الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: حكم اليسير من الفضة في الإناء لغير حاجة
(1)
.
اختيار القاضي:
اختار رحمه الله -جواز اليسير من الفضة في الإناء لغير حاجة، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
قال المرداوي رحمه الله (لا تباح اليسيرة-أي من الفضة- لزينة في الأظهر، وقيل: لا يحرم، اختاره جماعة من الأصحاب
…
منهم القاضي)
(2)
.
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على تحريم الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة للرجال والنساء على حد سواء
(3)
واختلفوا في حكم استعمال اليسير من الفضة في الإناء لغير حاجة.
(1)
(الحاجة) هي أن يتعلق بها غرض غير الزينة انظر: شرح منتهى الإرادات للبهوتي (1/ 29).
(2)
انظر: الإنصاف (1/ 82).
(3)
انظر: حاشية ابن عابدين (6/ 344)،وشرح الدسوقي (1/ 64)، شرح النووي (14/ 27)،والمجموع (1/ 250)، والمغني لابن قدامة (1/ 75) والمنتقى (7/ 235).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز اليسير من الفضة ولو كان لغير حاجة.
وبه قال: الحنفية
(1)
،وهو وجه في مذهب الإمام أحمد
(2)
، اختاره القاضي كما تقدم.
القول الثاني: لا يجوز اليسير من الفضة لغير حاجة.
وبه قال: المالكية
(3)
، والحنابلة
(4)
.
القول الثالث: يكره اليسير من الفضة لغير حاجة.
وهو أصح الأوجه عند الشافعية
(5)
.
(1)
انظر: البحر الرائق (1/ 212)،حاشية ابن عابدين (6/ 344)،فتح القدير (4/ 79)،الفتاوى الهندية (5/ 334).
(2)
انظر: الإنصاف (1/ 83).
(3)
انظر: التمهيد (16/ 111،108)،الفواكه الدواني (2/ 319،309)،مواهب الجليل (1/ 129).
(4)
انظر: المبدع (1/ 67)، الإنصاف (1/ 82)،كشاف القناع (1/ 52)،دقائق أولى النهى (1/ 29).
(5)
انظر: البيان (1/ 86)،روضة الطالبين (1/ 45)،المهذب (1/ 30)،المجموع (1/ 254).
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن أنس بن مالك
(1)
رضي الله عنه (أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب
(2)
سلسلة
(3)
من فضة)
(4)
.
ويناقش:
أن الدليل خارج موطن النزاع، فهو يدل على جواز الفضة في الحاجة، ولا دلالة فيه على جوازها من غير حاجة.
الدليل الثاني: عن أم عطية قالت: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب، وتفضيض
(5)
الأقداح، فكلمه النساء في لبس الذهب، فأبى علينا، ورخص لنا في تفضيض الأقداح)
(6)
.
ونوقش: بأنه حديث ضعيف.
الدليل الثالث: قالوا: أن استعمال اليسير من الفضة جائز؛ لأنه إناء جاورته فضة فجاز استعماله كما لو أخذ إناءً بكفه وفيها خاتم، ولأنه ليس إناء فضة
(7)
.
نوقش:
بعدم التسليم بذلك، بل هو إناء فيه فضة من غير حاجة على أنهما لو استويا لكان تغليب الحظر أولى
(8)
.
الدليل الرابع: قالوا: أن الفضة تابعة للإناء فأشبه الثوب المعلم، وما كان سواه من حرير ولحمته قطن، والتابع له حكم المتبوع
(9)
.
ونوقش:
أن هذا غير مسلم، لأنه ليس لأحد أن يجعل الفضة تابعة لغيرها في الإباحة ولا لغيره أن يجعل غير الفضة تابعة للفضة في التحريم، ثم هناك فرق بين الثوب المنسوج من الحرير وغيره، وبين الإناء الذي فيه شيء من الفضة؛ ذلك أن الحرير مباح لجنس من الناس وهو النساء فجاز أن يعفى عن يسيره مع غيره، وأواني الفضة لم يأت الشرع بإباحته لأحد فلم يعف عنه مع غيره
(10)
.
(1)
أنس: هو أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري النجاري بالنون والجيم المدني ثم البصري خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين وكان أكثر الصحابة أولاداً؛ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له بكثرة المال والولد والبركة وهو من أكثر الصحابة رواية وتوفي بالبصرة ودفن بها سنة 73 هـ، وهو ابن مائة وثلاث سنين. انظر: ترجمته: صفة الصفوة (1/ 298).
(2)
الشَّعْب:-بفتح الشين وإسكان العين- هو الشق والصدع. انظر: النهاية (2/ 477).
(3)
السلسلة: دائرة من الحديد، مأخوذة من اتصال الشيء بالشيء، ومعنى الحديث: أنه شد الشق بخيط من فضة فصارت صورته صورة سلسلة. انظر: لسان العرب (11/ 345)، المجموع (1/ 257).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحة، كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، ح/3109 (4/ 83).
(5)
المفضفض: المزوق بالفضة أو المرصع بها، انظر لسان العرب مادة (7/ 208).
(6)
أخرجه الطبراني في الأوسط (3/ 330) ح/3311، وقال الحافظ الفتح (10/ 101):(هذا لو ثبت لكان حجة فى الجواز، لكن فى سنده من لايعرف)، وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة (13/ 603).
(7)
انظر: المحلى بالآثار (6/ 99)، الحاوي الكبير (1/ 78).
(8)
انظر: الحاوي الكبير (1/ 79).
(9)
انظر: الحاوي الكبير (1/ 79)، المغني (1/ 57).
(10)
انظر: الحاوي الكبير (1/ 79).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: عبد الله بن عمر أن رسول الله رضي الله عنهم قال: (من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم)
(1)
.
وجه الدلالة:
أنه نص صريح في تحريم الإناء الذي فيه شيء من الفضة.
الدليل الثاني: أن الخبر (حديث أنس) إنما ورد في تشعيب القدح في موضع الكسر، وهو لحاجة، فيبقى ماعدا ذلك على عمومه
(2)
.
الدليل الثالث: عن عمرة
(3)
أنها قالت: (أبت عائشة حتى ماتت أن ترخص لنا في تفضيض الإناء)
(4)
.
الدليل الرابع: أن آنية الفضة لم تستبح لأحد، فيبقى تحريمها على عمومه إلا ما استثناه النص وهو ما كان يسيراً لحاجة
(5)
.
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدل القائلون بكراهة اليسير من الفضة لغير حاجة، بأن النهي في الأحاديث محمول على الكثير فأما اليسير فلا يحرم لقلته قياساً على الضبة لحاجة، ويكره لأنه من فضة لغير حاجة جمعاً بين أدلة الفريقين
(6)
.
الترجيح: الراجح والله أعلم القول الثاني القائل بتحريم اليسير من الفضة لغير حاجة، للأحاديث الكثيرة الصحيحة في تحريم آنية الذهب والفضة فتعم القليل والكثير، فلا يستثنى منها إلا اليسير من الفضة لحاجة لحديث أنس المتقدم فيبقى ماعداه على الأصل
(7)
.
(1)
أخرجه الدارقطني في كتاب الطهارة، باب أواني الذهب والفضة، ح/96 (1/ 55)، وقال ابن القطان:(حديث ابن عمر لا يصح). انظر: تنقيح التحقيق (1/ 144)، وضعفه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/ 85).
(2)
انظر: المغني (1/ 58).
(3)
عمرة بنت عبدالرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت في حجر عائشة رضي الله عنهما، وقال ابن المديني: عمرة أحد الثقات العلماء بعائشة الأثبات فيها توفيت سنة 98 هـ، وقيل:106 هـ. انظر ترجمتها في: تهذيب الكمال (8/ 556) برقم 8490، التقريب (2/ 607).
(4)
أخرجه عبدالرزاق (11/ 69) برقم 19933،وابن أبي شيبة (8/ 215) برقم 4210،وحسنه النووي في المجموع (1/ 257).
(5)
انظر: الحاوي الكبير (1/ 80).
(6)
انظر: المصدر السابق.
(7)
انظر: شرح الزركشي (6/ 401،399).