الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الخامسة: حكم التيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة
.
اختيار القاضي:
اختار رحمه الله -أن من افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها فإنه يقطعها ويتوضأ بالماء ويستأنف الصلاة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال رحمه الله: (واختلفت إذا وجد المتيمم الماء في صلاته، فنقل أبو طالب والمروذي وغيرهما تبطل صلاته ويخرج منها، وهو أصح)
(1)
تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على أن من تيمم لعدم الماء؛ ثم وجد الماء قبل الدخول في الصلاة فإن طهارته تنتقض وعليه أن يتوضأ بالماء ثم يصلي
(2)
.
وأجمعوا على أن من تيمم لعدم الماء وصلى؛ ثم وجد الماء بعد خروج الوقت فإنه لا إعادة عليه
(3)
، واختلفوا: فيمن افتتح الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء في أثنائها هل يستمر في صلاته أو يقطعها ويتوضأ أو يغتسل بالماء ويستأنف الصلاة؟
الأقوال في المسألة:
القول الأول: أنه يقطع الصلاة ويتوضأ، أو يغتسل إذا كان جنباً ويستأنف صلاته، وبهذا قال: الحنيفة
(4)
والحنابلة
(5)
.
القول الثاني: أنه لا يقطعها بل يستمر في صلاته ويجزيه التيمم.
قال بذلك المالكية
(6)
والشافعية
(7)
وداود الظاهري
(8)
، ورواية عن الإمام أحمد
(9)
.
(1)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 90).
(2)
انظر: المجموع (2/ 302).
(3)
الإجماع لابن المنذر ص 35؛ والمجموع شرح المهذب 2/ 301 - 302؛ وبدائع الصنائع 1/ 57؛ وقوانين الأحكام الشرعية.
(4)
انظر: المبسوط (1/ 110)، وبدائع الصنائع (1/ 57 - 58).
(5)
انظر: المغني (1/ 269)، شرح الزركشي (1/ 366 - 369) والإنصاف (1/ 298)،وشرح منتهى الإرادات (1/ 95).
(6)
انظر: التمهيد 19/ 292؛ والاستذكار 2/ 15؛ والكافي في فقه أهل المدينة المالكي ص 30؛ وقوانين الأحكام الشرعية ص 40؛ ومواهب الجليل شرح مختصر خليل 1/ 356 - 357؛ والخرشي على مختصر خليل 1/ 195 - 196.
(7)
انظر: الأم 1/ 48؛ والمجموع شرح المهذب 20/ 311، 312؛ ومغني المحتاج 1/ 102.
(8)
انظر: الاستذكار 2/ 15؛ والمحلى 1/ 353.
(9)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 90).
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)
(1)
.
وجه الاستدلال من هذا الحديث:
أن هذا الحديث يدل بمفهومه: على أنه لا يكون الصعيد طهوراً عند وجود الماء، ويدل بمنطوقه: على وجوب إمساسه جلده عند وجوده
(2)
، فإذا وجد الماء في أثناء الصلاة بطل البدل وهو التيمم لوجود الأصل، وإذا بطل البدل بطلت الصلاة؛ لأن صحتها مبنية على التيمم فبطل التيمم لوجود الماء.
الدليل الثاني: ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة
(3)
، فالتيمم يبطل بوجود الماء قبل الدخول في الصلاة، ويكون المتيمم في حكم من ليس على طهارة بوجود الماء قبل دخوله في الصلاة فكذلك إذا دخل في الصلاة؛ لأنه لما لم يجز له أن يبتدئ صلاته بالتيمم مع وجود الماء فكذلك لا يجب له التمادي فيها وهو واجد للماء، وإذا بطل بعض الصلاة بطل جميعها
(4)
.
الدليل الثالث: أن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها
(5)
.
الدليل الرابع: من القياس قالوا: قياساً على المعتدة بالشهور ولا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض فإنها تستقبل عدتها بالحيض، فكذلك المتيمم إذا صلى فيه ثم طرأ عليه الماء وهو في الصلاة
(6)
، فإن صلاته تبطل ويخرج منها ليتوضأ أو يغتسل ثم يستأنف صلاته.
(1)
أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/ 146، 147، 155، 180، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، حديث رقم (332) 1/ 235؛ والترمذي وصححه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، حديث رقم (124) 1/ 211؛ والنسائي في كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد 1/ 171.
(2)
انظر: المغني (1/ 269).
(3)
انظر: المصدر السابق.
(4)
انظر: الاستذكار (2/ 16).
(5)
انظر: المغني 1/ 296.
(6)
انظر: التمهيد 19/ 292؛ والاستذكار 2/ 16.
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: قالوا: إنه لا يجوز له الخروج من الصلاة قياساً على من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد الرقبة أنه لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة، فكذلك من دخل في الصلاة بالتيمم لا يقطعها ولا يعود إلى الوضوء بالماء
(1)
.
ونوقش:
بأن هذا قياس مع الفارق: فإن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين
(2)
بخلاف الخروج من الصلاة فإنه أمر ميسر.
الدليل الثاني: قالوا: ولأنه غير قادر على استعمال الماء؛ لأن قدرته تتوقف على إبطال الصلاة وهو منهي عن إبطالها بقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)}
(3)
(4)
.
ونوقش:
أما قولهم أنه غير قادر على استعمال الماء فغير صحيح، فإن الماء قريب وآلته صحيحة والموانع منتفية، وأما قولهم: أنه منهي عن إبطالها فالجواب أن هذا الإبطال ليس من اختياره، فالصلاة تبطل لأن الطهارة التي صحت بها الصلاة قد بطلت بوجود الماء فلا يصح إلا به
(5)
.
(1)
انظر: الاستذكار 2/ 16؛ والمغني 1/ 269.
(2)
انظر: المغني 1/ 269.
(3)
محمد:33.
(4)
انظر: التاج والإكليل (1/ 524).
(5)
انظر: المغني 1/ 269.
الترجيح:
بعد عرض قولي العلماء في هذه المسألة يتبيَّن لي -والله أعلم- أن القول الأول هو الراجح وهو: أن من وجد الماء في أثناء الصلاة التي شرع فيها بالتيمم، فإنه يقطعها ثم يتوضأ أو يغتسل ويستأنف صلاته، وذلك لعدة أسباب:
الأول: قوة أدلة هذا القول وقياسهم الصحيح على المعتدة بالشهور ولا يبقى عليها إلا أقلها ثم تحيض فإنها تستقبل عدتها بالحيض، فكذلك المتيمم إذا صلى فيه ثم طرأ عليه الماء وهو في الصلاة فإن صلاته تبطل ويخرج منها ليتوضأ أو يغتسل ثم يستأنف صلاته فإن هذا القياس قوي صحيح، وكذلك القياس على المستحاضة إذا انقطع دمها، وفي المقابل نجد أن أدلة القول الثاني لا ترتقي إلى قوة أدلة القول الأول، فقياسهم مسألتنا على من وجب عليه الصوم في ظهار أو قتل فصام منه أكثره ثم وجد الرقبة أنه لا يلغي صومه ولا يعود إلى الرقبة فإن هذا القياس مع الفارق؛ لأن مدة الصيام تطول فيشق الخروج منه لما فيه من الجمع بين فرضين شاقين بخلاف الخروج من الصلاة فإنه أمر يسير.
ثانياً: أن وجود الماء مبطل للتيمم، وإذا كان وجوده مبطلاً للتيمم فالأولى أن لا نفرق بين وجوده في الصلاة وفي غيرها لأنه لا يوجد شيء ينقض الوضوء مثلاً خارج الصلاة ولا ينقض الوضوء في أثناء الصلاة، فالناقض للوضوء ناقض سواءً حدث في الصلاة أو خارجها، ويقال في التيمم ما يقال في الوضوء، فما كان ينقض التيمم خارج الصلاة فهو ينقض التيمم داخل الصلاة، وإذا كان وجود الماء مبطلاً للتيمم قبل الصلاة فهو مبطل للتيمم في أثناء الصلاة كذلك.
الثالث: أن القول ببطلان الصلاة إذا وجد الماء في أثنائها لمن صلَّاها بتيمم فيه خروج من الخلاف، والخروج من الخلاف مستحب، وفيه أيضاً احتياط فهو أولى، ولذلك قال النووي وهو شافعي المذهب:"وقول أكثر الأصحاب أنه يستحب الخروج منها والوضوء للخروج من خلاف العلماء في بطلانها"
(1)
. أ. هـ.
(1)
المجموع (2/ 312)، اختيارات ابن عبد البر في العبادات (ص 243).