المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل [في آداب القضاء وغيرها] - بداية المحتاج في شرح المنهاج - جـ ٤

[بدر الدين ابن قاضي شهبة]

فهرس الكتاب

- ‌كتابُ الجراح

- ‌فَصْلٌ [في اجتماع مباشرتين]

- ‌فَصْلٌ [في شروط القود]

- ‌فَصْلٌ [في تغير حال المجروح بحرية أو عصمة أو إهدار أو بمقدار للمضمون به]

- ‌فَصْلٌ [في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني]

- ‌بابُ كيفيَّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه

- ‌فَصْلٌ [في اختلاف مستحق الدم والجاني]

- ‌فَصْلٌ [في مستحق القود ومستوفيه وما يتعلق بهما]

- ‌فَصْلٌ [في موجب العمد وفي العفو]

- ‌كتابُ الدِّيات

- ‌فَصْلٌ [في موجب ما دون النفس من جرح أو نحوه]

- ‌فَرْعٌ [في موجب إزالة المنافع]

- ‌فَرْعٌ [في اجتماع جنايات على شخص]

- ‌فَصْلٌ [في الجناية التي لا تقدير لأرشها والجناية على الرقيق]

- ‌‌‌بابُ موجبات الدِّية والعاقلة والكفَّارة

- ‌بابُ موجبات الدِّية والعاقلة والكفَّارة

- ‌فَصْلٌ [في الاصطدام ونحوه مما يوجب الاشتراك في الضمان وما يذكر مع ذلك]

- ‌فَصْلٌ [في العاقلة وكيفية تأجيل ما تحمله]

- ‌فَصْلٌ [في جناية الرقيق]

- ‌فَصْلٌ [في الغرة]

- ‌فَصْلٌ [في كفارة القتل]

- ‌كتابُ دعوى الدَّم والقسامة

- ‌فَصْلٌ [فيما يثبت به موجب القود وموجب المال بسبب الجناية من إقرار وشهادة]

- ‌كتابُ البُغاة

- ‌فَصْلٌ [في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة]

- ‌كتابُ الرِّدَّة

- ‌كتابُ الزِّنا

- ‌كتابُ حد القذف

- ‌كتابُ قطع السرقة

- ‌فصلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]

- ‌ باب

- ‌فصلٌ [في شروط السارق الذي يقطع]

- ‌بابُ قاطع الطريق

- ‌فَصْلٌ [في اجتماع عقوبات على شخص واحد]

- ‌كتابُ الأشربة

- ‌فَصْلٌ [في التعزير]

- ‌كتابُ الصِّيال وضمان الولاة

- ‌فَصْلٌ [في حكم إتلاف البهائم]

- ‌كتابُ السِّيَر

- ‌فَصْلٌ [في مكروهات ومحرمات ومندوبات في الجهاد وما يتبعها]

- ‌فَصْلٌ [في حكم الأسر وأموال أهل الحرب]

- ‌فَصْلٌ [في أمان الكفار]

- ‌كتابُ الِجزْيَة

- ‌فَصْلٌ [في مقدار الجزية]

- ‌باب

- ‌فَصْلٌ [في أحكام عقد الجزية]

- ‌بابُ الهدنة

- ‌كتابُ الصَّيد والذَّبائح

- ‌فَصْلٌ [في آلة الذبح والصيد]

- ‌فَصْلٌ [فيما يملك به الصيد وما يذكر معه]

- ‌كتاب الأضحية

- ‌فَصْلٌ [في العقيقة]

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌كتاب المسابقة والمناضلة

- ‌كتابُ الأيمان

- ‌فصلٌ [في صفة الكفارة]

- ‌فصلٌ [في الحلف على السكنى والمساكنة وغيرهما]

- ‌فصلٌ [في الحلف على أكل وشرب مع بيان ما يتناوله]

- ‌فصلٌ [في مسائل منثورة ليقاس بها غيرها]

- ‌فصلٌ [في الحلف على ألا يفعل كذا]

- ‌كتاب النَّذر

- ‌فصلٌ [في نذر النسك والصدقة والصلاة وغيرها]

- ‌كتابُ القضاء

- ‌فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]

- ‌(باب

- ‌فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

- ‌فصلٌ [في التسوية وما يتبعها]

- ‌بابُ القضاء على الغائب

- ‌فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

- ‌فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

- ‌بابُ القِسْمَة

- ‌كتابُ الشهادات

- ‌فصلٌ [فيما يعتبر فيه شهادة الرجال]

- ‌فصلٌ [في تحمل الشهادة وأدائها]

- ‌فصلٌ [في الشهادة على الشهادة]

- ‌فصلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

- ‌كتابُ الدعوى والبيّنات

- ‌فصلٌ [فيما يتعلق بجواب المدعى عليه]

- ‌فصلٌ [في كيفية الحلف والتغليظ فيه]

- ‌فصلٌ [في تعارض البينتين]

- ‌فصلٌ [في اختلاف المتداعيين في العقود]

- ‌فصلٌ [في شروط القائف]

- ‌كتابُ العتِق

- ‌فصلٌ [في العتق بالبعضية]

- ‌فصلٌ [في الإعتاق في مرض الموت وبيان القرعة في العتق]

- ‌فصلٌ [في الولاء]

- ‌كتابُ التَّدبير

- ‌فصلٌ [في حكم حمل المدبرة]

- ‌كتابُ الكِتابة

- ‌فَصْلٌ [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]

- ‌فَصْلٌ [في بيان لزوم الكتابة وجوازها]

- ‌فَصْلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة]

- ‌كتابُ أمّهات الأولاد

- ‌أهمّ مصادر ومراجع التّحقيق

الفصل: ‌فصل [في آداب القضاء وغيرها]

وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بحُكْمِهِ .. حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ.

‌فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلِّيهِ، وَيُشْهِدْ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ يَخْرُجَانِ مَعَهُ إِلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالْحَالِ،

===

ولا يحلف، وكذا لو ادعى على شاهد أنه شهد بالزور وأراد تغريمه؛ لأنهما أمينان شرعًا، ولو فتح باب تحليفهما .. لاشتد الأمر، ورغب الناس عن القضاء والشهادة، وقيل: يحلفان؛ كسائر الأمناء.

واشتراط المصنف البينة ينافي جزمه أولًا بعدم سماع الدعوى، وعبارة "الروضة" و"أصلها": لم يمكّن، ولا يحلف القاضي ولا تغني إلا البينة (1).

والظاهر: أن مراد المصنف: أنه لا تسمع الدعوى إلا إذا كان هناك بينة؛ كما تقدم في القاضي المعزول.

(وإن لم يتعلق) دعوى الجور (بحكمه) بل ادعى عليه حقًّا يتعلق بنفسه ( .. حكم بينهما خليفته أو غيره) كآحاد الرعايا. قال السبكي: هذا إذا كانت الدعوى مما لا يقدح فيه، ولا يوجب عزله، فإن كانت بقادح .. فالقطع بأنها لا تسمع ولا يحلف، ولا طريق حينئذ إلا البينة، ويخالف سماع الدعوى على المعزول بالغصب والإتلاف؛ لأن المتولي نائب الشرع، والمعزول بخلافه.

* * *

(فصل: ليكتب الإمام لمن يوليه) ما فوضه إليه ندبًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم، ولم يكتب لمعاذ (2)، ويكتب فيه ما يحتاج القاضي إلى القيام به، ويعظه فيه.

(ويشهد بالكتاب شاهدين يخرجان معه إلى البلد) ولو قرب (يخبران بالحال) عن

(1) روضة الطالبين (11/ 130)، الشرح الكبير (12/ 448).

(2)

حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه أخرجه النسائي (8/ 59)، ومالك (2/ 849)، وحديث معاذ رضي الله عنه أخرجه أبو داوود (3592)، والترمذي (1327).

ص: 450

وَتَكْفِي الاسْتِفَاضَةُ فِي الأَصَحِّ، لَا مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، وَيَدْخُلُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ، وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ - فَمَنْ قَالَ:(حُبِسْتُ بِحَقٍّ) .. أَدَامَهُ، أَوْ ظُلْمًا .. فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ،

===

مشاهدة التولية حتى يلزم أهل البلد قضاؤه؛ إذ لا يمكن قبول مجرد دعواه، (وتكفي الاستفاضة) إذا لم يشهد ولا كتب (في الأصح) لحصول المقصود، والثاني: المنع؛ لأن التولية عقد، والعقود لا تثبت بالاستفاضة؛ كالإجارة والوكالة.

ومحل الخلاف: في البلد القريب، ومنهم من أطلقه؛ كما هو ظاهر إيراد المصنف، قال الرافعي: ويشبه ألّا يكون في هذا خلاف، ويكون التعويل على الاستفاضة (1).

(لا مجرَّد كتاب على المذهب) لاحتمال التزوير، وقيل: وجهان، ووجه القبول: بُعْدُ الجرأة في مثل ذلك على الإمام.

(ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) قبل دخوله؛ ليعاملهم إذا دخل بما يليق بهم، فإن تعسر .. فبعد دخوله.

(ويدخل يوم الاثنين) لأنه عليه الصلاة والسلام دخل المدينة يوم الاثنين (2)، فإن فاته .. فالخميس، وإلا .. فالسبت.

(وينزل وسط البلد) ليتساوى الناس كلهم في القرب منه (وينظر أولًا في أهل الحبس) لأن الحبس عذاب، فينظر هل يستحقونه أم لا؟ والتقديم مستحب؛ كما صرح به الرافعي في آخر (الآداب)، ونقل ابن الرفعة عن الإمام: أنه واجب.

(فمن قال: "حبست بحق" .. أدامه) إن لم يؤد ما عليه ولم يثبت إعساره؛ لأنه الحق.

نعم؛ إن كان حبسه لتعزير ورأى إطلاقه .. فله ذلك.

(أو ظلمًا .. فعلى خصمه حجة) إن كان حاضرًا، والقول قول المحبوس بيمينه، فإن لم يقمها .. أطلقه، ونازع البُلْقيني في هذا؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم

(1) الشرح الكبير (12/ 450).

(2)

أخرجه البخاري (3906) عن عائشة رضي الله عنها.

ص: 451

فَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ - ثُمَّ الأَوْصِيَاءِ، فَمَنِ ادَّعَى وِصَايَةً .. سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ حَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا .. أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ، أَوْ ضَعِيفًا .. عَضَدَهُ بِمُعِينٍ،

===

بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي، وخصمه هو المدعى عليه، فالقول: قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وهي حبس الحاكم له، وبسط ذلك.

(فإن كان) خصمه (غائبًا) عن البلد ( .. كتب إليه ليحضر) لفصل الخصومة بينهما، فإن لم يحضر .. أطلق، واستشكله البُلْقيني بنحو ما تقدم.

ويكفي الخصم إقامة بينة بإثبات الحق الذي حبسه به، أو بأن القاضي المعزول حكم عليه بذلك.

(ثم الأوصياء) على الأطفال والمجانين، وكل من كان على مال عام كصدقة؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المطالبة بماله، فكان تقديمهم أولى.

(فمن ادعى وصاية .. سأل عنها) أي: عن ثبوتها؛ إما بتنفيذ من قبله، أو بقيام بينة بها عنده، (وعن حاله وتصرفه؛ فمن وجده فاسقًا .. أخذ المال منه) وجوبًا، ووضعه عند غيره من الأمناء.

وكلامه يفهم: أنه لا يأخذه منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح (1)، قال في "التوشيح": والأرجح [في النظر - وهو ما كنت أشاهده من صنع الشيخ الإمام -: الانتزاع، ورجحه البُلْقيني، لكن قال الأَذْرَعي: إن عدم الانتزاع أقرب إلى كلام الشيخين، وهو ظاهر كلام الجمهور.

قال البُلْقيني: ومحل الوجهين: ما إذا لم تثبت عدالته عند الأوّل، فإن ثبتت وأطلق تصرفه .. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا] (2).

(أو ضعيفًا) عن القيام بها؛ لكثرة المال أو غيره مع كونه أمينًا ( .. عضده بمعين) ولا يرفع يده، ومن وجده أهلًا أقرّه.

ثم بعد الأوصياء ينظر في أمناء القاضي المنصوبين من جهة القاضي قبله، والحكم

(1) روضة الطالبين (11/ 134)، الشرح الكبير (12/ 454).

(2)

ما بين المعقوفين زيادة من غير (أ).

ص: 452

وَيَتَّخِذُ مُزَكِّيًا وَكَاتِبًا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، عَدْلًا، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، وَوُفُورُ عَقْلٍ، وَجَودَةُ خَطٍّ، وَمُتَرْجِمًا. وَشَرْطُهُ: عَدَالَةٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَدٌ،

===

فيهم ما ذكرناه في الأوصياء، لكن له أن يعزل من شاء منهم ويولي غيره، بخلاف الأوصياء؛ لأن الأمين مولى من جهة القاضي، بخلاف الوصي.

ثم ينظر في الأوقاف العامة والمتولين لها، وفي اللقطة والضوال، ويرتب الحكم عليها، ويقدم الأهمّ فالأهمّ.

(ويتخذ مُزكّيًا) لشدة الحاجة إليه؛ فإنه يعرف حال من يجهل عدالته من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه، وصفته يأتي بيانها آخر الباب.

(وكاتبًا) لتوقع الحاجة إليه؛ لأنه مشغول بالحكم والاجتهاد، واشتغاله بالكتابة يقطعه عن ذلك.

(ويشترط كونه مسلمًا عدلًا) لتؤمن خيانته؛ إذ قد يغفل القاضي عند قراءة ما يكتبه أو يقرؤه، وتشترط حريته وذكورته (عارفًا بكتابة محاضر وسجلات) لأنه إذا لم يعرف ذلك .. أفسد ما يكتبه.

(ويستحب فقهٌ) فيما يتعلق بالمحاضر ونحوها؛ لئلا يؤتى من الجهل، (ووفور عقل) لئلا يخدع ويدلس عليه، (وجودة خط) أي: يكون خطه حسنًا واضحًا مع ضبط الحروف وترتيبها - فلا يترك فسحة يمكن إلحاق شيء فيها - وتفصيلها؛ فلا يكتب سبعة مثل تسعة، ولا ثلاث مثل ثلاثين؛ لئلا يقع الغلط والاشتباه.

(ومترجمًا) لأن القاضي قد لا يعرف لسان بعض الخصوم والشهود، فلا بدّ ممن يطلعه عليه، قال المنكت: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة، فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن الشخص الواحد يحيط بجميعها، وأبعد منه أن يتخذ من كل لغة اثنين لعظم المشقة، فالأقرب: أن يتخذ من التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا.

(وشرطه: عدالة، وحرية، وعدد) وهو رجلان، أو رجل وامرأتان إن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، وقيل: يعتبر في ترجمة الزنا أربعة؛ لأنه ينقل إلى القاضي

ص: 453

وَالأَصحُّ: جَوَازُ أَعْمَى، وَاشْتِرَاطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ. وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّأْدِيبِ، وَسِجْنًا لِأدَاءِ حَقٍّ وَتَعْزِيرٍ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيحًا، بَارِزًا، مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ، لَائِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ،

===

قولًا لا يعرفه، فصارت شهادة بإقرار، فجرى عليها حكم الشهادات.

(والأصح: جواز أعمى)؛ لأن الترجمة تفسير اللفظ، فلا يحتاج إلى معاينة وإشارة، بخلاف الشهادة، فعلى هذا: يكلف القاضي من حضر السكوت حتى لا يتكلم غير الخصم، والثاني: لا؛ كالشاهد.

(واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) كالمترجم، والثاني: لا يشترط؛ لأن المسمع لو غيّر .. أنكر عليه الخصم والحاضرون، بخلاف المترجم، وهذا في إسماع كلام الخصم للقاضي، فأما إسماع ما يقوله القاضي وما يقوله الخصم .. فلا يشترط فيه العدد؛ لأنه إخبار محض، قاله القفال، وأقرّاه (1).

(ويتخذ دِرّة للتأديب، وسجنًا لأداء حق وتعزير) اقتداء بالفاروق رضي الله عنه قال الشعبي: وكانت درة عمر رضي الله عنه أهيب من سيف الحجاج.

قال الدميري: وفي حفظي من شيخنا أنها كانت من نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ما ضرب بها أحدًا من ذنب، وعاد إليه (2)، وفي "أدب القضاء" للقاضي شريح وجهان في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا.

(ويستحب كون مجلسه فسيحًا) أي: واسعًا؛ كيلا يتأذى بضيقه الخصوم (بارزًا) أي: ظاهرًا؛ ليعرفه من يريده من مستوطن وغريب، وفسره الرافعي: بما لا يكون دونه حجاب، قال في "الروضة": ويكره اتخاذ الحاجب إذا كان ثم زحمة، ولا يكره في أوقات الخلوة على الصحيح (3).

(مصونًا من أذى حرٍّ وبرد) وريح وغبار ودخان؛ كيلا يتأذى به (لائقًا بالوقت) فيجلس في الشتاء في كنّ، وفي الصيف في فضاء، (والقضاء) هذه من زياداته على

(1) الشرح الكبير (12/ 457)، روضة الطالبين (11/ 136).

(2)

النجم الوهاج (10/ 184).

(3)

الشرح الكبير (12/ 459)، روضة الطالبين (11/ 139).

ص: 454

لَا مَسْجِدًا، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشِبَعٍ مُفْرِطَيْنِ، وَكُلِّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ،

===

"المحرر"، وكأن المراد به: ما نقلاه عن ابن حربويه وغيره أنه يستحب جلوسه بمرتفع كدكة ونحوها (1)، ويوضع له فراش ووسادة؛ ليعرفه كل داخل، ويكون أهيب عند الخصوم، وصرح به الماوردي أيضًا قال: ويفعله وإن كان موصوفًا بالزهد والتواضع؛ للحاجة إلى قوة الرهبة والهيبة (2)، ونص عليه الرافعي؛ كما قاله في "المرشد".

(لا مسجدًا) فإنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم؛ صونًا له عن ارتفاع الأصوات واللغط، وقيل: لا يكره، وبه قال الأئمة الثلاثة؛ كما لا يكره الجلوس فيه للفتوى وتعلم القرآن والعلم، وموضع الكراهة: اتخاذه لذلك، فلو اتفقت قضية أو قضايا وهو في المسجد .. فلا بأس بفصلها، وعلى ذلك حمل ماجاء عنه صلى الله عليه وسلم، وعن خلفائه في القضاء في المسجد.

(ويكره أن يقضي في حال غضب، وجوع، وشبع مفرطين [وكل حال يسوء خلقه])(3) كالمرض ومدافعة الأخبثين، وشدة الحزن أو السرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب (4)، وقيس الباقي عليه؛ لأن فهمه وفكره يختلّ بذلك، فلو قضى .. نفذ حكمه.

(ويندب أن يشاور الفقهاء) لقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} قال الحسن البصري: كان عليه السلام مستغنيًا عنها، ولكن أراد أن تصير سنة للحكام.

والمراد بـ (الفقهاء) كما قاله جمع من الأصحاب: الذين يجوز لهم الإفتاء، قال الماوردي: لا فاسقًا، وفي جواز مباحثته وجهان، وإذا أشكل الحكم .. تكون المشاورة واجبة، وإلا فمستحبة، قاله القاضي الحسين (5).

(1) المحرر (ص 487)، الشرح الكبير (12/ 460)، روضة الطالبين (11/ 138).

(2)

الحاوي الكبير (20/ 343).

(3)

ما بين المعقوفين زيادة من (ز) وفي (و): (وكل حال يسيء خلقه).

(4)

أخرجه البخاري (7158)، ومسلم (1717) عن أبي بكرة رضي الله عنه.

(5)

الحاوي الكبير (20/ 104).

ص: 455

وَأَلَّا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ .. حَرُمَ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلَا خُصُومَةَ .. جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ،

===

(وألّا يشتري ويبيع بنفسه) في عمله بل يكره؛ لئلا يُحابى، (ولا يكون له وكيلٌ معروف) كيلا يُحابى أيضًا، والإجارة وسائر المعاملات كالبيع والشراء، بل نص في "الأم": على أنه لا ينظر في نفقة عياله ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره تفريغًا لقلبه (1).

(فإن أهدى إليه من له خصومة، أو لم يهد قبل ولايته) ولا خصومة له ( .. حرم قبولها) لأنه في الأولى يميل إليه، وينكسر به قلب خصمه، وأما في الثانية .. فلأن سبب الهدية الولاية، وقد صرّحت الأحاديث بتحريم هدايا العمال (2)، فلو قبلها .. لم يملكها، ومتى كانت الهدية لأجل الحكم له بغير حق أو ليمتنع من الحكم عليه بالحق .. فهي رشوة محرمة إجماعًا.

ومثله: لو بذل له مالًا ليحكم له بحق ولولا البذل لما قضى له به .. قال الأَذْرَعي: ولا أعرف في تحريم هذا خلافًا، ولا شك فيه، ولكنه أقل مأثمًا من الضرب الأول. وسواء في الهدية كان المهدي من أهل عمل القاضي أو من غيره وقد حملها إليه؛ لأنه صار في عمله؛ فلو جهزها مع رسول وليس له محاكمة .. ففي جواز قبولها وجهان، ولو كان القاضي في غير عمله .. لم يحرم عليه أخذ الهدية، سواء كان المهدي من أهل عمله أم لا إلا أن يستشعر القاضي أنها مقدمة خصومة فتحرم.

(وإن كان يُهدي ولا خصومة .. جاز بقدر العادة) لخروج ذلك عن سبب الولاية، فانتفت التهمة.

وقوله: (بقدر العادة) من زياداته على "المحرر" من غير تمييز، واحترز به: عمّا إذا زاد .. فإنه يحرم؛ لأن الزيادة حدثت بالولاية، وقضيته: اختصاص التحريم بالقدر الزائد، لكن قول "الروضة" و"أصلها": (فإن زاد المهدي على قدر

(1) الأم (7/ 492).

(2)

أخرجه البخاري (7174)، ومسلم (1832) عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه.

ص: 456

وَالأَوْلى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا. وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَحْكُمُ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ .. لَزِمَهُ،

===

المعهود .. صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية) (1) .. يقتضي تحريم الكل، قال البُلْقيني: والمعتمد: اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا .. حرم الكل.

(والأولى: أن يثيب عليها) أو يضعها في بيت المال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدية ويثيب عليها (2).

والأولى: سد باب القبول؛ حسمًا للباب، قال الماوردي: ونزول القاضي على أهل عمله ضيفًا كقبول هديتهم (3).

وهل للقاضي تخصيص بعض رعاياه بإنفاذ هدية له؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي شريح في "أدب القضاء".

(ولا ينفذ حكمه لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك) للتهمة.

نعم؛ له تعزير من أساء الأدب عليه فيما يتعلق بأحكامه كقوله: (حكمت عليّ بالجور)، ونحو ذلك.

(وكذا أصله وفرعه على الصحيح) لأنهم أبعاضه، فأشبه قضاءه لنفسه، والثاني: ينفذ؛ لأن القاضي أسير البينة، فلا يظهر فيه تهمة، بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالشاهد خاصة، ولا ينفذ حكمه لهما بعلمه قطعًا، وله أن يحكم عليهما قطعًا؛ لانتفاء التهمة.

(ويحكم له) أي: للقاضي (ولهؤلاء الإمام أو قاضٍ آخر) أجنبي مستقل؛ لانتفاء التهمة، (وكذا نائبه على الصحيح) كبقية الحكام، والثاني: لا؛ للتهمة.

(وإذا أقرّ المُدَّعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه) سواء قلنا: يقضي بعلمه أم لا؛

(1) المحرر (ص 487)، روضة الطالبين (11/ 143)، الشرح الكبير (12/ 468).

(2)

أخرجه البخاري (2585) عن عائشة رضي الله عنها.

(3)

الحاوي الكبير (20/ 357).

ص: 457

أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ سِجِلًّا بمَا حَكَمَ .. اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ. وَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ،

===

لأنه إن منع .. فقد ينكر الخصم، وإن جوّز .. فقد ينسى أو يعزل فيضيع الحق.

(أو أن يكتب له محضرًا بما جرى من غير حكم، أو سجلًّا بما حكم .. استحب إجابته) لأنه مذكر، وإنما لم يجب؛ لأن الحق يثبت بالشهود لا بالكتاب، (وقيل: يجب) إذا أحضر له الطالب القرطاس، أو كان له من بيت المال توثقًا لحقه؛ كالإشهاد.

والفرق بين المحضر والسجل - كما أشار إليه المصنف -: أن المحضر هو: ما فيه ذكر ما جرى من غير حكم، والسجل: ما اشتمل على الحكم.

(ويستحب نسختان: إحداهما له، والأخرى تحفظ في ديوان الحكم) وإن لم يطلب الخصم ذلك؛ لأنه طريق للتذكر؛ إذ لا يؤمن ضياع ما يأخذها الخصم، ويختم النسخة التي بديوان الحكم، ويكتب على رأسها اسم الخصمين، ويضعها في حرز له، وما يجتمع منها .. يضم بعضه إلى بعض، ويكتب عليها: محاضر كذا من شهر كذا من سنة كذا.

(وإذا حكم باجتهاد) وهو من أهله (ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة) سواء متواترها وآحادها، (أو الإجماع أو قياس جليّ .. نقضه هو وغيره) أما النقض بمخالفة الإجماع .. فبالإجماع، والباقي: في معناه.

و(القياس الجلي) هو: الذي يعرف به موافقة الفرع الأصل؛ بحيث ينتفي احتمال مفارقتهما أو يبعد؛ كالتحاق الضرب بالتأفيف، وما فوق الذّرَّة والنقير بهما.

قال الزركشي: وفي معنى قوله: (باجتهاده) ما إذا كان مقلدًا أو حكم بخلاف نص إمامه مقلِّدًا لوجه ضعيف .. فإنهم جعلوا نص إمامه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد؛ كما قاله في "الروضة" في الكلام على الفتوى (1)، ويجب

(1) روضة الطالبين (11/ 107).

ص: 458

لَا خَفِيٍّ، وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا،

===

نقضه، ولا شك في نقض ما صدر من مقلِّد غير متبحِّر، بخلاف المعتمد عند أهل المذهب، وفي نقض ما صدر ممن لا يصلح للقضاء وإن وافق المعتمد.

قال ابن الرفعة: والمعنى بنقض الحكم - كما قاله الإمام -: التبيُّن، وإلا .. فليس القضاء أمر يعقد ويحل، وتابعه الشيخ عز الدين فقال: قولهم: (ينقض) فيه مسامحة، وإنما الحقيقة أن هذا الحكم لم يصح من أصله.

(لا خفيّ) وهو ما لا يزيل احتمال المفارقة ولا يبعد؛ كقياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين فيلتحق بأشبههما، فإذا بان له الخطأ بقياس خفي لكنه أرجح مما حكم به .. عمل به فيما يستقبل، ولا ينقض ما حكم به أولًا؛ لأن الظنون المتعادلة لو نقض بعضها بعضًا .. لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، ومشهور عن عمر رضي الله عنه: أنه حكم بحرمان الأخ من الأبوين في المشركة، ثم شرك بعد ذلك ولم ينقض قضاءه الأول، وقال:(ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي)(1).

(والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) قضاء القاضي قسمان: أحدهما: ما ليس بإنشاء، وإنما هو تنفيذ لما قامت به الحجة، وهذا مراد المصنف، فينفذ ظاهرًا لا باطنًا، حتى لو حكم بشهادة الزور .. لم يُفِد حكمُه الحلّ باطنًا، سواء فيه المال والنكاح وغيرهما؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فِي حَقِّ أَخِيهِ بِشَيءٍ .. فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَة مِنَ النّارِ" متفق عليه (2).

الثاني: الإنشاء؛ كالتفريق بين المتلاعنين، وفسخ النكاح بالعيب، والتسليط على الأخذ بالشفعة، فإن ترتب على أصل كاذب؛ كشهادة زور .. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين .. نفذ باطنًا، وإن كان مختلفًا فيه؛ كالحكم بشفعة الجوار، وتوريث ذوي الأرحام .. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن: أوجه: ثالثها: إن اعتقد الخصم حلّه .. نفذ، وإلا .. فلا، ولم يصرحا هنا بترجيح، وفي

(1) أخرجه الدارقطني (4/ 88)، والبيهقي (6/ 255).

(2)

صحيح البخاري (6967)، صحيح مسلم (1713) عن أم سلمة رضي الله عنها، وفي (ز):("فمن قضيت له من حق أخيه").

ص: 459

وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إِلَّا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى

===

"المهمات" هنا وفي (الشفعة) أن الصحيح: نفوذه ظاهرًا وباطنًا مطلقًا، وبسط ذلك (1).

(ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) لأنه لو حكم به .. لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرم، واعترض دعوى الإجماع بوجه حكاه الماوردي ومن تبعه أنه يحكم بالشهادة المخالفة لعلمه، لأنها هي المعتبرة في حكمه دون علمه (2).

(والأظهر: أنه يقضي بعلمه) لأنه يقضي بشاهدين، وهو لا يفيد إلا الظن، فالقضاء بالعلم أولى، والثاني: لا، للتهمة، ورد: بأنه لو قال: (ثبت عندي)، و (صح لدي كذا) .. قُبِل: قطعًا مع احتمال التهمة.

قال الماوردي: ولا بدّ أن يقول للمنكر: قد علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي، فإن ترك أحد هذين .. لم ينفذ، واستغربه ابن أبي الدم.

وشرط الشيخ عز الدين في "القواعد": كون الحاكم ظاهر التقوى والورع (3).

وشمل إطلاق المصنف الخلاف جريانه في الجرح والتعديل، وهي طريقة ضعيفة، والمشهور: القطع بأنه يقضي فيه بعلمه، وقد جزم به المصنف في الفصل الآتي.

والمراد بـ (العلم): غلبة الظن؛ كما قاله الرافعي؛ إذ يقضي في الجرح والتعديل بعلمه مع أن العدالة لا تتيقن، لكن صرح الإمام: بأن المراد: اليقين، وتبعه الغزالي (4)، قال ابن الرفعة: وهو قضية كلام "التنبيه".

وإذا قلنا: يقضي بعلمه .. فذلك في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر.

(إلا في حدود الله تعالى) لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها.

(1) الشرح الكبير (12/ 483)، روضة الطالبين (11/ 153)، المهمات (6/ 76، 9/ 260).

(2)

الحاوي الكبير (20/ 397).

(3)

الحاوي الكبير (20/ 397)، القواعد الكبرى (2/ 70).

(4)

الشرح الكبير (12/ 488)، نهاية المطلب (18/ 580).

ص: 460

وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا .. لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ

===

(ولو رأى ورقة فيها حكمه أو شهادته، أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا .. لم يعمل به) القاضي (ولم يشهد) به الشاهد (حتى يتذكر) لإمكان التزوير، وتشابه الخطوط في الحالة الأولى، وأما الثانية .. فلأن القاعدة: أنه إذا أمكن اليقين .. لا يعتمد الظن.

(وفيهما وجه في ورقة مصونة عندهما) لتعذر التحريف، والأصح: الأول؛ لاحتماله.

(وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مُوَرِّثه إذا وثق بخطه وأمانته) والفرق بينه وبين القضاء والشهادة: أن خطرهما عام ويمكن فيهما التذكر، بخلاف خط مورثه.

وقد يوهم المنع في الحلف على خط نفسه، وهو ما نقلاه عن "الشامل"(1)؛ لأنه يمكنه التذكر في خط نفسه، بخلاف مورثه، لكن سوى بينهما في "الكتاب" في (باب الدعاوى) فقال: يجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه، وكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" هناك (2).

(والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) وإن لم يتذكره؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية أوسع من الشهادة، وسواء كان بخطه أو خط غيره، والثاني: المنع، إلّا أن يتذكر كالشهادة.

وأفهم: أنه لو لم يكن الخط محفوظًا عنده .. يمتنع قطعًا، لكن في "أصل الروضة": لو كتب إليه الشيخ بالإجازة وعرف خطه .. جاز له أن يروي عنه تفريعًا

(1) الشرح الكبير (12/ 491)، روضة الطالبين (11/ 159).

(2)

الشرح الكبير (13/ 197)، روضة الطالبين (12/ 36).

ص: 461