الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّرْكُ. وَيَحْرُمُ إِتْلَافُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفَرٍ بِهِمْ، أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إِلَيْهِمْ وَضَرَرَ.
فَصْلٌ [في حكم الأسر وأموال أهل الحرب]
نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا أُسرُوا .. رَقُّوا، وَكَذَا الْعَبِيدُ، وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي الأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ، وَيَفْعَلُ الأَحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ،
===
الترك) حفظًا لحق الغانمين.
(ويحرم إتلاف الحيوان) المحترم؛ للنهي عن ذبح الحيوان إلا لمأكلِهِ (1)، (إلا ما يقاتلون عليه لدفعهم أو ظفرٍ بهم) لأنها كأداة القتال، (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) فيجوز إتلافها؛ دفعًا لهذه المفسدة (2)، أما إذا خفنا الاسترداد فقط .. فلا يجوز عقرها، بل تذبح للأكل.
* * *
(فصل: نساء الكفار وصبيانهم) ومجانينهم (إذا أسروا .. رقّوا) بنفس الأسر، فيكون الخمس منهم لأهله والباقي للغانمين، كسائر الغنيمة.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين الكتابية وغيرها، وفي "الأحكام السلطانية": من لا كتاب لها إذا امتنعت من الإسلام .. تقتل عند الشافعي (3)، والخنثى كالمرأة، كما صرح به الرافعي في الباب الثاني (4).
(وكذا العبيد) يستمر الرق عليهم؛ لأنهم من جملة الأموال.
(ويجتهد الإمام) أو أمير الجيش (في الأحرار الكاملين، ويفعل) وجوبًا (الأحظ للمسلمين، من قتل ومنّ) مجانًا، (وفداء بأسرى) مسلمين (أو مال، واسترقاق)
(1) انظر "البدر المنير"(6/ 771).
(2)
كذلك إن ضعف بعضها وتعذر سوقها .. فإنها تذبح للأكل. اهـ هامش (هـ).
(3)
الأحكام السلطانية (ص 238).
(4)
الشرح الكبير (11/ 390).
فَإِنْ خَفِيَ الأَحَظُّ .. حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ .. عَصَمَ دَمَهُ وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ. وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَصغَارَ وَلَدِهِ
===
للاتباع، والمال المفادى به يقسم كالغنائم، (فإن خفي الأحظ .. حبسهم حتى يظهر) لأنه راجع إلى اجتهاده لا إلى تشهيه، فيؤخر لظهور الصواب.
(وقيل: لا يسترق وثني) كما لا يجوز تقريره بالجزية، والأصحُّ: نعم؛ لأن من جاز أن يمن عليه ويفادى .. جاز أن يسترق كالكتابي، (وكذا عربي في قول) قديم؛ لحديث فيه، لكن واه (1)، لا جرم كان الأصح جواز استرقاقه كغيره.
(ولو أسلم أسير .. عصم دمه) لقوله عليه السلام: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ
…
" إلى أن قال: "فَإِذَا قَالُوهَا .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
…
" الحديث، متفق عليه (2)، (وبقي الخيار في الباقي) أي: باقي الخصال إذا كان الإسلام قبل اختيار الإمام؛ لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لتعذره .. لا يسقط الخيار في الباقي؛ كالعجز عن العتق في الكفارة، (وفي قول: يتعين الرق) بنفس الإسلام؛ لأنه أسير محرم القتل، فأشبه الصبي والمرأة.
وأجاب الأول: بأن الصبي والمرأة لم يكن مخيرًا فيهما في الأصل، بخلاف الأسير.
(وإسلام كافر قبل ظفر به)(وهو أسره؛ كما صرح به الشافعي في "المختصر"، وجرى عليه الدارمي وغيره، لكن قول "الروضة" و"أصلها": قبل أسره والظفر به .. يخالفه (3)، (يعصم دمَه ومالَه) للحديث المارّ، قال القاضي الحسين: وإنما يرتفع السيف بكلمتي الشهادة والإقرار بأحكامها، فأما مجرد قولها .. فلا، وفيه نظر، وظاهر الحديث يرد عليه، (وصغارَ ولده) الأحرارَ عن السبي؛ لأنهم يتبعونه في الإسلام، وسواء الذكر والأنثى، والجد والجدة كذلك على الأصحِّ ولو كان الأب
(1) أخرجه الشافعي في "الأم"(5/ 668).
(2)
صحيح البخاري (25)، صحيح مسلم (22) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(3)
مختصر المزني (ص 271)، روضة الطالبين (10/ 252)، الشرح الكبير (11/ 412).
لَا زَوْجَتَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنِ اسْتُرِقَّتِ .. انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولٍ .. انْتُظِرَتِ الْعِدَّةُ فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيهَا. وَيَجُوزُ إِرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا عَتِيقُهُ فِي الأَصَحِّ، لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ
===
حيًّا، والحمل كالمنفصل، فلا يسترق تبعًا لأمه، والمجنون من الأولاد كالصغير، سواء بلغ مجنونًا أو جن بعد بلوغه على الأصحِّ، أما العاقل البالغ .. فلا يعصمه إسلام الأب؛ لاستقلاله بالإسلام.
(لا زوجتَه على المذهب) المنصوص (1)؛ لاستقلالها، ولو كانت حاملًا منه على الأصحِّ، وفي قول مخرج: لا تسترق؛ لئلا يبطل حقه من النكاح؛ كما لو أعتق المسلم عبدًا كافرًا والتحق بدار الحرب .. لا يجوز استرقاقه على المنصوص؛ لئلا يبطل حقه من الولاء.
وفرق الأول: بأن الولاء بعد ثبوته لا يمكن رفعه بحال، بخلاف النكاح.
(فإن استوقت .. انقطع نكاحه في الحال)، سواء قبل الدخول وبعده؛ لأنه زال ملكها عن نفسها، فلأن يزول ملك الزوج عنها من باب أولى؛ ولأنها صارت أمة كتابية، ولا يجوز إمساك الأمة الكتابية للنكاح، (وقيل: إن كان بعد دخول .. انتظرت العدة، فلعلها تعتق فيها) فيدوم النكاح؛ كالردة، والأصحُّ: عدم الفرق؛ لأن حدوث الرق يقطع النكاح، فأشبه الرضاع.
(ويجوز إرقاق زوجة ذمي) إذا كانت حربية، وترق بنفس الأسر من غير ضرب رق عليها، لا كما يوهمه تعبيره، وينقطع نكاحه، (وكذا عتيقه في الأصح) إذا لحق بدار الحرب؛ لأن الذمي لو التحق بدار الحرب .. استرق، فعتيقه أولى، والثاني: لا يسترق؛ لأن مال الذمي معصوم عن الاغتنام.
(لا عتيق مسلم) على المذهب المنصوص (2)؛ لأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع؛ كما سبق، (وزوجته) الحربية (على المذهب)، والفرق بينه وبين الذمي: أن المسلم يُتخيَّل الأمان في نكاحه، ولا أمان للذمي.
(1) الأم (5/ 683).
(2)
الأم (9/ 356).
وَإذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا .. انْفَسَخَ النِّكَاحُ إِنْ كَانَا حُرَّيْنِ، قِيلَ: أَوْ رَقِيقَيْنِ. وَإذَا أُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .. لَمْ يَسْقُطْ
===
وما صححه في هذه الصورة: تبع فيه "المحرر"، وكلامُ "الشرحين" و"الروضة" يقتضي جواز استرقاقها، فإنهما سويا في جريان الخلاف بينها وبين زوجة الحربي إذا أسلم قبل الأسر من غير زيادة على ذلك، وقال الزركشي: إنه الصواب، وقد نقله في "البحر" و"البيان" عن النص، وجزم به جمهور العراقيين، منهم الجرجاني (1).
(وإذا سبي زوجان أو أحدهما .. انفسخ النكاح إن كانا حرين) لما رواه مسلم: أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات؛ لأن لهن أزواجًا .. أنزل الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (2)، فحرم المتزوجات إلا المملوكات بالسبي، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا .. لما حللن، ولأن الرق إذا حدث زال ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى.
ومحل الانفساخ في سبي الزوج: ما إذا كان صغيرًا أو مجنونًا واختار الإمام رقه، أما لو منّ الإمام على البالغ العاقل أو فادى به .. استمرت الزوجية.
ومحله في سبي الزوجة: إذا كان الزوج كافرًا، فإن كان مسلمًا؛ فإن قلنا: لا تسترق زوجة المسلم .. فلا كلام، وإن قلنا: تسترق .. فالأصحُّ: الانفساخ، سواء قبل الدخول أو بعده؛ كما ذكره الإمام (3).
(قيل: أو رقيقين) لأنه حدث سبي يوجب الاسترقاق، فكان كحدوث الرق، والأصحّ: المنع؛ لأن الرق موجود، وإنما انتقل الملك من شخص إلى شخص، ومثله لا يؤثر في النكاح؛ كالبيع، والخلاف جارٍ سواء أسلما أم لا.
(وإذا أرق) الحربي (وعليه دين .. لم يسقط) لأن شغل الذمة قد حصل ولم يوجد
(1) المحرر (ص 450)، الشرح الكبير (11/ 413 - 414)، روضة الطالبين (10/ 253)، بحر
المذهب (13/ 279)، البيان (12/ 168).
(2)
صحيح مسلم (1456) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)
نهاية المطلب (17/ 466 - 467).
فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إِنْ غَنِمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ، وَلَوِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً .. دَامَ الْحَقُّ،
===
ما يقتضي السقوط، هذا إذا كان الدين لمسلم، وكذا الذمي على الأصحِّ، فإن كان لحربي .. سقط على الأرجح، ولو كان الدين للسابي .. ففي سقوطه الوجهان فيمن كان له دين على عبد غيره فملكه، وقد اختلف كلام الشيخين في الترجيح من الوجهين في المسألة المبني عليها؛ كما نبه عليه في "المهمات" في الباب الثالث من أبواب الرهن (1).
(فيقضى من ماله إن غنم بعد إرقاقه)، ويقدم الدين على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن حكمنا بزوال ملكه بالرق، كما أن دين المرتد يقضى من ماله وإن حكمنا بزوال ملكه، ولأن الرق كالموت أو الحجر، وهما لا يمنعان تعلق الدين بالمال.
واحترز بقوله: (من ماله): عما إذا لم يكن له مال .. فإنه يبقى في ذمته إلى أن يعتق، وبقوله:(بعد إرقاقه): عما إذا غنم قبله .. فلا يقضى منه؛ لأن الغانمين ملكوه، وكذا ما غنم مع استرقاقه في الأصحِّ؛ فإن حق الغانمين تعلق بعين المال، وحق صاحب الدين في الذمة؛ وما يتعلق بالعين يقدم على المتعلق بالذمة، كما إذا جنى العبد المرهون .. يتقدم حق المجني عليه على المرتهن.
وهل يحل الدين المؤجل بالرق؟ قال الشيخان: فيه وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالإفلاس، وأولى بالحلول؛ لأنه يشبه الموت من حيث إنه يزيل الملك ويقطع النكاح (2).
(ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه، ثم أسلما أو قبلا جزية) أو أمانًا معًا أو مرتبًا ( .. دام الحق) إذا كان مما يصح طلبه؛ كما إذا أسلم الزوجان ولم تقبض المهر المُسمَّى .. يبقى استحقاقه، بخلاف ما لا يصح طلبه؛ كالخمر، وكذلك الحكم فيما إذا أسلم أحدهما فقط.
نعم؛ فيما إذا أسلم المديون قول بالسقوط.
(1) المهمات (5/ 370).
(2)
الشرح الكبير (11/ 418)، روضة الطالبين (10/ 256).
وَلَوْ أَتلفَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا .. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةٌ، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَرِقَةً، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْمع لِمُسْلِمٍ .. وَجَبَ تَعْرِيفُهُ
===
(ولو أتلف عليه) أي: أتلف حربي على حربي شيئًا (فأسلما) أو أسلم المتلف ( .. فلا ضمان في الأصح) لأنه لم يلتزم شيئًا، والإسلام يجبّ ما قبله، والإتلاف ليس عقدًا يستدام، بخلاف الاستقراض، والثاني: يجب الضمان؛ لأنه لازم عندهم، فكأنهم تراضوا عليه.
(والمالُ المأخوذ من أهل الحرب قهرًا غنيمة) كما تقدم في بابه، وكان ينبغي أن يقول:(المال الذي أخذناه) ليخرج ما أخذه أهل الذمة منهم؛ فليس بغنيمة، (وكذا ما أخذه واحد أو جمع من دار الحرب سرقة) أو اختلاسًا، (أو وجد كهيئة اللقطة في الأصح) لأن دخوله دار الحرب وتغريره بنفسه يقوم مقام القتال، والثاني: أنه لمن أخذه خاصة؛ لأنه ليس مأخوذًا بقوة الجند ولا بقوة الإسلام حتى يكون فيئًا، ولا بالقتال حتى يكون غنيمة، وادعى الإمام الاتفاق عليه في الأولى، وجزما به في "الروضة" و"أصلها" في آخر (زكاة المعدن والركاز)، والخلاف في الثانية للإمام والغزالي فقط، وعامة الأصحاب على أنه غنيمة (1).
(فإن أمكن كونه لمسلم) بأن كان هناك مسلمون، أو أمكن كونه ضالة بعض الجيش ( .. وجب تعريفه)، فإذا عرَّفه ولم يعرِفْه أحد .. عاد الخلاف في أنه غنيمة أم للآخذ.
وقضيته: وجوب التعريف سنة إلا أن يكون حقيرًا؛ كما في اللقطة، وهو ما في "الروضة" و"أصلها" عن "المهذب" و"التهذيب"(2).
وقال الأَذْرَعي: إنه الظاهر، وعن الشيخ أبي حامد: يعرفه يومًا أو يومين، قالا: ويقرب منه قول الإمام: يكفي بلوغ التعريف في الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم
(1) نهاية المطلب (17/ 445 - 446)، روضة الطالبين (10/ 289)، الشرح الكبير (11/ 141)، الوجيز (ص 514).
(2)
روضة الطالبين (10/ 261)، الشرح الكبير (11/ 426).
وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ؛ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ وَلَحْمٍ وَشَحْمٍ وَكُلِّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحِ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْفَاكِهَةِ،
===
سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار. انتهى، وما قاله الإمام نقله البُلْقيني عن نص "الأم" في (سير الواقدي)، وقال: إنه المعتمد (1).
(وللغانمين) قبل القسمة (التبسط في الغنيمة؛ بأخذ القوت وما يصلح به) كزيت، وسمن، (ولحم، وشحم، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا)(وإن لم يأذن الإمام؛ لحديث ابن عمر: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكل منه ولا نرفعه) رواه البخاري (2).
والمعنى فيه: الحاجة الداعية إليه؛ فإن الطعام يعز في دار الحرب؛ فإنهم لا يبيعون من المسلمين، وقد يعسر نقله وتعظم مؤنته وربما يفسد، فجعله الشارع على الإباحة.
واحترز بقوله: (عمومًا): عما يحتاج إليه نادرًا؛ كالسكر والفانيذ والأدوية .. فلا يلحق بالأطعمة المعتادة على الصحيح، فلو احتاج إليه مريض .. أخذ ما يحتاج إليه بالقيمة.
ولو قال: (كلحم وشحم) .. لكان أولى؛ لأنه ليس له أخذ اللحم لبُزَاتِه، وكلابه، ولا الشحم لتوقيح الدوابّ منه على الصحيح المنصوص (3).
(وعلف الدوابّ تبنًا وشعيرًا ونحوهما) لأن الحاجة تدعو إليه؛ كمؤن نفسه، والعَلَف هنا بفتح اللام؛ لأن المراد: ما تأكله، (وذبحِ مأكول للحمه) لأنه مما يؤكل عادة، فهو كاللحم، ويجب ردّ جلد المذبوح إلى المغنم، إلا ما يؤكل مع اللحم.
(والصحيح: جواز الفاكهة) للخبر المار في العنب، ولأنه قد يحتاج إلى ذلك، والثاني: المنع؛ لندرة الحاجة إلى ذلك، قال الإمام: والحلوى كالفاكهة.
(1) بلغ مقابلة على أصله. اهـ هامش (أ).
(2)
صحيح البخاري (3154).
(3)
الأم (5/ 647).
وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجِ إِلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ .. لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْمَغْنَمِ
===
(وأنه لا تجب قيمة المذبوح) إذا ذبحه لأجل لحمه، كما لا تجب قيمة الطعام المأخوذ، والثاني: يجب، لأن الترخيص ورد في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وضعف، بأن القيمة لو وجبت .. لما جاز الذبح، وهذا القائل قد أجازه.
(وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف)، بل يجوز وإن كان معه ما يغنيه على الأصحِّ؛ فإن الرخصة وردت من غير تفصيل.
نعم؛ لو ضيق على المحتاجين .. فلقائد الجند منعه؛ كما نقله الإمام عن المحققين (1).
والثاني: يختص؛ لاستغنائه عن أخذ حق الغير، والأخذ هنا من باب الإباحة لا الملك حتى لا يتصرف كيف شاء، بل هو مقصور على انتفاعه؛ كالضيف، ووقع في "الحاوي الصغير": أنه يملكه (2)، ولا يعرف لغيره.
(وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة) لأنه معهم كغير الضيف مع الضيف، قال الرافعي: وهو يوافق ما ذكروه؛ من أنه لا حظ للاحق في هذه الحالة في الغنيمة (3)، والثاني: يجوز، لمظنة الحاجة وعزة الطعام هناك.
وتقييده المنعَ: بما إذا لحق بعد الحيازة: يقتضي جواز التبسط فيما إذا لحق بعد الحرب وقبل الحيازة، لكن قضية استشهاد الرافعي: المنع أيضًا (4)؛ كما لا يشاركهم في الغنيمة إذ ذاك.
(وأن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية .. لزمه ردها إلى المغنم) أي: الموضع
(1) نهاية المطلب (17/ 437).
(2)
الحاوي الصغير (ص 607).
(3)
الشرح الكبير (11/ 430).
(4)
الشرح الكبير (11/ 430).
وَمَوْضِعُ التَّبسُّطِ دَارُهُمْ، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانَ الإِسْلَامِ فِي الأَصَحِّ. وَلِغَانِمٍ رَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ الإِعْرَاضُ عَنِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ،
===
الذي يجمع الغنائم؛ لزوال الحاجة، والمأخوذ متعلق حق الجميع، والثاني: لا؛ لأنه أخذه وهو مباح له، فأشبه الصيد، والثالث: إن كان قليلًا لا يبالى به .. لم يرد، وإلا .. فيرد.
(وموضع التبسط دارهم) أي: دار الحرب؛ لأنه موضع العزة، (وكذا ما لم يصل عمرانَ الإسلام في الأصح) لبقاء الحاجة، والثاني: المنع؛ لأن المظنة دار الحرب، وقد خرجوا عنها، وعكسه: لو وجدوا سوقًا في دار الحرب وتمكنوا فيه من الشراء، قال في "أصل الروضة": طرد الغزالي فيه الوجهين، لانعكاس الدليلين، وقطع الإمام بالجواز وقال: لم أر أحدًا منعه، ونزّلوا دار الحرب في ذلك منزلة السفر في الترخص (1).
(ولغانم رشيد - ولو محجور عليه بفلس - الإعراض عن الغنيمة قبل القسمة) بأن يقول: (أسقطت حقي من الغنيمة) لأن مقصود الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، والمال تابع، فإذا محض قصده .. فهو أخلص، وإنما كان المفلس كغيره؛ لأن اختيار التملك كابتداء الاكتساب، وهو لا يجب عليه الاكتساب.
والتقييد بالرشد: من زياداته على "المحرر"؛ ليخرج الصبي والمجنون؛ فإنه لا يصح إعراضهما ولا إعراض وليهما عن الرضخ، وكذا السفيه؛ فإنه لا يصح إسقاط حق الملك منه؛ كما قال الإمام: إنه الظاهر، وأقراه، وقالا: لو فكّ حجره قبل القسمة .. صح إعراضه (2).
وقال البُلْقيني: إن المعتمد في المذهب: صحة إعراض السفيه قبل القسمة وقبل اختيار التملك؛ لأنه لم يملك شيئا، وإنما ثبت له حق التملك، ونحن لا نلزمه بذلك، وكذا قال في "المهمات": إنه الراجح (3).
(1) روضة الطالبين (10/ 264).
(2)
المحرر (ص 451)، نهاية المطلب (17/ 517)، الشرح الكبير (11/ 435)، روضة الطالبين (10/ 267).
(3)
المهمات (8/ 419).
وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَجَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِبٍ، وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَمَنْ مَاتَ .. فَحَقُّهُ لِوَارثهِ، وَلَا تُمْلَكُ إِلَّا بِقِسْمَةٍ، وَلَهُمُ التَّمَلُكُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ: إِنْ سَلِمَتْ إِلَى الْقِسْمَةِ .. بَانَ مِلْكُهُمُ، وَإِلَّا
…
فَلَا
===
وكذا لا يصح إعراض العبد عن رضخه، ويصح لسيده؛ لأنه حقه.
واحترز بقوله: (قبل القسمة): عما بعدها؛ لاستقرار الملك.
وكان ينبغي أن يقول: (وقبل اختيار التملك) فإنه لو قال قبل القسمة: (اخترت الغنيمة) .. منع ذلك من صحة الإعراض في الأصحِّ.
(والأصح: جوازه) أي: الإعراض (بعد فرز الخمس)(وقبل قسمة الأخماس الأربعة؛ لأن بالإفراز لا يتعين حق الواحد فالواحد من الغانمين، بل هم على حقوقهم على ما كانوا قبله، والثاني: المنع؛ لأن حقهم تميز عن الجهات العامة، فصار كمال مشترك، (وجوازه) أي: الإعراض (لجميعهم)، ويصرف الجميع إلى مصرف الخمس؛ لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل الواحد والجميع عامة، والثاني: لا؛ لأنا لو صححناه .. لصرفنا حقوقهم إلى مصارف الخمس، وليس لتلك المصارف إلا الخمس على ما قال تعالى:{لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية.
(وبطلانُه من ذوي القربى) لأنهم يستحقونه بلا عمل، فأشبه الإرث، والثاني: يصح؛ كالغنائم، (وسالبٍ) لأن السلب متعين له؛ كالمتعين بالقسمة، والثاني: يصح؛ كإعراض سائر الغانمين عن الغنيمة، (والمعرضُ كمن لم يحضر)، فيضم نصيبه إلى المغنم، وقيل: يضم إلى الخمس خاصةً.
(ومن مات .. فحقه لوارثه) إن لم يعرض؛ كسائر الحقوق.
(ولا تملك) الغنيمة (إلا بقسمة، ولهم التملك) أي: اختياره بين الحيازة والقسمة؛ لأنهم لو ملكوا بالاستيلاء .. لم يصح إعراضهم؛ كالتحطب ونحوه، (وقيل: يملكون) بالحيازة والاستيلاء التام؛ لأن ملك الكفار قد زال، ويبعد مال لا مالك له، (وقيل: إن سلمت) الغنيمة (إلى القسمة .. بأن ملكهم، وإلا .. فلا) لأن قصد الاستيلاء على المال لا يتحقق إلا بالقسمة؛ لأن المال تابع، والغرض من
وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالاسْتِيلَاءِ كَالْمَنْقُولِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنَازَعْ .. أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا .. قُسِّمَتْ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا .. أُقْرِعَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
===
الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، فإذا اقتسموا. تبينا قصد التملك بالاستيلاء، فيتبين حصول الملك.
(ويملك العقار بالاستيلاء؛ كالمنقول) بجامع المالية، ولأنه صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على الغانمين (1).
وعبارة المصنف موهمة؛ فإن المنقول لا يملك بالاستيلاء، بل بالقسمة على الأصحِّ؛ كما مرّ.
فلو قال: (ويملك العقار بما يملك به المنقول) .. لكان وافيًا بالمقصود.
(ولو كان فيها كلب أو كلاب تنفع) لاصطياد أو حراسة (وأراده بعضهم) أي: بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس (ولم ينازَع .. أعطيه، وإلا) أي: وإن نوزع ( .. قسمت إن أمكن) بأن وجد عدة كلاب وأمكن قسمتها، والقسمة بالعدد على المذهب، (وإلا) أي: وإن لم يمكن قسمتها ( .. أقرع) بينهم؛ دفعًا للنزاع.
(والصحيح: أن سواد العراق فتح عنوة) لأن عمر رضي الله عنه قسمه في جملة الغنائم؛ كما ثبت ذلك من طرق (2)، ولو كان صلحًا .. لم يقسم، والثاني: أنه فتح صلحًا، وأنه رضي الله عنه رده عليهم بخراج يؤدونه كل سنة (3).
وسمي سوادًا: لخضرته بالأشجار والزروع، والخضرة تُرى من البعد سوادًا.
(وقُسّم ثم بذلوه) أي: بذله الغانمون بعد قسمته (ووقف على المسلمين) أي: وقفه عمر رضي الله عنه؛ كما رواه البيهقي والخطيب وغيرهما (4)، وآجره من أهله بأجرة منجّمة تؤدى كل سنة، وهو الخراج.
(1) أخرجه البخاري (3136)، ومسلم (2502) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2)
انظر "سنن البيهقي"(9/ 133 - 135)، و"التلخيص الحبير"(6/ 2935 - 2937).
(3)
انظر "سنن البيهقي"(9/ 133 - 135).
(4)
سنن البيهقي (9/ 141)، تاريخ بغداد (1/ 45 - 46).
وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْبَصْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ .. فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا،
===
(وخراجه أجرة تؤدى كل سنة لمصالح المسلمين)، الأهم فالأهم، للفقراء والأغنياء من أهل الفيء وغيرهم، وقيل: لم يقفه، بل باعه لمن هو بيده. والخراج ثمن منجّم؛ لأنه لم يزل الناس يبيعون أرض السواد ويشترون من غير نكير.
ورد الأول ذلك: بأن عمر رضي الله عنه أنكر على عتبة بن فرقد شراءه أرضًا من أرض السواد، وقال له: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها، فقال: هؤلاء أهلها المسلمون، أبعتموه شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فاذهب فاطلب مالك ممن باعك، رواه البيهقي وغيره (1).
وفي السبب الباعث لعمر رضي الله عنه على استرجاعه منهم خلاف؛ قيل: لأنه خاف أن يشتغلوا بفلاحته عن الجهاد، وقيل: لئلا ينفردوا به وذريتهم عن سائر الناس.
(وهو) يعني: حد السواد (من عَبّادان إلى حديثة الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا)، وهو بالفراسخ: مئة وستون فرسخًا طولًا، وثمانون عرضًا.
(قلت: الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حدّ السواد .. فليس لها حكمه) لأن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما بعد فتح العراق (2)، (إلا في موضع غربي دِجلتها) يُسمَّى نهر الصَّراة، (وموضع شرقيها) يُسمَّى الفرات، هذا ما نقلاه عن صاحب "المهذب"، وقال في "أصل الروضة": إنه الصحيح، وإن إطلاق البغويِّ استثناءَ البصرة فيه تساهلٌ (3).
(1) سنن البيهقي (141/ 9).
(2)
انظر "التلخيص الحبير"(6/ 2940).
(3)
الشرح الكبير (11/ 454)، روضة الطالبين (10/ 276).