الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن ذبيان فبعث بها إلى أبيك، فحملت بك فبئس الجنين، وبئس المولود، ثم وضعتك جبارا شقيّا، لقد هممت أن أبعث إليك من يحلق جمّتك (1)، فبئس الجمّة».
(سيرة عمر لابن الجوزى ص 113)
*** وفى خبر آخر أنه كتب إليه كتابا فيه:
(سيرة عمر لابن الجوزى ص 114)
420 - كتابه حين توفى ابنه عبد الملك
«أما بعد، فإن الله تبارك اسمه، وتعالى جدّه (2)، كتب على خلقه حين خلقهم الموت، وجعل مصيرهم إليه، فقال جل ثناؤه فيما أنزل فى كتابه الصادق، الذى حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على حقّه: «إنّا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون» وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون» وقال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» * وقال عز وجل:
«مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» فالموت سبيل الناس فى الدنيا، لم يكتب الله لمحسن ولا لمسىء فيها خلودا، ولم يرض ما أعجب أهلها ثوابا لأهل طاعته، ولم يرض ببلائها عقوبة لأهل معصيته، فكل شىء منها أعجب أهلها أو كرهوا منه شيئا متروك، لذلك خلقت منذ خلقت، ولذلك سكنت منذ سكنت
(1) الجمعة: مجتمع شعر الرأس.
(2)
الجد: العظمة.
ليبلو (1) الله فيها عباده أيّهم أحسن عملا؟ فمن قدم عند خروجه من الدنيا إلى طاعة الله ورضوانه من أنبيائه وأئمة الهدى الذين أمر الله نبيه أن يقتدى بهداهم، خلّد فى دار الإقامة من فضله، لا يمسّهم فبها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب (2) ومن كانت مفارقته الدنيا إلى غيرهم وإلى غير منازلهم، فقد قابل الشّرّ الطويل، وأقام على مالا قبل له به، وأسأل الله برحمته أن يبقينا ما أبقانا فى الدنيا مطيعين أمره، متّبعين لكتابه، وأن يقدمنا إذا خرجنا من الدنيا إلى نبينا ومن أمر أن يقتدى بهداهم من المصطفين الأخيار، وأسأله برحمته أن يقينا أعمال السوء فى الدنيا، والسيئات يوم القيامة.
ثم إن عبد الملك ابن أمير المؤمنين كان عبد الله أحسن الله إليه، وأحسن إلى أبيه فيه، أعاشه ما أحبّ أن يعيشه، ثم قبضه حين أحبّ أن بقبضه، وهو- فيما علمت- بالموت مغتبط (3) يرجو من الله فيه رجاء حسنا، وأعوذ بالله أن تكون لى محبة فى شىء من الأمور تخالف محبة الله تعالى، فإن ذلك لا يصلح لى فى بلائه (4) عندى، وإحسانه إلىّ، ونعمته علىّ.
وقد قلت عند ما كان فى سبيله: أحمد الله على ما رجوت به ثواب الله الحسن، وموعوده الصادق من المغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم لم أجد فى نفسى- والحمد لله- إلا خيرا من رضا بقضاء الله تعالى واحتساب لما كان من المصيبة، فحمدت الله على ما مضى وعلى ما بقى، وعلى كل حال من أمر الدنيا والآخرة، أحبيت أن أعلمكم بذلك وأكتب إليكم به فلا أعلم مما نيح عليه فى شىء مما قبلكم، ولا يجتمع على ذلك أحد من الناس، ولا رخّصت فيه لقريب من الناس ولا بعيد، والسلام». (سيرة عمر لابن الجوزى ص 268)
***
(1) يبلو: يختبر.
(2)
اللغوب: التعب والإعناء.
(3)
مسرور.
(4)
أى نعمته.