الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة: حكم طهارة الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به
.
المقصود بذلك: يقصد به ما تبقى في الإناء من الماء القليل
(1)
، الذي توضأت به المرأة، بعد أن خلت به
(2)
، لطهارة كاملة عن حدث.
اختيار القاضي:
اختار رحمه الله أنه لا يجوز رفع حدث الرجل بفضل طهور المرأة موافقاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتاي في ذكر الأقوال.
فقال رحمه الله: (واختلفت في فصل وضوء المرأة إذا خلت بالماء هل يجوز للرجل أن يتوضأ منه؟ فنقل جماعة منهم عبد الله وحنبل وأبو الحارث أنه لا يجوز، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح).
(3)
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على جواز وضوء الرجل والمرأة معاً، وعلى جواز اغتسالهما من إناء واحد مشترك بينهما
(4)
، لعدم الخلوة، وإنما اختلفوا في وضوء الرجل بما خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث
(5)
.
سبب الخلاف:
سببه تعارض الأحاديث والآثار في ذلك
(6)
.
(1)
وهو ما كان أقل من قلتين عند علمائنا الحنابلة، وأما عند الظاهرية فإنه لا يكون فضلاً إلا أن يكون أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلاً عندهم. انظر: المحلى (1/ 211) ، المنح الشافيات (1/ 132).
(2)
معنى الخلوة: أن لا يشاهدها حال الطهارة أحد في أصح الروايتين عند الحنابلة. انظر: شرح العمدة (1/ 76، 79) ، شرح الزركشي (1/ 299).
(3)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 88،89).
(4)
انظر: المجموع (2/ 191) ، مجموع الفتاوى (21/ 51).
(5)
انظر: فتح الباري (1/ 300).
(6)
انظر: بداية المجتهد (1/ 28).
الأقوال في هذه المسألة:
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول:
لا تصح طهارة الرجل بفضل طهور المرأة، إن خلت به. وهو مروي عن عمر
(1)
، وجويرية
(2)
، وأم سلمة
(3)
، وإسحاق
(4)
، وأهل
الظاهر
(5)
، وبه قال: الإمام أحمد
(6)
، في الرواية المشهورة عنه، اختارها الخرقي
(7)
والقاضي كما تقدم.
القول الثاني: صحة طهارة الرجل بفضل طهور المرأة مطلقاً بلا كراهة.
وبه قال: أبو حنيفة
(8)
، ومالك
(9)
، والشافعي
(10)
، وهو رواية عن الإمام أحمد
(11)
-اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
(12)
.
(1)
انظر: المحلى (1/ 213).
(2)
رواه عنها عبد الرزاق (1/ 106) برقم: 377، وابن أبي شيبة (1/ 34)، وجويرية هي: أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، من خزاعة، وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية، فسبيت مع بني المصطلق، فافتداها أبوها، ثم زوجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسمها (برة) فغيره النبي صلى الله عليه وسلم وسماها (جويرية) وكانت من فضليات النساء أدبا وفصاحة. روى لها البخاري ومسلم وغيرهما سبعة أحاديث. وتوفيت في المدينة سنة 56 هـ وعمرها 65 سنة، انظر ترجمتها: طبقات ابن سعد (8: 83) والاصابة (1: 26)، والأعلام للزركلي (2/ 148).
(3)
انظر: تهذيب السنن لابن القيم (1/ 82)، وأم سلمة: هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، أسلمت قديماً وهاجرت إلى الحبشة، وبعد وفاة زوجها أبي سلمة بن عبد الأسود تزوجها النبي ^ سنة أربع من الهجرة. وهي من فقهاء الصحابيات، ومن أفقه النساء وأشرفهن نسباً، توفيت سنة 62 من الهجرة، وهي آخر أمهات المؤمنين موتاً. انظر ترجمتها في: الإصابة (4/ 440،) العبر (1/ 48،) سير أعلام النبلاء (2/ 201)، تهذيب التهذيب (12/ 455).
(4)
ذكره عنه الترمذي في سننه (1/ 92)، وابن المنذر في الأوسط (1/ 293). وإسحاق بن راهويه: هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد من بني حنظلة من تميم عالم خراسان في عصره. طاف البلاد لجمع الحديث، وأخذ عنه أحمد والشيخان. قال فيه الخطيب البغدادي:(اجتمع له الفقه والحديث والحفظ والصدق والورع والزهد) استوطن نيسابور وتوفي بها سنة 238 هـ، انظر ترجمته: تهذيب التهذيب (1/ 216) وميزان الاعتدال (1: 85)؛ وابن خلكان (1: 64).
(5)
انظر: المحلى (1/ 211).
(6)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 88، 89) ، المغني (1/ 157)، الإنصاف (1/ 48). تهذيب السنن لابن القيم (1/ 82) ، المنح الشافيات (1/ 131).
(7)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 88، 89)، والخرقي: هو أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، من كبار فقهاء الحنابلة، من أهل بغداد. رحل عنها لما ظهر فيها سبّ الصحابة. نسبته إلى بيع الخرق. له تصانيف احترقت، وله المختصر في الفقه، يعرف بمختصر الخرقي توفي بدمشق 334 هـ انظر ترجمته: وفيات الأعيان (1: 379)، وطبقات الحنابلة (2: 75 - 118)، والأعلام للزركلي (5/ 202).
(8)
انظر: شرح معاني الآثار (1/ 26)، مختصر الطحاوي: 19، المبسوط (1/ 61، 62).
(9)
انظر: المدونة الكبرى (1/ 14) ، بداية المجتهد (1/ 28)، القوانين الفقهية:25.
(10)
انظر: الأم (1/ 7) ، فتح العزيز (2/ 149) ، المجموع (2/ 191).
(11)
انظر: مسائل الإمام أحمد لأبي داود: 4، الإفصاح (1/ 98، 99) ، المغني (1/ 283) ، المبدع (1/ 50).
(12)
انظر: اختيارات شيخ الإسلام لحفيد ابن القيم: (11، 29)،و الاختيارات الفقهية للبعلي (ص 3).
القول الثالث: لا تصح طهارة الرجل بفضل طهور المرأة، ولا المرأة بفضل طهور الرجل.
وبه قال: بعض الحنابلة
(1)
.
القول الرابع: صحة طهارة الرجل بفضل طهور المرأة مع الكراهة.
وهو مروي عن الحسن البصري
(2)
، وسعيد بن المسيب
(3)
، وبه قال بعض الحنفية
(4)
، ورواية عن الإمام أحمد
(5)
.
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: حديث الحكم بن عمرو الغفاري
(6)
رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)
(7)
.
وجه الدلالة:
أنه صريح في منع الرجل فقط من فضل طهورها.
نوقش: بأن هذا الحديث لا يصح
(8)
، لاضطرابه فقد روي مرفوعاً وموقوفاً.
وأجيب:
بأنه لا تعارض بين الروايتين ولا اضطراب؛ لأن المرفوع زيادة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والموقوف فتوى من الصحابي الراوي، ولا تعارض بين روايته وفتواه
(9)
.
(1)
انظر: شرح العمدة (1/ 80) ، شرح الزركشي (1/ 305) ، الإنصاف (1/ 53).
(2)
رواه عنه عبد الرزاق (1/ 105) ، برقم 375، وابن أبي شيبة (1/ 34)، والحسن هو: الحسن بن يسار البصري تابعي، كان أبوه يسار من سبي ميسان، مولى لبعض الأنصار. ولد بالمدينة سنة 21 هـ وكانت أمه ترضع لأم سلمة. رأى بعض الصحابة، وسمع من قليل منهم. كان شجاعا، جميلا، ناسكا، فصيحا، عالما، شهد له أنس بن مالك وغيره، ولي القضاء بالبصرة أيام عمر بن عبد العزيز. ثم استعفى، توفي 110 هـ انظر ترجمتة: تهذيب التهذيب (2/ 242 - 271) والأعلام للزركلي (2/ 242).
(3)
رواه عنه عبد الرزاق (1/ 105) برقم: 375، وابن أبي شيبة (1/ 34) ، وسعيد بن المسيب، هو: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي، أبو محمد المدني، سيد التابعين، ولد لسنتين مضتا - وقيل لأربع- من خلافة عمر رضي الله عنه وهو من كبار العلماء والفقهاء، ومن أحفظ الناس لأحكام عمر رضي الله عنه وأقضيته، انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (1/ 53) ، تهذيب التهذيب (12/ 465)، طبقات الحفاظ:25.
(4)
انظر: رد المختار (1/ 90، 148).
(5)
انظر: مسائل الإمام أحمد لابنه صالح (2/ 14) ، مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله (1/ 22 - 24) ، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 89) ، بدائع الفوائد (4/ 71).
(6)
والحكم: هو الحكم بن عمرو بن مجدع بن حذيم بن حلوان بن الحارث بن نعيلة، وقيل: ابن ثعلبة - بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الغفاري، أخو رافع بن عمرو، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحابي، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مات سنة 50 هـ أو 51 هـ انظر ترجمته في: تهذيب الكمال (2/ 247) برقم 1424، الإصابة (1/ 345) برقم 1784.
(7)
رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب النهي عن ذلك (1/ 63) برقم: 82، والترمذي في سننه كتاب الطهارة باب في كراهية فضل طهور المرأة (1/ 93) برقم 64، وابن ماجه (1/ 132) برقم: 373، كتاب الطهارة، والدارقطني في سننه (1/ 53) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 191)، قال الحافظ في الفتح (1/ 300):(أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه) أ. هـ وقد صحح الحديث أيضاً العلامة: أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي (1/ 93) ، وكذا الألباني في إرواء الغليل (1/ 43 - 44)، وفي صحيح سنن أبي داود (1/ 19) برقم:75.
(8)
انظر: السنن الكبرى للبيهقي (1/ 192).
(9)
انظر: التخريج السابق.
الدليل الثاني: حديث عبد الله بن سرجس
(1)
رضي الله عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل وضوء المرأة)(6).
وجه الدلالة:
أنه صريح في المنع، ولم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بنجاسة الماء، ولا أمر غير الرجال باجتنابه
(2)
.
الدليل الثالث: أثر الصحابي عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال: (لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فإذا خلت به فلا تقربه)
(3)
.
وجه الدلالة:
أنه دليل على أن النهي خاص بالخلوة.
الدليل الرابع: قالوا: الجمع بين الأحاديث بحمل أحاديث المنع على ما خلت به، وحمل أحاديث الجواز على ما لم تخل به، فتتفق الأحاديث ولا تتعارض، ولو تعارضت فأحاديث المنع أولى؛ لأنه حاظر وناقل عن الأصل، فيكون أولى من المبقي على الأصل، لأن الأصل الحل فالحظر بعده
(4)
.
(1)
هو: عبد الله بن سرجس -بفتح السين وسكون الراء وكسر الجيم - المزني، حليف بني مخزوم، له صحبة، سكن البصرة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، روى له الجماعة إلا البخاري، ترجمته في: تهذيب الكمال (4/ 145) برقم 3282، الإصابة (2/ 308) برقم 4705.
(6)
رواه البيهقي في السنن الكبرى -واللفظ له- (1/ 192) ، وابن حزم في المحلى (1/ 212).
(2)
انظر: المحلى (1/ 213).
(3)
رواه عبد الرزاق في مصنفه (107) ، وأبو عبيد في -كتاب الطهور- باب الوضوء بسؤر المرأة وما فيه من الطهارة وغيرها (ص 258) ح/194.
(4)
انظر: المغني (1/ 284) ، شرح الزركشي (1/ 303) ، شرح العمدة (1/ 78).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة)
(1)
.
وجه الدلالة:
أنه صريح في جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة.
نوقش:
بأنه محمول على أنها لم تخل به جمعاً بين الأدلة
(2)
.
وأجيب:
بأنه قد روي ما يدل على أنها قد خلت به كما في حديث ميمونة التالي:
الدليل الثاني: حديث ميمونة
(3)
رضي الله عنها قالت: أجنبت فاغتسلت من جفنة
(4)
، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال:(الماء ليس عليه جنابة، فاغتسل منه)
(5)
.
وجه الدلالة:
أن ظاهره يدل على أنها خلت به لطهارة كاملة عن حدث، وأجابها النبي صلى الله عليه وسلم جاواباً عاماً بأن الماء لا يصير بهذا الفعل إلى حالة يجتنب فيها فلا يستعمل
(6)
.
نوقش:
بأن هذا الحديث لا يصح
(7)
، ولو صح لحمل على أنها لم تخل به، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاهدها
(8)
، وقد قال ابن حزم
(9)
رحمه الله: لو صح الخبران لم يكن فيهما حجة لأن حكم هذين الخبرين منسوخ
(10)
.
(1)
رواه مسلم في كتاب الحيض باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر، (1/ 257) برقم:323.
(2)
انظر: المغني (1/ 284) ، شرح العمدة (1/ 78) ، شرح الزركشي (1/ 299، 303).
(3)
هي: أمّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة سبع، كان اسمها برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، ماتت بسرف، وهو ماء بينه وبين مكة عشرة أميال سنة 51 هـ. انظر: ترجمتها تهذيب الأسماء واللغات (2/ 355،356) و الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 322)
(4)
جفنة: -بفتح الجيم- وهي القصعة. انظر: المجموع (2/ 190) ، لسان العرب (13/ 89).
(5)
مسند أحمد (44/ 386)،و الدارقطني، كتاب الطهارة، باب باب استعمال الرجل فضل وضوء المرأة (1/ 80)، وصححه النووي في الخلاصة (1/ 199).
(6)
انظر: النهاية لابن الأثير (1/ 302) ، اللباب للمنبجي (1/ 84).
(7)
كما ذهب إليه ابن حزم: لأنه من رواية سماك بن حرب، وهو يقبل التلقين، وقال الإمام أحمد: أتقيه لحال سماك، ليس يرويه غيره أ. هـ قال الحافظ:(قد رواه عنه -يعني سماكاً- شعبة وهو لا يحمل عن مشايخة إلا صحيح حديثهم) أ. هـ انظر: سنن الدار قطني (1/ 52) ، المحلى (1/ 213) ، المغني (1/ 284) ، شرح الزركشي (1/ 302) ، فتح الباري (1/ 300)، قلت: الحديث صححه الحاكم في المستدرك (1/ 159) ، ووافقه الذهبي.
(8)
انظر: شرح الزركشي (1/ 299).
(9)
وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، ولد سنة 384 هـ، كانت لابن حزم الوزارة وتدبير المملكة، فانصرف عنها إلى العلم، كان فقيها حافظا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة على طريقة أهل الظاهر، من مصنفاته:"الإيصال إلى فهم كتاب الخصال"، و "المحلى بالآثار"، طارده الملوك حتى توفي مبعدا عن بلده سنة 456 هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 184. البداية والنهاية 15/ 795.
(10)
انظر: المحلى (1/ 215).
الدليل الثالث: ولأنه ماء طهور، جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل.
(1)
.
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعاً)
(2)
.
الدليل الثاني: عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة -زاد مسدد
(3)
- وليغترفا جميعاً)
(4)
.
وجه الشاهد من الحديثين: أنهما صريحان في منع كل من الرجل والمرأة من الوضوء بفضل طهور الآخر.
أدلة أصحاب القول الرابع:
أخذوا بالأحاديث والآثار كلها وجمعوا بينها، ووجه الجمع الذي تجتمع به الأدلة كلها هو حمل أحاديث المنع على الكراهة (كراهة التنزيه)، جمعاً بينها وبين أحاديث الجواز
(5)
.
(1)
انظر: المغني (1/ 283).
(2)
رواه ابن ماجه في سننه (1/ 133) برقم: 374، والدار قطني من طريقين مرفوع وموقوف (1/ 116، 117)، وقال: الموقوف صحيح وهو أولى بالصواب أ. هـ، وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المحلى (1/ 212): يريد بذلك أن رفعه خطأ، ولكن الحق أن الرفع زيادة تقبل من الثقة، وأن الموقوف فتوى من الصحابة تؤيد روايته ولا تعارضها أ. هـ، وقال ابن القيم: فهذا الذي رجحه البخاري، ولعل بعض الرواة ظن أن قوله:(فسمعه يقول) من كلام عبد الله بن سرجس، فوهم فيه، وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله بن سرجس، فوهم فيه، وإنما هو من قول عاصم بن سليمان يحكيه عن عبد الله بن سرجس أ. هـ انظر: تهذيب السنن لابن القيم (1/ 81).
(3)
مُسدد: هو مُسَدد بن مُسَرهَد بن مسربل الأسدي، أبو الحسن البصري، الحافظ، من علماء الحديث، من مشايخه: ابن عبينه، والفضيل بن عياض وغيرهما، ومن تلاميذه، البخاري وأبو داود وغيرهما، توفي سنة 228 هـ انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (2/ 421) ، تهذيب التهذيب (11/ 107)، طبقات الحفاظ:184.
(4)
رواه أبو داود في سننه - واللفظ له - (1/ 63) برقم: 81، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 190) ، والنسائي (1/ 130) ، برقم 239، والحاكم (1/ 168) ، وأحمد (4/ 110، 111) ، وقال في المجموع (2/ 191، 192) ، (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح)،و صححه أيضاً العلامة: أحمد شاكر في تعليقه على المحلى (1/ 212).
(5)
انظر: شرح الزركشي (1/ 301).
الترجيح:
والراجح -والله أعلم- هو القول الرابع، وأنه يجوز الوضوء بفضل طهور المرأة مع الكراهة، وهو القول الذي تجتمع به الأدلة، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة وجب المصير إليه، وقد صحت أحاديث النهي، وعارضتها أحاديث الجواز، وهي صحيحة أيضاً، ولا يمكن التعارض في شرع الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. قال الحافظ ابن حجر
(1)
: (تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل على التنزيه جمعاً بين الأدلة)
(2)
.
قلت: حمله على التنزيه أولى، لما سبق مناقشته لهذا التأويل، وهذا هو الذي رجحه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب
(3)
، والشيخ محمد بن إبراهيم-رحمهما الله-، ولكن الذي يظهر لي-والله أعلم- أن الكراهة ليست خاصة بالرجل بل أيضاً يكره للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل، كما دل عليه الحديث الصحيح السابق ..
ثمرة الخلاف:
ثمرته أن من قال: بالمنع قال: إذا لم يجد غيره توضأ به للضرورة ثم تيمم
(4)
، ومن قال: بالجواز فلا إشكال في وضوئه بذلك الماء كسائر المياه الطاهرة، ومن قال: بالكراهة قال: بجواز الوضوء به إن لم يحتج إليه مع الكراهة، فإن احتاج إليه -ولم يجد غيره- زالت الكراهة، ولا يجوز له التيمم مع وجوده.
(1)
ابن حجر هو: أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد، الكناني، العسقلاني، ثم المصري، الشافعي، شيخ الإسلام، الحافظ، القاضي، من تصانيفه (فتح الباري و (تهذيب التهذيب) و (تقريب التهذيب) و (تغليق التعليق) ، و (الإصابة)،و (لسان الميزان) وغيرها. ولد سنة 773 هـ، وتوفي سنة 852 هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحفاظ: 552 برقم 1190، شذرات الذهب (7/ 270).
(2)
فتح الباري (1/ 300).
(3)
انظر: الدرر السنية (3/ 70)، والإمام محمد هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب. ولد ونشأ في العيينة (بنجد) سنة 1115 هـ ورحل مرتين إلى الحجاز، فمكث في المدينة مدة قرأ بها على بعض أعلامها، وله مصنفات أكثرها رسائل مطبوعة، منها (كتاب التوحيد) ورسالة (كشف الشبهات) و (تفسير الفاتحة) وغيرها، وتوفي سنة 1206 هـ، رحمه الله. انظر ترجمته في: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (1/ 379)، و حركة التجديد والإصلاح في نجد (ص 37)،والأعلام للزركلي (6/ 257).
(4)
انظر: الروض المربع (1/ 80)، المختارات الجلية:16.