الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ [في أحكام عقد الجزية]
يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا، وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: إِنِ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ .. لَمْ يَلْزَمْنَا المدَّفْعُ. وَنَمْنَعُهُمْ إِحْدَاثَ كَنِيسَةٍ فِي بَلَدٍ أَحْدَثناهُ أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً .. لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ - وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ فِي الأَصحِّ
===
(فصل: يلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا، ودفعُ أهل الحرب عنهم) لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمة الدماء والأموال، (وقيل: إن انفردوا ببلد .. لم يلزمنا الدفع) كما لا يلزمهم الذب عنا عند طروق عدو لنا، والأصحُّ: اللزوم إذا أمكن؛ إلحاقًا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة.
ومحل الخلاف: عند إطلاق العقد، فإن جرى شرط الذب عنهم .. وجب الوفاء به قطعًا، وفيه احتمال للإمام (1)، ولو كانوا مستوطنين بدار الحرب وبذلوا الجزية .. فلا يلزمنا الذب عنهم قطعًا.
(ونمنعهم) وجوبًا (إحداث كنيسةٍ) وبيعةٍ وبيتِ نار مجوسي (في بلد أحدثناه) كبغداد (أو أسلم أهله عليه) كاليمن؛ لأنه معصية، فلا يجوز في دار الإسلام.
هذا إذا بني ذلك للتعبد، فإن بني لنزول المارة .. جاز إن كان لعموم الناس، فإن قَصَروها على أهل دينهم .. فوجهان في "الروضة" و"أصلها" آخرَ الباب بلا ترجيح، وجزم في "البيان" بالجواز (2).
(وما فتح عنوةً) كأصبهان ( .. لا يحدثونها فيه) لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء، فيمتنع جعلها كنيسة، (ولا يقرون على كنيسة كانت فيه في الأصح) لما قلناه، والثاني: يقرون؛ لأن المصلحة قد تقتضي ذلك، وليس فيه إحداث ما لم يكن، وصححه الماوردي (3).
(1) نهاية المطلب (18/ 36).
(2)
روضة الطالبين (10/ 333)، الشرح الكبير (11/ 553).
(3)
الحاوي الكبير (18/ 372).
- أَوْ صُلْحًا بِشَرْطِ الأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إِسْكَانِهِمْ وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ .. جَازَ - وَإِنْ أُطْلِقَ .. فالصَّحِيحُ: الْمَنع - أَوْ لَهُمْ .. قُرِّرَتْ، وَلَهُمُ الإِحْدَاثُ فِي الأَصَحِّ. وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا - وَقِيلَ: نَدْبًا - مِنْ رَفْعِ بِنَا؛ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ،
===
(أو) فتح (صلحًا بشرط الأرض لنا وشرط إسكانهم) بخراج (وإبقاء الكنائس .. جاز) لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم .. فعلى بعضه أولى.
وقوله: (إبقاء): قد يقتضي منع إحداث الكنائس، وبه صرّح الماوردي، لكن المنقول في "الشرح" و"الروضة" عن الروياني وغيره: أنه إذا صالحوا على إحداثها
…
جاز أيضًا، ولم يذكرا خلافه (1)، قال الزركشي: وهو محمول على ما إذا دعت إليه ضرورة، وإلا .. فلا وجه له.
(وإن أطلق) فلم يذكر الشرط المذكور ( .. فالصحيح: المنع) من إبقائهما، بل تهدم ما فيها من الكنائس؛ لأن إطلاق اللفظ يقتضي صيرورة جميع البلد لنا، والثاني: أنها تبقى، وتكون مستثناة بقرينة الحال؛ فإن شرط إسكانهم هناك يقتضي بقاء مواضع عبادتهم لهم.
(أو لهم) أي: صولحوا بشرط أن الأرض لهم ويؤدون خراجها ( .. قررت) لأنها ملكهم، (ولهم الإحداث في الأصح) لأن الدار لهم، فيتصرفون فيها كيف شاؤوا، والثاني: المنع؛ لأن البلد تحت حكم الإسلام.
وقوله: (لهم): عبارة موهمة، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإحداث الكنائس.
(ويمنعون وجوبًا - وقيل: ندبًا - من رفع بناء على بناء جار مسلم (2) لحديث:
(1) الحاوي الكبير (18/ 372)، الشرح الكبير (11/ 538)، روضة الطالبين (10/ 323).
(2)
ظاهر إطلاق المصنف والجمهور: أنهم يمنعون من ذلك، سواء شرط عليهم في عقد الذمة أم لا، وبه صرّح ابن الصباغ والمَحاملي في "التجريد"، قال: وهذا قضية إطلاق العقد، ولو شرط .. كان تأكيدًا، وقال ابن الرفعة [17/ 62]: إثر قول "التنبيه": (ويمنعون): أي: بالشرط؛ كما قاله الماوردي، ثم قال: وإذا لم يشرط عليهم ذلك .. قال الماوردي في "الأحكام": فالمستحب: الا يعلوا. انتهى، وجرى عليه ابن الملقن [4/ 1714] فقيّد به كلام المصنف، قال الأَذْرَعي: ويشبه أن يكون موضع الخلاف: ما إذا لم يشرط، فإن شرط .. منعوا بلا خلاف. اهـ هامش (أ)(و (هـ).
وَالأَصَحُّ: الْمَنع مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ .. لَمْ يُمْنَعُوا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ، لَا حَمِيرٍ وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ،
===
"الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ"(1)، ولأن فيه تعظيمًا لهم ومباهاة، وقد قال تعالى:{وَهُمْ صَاغِرُونَ} ، ولما يخشى منهم الاطلاع على عورة المسلمين، وهذا المنع لحق الله تعالى؛ إعلاءً لدينه، فلا يسقط برضا الجار.
وقوله: (من رفع): قد يفهم: أنه لو ملك دارًا عالية من مسلم .. لم يكلف هدمها، وهو كذلك؛ كما جزم به الرافعي (2).
نعم؛ يمنع من الإشراف على المسلمين وطلوع سطحها بلا تحجير، صرح به الماوردي (3).
(والأصح: المنع من المساواة) لأن المقصود تمييزهم عن المسلمين في المساكن؛ كاللباس والركوب، والحديث يدل على علو الإسلام، ولا علو مع المساواة، والثاني: لا؛ لأنه لم يعل على المسلم.
(وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة) عن المسلمين ( .. لم يمنعوا) من رفع البناء؛ لأن الممنوع المطاولة، وإنما يتحقق ذلك عند وجود بناء، ولانتفاء خوف الاطلاع على عورة المسلمين، والثاني: المنع؛ لأنه استعلاء في دار الإسلام.
(ويمنع الذمي ركوب خيل) لأن فيه عزًّا، وهم أذلاء، ولا فرق بين النفيس وغيره على الأصحِّ، (لا حمير وبغال نفيسة) لأنه لا شرف فيها؛ كذا علله ابن الرفعة (4)، وألحق الفوراني والإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل، واختاره الأَذْرَعي وغيره (5)؛ فإن التحمل والتعاظم بركوبها أكثر من كثير من الخيل.
(1) أخرجه البخاري تعليقًا في (الجنائز)، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ وأخرجه الدارقطني (3/ 252)، والبيهقي (6/ 205) عن عائذ بن عمرو رضي الله عنه، والطبراني في "الأوسط"(5993) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2)
الشرح الكبير (11/ 541).
(3)
الحاوي الكبير (18/ 375).
(4)
كفاية النبيه (17/ 60).
(5)
نهاية المطلب (18/ 54)، الوجيز (ص 524).
وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَلَا يُوَقَّرُ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ،
===
(ويركب بإكاف وركاب خشب لا حديد، ولا سرج) اتباعًا لكتاب عمر رضي الله عنه، والمعنى فيه ليتميزوا عن المسلمين، ويركبون عرضًا؛ فتجعل رجليه من جانب واحد.
هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصِّغار .. فلا يلزمون الصَّغار، كما لا جزية عليهم، قاله ابن كَجٍّ.
(ويلجأ إلى أضيق الطرق) للأمر به في "الصحيحين"(1)، وهذا عند ضيق الطريق، فإن خلت عن الزحمة .. فلا حرج، قال في "الحاوي": ولا يمشون إلا أفرادًا متفرقين (2).
(ولا يوقّر، ولا يصدَّر في مجلس) إذا اتفق اجتماعه مع مسلم؛ إهانةً له، وتحرم موادته.
(ويؤمر بالغيار) بأن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكفي العمامة؛ كما قاله الماوردي وغيره، وعليه العمل (3).
هذا إذا اختلطوا بنا، فإن انفردوا بمحلة .. فلهم تركه؛ كما حكاه في "البحر".
(والزنار فوق الثياب) لأن عمر رضي الله عنه صالحهم عليه (4)، وهو خيط مستغلظ على أوساطهم خارج الثياب.
(وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) بين مسلمين ( .. جعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) ليعرفوا به، قال الزركشي: والخاتم طوق يكون في
(1) صحيح مسلم (2167) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
الحاوي الكبير (18/ 369).
(3)
الحاوي الكبير (18/ 376).
(4)
أخرجه البيهقي (9/ 202).
وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَخَالَفُوا .. لَمْ يَنْتَقِضِ الْعَهْدُ، وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلَامِ .. انْتَقَضَ. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِسْلَامِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِسُوءٍ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقاضُ الْعَهْدِ بِهَا .. انْتَقَضَ، وَإِلَّا .. فَلَا
===
العنق، (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقولَهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) وقراءتِهم التوراةَ والإنجيلَ ولو في كنائسهم؛ لما فيه من المفاسد وإظهار شعار الكفر.
(ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد) لأنهم يتدينون بها، ولا يتضرر بها المسلمون، لكن يمنعون ويعزرون؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم.
(ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام .. انتقض) لمنافاة ذلك لعقد الذمة.
(ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح) أي: باسم نكاح، (أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء) أو ذكر الله تعالى به ( .. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها .. انتقض) لمخالفته الشرط، (وإلا .. فلا) لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها لتحريمها .. لا تخل بمقصوده، والثاني: ينتقض مطلقًا؛ لما فيه من الضرر، والثالث: لا ينتقض مطلقًا، وصححه في "أصل الروضة" وجعل في "الشرح الصغير" و"المحرر" الأقرب التفصيل كالكتاب، وليس في "الكبير" ترجيح (1).
وقضية قول المصنف: (فتن مسلمًا عن دينه)(2): انتقاله عن الإسلام، لكن
(1) روضة الطالبين (10/ 329)، المحرر (ص 458)، الشرح الكبير (11/ 547 - 548).
(2)
في (ز): (فتن مسلمًا وغيره)، وفي غيرها:(فتن مسلمًا غيره)، ولعل الصواب ما أثبت.
وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ .. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ .. لَمْ يَجِبْ إِبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ .. امْتَنَعَ الرِّقُّ. وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ .. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ .. بُلِّغَ الْمَأْمَنَ.
===
الرافعي ألحق به ما إذا دعاه إلى دينهم (1)، وهو يقتضي الاكتفاء بدعاية إليه، فلو اقتصر المصنف على هذا .. لعلم منه الانتقال من باب أولى.
(ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله) لأنه صار حربًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ يتخير الإمام فيمن ظفر به منهم؛ كما يتخير في الأسير.
وتعبيره بالجواز: يقتضي أنه لا يجب، وعبارة "الروضة" تقتضي الوجوب؛ حيث قال:(فلا بدّ من دفعهم، والسعي في استئصالهم)(2).
(أو بغيره) أي: القتال ( .. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًّا ومنًّا وفداءً) لأنه كافر لا أمان له كالحربي، والثاني: يجب؛ لأنه دخل دار الإسلام بأمان، فلم يجز قتله قبل الرد إلى المأمن؛ كما لو دخل بأمان صبي.
وفرق الأول: بأن من دخل بأمان صبي يعتقد لنفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان.
(فإن أسلم) هذا المنتقض عهده (قبل الاختيار .. امتنع الرق) (والقتل والفداء، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر، وله أمان متقدم، فخف أمره.
(وإذا بطل أمان رجال .. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح) لأنه قد ثبت لهم الأمان، ولم يوجد منهم خيانة ناقضة، والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا، فيزول بزوال الأصل.
(وإذا اختار ذمي نبذَ العهد واللحوقَ بدار الحرب .. بلغ المأمن) لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نقض عهده، فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.
* * *
(1) الشرح الكبير (11/ 547).
(2)
روضة الطالبين (10/ 331).