الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السابعة: بطلان الطهارة بخلع الخفين
.
اختار القاضي:
اختار رحمه الله بطلان الطهارة بخلع الخفين، و يجب عليه أن يستأنف الوضوء، موافقاً للمشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال.
فقال: رحمه الله (مسألة: واختلفت إذا مسح عليهما ثم نزعهما في أثناء المدة أو بعد انتهائها هل يستأنف الوضوء أم يجزيه غسل رجليه؟ فنقل الجماعة صالح وحنبل وأبو داود ويوسف بن موسى يستأنف الوضوء، وهو أصح)
(1)
.
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على صحة طهارة من نزع خفيه قبل أن يمسحها أو يحدث
(2)
، وعلى بطلان طهارة من نزعهما وهو على حدث سواءً ابتدأ المسح عليهما أو لم يبتدئه
(3)
، واختلفوا في من خلعهما قبل انقضاء مدة المسح، وهو لا يزال على طهارة مسح فيها قبل الخلع.
(1)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 97).
(2)
انظر: المجموع (1/ 525، 526).
(3)
انظر: المحلى (2/ 103، 105) ، بدائع الصنائع (1/ 12) ، المغني (1/ 367) ، المجموع (1/ 523، 526).
سبب الخلاف:
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه مبني على الخلاف في حكم الموالاة في الوضوء؟ فمن أوجبها أوجب استئناف الوضوء، ومن لم يوجبها أجزأ عنده غسل القدمين إذا خلع الخفين، ومسح الرأس إذا خلع العمامة
(1)
.
والقول الثاني: أنه مبني على خلافهم في المسح هل يرفع الحدث عن الرِّجل أو لا؟ فإن قيل: لا يرفع الحدث عنها أجزأ غسل القدمين عند من لا يشترط المولاة، ومن اشترطها أوجب استئناف الوضوء من أوله، وإن قيل: إن المسح يرفع الحدث عن الرِّجل رفعاً مؤقتاً إلى حين الخلع أو انقضاء المدة، فإنه يجب استئناف الوضوء من أوله، لأنه بالخلع عاد الحدث إلى الرِّجل، والحدث لا يتبعض، فإذا انتقض في عضو انتقض في بقية الأعضاء كما أنه إذا طهر عضو أو عضوان لم يرتفع حدثه حتى يغسل بقية الأعضاء
(2)
.
القول الثالث: أنه مبني على خلافهم في المسح هل هو أصل بذاته في الطهارة أو بدل عن غسل الرِّجلين؟ فإن قيل: أنه أصل بذاته فالطهارة باقية، كما لو قطعت رجلاه بعد غسلهما، وكما لو حلق رأسه بعد مسحه، وإن قيل: إنه بدل فيجزئه غسل قدميه عند من لم يشترط الموالاة، وأما من اشترطها فإنه يوجب إعادة الوضوء من أوله
(3)
.
(1)
انظر: حلية العلماء (1/ 177) ، المغني (1/ 367) ، المجموع (1/ 524، 525) ، تنقيح التحقيق (1/ 539).
(2)
انظر: المجموع (1/ 524) ، مجموع الفتاوي (21/ 179، 180) ، تنقيح التحقيق (1/ 539).
(3)
انظر: بداية المجتهد (1/ 20، 21).
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول: يبطل المسح، ويلزمه غسل رجليه.
وهو مروي عن عبد الله بن عمر
(1)
رضي الله عنه وبه قال: الحنيفة
(2)
، والشافعي في المعتمد من قوليه عند أصحابه
(3)
، وأحمد في رواية عنه
(4)
.
القول الثاني: يبطل المسح، ويجزئه غسل رجليه إن لم يطل الفصل، فإن طال وجب استئناف الوضوء.
وبه قال: المالكية
(5)
.
القول الثالث: طهارته صحيحة ولا شيء عليه، فلا يزلمه إعادة وضوئه، ولا غسل قدميه.
وبه قال: الحسن البصري
(6)
، والظاهرية
(7)
، واختاره ابن المنذر
(8)
، والنووي
(9)
، وابن تيمية
(10)
، إلا أن داود الظاهري يرى وجوب نزع الخفين قبل أن يصلي، فإذا صلى وقد لبسهما بعد خلعهما فإنه يعيد الصلاة
(11)
.
(1)
انظر: بدائع الصنائع (1/ 12).
(2)
انظر: المبسوط (1/ 103) ، بدائع الصنائع (1/ 12).
(3)
انظر: حلية العلماء (1/ 177) ، المجموع (1/ 523، 525، 526) ، مغني المحتاج (1/ 68).
(4)
انظر: الانتصار (1/ 570) ، طبقات الحنابلة (1/ 297) ، الإفصاح (1/ 178) ، المغني (1/ 367) ، شرح الزركشي (1/ 385) ، الإنصاف (1/ 190).
(5)
انظر: الإشراف (1/ 135، 136) ، كتاب الكافي (1/ 177) ، بداية المجتهد (1/ 20).
(6)
انظر: المغني (1/ 367) ، المجموع (1/ 257).
(7)
انظر: المحلى (2/ 105) ، حلية العلماء (1/ 178) ، المجموع (1/ 527).
(8)
انظر: المجموع (1/ 527).
(9)
انظر: المصدر السابق.
(10)
انظر: انظر: الاختيارات الفقهية: 15، اختيارات شيخ الإسلام لبرهان الدين ابن القيم: 20، برقم 51، الإنصاف (1/ 190).
(11)
انظر: حلية العلماء (1/ 178) ، المجموع (1/ 527).
القول الرابع: تبطل طهارته، وعليه استئناف الوضوء.
وبه قال: النخعي
(1)
، والزهري
(2)
، وابن أبي ليلى
(3)
، والأوزاعي
(4)
، وإسحاق
(5)
، والشافعي في القديم
(6)
، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهو المشهور المعتمد عند علمائنا الحنابلة
(7)
، وهي اختيار القاضي كما تقدم.
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: القياس على التيمم، إذا بطل برؤية الماء وجب ما ناب عنه، فكذا المسح على الخفين ناب عن غسل الرجلين خاصة، فظهورهما يبطل ما ناب عنهما
(8)
.
نوقش:
بأن ما ذكروه يبطل بخلع أحد الخفين، فإنه يبطل الطهارة في القدمين جميعاً، وإنما ناب مسحه عن إحداهما
(9)
.
الدليل الثاني: ما روي عن أبي بكرة رضي الله عنه: (أنه كان ينزع خفيه، ويغسل رجليه)
(10)
.
الدليل الثالث: ما روي عن رجل من الصحابة
(11)
-في الرجل يمسح على خفيه، ثم تبدو له فينزعهما- قال:(يغسل رجليه)
(12)
.
وجه الدلالة:
أنهما أثران صريحان في حكم هذه المسألة عن الصحابة رضي الله عنهم.
الدليل الرابع: أن الموالاة لا تجب في الوضوء، فيكيفه غسل قدميه، لأن الأعضاء الأخرى مغسولة من قبل
(13)
.
نوقش: بعدم التسليم بذلك، بل الموالاة واجبة في الوضوء لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا
…
)
(14)
، وهو لم يتوضأ إلا متوالياً.
(1)
انظر: المصدرين السابقين.
(2)
انظر: المصدرين السابقين.
(3)
انظر: المصدرين السابقين.
(4)
انظر: المصدرين السابقين.
(5)
انظر: المصدرين السابقين.
(6)
انظر: حلية العماء (1/ 177) ، المجموع (1/ 523، 526).
(7)
انظر: مسائل عبد الله (1/ 124، 123) ، مسائل صالح (1/ 195) و (2/ 122، 123، 153، 154) و (3/ 64، 207) ، المغني (1/ 367) ، شرح العمدة (1/ 257، 258) ، الفروع (1/ 169) ، تنقيح التحقيق (1/ 539) ، شرح الزركشي (1/ 385) ، المبدع (1/ 152) ، الإنصاف (1/ 190).
(8)
انظر: المغني (1/ 367) ، الكافي (1/ 39).
(9)
انظر: المغني (1/ 368).
(10)
رواه البيهقي (1/ 289)، قال الألباني:(ورجاله ثقات غير علي بن محمد القرشي فلم أعرفه) انظر: المسح على الجوربين (93)،لكن قال الذهبي في السير (15/ 567):(ثقة متقن). فظاهر السند أن كل رجاله ثقات.
(11)
لم أجد من سماه، ولكن جهالة الصحابي لا تضر فإنهم كلهم عدول.
(12)
رواه البيهقي (1/ 289) ، من طريق يحيى بن إسحاق عن سعيد بن أبي مريم، وقال: قال البخاري: ولا نعرف أن يحيى سمع عن سعيد أم لا؟! أ. هـ.
قلت: قد ذكر الحافظان: المزي في تهذيب الكمال (8/ 8) ، وابن حجر في تهذيب التهذيب (11/ 176) أن من شيوخ يحيى بن اسحاق الأنصاري سعيد بن أبي مريم، والراوي عن يحيى بن إسحاق هو أبو خالد الدالاني –واسمه يزيد بن عبد الرحمن- قال الحافظ في تقريب التهذيب (2/ 416): صدوق يخطئ كثيراً، وكان يدلس، وقد روى بالعنعنة فيضعف الحديث به.
(13)
انظر: المغني (1/ 367).
(14)
أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً، ح 159 (1/ 43)، وأخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله (1/ 204).
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بدليل واحد وهو:
أن الطهارة كانت صحيحة في جميع الأعضاء إلى حين نزع الخفين، فإذا بطلت في القدمين فغسلهما عقيب النزع على الفور لم تفت الموالاة، لقرب غسلهما من الطهارة الصحيحة في بقية الأعضاء، بخلاف ما إذا تراخى في غسلهما
(1)
.
نوقش:
بعدم التسليم، لأن المسح قد بطل حكمه، والاعتبار في الموالاة إنما هو بقرب الغسل من الغسل لا من حكمه
(2)
.
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: القياس على الشعر المسموح والظفر المغسول، فكما لا تبطل الطهارة بحلق شعر رأسه بعد المسح عليه ولو كان كثيفاً لم يصل البلل إلى باطن رأسه، فكذا هنا لا تبطل الطهارة بخلع الخفين، ونزع العمامة، ولا فرق، لأنه أزال الممسوح بعد كمال الطهارة
(3)
.
نوقش:
بأنه قياس مع الفارق، لأن الرأس أصلٌ يمسح مع وجود الشعر وعدمه، بينما المسح على الخف بدل من غسل القدم فافترقا.
الدليل الثاني: أن نزع الخفين ليس بحدث، والطهارة لا تبطل إلا بحدث
(4)
.
الدليل الثالث: أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه بال قائماً حتى أرغى
(5)
، فأتي بكوز
(6)
من ماء، فغسل يديه واستنشق وتمضمض وغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه، ثم أخذ كفاً من ماء فوضعه على رأسه حتى رأيت الماء يتحدر على لحيته ثم مسح على نعليه، ثم أقيمت الصلاة، فخلع نعليه، ثم تقدم فأم الناس"
(7)
.
وجه الدلالة:
أنه خلع نعليه بعد أن مسح عليهما، وصلى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، مما يدل على عدم بطلان المسح بخلع الممسوح.
(1)
انظر: الإشراف (1/ 136) ، المغني (1/ 368) ، الشرح الكبير (1/ 79).
(2)
انظر: المغني (1/ 368) ، الشرح الكبير (1/ 79).
(3)
انظر: المغني (1/ 367، 368) ، المجموع (1/ 527).
(4)
انظر: المصدرين السابقين.
(5)
أرغى البائل: صارت لبوله رغوة. انظر: القاموس المحيط (ص: 1289).
(6)
الكوز: نوع من الأواني له عروة، والكوب لا عروة له، انظر: النهاية (5/ 403،402).
(7)
رواه عبدالرزاق (1/ 207) برقم 783، وابن أبي شيبة (1/ 190)، قال الألباني في تمام المنة (1/ 115):(إسناده صحيح على شرط الشيخين).
أدلة أصحاب القول الرابع:
الدليل الأول: أن المسح على الخفين أقيم مقام غسل الرجلين، فإذا خلع الممسوح بطلت الطهارة في موضعه، والطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت في عضو من الأعضاء الأربعة، بطلت في الباقي كما لو أحدث
(1)
.
الدليل الثاني: أن الموالاة فرض من فروض الوضوء، فإذا خلع الخفين بطلت الطهارة لعدم الموالاة حيث قد نشفت الأعضاء المتقدمة
(2)
.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الثالث، وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، أن طهارته صحيحة ولا شيء عليه، لأثر علي رضي الله عنه السابق وهو له سنة متبعة، و لأن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي.
(1)
انظر: المقنع لابن البناء (1/ 265) ، المغني (1/ 368) ، شرح العمدة (1/ 258) ، المبدع (1/ 152).
(2)
انظر: المغني (1/ 211).