ليتمكنَ كل واحد من الشركاء من التصرف في ملكه على الكمال، ويتخلصَ من سوء المشاركة واختلاف الأيدي.
(قد يقسم الشركاء، أو منصوبهم، أو منصوب الإمام) لحصول المقصود بكل واحد من ذلك.
(وشرط منصوبه) أي: الإمام (ذكر، حر، عدل) لأنه يلزم كالحاكم (يعلم المساحة والحساب) لأنهما آلة القسمة؛ كما أن الفقه آلة القضاء، وهل يشترط معرفة التقويم؟ فيه وجهان، قال في "المهمات": والراجح: أنه ليس بشرط، وبه صرح البَنْدَنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ؛ فجعلوه مستحبًّا (2).
وخرج بـ (منصوبه): منصوب الشركاء؛ فلا يشترط فيه ذلك، بل يجوز أن يكون عبدًا وفاسقًا؛ لأنه وكيل لهم.
(فإن كان فيها تقويم .. وجب قاسمان) لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين، قال ابن الرفعة: وقضية هذا: أن الحاكم لو فوض لواحد سماع البينة بالتقويم وأن يحكم .. أنه لا يكفي، وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، كذا حكاه الأَذْرَعي وابن الملقن عنه، وأقراه (3)، وهذا عين قول المصنف بعدُ: (وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم،
(1) وقد ورد في ذلك أحاديث؛ منها: ما أخرجه البخاري (3138)، ومسلم (1063) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(2)
المهمات (9/ 301).
(3)
كفاية النبيه (18/ 333)، عجالة المحتاج (4/ 1822).
وَإِلَّا .. فَقَاسِمٌ، وَفِي قَوْلٍ: اثْنَانِ، وَلِلإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ فَيَعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ، وَيُقْسِمُ. وَيَجْعَلُ الإِمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ قَدْرًا .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا .. فَالأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْحِصَصِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرُّؤُوسِ
===
فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) فيما يظهر، فليتأمل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن فيها تقويم ( .. فقاسم) كالكيال والوزّان من جهة استناده إلى عمل، (وفي قول: اثنان) كالمقومين والمجتهدين في جزاء الصيد.
ومأخذ الوجهين: أنه حاكم أو شاهد، والراجح: الأول.
(وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم، فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) بنفسه، وهذا كالمستثنى من شرط العدد.
(ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال) لأنه من المصالح، (فإن لم يكن) فيه مال، أو كان ولكن كان ثَمّ مصرفٌ أهمُّ من ذلك ( .. فأجرته على الشركاء) لأنه يعمل لهم، وفُرِّق بينه وبين القاضي؛ حيث لا يجوز له أخذ أجرة على الحكم: بأن القضاء حق الله تعالى، والقسمة من حقوق الآدميين المتمحضة.
وقضية هذا الفرق: أن للقاضي أخذَ الأجرة إذا قسم بينهم، وفيه نظر.
(فإن استأجروه وسمّى كل قدرًا .. لزمه) سواء تساووا فيه أو تفاضلوا، (وإلا) أي: وإن سموا له أجرة، ولم يسم كل واحد ما يخصه، بل أطلقوا ( .. فالأجرة موزعة على الحصص) لأنها من مؤن الملك؛ كنفقة المشترك، (وفي قول: على الرؤوس) لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعًا، وقد يكون الحساب في الجزء القليل أغمض. ومنهم من قطع بالأول، وهو ما صححه في "أصل الروضة"(1)؛ إذ قد يكون له سهم من ألف سهم، فلو ألزم نصف الأجرة .. فربما استوعب قيمة نصيبه، وهو مدفوع في العقول، هذا في غير قسمة التعديل، أما فيها .. فإنها توزع بحسب المأخوذ قلة أو كثرة، لا بحسب الحصص على الأصح؛ لأن العمل في الكثير أكثر.
(1) روضة الطالبين (11/ 202).
ثُمَّ مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ وَثَوْبٍ نَفِيسَيْنِ وَزَوْجَيْ خُفٍّ؛ إِنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ .. لَمْ يُجِبْهُمُ الْقَاضِي، وَلَا يَمْنَعُهُمْ إِنْ قَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ إِنْ لَمْ تبطُلْ مَنْفَعَتُهُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ، وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونٍ صَغِيرَيْنِ .. لَا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ .. أُجِيبَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لَا تَصلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لآخَرَ .. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشْرِ بِطَلَبِ صَاحِبهِ دُونَ عَكْسِهِ. وَمَا لَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فَقِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: بِالأَجْزَاءِ
===
(ثم ما عظم الضرر في قسمته؛ كجوهرة وثوب نفيسين وزوجي خف؛ إن طلب الشركاء كلهم قسمته .. لم يجبهم القاضي) إذا كانت تبطل منفعته بالكلية، ويمنعهم أن يقسموا لأنفسهم أيضًا؛ لأنه سفه.
(ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته) بالكلية (؛ كسيف يكسر)، ولا يجيبهم إلى ذلك على الأصح.
(وما يبطل نفعه المقصود؛ كحمّام وطاحون (1) صغيرين .. لا يجاب طالب قسمته) جبرأ (في الأصح) لما فيه من الضرر للآخر، وفي الحديث:"لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، رواه مالك وغيره (2)، والثاني: يجاب إن انتفع به بعد القسمة بوجه ما.
(فإن أمكن جعله حمامين) أو طاحونين ( .. أجيب) وأجبر الممتنع؛ إذ لا ضرر فيه، ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد .. أجبر أيضًا على الأصح؛ لتيسر التدارك.
(ولو كان له عشر دار لا تصلح للسكنى والباقي لآخر .. فالأصح: إجبار صاحب العشر بطلب صاحبه) لأن الطالب ينتفع بها، وضرر صاحب العشر لا ينشأ من مجرد القسمة، بل سببه قلة نصيبه، والثاني: المنع؛ لضرر شريكه، (دون عكسه) لأنه مضيع لماله متعنت، والثاني: يجبر؛ ليتميز ملكه.
(وما لا يعظم ضرره فقسمته أنواع: أحدها: بالأجزاء) وتسمى: قسمة
(1) في (ز): (وطاحونة).
(2)
الموطأ (2/ 745) مرسلًا عن يحيى بن عمارة المازني رحمه الله تعالى، وأخرجه الحاكم (2/ 57 - 58)، والبيهقي (6/ 69) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
كَمِثْلِيٍّ، وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الأَبْنِيَةِ، وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الأَجْزَاءِ، فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ، فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ ذَرْعًا بِعَدَدِ الأَنْصِبَاءِ إِنِ اسْتَوَتْ، وَيُكْتَبُ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمُ شَرِيكٍ أَوْ جُزْءٌ مُمَيَّزٌ بِحَدٍّ أَوْ جِهَةٍ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُسْتَوِيَةٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضرْهَا رُقْعَةً عَلَى الْجُزْءِ الأَوَّلِ إِنْ كَتَبَ الأَسْمَاءَ، فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ أسْمُهُ، أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إِنْ كَتَبَ الأَجْزَاءَ،
===
الأجزاء، وقسمة المتشابهات (كمثلي) كالحبوب والنقود، (ودار متفقة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجبر الممتنع) على هذه القسمة، سواء استوت الأنصباء أم تفاوتت؛ لينتفع الطالب بماله على الكمال ويتخلص من سوء المشاركة، مع أنه لا ضرر فيها على الشريك؛ كما لو اختلط له درهم بعشرة.
(فتعدل السهام كيلًا) في المكيل (أو وزنًا) في الموزون (أو ذرعًا) في المذروع؛ كالأرض المتساوية (بعدد الأنصباء إن استوت) كما إذا كانت بين ثلاثة أثلاثًا .. فتجعل ثلاثة أجزاء، ثم تؤخذ ثلاث رقاع متساوية، (ويكتب في كل رقعة اسم شريك) من الشركاء (أو جزء) من الأجزاء (مميز بحد أو جهة) أو غيرهما، (وتدرج في بنادق مستوية) وزنًا وشكلًا من طين مجفف أو شمع، ويجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والإدراج، فإن كان صبيًّا أو أعجميًّا .. كان أولى؛ لأن القصد سترها عن المخرِج حتى لا يتوجه إليه تهمة.
وإنما ذكر التساوي في البنادق؛ لأنها لو اختلفت .. لسبقت الكبيرة إلى اليد، وفيه ترجيح لصاحبها.
(ثم يخرج من لم يحضرها) أي: لم يحضر هذه الأمور المذكورة (رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء) في الرقاع، (فيعطي من خرج اسمه)، ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يليه، فمن خرج اسمه من الآخرين .. أخذه، ويتعين الثالث للثالث، ويقاس على هذا المثال، (أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء) أي: وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء .. أخرجت رقعة باسم زيد مثلًا، ثم أخرى باسم عمرو، ويتعين الثالث للثالث، والاعتبارُ في البداءة بواحد من الشركاء والأجزاء منوطٌ بنظر القاسم، فيقف على أي طرف شاء، ويسمي من شاء.
فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ .. جُزِّئَتِ الأَرْضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ وَقُسِّمَتْ كَمَا سَبَقَ، وَيَحْتَرِزُ عَنْ تَفْرِيقِ حِصَّةِ وَاحِدٍ. الثَّانِي: بِالتَّعْدِيلِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إِنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلٍّ لِوَاحِدٍ .. فَلَا إِجْبَارَ، أَوْ عَبيدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ .. أُجْبِرَ، أَوْ نَوْعَيْنِ .. فَلَا
===
(فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس .. جزئت الأرض على أقل السهام)، فتجزأ في مثاله ستة أجزاء، (وقسمت كما سبق، ويحترز عن تفريق حصة واحد).
قوله: (ويحترز عن تفريق حصة واحد): يحتمل أنه احترز به عن كتابة الأجزاء في الرقاع؛ فإنه إذا كتبها وأخرجت على الأسماء .. ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس، فيفرق ملك من له النصف أو الثلث، فيتعين حينئذ كتابة الأسماء وهو وجه، والأصح: الجواز، وقوله:(وقسمت كما سبق): يقتضيه، ولكن الأولى أن تكتب الأسماء دون الأجزاء؛ لما ذكرناه.
وطريق الاحتراز عن تفريق حصة واحد حينئذ: ألا يخرج اسم صاحب السدس أولًا؛ فإن التفريق إنما جاء من قِبله.
النوع (الثاني: بالتعديل؛ كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إنبات وقرب ماء) ونحو ذلك مما يرفع قيمة أحد الطرفين على الآخر، فيكون ثلثها لجودته مثل ثلثيها بالقيمة مثلًا، فيجعل هذا سهمًا وهذا سهمًا إن كانت بينهما نصفين، وإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس .. جعلت ستة أسهم بالقيمة دون المساحة.
(ويجبر عليها في الأظهر) إلحاقًا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، والثاني: لا؛ لاختلاف الأغراض والمنافع.
(ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين فطلب جعل كل لواحد .. فلا إجبار)، سواء تجاورا أو تباعدا؛ لتفاوت الأغراض باختلاف المحال والأبنية، (أو عبيد أو ثياب) أو دوابَّ (من نوع .. أجبر) لقلة الأغراض فيها، بخلاف الدور، (أو نوعين) كعبدين؛ تركي وهندي، وثوبين؛ أَبْرَيسم وكتان، أو جنسين؛ كعبد وثوب ( .. فلا) إجبار؛
الثَّالِثُ: بِالرَّدِّ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُهُ قِسْطَ قِيمَتِهِ، وَلَا إِجْبَارَ فِيهِ، وَهُوَ بَيْعٌ، وَكَذَا التَّعْدِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِسْمَةُ الأَجْزَاءِ إِفْرَازٌ فِي الأَظْهَرِ
===
لشدة تعلق الأغراض بكل جنس وبكل نوع، وإنما يقسم مثل هذا بالتراضي.
النوع (الثالث: بالرد؛ بأن يكون في أحد الجانبين بئر أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يأخذه قسط قيمته) كما إذا كانت قيمةُ كل جانب ألفًا وقيمةُ البئر أو الشجر ألفًا فاقتسما .. رد آخذ ما فيه البئر أو الشجر خمسَ مئة.
(ولا إجبار فيه) أي: في هذا النوع؛ لأنه دخله ما لا شركة فيه، وهو المال المردود، فإذا تراضيا على قسمة الرد .. جاز أن يتفقا على من يأخذ النفيس يرد، ويجوز أن يحكِّما القرعة؛ ليرد من خرج له النفيس.
(وهو) أي: هذا النوع، وهو قسمة الرد (بيع) لوجود حقيقته، وهو مقابلة المال بالمال، فيثبت فيها أحكام البيع؛ من الخيار والشفعة وغيرهما، إلا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك والقبول.
(وكذا التعديل على المذهب) لأن كل جزء مشترك بينهما، وإنما دخلها الإجبار؛ للحاجة؛ كما يبيع الحاكم مال المديون جبرًا، والطريق الثاني: طرد القولين في قسمة الأجزاء.
(وقسمة الأجزاء إفراز في الأظهر) لأنها لو كانت بيعًا .. لما دخلها الإجبار ولما جاز الاعتماد على القرعة، ومعنى الإفراز: أن القسمة تبين أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه؛ كالمال الثابت في الذمة يتعين بالقبض وإن لم تكن العين المقبوضة دينًا، ولا نجعلها عوضًا عن الدين؛ إذ لو قدرنا ذلك .. لما صح قبض المسلَم فيه من جهة امتناع الاعتياض عنه، والثاني: أنها بيع؛ لأن ما من جزء من المال إلا وكان مشتركًا بينهما، فإذا اقتسما .. فكأنه باع كل منهما ما كان له في حصة صاحبه بما له في حصته، وصححه الشيخان في أوائل (باب الربا)، وفي (باب زكاة المعشرات)(1).
(1) الشرح الكبير (4/ 82، 3/ 63)، روضة الطالبين (3/ 384 - 385، 2/ 238 - 239).
وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ. وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لَا إِجْبَارَ فِيهِ .. اشْتُرِطَ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الأَصَحِّ، كَقَوْلِهِمَا:(رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ)، أَوْ (بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ). وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ غَلَطٌ أَوْ حَيْفٌ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ .. نُقِضَتْ،
===
(ويشترط في الرد: الرضا بعد خروج القرعة) لأنها بيع، والبيع لا يحصل بالقرعة، فافتقر إلى التراضي بعد خروجها.
(ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه .. اشترط الرضا بعد خروج القرعة في الأصح)، هذه العبارة فيها خلل من وجهين: أحدهما: أن ما لا إجبار فيه هو قسمة الرد فقط، وقد ذكرها قبلها بلا فاصلة، وجزم باشتراط الرضا، فلزم التكرار مع جزمهِ أولًا وحكايةِ الخلاف ثانيًا، الثاني: أنه عكس ما في "المحرر"؛ فإنه لم يذكر فيه هذا الخلاف إلا في قسمة الإجبار، فقال:(والقسمة التي يجبر عليها إذا جرت بالتراضي .. هل يعتبر تكرار الرضا بعد خروج القرعة؟ فيها وجهان، رجح منهما التكرير)(1).
والظاهر: أن ما وقع في "الكتاب" سبق قلم، ولعله أراد أن يكتب:(ما الإجبار فيه) بالألف واللام، ثم أسقط الألف، فقرئت:(ما لا إجبار فيه)، فالصواب: إثباتُ الألف وقراءتُها: (ما الإجبار فيه)، وبه يزول إشكال التكرار والتناقض والتعاكس، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف فيما إذا حكما رجلًا فحكم بينهما؛ هل يكفي الرضا الأول أم لا؟
(كقولهما: "رضينا بهذه القسمة"، أو "بما أخرجته القرعة") لأن الرضا أمر خفي، فوجب أن يناط بأمر ظاهر يدل عليه.
(ولو ثبت ببينة غلط أو حيف في قسمة إجبار .. نقضت) كما لو قامت بينة على ظلم القاضي وكذب الشهود.
ولو حذف لفظ (البينة) .. لكان أخصر وأشمل؛ لتناوله ما إذا ثبت ذلك بإقرار الخصم، أو باليمين المردودة، أو بعلم القاضي الحاكم .. فكل ذلك يثبت به، وليس ببينة.
(1) المحرر (ص 495).
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ: بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ وَاحِدٌ .. فَلَهُ تَحْلِيفُ شَرِيكِهِ، وَلَوِ ادَّعَاهُ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ وَقُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْغَلَطِ، فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى. قُلْتُ: وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ .. نُقِضَتْ إِنْ ثَبَتَ، وَإِلَّا .. فَيَحْلِفُ شَرِيكُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا .. بَطَلَتْ فِيهِ، وَفِي الْثَّانِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، أَوْ مِنَ النَّصِيبَيْنِ مُعَيَّنٌ سَوَاءٌ .. بَقِيَتْ، وَإِلَّا .. بَطَلَتْ.
===
(فإن لم تكن بينة وادعاه واحد) من الشريكين على شريكه ( .. فله تحليف شريكه) لأن من ادعى على خصمه ما لو أقر به لنفعه فأنكر .. كان له تحليفه، فإن نكل وحلف المدعي .. نقضت القسمة؛ كما لو أقر، وإن حلف .. مضت على الصحة.
(ولو ادعاه) أي: الغلطَ أو الحيفَ (في قسمة تراض وقلنا: هي بيع .. فالأصح: أنه لا أثر للغلط، فلا فائدة لهذه الدعوى) وإن تحقق الغلط؛ لأنه رضي بترك الزيادة له، فصار كما لو اشترى شيئًا بغبن، والثاني: أنها تنقض؛ لأنهما تراضيا لاعتقادهما أنهما قسمة عدل.
(قلت: وإن قلنا: إفراز .. نقضت إن ثبت) الغلط أو الحيف؛ لأن الإفراز لا يتحقق مع التفاوت، (وإلا) أي: وإن لم يثبت ( .. فيحلف شريكه، والله أعلم) وهذا كله إذا اعتبرنا الرضا بعد خروج القرعة، فإن لم نعتبره .. فالحكم كما لو ادعى الغلط في قسمة الإجبار.
(ولو استحق بعض المقسوم شائعًا) كالربع مثلًا ( .. بطلت فيه، وفي الثاني (1): قولا تفريق الصفقة)، فيصح في الباقي في الأظهر ويثبت الخيار، ويبطل في الكل على القول الثاني، (أو من النصيبين معين سواء .. بقيت، وإلا .. بطلت) أي: إذا استُحِقَّ شيء معين؛ فإن اختص المستحق بنصيب أحدهما، أو عم النصيبين لكنه في نصيب أحدهما أكثر .. بطلت القسمة؛ لأن ما تبقى لكل واحد لا يكون قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، وتعود الإشاعة، وإن استوى المستحق في نصيبهما .. بقيت القسمة في الباقي؛ لأنه لا تراجع بين الشريكين.
* * *
(1) في (ز) و (هـ): (وفي الباقي).