الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الرجعة
(1)
فتحُ رائِهَا أفصحُ مِن كسْرِهَا، ودَليلُها:
قولُهُ تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (2) وقولُه تعالى: {فَإِمْسَاكٌ
(1) وأركانها ثلاثة: مرتجع ومحل وصيغة، والمراد بالمرتجع الزوج أو من يقوم مقامه، وشرط في المحل كونه زوجة موطوءة وفي معنى الوطء استدخال المني المحترم معينة قابلة للحل مطلقة مجانا لم يستوف عدد طلاقها وتكون الرجعة في العدة، وشرط في الصيغة لفظ يشعر بالمراد صريحًا كان أو كناية بشرط عدم التعليق ولو بمشيئتها وعدم التأقيت.
وتفارق الرجعة عقد النكاح في سبع مسائل نص عليها المَحَامِلِي، وهي أنها: تصح بلا ولي ولا شهود، ولا لفظ النكاح ولا التزويج، ولا يعتبر رضاها، ولا رضا وليها، وتصح في الإحرام، ولا توجب مهرًا جديدًا.
(2)
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228]. يعني برجعتهن في ذلك، يعني في الطَّلَاق إذا كان دون الثلاث، {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} يعني إن أراد البعولة إصلاحًا، ما تشعث من النكاح بالطَّلَاق بما جعل لهم من الرجعة في العدة. . قاله الماوردي (10/ 302).
بِمَعْرُوفٍ} (1).
وعنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن (2) فعلِهِ: مَا رَواهُ عُمَرُ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم طلَّقَ حَفْصةَ ثُمَّ راجَعَها. أخرجَه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابْنُ ماجه (3).
وفِي حديثِ أنَسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا طلَّقَ حَفصةَ أُمِرَ أن يُراجِعَها فراجَعَهَا. أخرجَه البَيهقيُّ (4).
(1) قال الماوردي (10/ 301): والأصل في إباحة الرجعة بعد الطَّلَاق قول اللَّه تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229].
(2)
"من": زيادة من (ل، ز).
(3)
حديث صحيح: رواه أبو داود (2283) في: باب في المراجعة، والنسائي (5755/ كبرى) في باب الرجعة، وفي "المجتبى"(6/ 213) في باب الرجعة، وابن ماجه (2016) في كتاب الطلاق باب حدثنا سويد بن سعيد، والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/ 321) في باب إباحة الطلاق قال اللَّه جل ثناؤه:{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وفي "السنن الصغرى"(2649) في باب إباحة الطلاق: من طريق سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. . الحديث.
(4)
"سنن البيهقي الكبرى"(7/ 367) في كتاب الرجعة: من طريق هشيم قال: أنا حميد عن أنس. . فذكره.
ورواه سعيد بن منصور في "سننه"(2158)، وابن سعد في "الطبقات"(8/ 84) وأبو يعلى (3815) والحاكم (2/ 215) والمقدسي في "المختارة"(1983) وإسناده صحيح وقد صرح هشيم بالتحديث فزالت شبهة تدليسه.
ولكن: رواه الدارمي في "سننه" برقم (2265) في باب في الرجعة. . قال: أخبرنا سعيد ابن سليمان، عن هشيم، عن حميد، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها. . قال أبو محمد الدارمي: كان علي بن المديني أنكر هذا الحديث، وقال: ليس عندنا هذا الحديث بالبصرة عن حميد.
وثَبتَ فِي "الصحيحَيْنِ"(1) وغيرِهِما فِي طلاقِ ابْنِ عُمَرَ زوجتَه وهِيَ حائضٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم (2) قالَ لِعُمرَ رضي الله عنه: "مُرْهُ فلْيُرَاجِعْها"، فراجَعَها.
والإجماعُ على مَشروعيَّتِها (3).
وَ"رَجَعَ" يُستعمَلُ مُتعدِّيًا، ومنه قولُه تعالى:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} ويُستعمَلُ قاصرًا، ومنه قولُه تعالى:{إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} وهُو كَثيرٌ، وهو ثُلاثيٌّ فيهما، وهُذَيلٌ يَستعمِلونَه رُباعيًّا فيقولون: أَرْجَعَه غيرُه.
* * *
وهو لُغةً: رَدُّ الشَّيءِ على ما كان عليه.
وشَرْعًا (4): استِباحةُ البُضعِ بعْدَ التحريمِ بالطَّلَاقِ بِغَيرِ عَقْدِ النِّكاحِ، ذكرَهُ المَاورْديُّ (5).
ويَنبغِي أَنْ يُقالَ: "رَدُّ البُضعِ إلى الحِلِّ بعْدَ التَّحريمِ. . " إلى آخرِه، ويَزِيدُ:
(1)"صحيح البخاري"(4954) في: باب إذا طلقت الحائض يعتد بذلك الطلاق، و"صحيح مسلم" (2/ 1093) في: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها.
(2)
في (ز): "أنه صلى الله عليه وسلم".
(3)
انظر: "الإجماع"(ص 43) لابن المنذر، و"مراتب الإجماع"(ص 75) لابن حزم.
(4)
يعني اصطلاحًا، هو ردُّ المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص. انظر "معجم لغة الفقهاء"(ص 220).
(5)
في "الحاوي"(10/ 302).
"ولا بِمِلْكٍ" لِيخرُجَ مَنْ طَلَّقَ زَوْجتَه الأمَةَ طَلاقًا رَجْعيًّا، ثمَّ مَلَكَها بِغَيرِ عَقْدِ النِّكاحِ فإنه قدِ استباحَ بُضعَها بِشَرطِه وليس بِرَجعةٍ (1).
وخَرجَ بالطَّلَاقِ: الظِّهارُ ووَطْءُ الشُّبهةِ، والإحرامُ، والإسْلامُ والرِّدةُ، فإنه إذا حصَلَت الاستِباحةُ بِزَوالِ المَانعِ لا تَكونُ رَجْعةً شَرعيَّة (2).
والجامِعُ فِي ضَبطِها: أنَّها الرَّدُّ المُنجَّزُ الصادِرُ مِنَ المطلِّقِ أو مِمَّنْ يَقومُ مَقامَهُ بِلَا تأقيتٍ، ولا شرطٍ مُخِلٍّ بمَقْصُودِها، لِمُطلَّقةٍ (3) مَدخولٍ بِها، خَلا طَلاقُها عنْ لُزومِ عِوَضِ الزَّوجِ، وعنْ تَكمِلةِ العَددِ إلى الحِلِّ القَابلِ مِنَ الجَانِبَينِ مع تعيُّنِها وبقاءِ عدَّتها غَير الزائدِ المُتميزِ (4) المُختصِّ بالوَطءِ الحَادثِ، أو بالمُعاشَرةِ على رأيٍ بقَولٍ صَريحٍ أو مَكنِيٍّ أو مَكتوبٍ معَ نِيَّةٍ فيهما (5).
(1) في (ل): "ولا رجعة". وذكر الغزالي في "الوسيط"(5/ 457) أن المرتجع لا يشترط فيه إلا أهلية الاستحلال والعقد كما في أهلية النكاح.
(2)
ذكر جماعة أنه لا رجعة للزوج على زوجته في حال عدتها منه إلا في مسألة واحدة، وهي أن يطأها غير الزوج فيحبلها، فتنقطع العدة الأولى بالحمل، وهي معتدة عن الثاني. . راجع "المهذب"(2/ 104) و"الروضة"(8/ 381 - 382) و"تحفة الطلاب"(2/ 310).
(3)
في (ل): "لمطلقة غير".
(4)
في (ل): "المغير".
(5)
ويشترط لصحة الرجعة أربعة شروط:
أحدها: أن يكون الطَّلَاق دون الثلاث، فإن كان ثلاثًا حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وسواءٌ جمع بين الثلاث أو فرقها قبل الدخول كانت أو بعده. قال اللَّه تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 23].
والشرط الثاني: أن يكون الطَّلَاق بعد الدخول فإن كان قبله فلا رجعة، لأنه لا عدة على =
ولَمْ يَخرُجْ عن هذا الضَّابطِ إلا ما نصَّ عليه فِي قَولِ الحُرِّ زَوجِ الأَمَةِ: "نكحتُها وأنا واجِدٌ طَوْلَ حُرَّةٍ" ونحوُ ذلك، ولَمْ يصدِّقْه السيِّدُ، مِن أنَّه يكونُ طَلاقًا بائنًا.
وكذا ما أُلحِقَ (1) به مِن قَولِ الزَّوجِ: كان الشاهِدُ فاسِقًا عِندَ العَقْدِ، ولَمْ تُصدِّقْه الزَّوجةُ ونحوُ ذلك.
فإنْ فُرِّعَ على ذلك (2) زِيدَ (3) على الضَّابِطِ غيرَ مُغَلَّظٍ فيه بِبَينونةٍ، أو حكم بِها" لِيدخُلَ فيه حُكْمُ الحَاكمِ فِي مَواضِعِ الخِلافِ فِي أنه بائِنٌ أو رجعيٌّ، كما فِي الطَّلَاقِ فِي الإيلاءِ، فإنه رَجعيٌّ عند الشافعيِّ. وقال غيرُه: إنَّه بائِنٌ (4).
= غير المدخول بها، والرجعة تملك في العدة.
قال اللَّه تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].
والشرط الثالث: أن يكون الطَّلَاق بغير عوض، فإن كان خلعًا بعوض، فلا رجعة فيه لما ذكرناه في كتاب الخلع.
والشرط الرابع: أن تكون باقيةً في عدتها، فإن انقضت العدة فلا رجعة. قال اللَّه تعالى:{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطَّلَاق: 2]. والمراد به مقاربة الأجل.
(1)
في (ل): "لحق".
(2)
في (ز): "هذا".
(3)
في (أ): "هذا زائد".
(4)
الرجعة حقٌّ لكل من طلق زوجته طلاقًا مستعقبًا للعدة، ولم يكن بعوض، ولم يستوف عدد الطلاق.
وذكر الغزالي في "الوسيط"(5/ 457) أن لها أركانًا ثلاثة، وهي المُرْتجِع، والمرأة والصيغة.
وزاد في "الوجيز"(2/ 70) ركنًا رابعًا، وهو السبب الموجب للرجعة.
ومُقتضَى الضابطِ: أنَّه تَصحُّ رَجعةُ السَّفيهِ، وإنْ لَمْ يَأذنْ وليُّه، والعبدِ البَالغِ العَاقلِ، وإنْ لَمْ يَأذنْ سيِّدُهُ، وفيه وَجْهٌ، والوَكيلِ مِن جِهَةِ رَشيدٍ، أوْ سَفيهٍ أوْ عَبدٍ (1)، والوَليِّ فِي الذي جُنَّ بعد طَلاقِه، أو وَقعَ طَلاقُه فِي جُنونِه بِتعليقٍ فِي حَالِ تَكليفِه، ذكَرَه الرَّافعي تَفقُّهًا حَيثُ يَجوزُ لِوليِّه ابْتداءُ النِّكاحِ له وهو حَسنٌ معمولٌ به إلا أنَّ الأرْجحَ هُنا الاكتِفاءُ بالمَصلحةِ.
ويُراجِعُ له الوَصيُّ أيضًا، قلتُهُ تخريجًا مِمَّا سَبقَ فيمَنْ يُزوِّجه.
وتصِحُّ رَجْعةُ المُحرِمِ والمُحرِمةِ والأَمَةِ، وإنْ كان مُوسِرًا، أو تحتَه (2) حُرةٌ؛ على الأصحِّ فِي الكُلِّ.
ولا تَصِحُّ فِي حالِ رِدَّةِ الزَّوجينِ أوْ أحدِهما، ولا فِي حالِ مُخالَفةٍ فِي الدِّين تَقتضِي الفُرقةَ.
ويُراجِع المُسلِمُ الكافرةَ، حيثُ يَجوزُ له ابتِداءُ نِكاحِها.
ولا يُراجِعُ الكافرُ المُسلمةَ إلا فِي صُورةٍ واحِدةٍ بِصُورةِ الرَّجعةِ لا حقِيقتِها، وهِي ما إذا جَاءتِ امرأةٌ مُسلِمةٌ مِن بَلدِ الهُدنةِ، وجاءَ زَوجُها يَطلُبُها، وكان قدْ طَلَّقَها رَجعيًّا، وقُلْنَا بالقَولِ المَرجوحِ إنها تَغْرَمُ له المَهرَ فنَصَّ فِي "الأُمِّ"(3) أنَّها لا تَغْرَمُ له حتَّى يُراجِعَها، لِيظْهرَ مِنه قَصْدُ الرَّغبةِ فيها.
(1) في (ل): "من جهة سفيه أورشيد أو عبد".
(2)
في (أ): "تحت".
(3)
"الأم"(4/ 206).
وفِي "الروضة"(1) قولٌ (2) أنَّه يَستحِقُّ المَهْرَ بِمُجرَّدِ الطَّلبِ بِلا رَجعةٍ؛ لأنَّها فاسِدةٌ، فلا مَعنى لاشتِراطِه. . انتهى.
والمُعتمَدُ ما نَصَّ عليه.
ولو أَسلَمَ بعد الرَّجعةِ وقبْلَ انقِضاءِ العِدَّةِ: ففِي العَمل بِرَجْعتِه السابقةِ تَردُّدٌ، والأرجَح صحَّتُها، بخِلافِ ما فِي الردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ قدْ أَثَّرَتْ فِي غُرْمِ المَهْرِ، فأثَّرتْ بعْدَ الإسْلامِ فِي صِحَّةِ الرَّجعةِ.
* * *
وخَرجَ بقَوْلِنا: "إنها الرَّدُّ المُنجَّزُ": تعليقُها على شرْطٍ فإنَّها لا تَصحُّ (3).
وبِقَولِنا: "لِمطلَّقةٍ": المفسوخُ نكاحُها، فلا تَصِحُّ رَجعتُها، و (4) المحرَّمةُ أبدًا بِرَضاعٍ أوْ لِعانٍ.
ودخَلَ فِي المَدخولِ بِها: الدخولُ السابقُ على الطَّلَاقِ، والذي حصَلَ الطَّلَاق معه، كما إذا قال لِغَيرِ المَدخولِ بِها:"إنْ وطِئتُكِ فأنْتِ طَالقٌ"، فإنه إذَا وطِئَها يَقَعُ رجْعيًّا قَطْعًا، ويَجِبُ عليه النَّزعُ عَقِبَ (5) تَغيِيبِ الحَشَفَةِ.
والمرادُ بالدُّخولِ الإصابةُ على ما سبَقَ فِي الصَّداقِ فِي تَقْريرِ المُسمَّى.
(1)"الروضة"(10/ 344).
(2)
في (ل): "قولًا".
(3)
"الروضة"(8/ 216).
(4)
في (أ): "أو".
(5)
في (ل): "عقيب".
وفِي ثبوتِ الرَّجعةِ باستِدخالِ الماءِ المُعتبَرِ وَجْهانِ: أحدُهما: نَعَم، جَزمَ به الربيعُ وغيرُه فِي صُورةِ الطَّلَاقِ الرَّجعيِّ مِن العِنِّينِ، وعليه اقتَصرَ الرافعيُّ هناكَ، وصحَّحَ فِي مَوانعِ النِّكاحِ تَبَعًا لِلبغوِيِّ أنَّها لا تَثْبتُ، والأوَّلُ أقْوَى.
* * *
وقولُنا: "خَلا طَلاقُها عَنْ لُزومِ عِوَض": ما لَمْ يخْلُ عنْ عِوَضٍ تَحصُلُ به البَينونةُ على ما سَبقَ فِي الخُلعِ والرَّجعةُ مُمْتنِعةٌ حِينئِذٍ اتفاقًا.
ودَخلَ فِي الخالي عَنِ العِوَضِ: الموصوفُ بالبَينونةِ لَفْظًا كما فِي قولِه: "أنتِ طالقٌ طَلقةً بائنةً"، فإنَّها تَطلُقُ طَلْقةً رَجعيةً قَطْعًا، ودخَلَ فيه طَلاقُ الاخْتيارِ والتَّمليكِ.
* * *
وخَرجَ بِقَولِنا: "وعنْ (1) تَكملةِ العَددِ": ما استَوفى فيه المُطلِّقُ عَدَدَه فلا رَجْعةَ فيه، فالحُرُّ (2) الكَامِلُ عند الثانيةِ إذا استَوفَى الثالثةَ، ولَو فِي الأَمَةِ حَرُمَتْ عليه حتَّى يُصيبَها زَوجٌ كما سَبقَ.
ومَنْ فِيه رِقٌّ عنْدَ الثَّانيةِ إذا استَوفَى الثَّانيةَ، ولو فِي الحُرَّةِ كان كاستِيفاءِ الحُرِّ الثالثةَ، فالعِبْرَةُ عندنَا فِي الطَّلَاقِ بالرِّجالِ (3).
(1) في (ز): "عن".
(2)
في (ل): "بالحر".
(3)
وأصل هذا أن الزوج يملك الرجعة ما لم يستوف عدد الطَّلَاق الذي قد ملكه بعقد النكاح.
والحر يملك ثلاث تطليقات، فيراجع بعد الأولى والثانية، ولا يراجع بعد الثالثة =
ولَو قال مَن فِيه رِقٌّ لِزَوجتِه: "إنْ أَعتَقَنِي سيِّدِي، فأنْتِ طَالقٌ طَلقَتَينِ" فأعْتقَه سيِّدُه، فإنَّ له أَنْ يُراجعَها.
* * *
وقولُنا: "إلى الحِلِّ": مُتعلِّقٌ بالرَّدِّ.
ووصَفْنَا الحِلَّ (1) بالقَبولِ مِن الجَانِبَينِ لنُخرِجَ به حالةَ الرِّدةِ، واختلافِ الدِّينِ كما سَبقَ.
وقولُنا: "مَع تعيُّنِها": يَخرُجُ به ما (2) إذا طَلَّقَ امَرَأَتَيْه مُبهِمًا، ثُم رَاجَعَ إحداهُما مبْهِمًا، فإنَّه لا يَصحُّ، وفيه وجْهٌ قويٌّ أنه يصِحُّ (3).
وقولُنا: "وبَقاءُ عِدَّتِها" إلى آخِرِه. . واضحٌ.
* * *
وفِي المُعاشَرةِ كَلامٌ يَأتِي فِي العِدَّةِ.
= والعبد يملك طلقتين فيراجع بعد الأولى ولا يراجع بعد الثانية، لأن العبد يستوفي بالثانية عدد طلاقه كما يستوفيه الحر بعد الثالثة.
وإذا افترق حكم الحر والعبد فيما وصفنا من عدد الطَّلَاق واستحقاق الرجعة فيه فهو معتبرٌ بحاله لا بحال الزوجة، فيتملك الحر ثلاثًا سواءٌ كان تحته حرةٌ أو أمةٌ ويملك العبد طلقتين سواءٌ كان تحته حرةٌ أو أمةٌ فيكون اعتباره بالرجال دون النساء. "الحاوي"(10/ 304).
(1)
في (ل): "الحمل".
(2)
"ما" سقط من (ل).
(3)
"الروضة"(8/ 216).
ولا يُعتبَرُ رِضى المَرأةِ، ولا وليِّها، ولا مالكِ الأَمَةِ بِلا خلافٍ.
ويُستحبُّ إعلامُ المَرأةِ.
ولا يُعتبَرُ فِي صِحَّةِ الرَّجعةِ الإشهادُ (1)؛ على مَنصوصِ "الأُمِّ"(2) و"المختصر" و"القديم".
وقال فِي "الإملاء": لَا رَجْعةَ إلا بشاهَدَينِ، وهو آخِرُ قولَيْه كما ذكَرَه الرَّبيعُ فِي غَيرِ "الأُمِّ".
ويَنبغِي أَنْ يرجَّحَ، ولَمْ يُرجِّحُوه، ونَسبَه جَمْعٌ مِن المَراوِزةِ للْقَديمِ، والأثْبَتُ ما سَبقَ.
ويُستحَبُّ الإشهادُ قَطْعًا إذا لَمْ يَعتبِرْه، وعلى الإقْرارِ بالرَّجعةِ إنْ لَمْ يَشْهَدْ على إنْشَائِها، ولا سِيَّما فِي العِدَّةِ.
* * *
وصَريحُها: "راجَعْتُكِ" أو: "ارتجعتُكِ" وأَلْحقَ به جَمْعٌ: "رجعتُها" أو:
(1) وهذا في الجديد؛ لأن الرجعة في حكم استدامة النكاح، ومن ثم لم يحتج لولي ولا لرضاها ولقوله تعالى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ولخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: لعمر: "مره فليراجعها" ولم يذكر فيها إشهادًا، وفي القديم يجب الإشهاد لظاهر آية {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} .
(2)
قال في "الأم"(5/ 261): ينبغي لمن راجع أن يشهد شاهدين عدلين على الرجعة لما أمر اللَّه تعالى به من الشهادة لئلا يموت قبل أن يقر بذلك أو يموت قبل أن تعلم الرجعة بعد انقضاء عدتها فلا يتوارثان إن لم تعلم الرجعة في العدة، ولئلا يتجاحدا أو يصيبها فتنزل منه إصابة غير زوجة.
"رجعتُكِ"(1) وعليه المتأخِّرونَ، ولَمْ يَذكُرْه الشافعي فِي "الأم" ولا فِي "المختصر" ويَنبغِي أَنْ يُلحَقَ بـ "رددْتُها"(2).
ويُستحَبُّ فيما سَبقَ أَنْ يَقولَ: "إلى" أو: "إلى نِكاحِي"(3).
و"أمْسكتُها": صَريحٌ على النَّصِّ.
وقال العراقيونَ: هو كِنايةٌ لا تَصِحُّ الرَّجعةُ به وإن نَوى؛ لأنَّهم لا يصحِّحونَ الرَّجعةَ بالكنايةِ مَعَ النِّيةِ، ومَن نَقلَ فيه وَجهًا أنه لَيْسَ بِصَريحٍ ولَا كِنايةٍ فليس بِصحيحٍ، ولا يحتاجُ فيه أَنْ يَقولَ:"إليَّ" أو: "إلى نكاحِي" على المُعتمَدِ (4).
وصَريحُ الرَّجعةِ مُنحصِرةٌ فِي هذِه الثَّلاثةِ (5).
(1) ويلحق بِهذه الألفاظ: "مراجعة" أو "مرتجعة". راجع "مغني المحتاج"(3/ 336).
(2)
هذا اللفظ من الألفاظ المختلف فيها، فمنهم من قال: هو صريح، لورود القرآن به، ومنهم من قال: لا؛ لأنه يتكرر، والصواب أنه صريح. راجع "الروضة"(8/ 214)، و"الغاية القصوى"(2/ 815)، و"مغني المحتاج"(3/ 336).
(3)
"الروضة"(8/ 215).
(4)
لفظ الإمساك فيه ثلاثة أوجه:
الأول: قيل هو صريح.
الثاني: قيل هو كناية؛ لأنه لا يتكرر.
الثالث: قيل ليس بكناية؛ لأنه لا يشعر بالاستصحاب، بل بالاستدراك.
وصححوا أنه صريح. راجع "الروضة"(8/ 215)، و"المنهاج مع المغني"(3/ 336)، و"الغاية القصوى"(2/ 815).
(5)
راجع: "الحاوي"(10/ 312) و"التنبيه"(ص 182) و"كفاية الأخيار"(2/ 67).
وتَصِحُّ بالعَجَميةِ وإنْ أحْسَنَ العَربيةَ، وتَصِحُّ بالكِنايةِ (1)، والكِنايةُ معَ النِّيةِ فيهِما كما سَبقَ، وهذا عند المَراوزةِ، وهو أقْيَسُ وأرْجَحُ، وليس الخِلافُ فيه مَبْنيًّا على الإشْهادِ لِمَا سَبقَ عَنِ العِراقيِّينَ، والبِناءُ المَذكورُ غيرُ مُستقيمٍ.
ولا تَصحُّ الرَّجعةُ بـ "نكحتُها" ولا "تزوجتُها" ولو كان فِي صُورةِ العَقدِ؛ لأنَّه غَيرُ مَشروعٍ هُنا؛ ولأنَّه تَحصيلُ الحاصلِ، خِلافًا لِمَنْ أجَازَ ذلك (2).
* * *
ومِنَ الكِنايةِ: "رفعتُ التحريمَ" و"أعدتُ الحِلَّ".
وإشارَةُ الأخْرسِ كعِبارةِ الناطِقِ، فإنْ كانَتْ مُفهِمةً إفهامًا ظاهرًا صَحَّتْ بها الرَّجعةُ، وإنْ لَم يُفهِمْهَا ظاهرًا صَحَّتْ بِها الرَّجعةُ، وإنْ لَم يَفْهَمْهَا إلا الفَطِنُ صُحَّتْ بِها عند المَرَاوِزَةِ مَع النِّيةِ.
وكذا بالكَتْبِ؛ نَصَّ عليه فِي "الأُمِّ"(3)، وهو شَاهدٌ لِطَريقةِ (4) المَراوِزَةِ إلا
(1)"الروضة"(8/ 216).
(2)
اختلفوا في لفظ التزويج والإنكاح على ثلاثة أوجه:
قيل: هو صريح؛ لأنه صلح لأجل العقد والحل، فصلاحه للدوام أولى.
وقيل: لا؛ لأنه لم يرد في القرآن في الرجعة، وهو مأخذ الصريح، ومن ثم فهو كناية.
وهذا الوجه هو المصحح كما في "الروضة"(8/ 215)، و"المنهاج مع المغني"(3/ 336).
ورجحه البيضاوي في "الغاية القصوى"(2/ 815)، وقيل: ليس بكناية؛ لأنه لا يُشعر بذلك.
(3)
"الأم"(5/ 262).
(4)
في (ل): "لطريق".
أَنْ يُحمَلَ على أنَّ الكَتْبَ صَريحٌ فِي حَقِّ الأخْرسِ.
وفِي "الأُمِّ"(1) فِي "رددتُها إليَّ" تَفريعٌ على أنَّه كِنايةٌ أنَّه يَصحُّ بالنِّيةِ، وهذا تَصريحٌ بمَا قالَه المَراوِزةُ (2).
* * *
ولا تَحصُلُ الرَّجعةُ بفعْلٍ: مِنْ وَطْءٍ، وتَقْبيلٍ، وغيرِهما، وإنْ نَوى بذلك الرَّجعةَ على النَّصِّ المُعتمَدِ (3).
(1)"الأم"(5/ 260)(قال الربيع): وفيها قولٌ آخر إذا قال قد رددتها إلى أنها لا تكون رجعةً حتى ينوي بها رجعتها فإذا قال قد راجعتها أو ارتجعتها هذا تصريح الرجعة كما لا يكون النكاح إلا بتصريح النكاح أن يقول قد تزوجتها أو نكحتها فهذا تصريح النكاح ولا يكون نكاحًا بأن يقول قد قبلتها حتى يصرح بما وصفت، لأن النكاح تحليلٌ بعد تحريم، وكذلك الرجعة تحليلٌ بعد تحريم، فالتحليل بالتحليل شبيهٌ، فكذلك أولى أن يقاس بعضه على بعض ولا يقاس بالتحريم بعد التحليل كما لو قال قد وهبتك أو اذهبي أو لا حاجة لي فيك أنه لا يكون طلاقًا حتى ينوي به الطَّلَاق وهو لو أراد بقوله "قد رددتك إلي" الرجعة، لم تكن رجعةً ينوي به الرجعة. .
(2)
تلخيص ما سبق أنهم مختلفون: هل للرجعة ألفاظ مخصوصة، أم تقع بكل لفظ يدل على المقصود كقوله مثلًا:"رفعتُ التحريم العارض بالطلاق" وقوله: "أعدتُ الحل الكامل".
فذهب العراقيون إلى الانحصار والاقتصار على اللفظين الصريحين: "راجعت"، و"واتجعت"، وعللوا ذلك بأن الرجعة اجتلاب حِلٍّ، فهي بالتعبد أحرى.
ومال الشيخ أبو علي إلى أن صرائحه لا تنحصر، وعلل ذلك بأن الرجعة حُكم ينبئ عنه لفظ اللسان، فيصح بكل ما يؤدي معناه.
(3)
قال الشافعي رحمه الله في "الأم"(5/ 260): فلا تثبت رجعةٌ لرجل على امرأته حتى يتكلم بالرجعة، كما لا يكون نكاحٌ ولا طلاقٌ حتى يتكلم بهما، فإذا تكلم بها في العدة =