الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: ارتفاع الحدث الأصغر بالطهارة عن الحدث الأكبر إذا نواهما
.
المقصود بالمسألة: من كان عليه حدثان -أصغر كالبول، وأكبر كالحنابلة- فاغتسل دون الوضوء ناوياً رفع الحدثين، فهل يجزئه هذا الغسل عن الوضوء ويرتفع الحدثان أو لا؟
اختيار القاضي:
اختار رحمه الله ارتفاع الحدثين -الأصغر والأكبر- إذا نواهما موافقاً للمشهور عند الحنابلة، كما سيأتي.
فقال رحمه الله: (مسألة: واختلفت إذا أحدث وأجنب، فنقل عبد الله أنه يقتصر على غسل البدن ويجزئ ذلك عن الطهارتين إذا نوى بذلك عن الطهارتين
…
ونقل موسى بن عيسى الجصاص أنه يلزمه أن يأتي بكل واحدة من الطهارتين بكمالها
…
والأولى أصح)
(1)
.
(1)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 87).
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يجزئ الغسل عن الوضوء مطلقاً، نواه أو لم ينوه، فلابد من الوضوء قبل الغسل أو بعده.
وبه قال: أحمد في رواية عنه
(1)
، وهو أحد قولي الشافعي
(2)
.
القول الثاني: لا تشترط النية في الوضوء والغسل مطلقاً، وإنما تستحب، فيجزئ الغسل عن الوضوء، نواهما أو نوى أحدهما أو لم ينو شيئاً.
وبه قال: الحنيفة
(3)
.
القول الثالث: لا يجزئ الغسل عن الوضوء إلا بالنية.
وبه قال: أحمد –في الرواية المشهورة المعتمدة عند أصحابه
(4)
- وهو مذهب الظاهرية
(5)
.
القول الرابع: يجزئ الغسل عن الوضوء وإن لمن ينوه، فما دام نوى بغسله رفع الحدث الأكبر، فإن الحدث الأصغر يرتفع تبعاً له.
وبه قال: المالكية
(6)
، والشافعية
(7)
وهو وجه عند الحنابلة
(8)
، وحكي رواية
(9)
، اختارها ابن تيمية
(10)
.
(1)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 88)، المقنع لابن البناء (1/ 243)، المغني (1/ 289)، مجموع الفتاوى (21/ 396)، شرح العمدة (1/ 376)، شرح الزركشي (1/ 313)، الإنصاف (1/ 259).
(2)
انظر: الحاوي الكبير (1/ 94)، المجموع (2/ 193 - 195).
(3)
انظر: رؤوس المسائل للزمخشري: 100، بدائع الصنائع (1/ 19)، إيثار الإنصاف في آثار الخلاف: 42، اللباب للمنبجي (1/ 100).
(4)
انظر: المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 88)، المقنع لابن البناء (1/ 243)، المغني (1/ 289)، شرح العمدة (1/ 376)، مجموع الفتاوى (21/ 396)، القواعد الفقهية لابن رجب: 23، شرح الزركشي (1/ 312، 313)، الإنصاف (1/ 259).
(5)
انظر: المحلى (2/ 43).
(6)
انظر: المعونة (1/ 132).
(7)
انظر: الحاوي الكبير (1/ 94)، المجموع (1/ 322)، (2/ 1993، 194).
(8)
انظر: المغني (1/ 292)، شرح العمدة (1/ 376)، الإنصاف (1/ 260).
(9)
انظر: القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب: 25، الإنصاف (1/ 260).
(10)
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 299، 396، 397)، الفروع (1/ 205)، الاختيارات الفقهية: 17،
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ قبل الغسل، فعن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله)
(1)
وجه الدلالة:
أن فعله صلى الله عليه وسلم يفسِّر قوله تعالى: {
…
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} الآية
(2)
إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا ما نزل إلينا من كتاب ربنا، وفعله إذا خرج بياناً للآية وجب العمل به في معناها لا سيما وقد داوم عليه ولم يخل به صلى الله عليه وسلم
(3)
.
ويناقش:
بأنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على عدم وجوبه إذ لم يذكره في وصف الغسل من الجنابة لمّا سئل عن كيفية غسل الجنابة
(4)
، ويجمع بين الأحاديث بحمل غسله فقط على الإجزاء، وما ورد عنه بالوضوء مع الغسل على الكمال.
الدليل الثاني: إن الجنابة والحدث وجدا منه
(5)
، وهما عبادتان مختلفتا الصفة والقدر والفروض، فلم يتداخلا فتجب لهما الطهارتان
(6)
، كما لو كانا منفردين
(7)
.
نوقش:
بأنهما عبادتان من جنس واحد تداخلتا فأجزأت إحداهما عن الأخرى
(8)
.
(1)
رواه البخاري، كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم 245 واللفظ له، ومسلم، كتاب الحيض، باب صفة الجنابة برقم 744.
(2)
المائدة:6.
(3)
انظر: المغني (1/ 289)، شرح العمدة (1/ 376)، شرح الزركشي (1/ 314).
(4)
كما في حديث أم سلمة الآتي.
(5)
انظر: المغني (1/ 289).
(6)
أي: الطهارة الكبرى والصغرى.
(7)
انظر: المغني (1/ 289)، شرح العمدة (1/ 376).
(8)
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 9).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}
(1)
الآية.
وجه الدلالة:
أن الله تعالى ذكر فروض الطهارة ولم يذكر منها النية، ولو كانت شرطاً في الطهارة لذكرها
(2)
.
نوقش:
بأن النية معلومة بأدلة أخرى صحيحة، ولا يجوز ترك العمل ببعض الأدلة، بل يجب العمل بجميع ما جاء عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الدليل الثاني: حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني امرأة أشد ضَفْرَ
(3)
رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين)
(4)
.
وجه الدلالة: أنه لم يقتصر على جواب سؤالها، بل زادها بياناً للغسل المجزئ، ولم يذكر النية، فدل على أنها ليست شرطاً
(5)
.
ويناقش:
بأنه دليل على أن هذا هو الغسل المجزئ، والنية علمت من أدلة أخرى صحيحة.
(1)
المائدة:6.
(2)
انظر: رؤوس المسائل للزمخشري: 100.
(3)
الضَّفْرُ: نسج الشعر وغيره عريضاً، والتضفير مثله، والضَّفيرةُ: العَقيصَة وقد ضَفَر الشعر ونحوه، يَضفِرُهُ ضَفْراً: نسج بعضه على بعض، انظر: لسان العرب (4/ 489).
(4)
رواه مسلم في كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتلسة (1/ 259) برقم 330.
(5)
انظر: اللباب لمنبجي (1/ 100).
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)
(1)
.
الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا عمل إلا بنية)
(2)
.
وجه الدلالة من الحديثين:
أنه لم ينو بغسله رفع الحدثين وإنما نوى رفع الحدث الأكبر فليس له إلا ما نواه كما هو ظاهر عموم هذا الحديث
(3)
.
نوقش: بأنه إذا نوى رفع الأكبر ارتفع الأصغر تبعاً له، بدليل ما ورد من الإجزاء كما في حديث أم عطية
(4)
.
أدلة أصحاب القول الرابع:
الدليل الأول: قوله تعالى: {
…
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} الآية
(5)
مع قوله تعالى: {وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا}
(6)
.
وجه الدلالة:
أن الغسل مجزئ إذ الآية الثانية توضح معنى الآية الأولى وأن المراد بالتطهير: الاغتسال، والاغتسال وحده يكفي إذ الظاهر منهما أن الواجب الغسل دون الوضوء حيث لم يذكر الله عز وجل شيئاً سوى الغسل
(7)
.
الدليل الثاني: حديث أم سلمة رضي الله عنها في صفة غسل الجنابة –حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء عليك فتطهرين)
(8)
.
الدليل الثالث: حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (في المذي الوضوء، وفي المني الغسل)
(9)
.
(1)
رواه البخاري، في كتاب بدء الوجي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح مع الفتح- (1/ 9) برقم 1، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات) (3/ 1515) برقم 1907.
(2)
ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 346) ضمن حديث طويل وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى البيهقي في السنن الكبرى (1/ 41) معناه بلفظ: (لا عمل لمن لا نية له).
(3)
انظر: المقنع لابن البناء (1/ 244)، المغني (1/ 292)، شرح الزركشي (1/ 313).
(4)
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 397)، سيأتي حديث أم عطية قريباً.
(5)
المائدة:6.
(6)
النساء:43.
(7)
انظر: المقنع لابن البناء (1/ 243)، شرح العمدة (1/ 376، 377)، مجموع الفتاوى (21/ 396، 397).
(8)
تقدم تخريجه آنفاً.
(9)
رواه أحمد (1/ 87)، وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من المذي (1/ 168) برقم 504، والترمذي، في أبواب الطهارة، باب ما جاء في المني والمذي (1/ 193) برقم 114، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
الدليل الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش
(1)
رضي الله عنها: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)
(2)
.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث:
أنه لم يذكر الوضوء في الطهارة الكبرى مما يدل على أنه غير واجب ولو كان واجباً لذكره
(3)
.
الدليل الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم لأم عطية ومن معها في تغسيل ابنته
(4)
: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)
(5)
.
وجه الدلالة:
أنه جعل غسل مواضع الوضوء جزءاً من الغسل، لكنه يقدم كما تقدم الميامن، فإن الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر، لأن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة وزيادة، فصار الأصغر جزءاً من الأكبر
(6)
.
الدليل السادس: أنه غسل صحيح نوى به الفرض فأجزأه، كما لو نوى استباحة الصلاة بالتيمم
(7)
.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الثالث القائل لا يجزئ الغسل عن الوضوء إلا إذا نواهما، لقوة أدلته ووضحها وكونها صريحة في المسألة، وهو اختيار العلامة ابن باز رحمه الله
(8)
ولقوة تأثير النية في العمل فكيف يغتسل ولا ينوي إلا رفع الجنابة ويقال له ارتفع حدثك الأصغر؟! والأولى أن يتوضأ قبل الغسل لكي يكون مؤدياً لعبادته بيقين، واحتياطاً لنفسه، وإبراء لذمته، وخروجاً من الخلاف، -والله أعلم-.
(1)
هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، صحابية ثبت ذكرها في الصحيحين في استحاضتها وفتوى الرسول صلى الله عليه وسلم لها. انظر ترجمتها في: أسماء الصحابة الرواة: 289 برقم 427، الإصابة (4/ 399) برقم 835.
(2)
رواه البخاري: في كتاب الحيض، باب إقبال الحيض وإدباره –الصحيح مع الفتح- (1/ 420) برقم 320.
(3)
انظر: المقنع لابن البناء (1/ 243)، شرح العمدة (1/ 377).
(4)
قال الحافظ في الفتح (3/ 128): لم تقع في شيء من روايات البخاري مسماه، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أمامة، وهي أكبر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وكانت وفاتها فيما حكاه الطبراني في الذيل في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة عند مسلم)، أ. هـ. ثم ذكر رحمه الله الاختلاف في الروايات فبعضها ذكر أنها أم كلثوم زوج عثمان رضي الله عنه.
(5)
رواه البخاري، في كتاب الجنائز، باب ما يستحب أن يغسل وتراً، -الصحيح مع الفتح- (3/ 130) برقم 1254.
(6)
انظر: مجموع الفتاوى (21/ 397).
(7)
انظر: المغني (1/ 292).
(8)
انظر: مجموع فتاوى ابن باز (10/ 173).