الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة التاسعة: حكم التيمم لخوف فوات الجنازة
.
المقصود بالمسألة:
من خشي فوات الصلاة في وقتها كمن وجدهم يصلون الجنازة ولم يكن على وضوء، وخاف إن توضأ فاتته الصلاة، فهل يباح له التيمم ليدرك هذه الصلاة ولو كان قادراً على الطهارة بالماء أو لا يجوز ذلك ولو فاتته هذه الصلاة؟.
اختيار القاضي:
اختار رحمه الله، عدم جواز التيمم خشية فوات الجنازة، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
فقال: رحمه الله (واختلفت في الجنازة إذا حضرت وخاف إن توضأ فاتته الصلاة عليها هل يجوز له التيمم؟ على روايتين نقلهما المروذي، إحداهما لا يجوز وهو أصح)
(1)
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أنه لا يجوز التيمم لواجد الماء خوفاً من فوات الصلوات الخمس المكتوبة -عدا الجمعة- فقد اختلفوا فيها، كما اختلفوا في صلاة العيد والجنازة
(2)
.
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في صلاة الجنازة هل تقضى أو لا تقضى؟
(3)
؟
(1)
انظر: المسائل الفقهية من الراويتين و الوجهين (1/ 93).
(2)
انظر: المبسوط (1/ 119)، بدائع الصنائع (1/ 51)، الإشراف (1/ 171)، حلية العلماء (1/ 243)، الانتصار (1/ 454)، مجموع الفتاوى (21/ 456، 471)، وهذا إذا خيف فوات الصلاة كلها، أما إذا أمكن إدراك البعض بطهارة الماء فلا يجوز التيمم.
(3)
انظر: المبسوط (1/ 119)، بدائع الصنائع (1/ 51)، مجموع الفتاوى (21/ 456).
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا تشترط الطهارة في صلاة الجنازة، فيجوز أن يصليها بلا وضوء ولا يتمم.
وبه قال: الشعبي
(1)
.
القول الثاني: يجوز لواجد الماء أن يتيمم لصلاتي العيد والجنازة إذا خاف فوتهما.
وهو مروي عن ابن عباس
(2)
، وابن عمر
(3)
،وبه قال: الحنيفة
(4)
، وهو إحدى الروايتين عن مالك
(5)
، وأحمد
(6)
،واختارها ابن تيمية
(7)
.
القول الثالث: لا يجوز التيمم لكل ما يخاف فوته مادام الماء موجوداً ويستطيع استعماله.
وبه قال: المالكية
(8)
، والشافعية
(9)
، والحنابلة
(10)
، وهو ما اختاره القاضي كما تقدم.
الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول: (القائل بأن صلاة الجنازة لا وضوء لها)
احتج بأن صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود، وإنما هي دعاء، فأشبهت الدعاء في غير الصلاة
(11)
.
(1)
رواه عنه عبد الرزاق (3/ 452، 453) برقم 6280، وابن أبي شيبة (3/ 305، 306)، وانظر: الأوسط (2/ 71)، المغني (1/ 346).
(2)
رواه عنه ابن أبي شيبة (3/ 305)، وابن عدي في الكامل (7/ 2640)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 70)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 231)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/ 381)، وفي التنقيح (1/ 585).
(3)
رواه عنه الدراقطني (1/ 202)، وابن المنذر في الأوسط (2/ 70)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 231).
(4)
انظر: المبسوط (1/ 119)، بدائع الصنائع (1/ 51)، اللباب للمنبجي (1/ 139).
(5)
انظر: المجموع (2/ 244).
(6)
انظر: الفروع (1/ 220)، شرح الزركشي (1/ 346)، الاختيارات الفقهية: 20، الإنصاف (1/ 303، 304).
(7)
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 439).
(8)
انظر: الإشراف (1/ 171)، الكافي (1/ 180).
(9)
انظر: حلية العلماء (1/ 243)، المجموع (2/ 244).
(10)
انظر: الانتصار (1/ 454)، المغني (1/ 345)، شرح العمدة (1/ 423)، شرح الزركشي (1/ 346)، الإنصاف (1/ 303، 304)، الروض المربع (1/ 313).
(11)
انظر: الأوسط (2/ 71)، المغني (1/ 346).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: حديث أبي جهيم الأنصاري رضي الله عنه قال: (أقبل رسول الله ^ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ^حتى أقبل إلى الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام
(1)
.
وجه الدلالة:
أنه صلى الله عليه وسلم رد السلام بطهارة التيمم حين خاف الفوات لمواراة المسلم عن بصره
(2)
.
نوقش من وجهين:
أحدهما: إنه يحتمل أن يكون تيمم لعدم الماء
(3)
.
الوجه الثاني: أن الطهارة للسلام ليست بشرط فخف أمرها بخلاف الصلاة
(4)
.
الدليل الثاني: أثر ابن عباس رضي الله عنه قال: (إذا فجأتك جنازة تخشى فوتها وأنت على غير وضوء فتيمم وصلِّ عليها)
(5)
.
الدليل الثالث: أثر ابن عمر رضي الله عنه: (إنه أتي بجنازة -وهو على غير وضوء- فتيمم وصلى عليها)
(6)
.
وجه الدلالة:
أن ذلك صار أصلاً لكل ما يفوت لا إلى بدل، فإنه يجوز أداؤه بالتيمم مع وجود الماء
(7)
.
نوقش:
بأنهما ضعيفان فلا حجة فيهما
(8)
.
الدليل الرابع: أن التيمم إنما شرع في الأصل لخوف فوت الأداء مع أنه يستدرك بالقضاء، فمن باب أولى يشرع لكل ما يخاف فوته ولا يمكن قضاؤه
(9)
، فالصلاة بالتيمم خير من تفويت الصلاة
(10)
.
نوقش:
بأن صلاة الجنازة يمكن قضاؤها كغيرها، ويمكن أن يصلى على الجنازة ولو بعد الدفن، فلا نسلم بأنها لا تقضى لأنه حكاية مذهب لا حجة فيه، ثم إنها غير واجبة على الأعيان فإذا قام بها من يكفي حصل المطلوب، ولا يأثم من فاتته اشتغالاً بتحصيل الوضوء
(11)
.
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
انظر: المبسوط (1/ 119).
(3)
انظر: المجموع (2/ 244).
(4)
انظر: المصدر السابق.
(5)
تقدم تخريجه آنفاً، وضعفه النووي في المجموع (2/ 244).
(6)
تقدم تخريجه آنفاً، وضعفه النووي في المجموع (2/ 244).
(7)
انظر: المبسوط (1/ 119).
(8)
انظر: المجموع (2/ 244).
(9)
انظر: بدائع الصنائع (1/ 51)، رؤوس المسائل:114.
(10)
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 439).
(11)
انظر: المجموع (2/ 244).
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: قوله تعالى: {
…
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}
(1)
.
الدليل الثاني: حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير)
(2)
.
وجه الدلالة:
أن هذا واجد للماء وقادر على استعماله فلا يجوز له أن يتيمم ولو فاتته صلاة الجمعة أو العيد أو الجنازة
(3)
.
الدليل الثالث: القياس على سائر الصلوات، فإنه واجد للماء وقادر على استعماله من غير ضرر ولا فوات متعين عليه فلم يجز له أن يصلي بالتيمم
(4)
.
الدليل الرابع: القياس على الجمعة إذا خاف فوتها
(5)
.
الدليل الخامس: القياس على من هو عار وفي بيته ثوب لو ذهب إليه لفاتته صلاة العيد أو الجنازة، فإنه لا يجوز له أن يصلي عارياً ولو فاتتا، فكذلك لا يجوز له أن يتيمم مع القدرة على استعمال الماء ولو فاتتا، بجامع أن الطهارة وستر العورة شرطان من شروط الصلاة فلا تصح الصلاة بدونهما مع القدرة عليهما
(6)
.
(1)
المائدة:6.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
انظر: المغني (1/ 345)، المجموع (2/ 244)، شرح العمدة (1/ 423).
(4)
انظر: الإشراف (1/ 171)، بدائع الصنائع (1/ 51)، المجموع (2/ 244).
(5)
انظر: الإشراف (1/ 171، 172)، المجموع (2/ 244).
(6)
انظر: المغني (1/ 345)، المجموع (2/ 244).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأخير، فلا تصح صلاة الجنازة أو العيد أو غيرهما كالجمعة إلا بطهارة، والتيمم ليس طهوراً إلا عند عدم الماء أو العجز عن استعماله، وقد قال صلى الله عليه وسلم:(لا يقبل الله صلاة بغير طهور)
(1)
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)
(2)
، وقد أمر الله سبحانه بالوضوء عند القيام إلى الصلاة فقال سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية
(3)
، فعم سائر الأحوال ثم قال سبحانه {
…
فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}
(4)
فأباح ترك الغسل بشرط عدم الماء، فإذا لم يوجد الشرط فإنه يبقى الأمر على قضية العموم وهو الغسل بالماء
(5)
.
(1)
أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، ح/224، (1/ 204).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب الحيل، باب في الصلاةح/6954، الفتح (12/ 329)، واللفظ له، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، ح/225، (1/ 204).
(3)
المائدة:6.
(4)
المائدة:6.
(5)
انظر: الإشراف (1/ 171)، المغني (1/ 346).