الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلقِ والمضافِ.
وإذا ادعَى شخصٌ على معزولٍ أنَّه أخذَ مالَهُ رشوةً أو أخذَ منهُ مالًا بِشهادة عبدين أو غيرهما مما لا تقبلُ شهادتُه ودفعه إلى فلانٍ الذي قامتْ له عنه لا تقبل أحضره أو وكَّله، و
فصل
الخصومةِ بينهما، وإن قال: حكم على شهادة من لا تقبلُ شهادتُهُ ولم يذكرْ مالًا أخذَهُ منهُ ودفعَهُ لخصمِهِ، أحضر أو وكيله على الأصحِّ.
وقيلَ: لا يحضرُهُ حتَّى تقومَ بينةٌ بدعواهُ، وإذا حضرَ وأنكرَ صدق بلا يمينٍ على الأصحِّ.
وإذا ادَّعى على قاضٍ جور لم يحضره إلى أن يقومَ عنهُ بما يدعيه المدَّعِي المذكور، فإن شكي إلى الإمامِ ورأى إحضارَهُ أحضرَهُ؛ لأنَّ إحضارَ الإمامِ له ليسَ نقصًا في حقِّهِ.
وكذا نائبُ الإمامِ العامِّ، فأمَّا قاضٍ مثلُهُ فليسَ له ذلكَ إلَّا إذا اشتُهِرَ جورُ ذلكَ القاضي، فيستغني بذاكَ على البينةِ، وإذا قامتِ البينةُ فحضَرَ القاضي وأوقع الطالبُ عليه الدَّعوى فأجابَ بالإنكارِ، وتعذَّرَتِ إقامةُ البينةِ فلا يحلفُ القاضِي، وإن لم يتعلَّق بحكم حكم بينهما خليفته أو غيرِه لفصلِ الخصومةِ.
* * *
فصل
يستحبُّ (1) للإمامِ ولقاضي الإقليمِ أَنْ يكتُبَ كلٌّ منهما ولايةَ العملِ لمن يولِّيه القضاءَ بما فوَّضهُ إليه، وما يشترطُهُ عليه، وإن أرادَ أن يشهدَ بالكتابِ شاهدًا واحدًا للإخبارِ بذلكَ فلَهُ ذلكَ؛ لأنَّ المدارَ على الإخبارِ لا على
(1)"منهاج الطالبين"(ص 338).
قواعدِ الشَّهادةِ. وتكفي الاستفاضَةُ على الأصحِّ، ومجردُ الكتابِ على المنصوصِ، مع قولِ المتولِّي، وظهورِ مخايلِ الصِّدقِ على المذهبِ.
ويبحثُ القاضي عن حالِ علماءِ البلدِ وعدُولِهِ، ويدخلُ يومَ الاثنينِ، فإن تعسَّرَ يومُ الاثنينِ فالخميسُ، وإلَّا فالسَّبتُ، ويستحبُّ أن يكونَ دخولُهُ صبيحةَ النهارِ، وينزلُ وسطَ البلدِ، وينظرُ أولًا في أهلِ الحبسِ، إن لم يكنْ هناك أمرٌ أهمَّ من المحبوسينَ.
فإن كانَ هناكَ أمرٌ أهمَّ من النَّظرِ في المحبوسينَ قدَّمه عليهم، فمن ذلك المحاجيرُ الجائعونَ الذين يجب نظره (1)، وما أشرفَ على هلاكٍ من الحيواناتِ في التركاتِ وغيرِها، وما أشرفَ من الأوقافِ وأملاكِ محاجيرهِ على السُّقوطِ، بحيثُ يتعيَّنُ الفورُ فيهِ بتدارُكٍ، ونحوَ ذلكَ (2).
وذكرَ الماورديُّ وغيرُهُ (3) أنَّ أولَى الأشياءِ التي يفعلها القاضي بعد قراءَةِ تقليدِهِ قيل: النظرُ في المحبسينِ، وغيرهم، وتَسَلُّمُ (4) المحاضرِ والسجلاتِ من القاضِي المنصرفِ، ليحفَظَ على أصحابِها، وكذا تسلُّم أموالِ الأيتامِ والضوال والوقوف (5). وما ذكرنا نحنُ تبعًا لشيخنا أهمُّ وأولَى.
وإذا نظرَ في أهلِ الحبسِ فمن اعترفَ أنَّه حُبسَ بحقٍّ أمضى الحكمَ عليهِ،
(1) كذا، وانظر هذا البحثَ في "مغني المحتاج"(4/ 87)، و (6/ 280) ، و"تحفة المحتاج"(10/ 131).
(2)
راجع "تحفة المحتاج"(10/ 131).
(3)
"البيان في مذهب الشافعي"(13/ 69) للعمراني.
(4)
في الأصل: "تسلم".
(5)
"الحاوي الكبير"(16/ 35)، و"الروضة"(11/ 132)، و"المجموع"(20/ 132).
ولو كانَ الحقُّ تعزيرًا ورأى القاضِي إطلاقَهُ فلَهُ ذلكَ، كما جزَمَ به الغزاليُّ، قال الرافعيُّ: وسكتَ المعظم عنه، ولو بانتْ جنايتُهُ عند الثاني وأراد إدامة حبسه فالقياسُ الجواز (1). انتهى.
وقد جزمَ الماورديُّ والرويانيُّ بما قالَه الغزاليُّ.
وإن لم يستكمل مدَّةَ حبسِهِ مع بقاء نظرِ الأوَّلِ؛ لأنَّ القاضي الثاني لا يُعزر لذنبٍ كانَ مع غيرِهِ لكن لا يطلق حتى ينادي عليه، لاحتمالِ أنَّه حبسَ لخصمٍ أنكره، ويحلفه عليه، وإن قال المحبوسُ:"حبستُ ظلمًا" فعلى خصمِه حجة، ويُصَدَّق بيمينه. كذا جزَمَ به في "الروضة"(2) تبعًا للشرحِ.
قال شيخُنا: وهذا الذي جزَما بهِ عندنا ممنوعٌ؛ فإنَّ المحبوسَ إذا قالَ: حبسني الحاكمُ المنصرفُ ظلمًا فقدِ اعترفَ بحبسٍ صدرَ من الحاكِمِ، وادَّعى أنَّ الحاكمَ ظلمَهُ فيهِ، وخصمُهُ يدَّعي أنَّ الحاكمَ حبسَهُ بحقَّه الذي له عليه، فالظاهرُ أنَّ حبسَ الحاكمِ يكونُ على الوجهِ المعتبرِ بالمحبوسِ حينئذٍ هو المدَّعِي، وخصمه هو المُدَّعَى عليه، فالقولُ قولُ خصمِهِ بيمينِهِ، ولا يكلَّفُ خصمُه الحجَّةَ؛ لأنَّ معهُ حجَّةً سابقةً، قدِ اعترفَ المحبوسُ بها، وهي أنَّ الحاكمَ حبسَهُ.
وقد جزمَ الفوارنيُّ بأنَّه لا يقبلُ قولُهُ، وأصابَ في ذلكَ، وكذا ذكرَ الماورديُّ في "الحاوي"(3) أنَّ دعوَى المحبوسِ أنَّ الحاكمَ حبسَهُ
(1)"روضة الطالبين"(11/ 134)، و"الغرر البهية في شرح البهجة الوردية"(5/ 222).
(2)
"روضة الطالبين"(11/ 133)، وراجع "نهاية المطلب"(18/ 570)، و"تحفة المحتاج"(10/ 131).
(3)
"الحاوي الكبير"(16/ 37).
بغيرِ حقٍّ، ولغيرِ خصمٍ مخالفةٌ للظاهرِ من أحوالِ القضاةِ، وحبسهُ حكمٌ فلا ينقض إلَّا بيقينِ الفسادِ، والعمل على بيِّنةٍ إنْ كانتْ، فإنْ شهدتْ أنَّه حبسَ بحقٍّ عُزِّرَ في جرحِهِ لحابِسِهِ، أو ظلمًا نادى ثلاثًا في حضورِ خصمٍ إن كانَ لهُ، وأطلق بعدَ الثلاثِ إنْ لم يحضرْ، وإن لم تَقُمْ بينةٌ بأحدِ الأمرينِ أعادَهُ إلى حبسِهِ، ويكشفُ عن حالِه، فمَن كانَ مقيمًا في حبسِهِ حتَّى ييأسَ القاضِي بعد الكشفِ منْ ظُهورِ حقٍّ عليه، وطالبَهُ بكفيلٍ، ثم أطلقَهُ، فإنْ قيلَ فالكفالَةُ في النفسِ لا تصحُّ إلَّا فيمن ثبتَ عليه حقٌّ. قِيلَ الحبسُ من جملةِ الحقوقِ، فإن عدم كفيلًا استظهرَ في بقاءِ حبسِهِ على طلب كفيلٍ، ثم أطلقَهُ عندَ إعوازهِ، وهو غايةُ ما يقدرُ عليه القاضِي من استظهارِهِ (1).
فإنْ كانَ غائبًا، وهو في غيرِ محلِّ ولايتِهِ، فلا يحضرُه، وإن كانَ في ولايتِهِ وهناكَ نائبٌ لم يحضرْه، بل يكتبُ إليه بما جرَى ليسمعَ جوابَ الخصمِ، وإن لم يكُن هناكَ فيحضرهُ من مسافَةِ العدوى (2) فقط، إذا أقامَ المحبوسُ بينةً على ما يدَّعيهِ من الظُّلمِ.
ثم ينظرُ القاضِي في الأوصياءِ، فمن ادَّعى وصايةً سألَ عنها، فإن أقام بينةً بأنَّ القاضي المعزولَ نفذَ وصايتَهُ وأطلقَ تصرُّفَهُ سألَ عن حالِهِ وتصرُّفِه، فمن وجدَهُ فاسقًا أو شكَّ في عدالتِهِ أخذَ منهُ المالَ، وإن كانَ أمينًا عضَّدَهُ بمعين (3).
(1) هذا كلامُ الماورديِّ في "الحاوي"(16/ 37).
(2)
مسافة العدوى: قال ابن فارس: العدوى طلبك إلى والٍ ليعديك على مَن ظلمَك، أي ينتقمَ منهُ باعتدائِه عليك، والفقهاءُ يقولونَ:"مسافة العدوى"، وكأنَّهم استعاروها من هذه العدوى؛ لأنَّ صاحبَها يصلُ فيها الذهاب والعود بعدوٍ واحدٍ، لما فيهِ من القوَّةِ والجلادةِ. "المصباح".
(3)
"منهاج الطالبين"(ص 338).
ويتخذ دِرَّةً أو سوطًا للتأديبِ، وسجنًا لأداء حقٍّ ولتعزيرٍ، وينبغي أن يكونَ له مزكُّونَ وأصحاب مسائل، فالمُزَكُّون هم الذينَ يبعثُهم إلى المُزَكِّينَ ليبحثُوا ويسألُوا، وكاتبًا (1).
شرطُهُم صفةُ الشهودِ، وينبغي أَنْ يكونَ الكاتبُ عارفًا بكتابةِ محاضرَ وسجلاتٍ، ويستحبُّ فقهٌ ووفورُ عقلٍ، وجودَةُ خطٍّ.
ويتخذُ مترجمًا، وشرطُهُ عدالةٌ وحريةٌ، وعددٌ إن كانتِ الترجمةُ عن الدَّعوى مطلقًا أو عن الإنكارِ، أو عن الإقرارِ بغيرِ المالِ، ولا تثبتُ حينئذٍ برجلٍ وامرأتينِ، بل لا بدَّ من عدلينِ (2) وإن كانتِ الترجمةُ عنِ الإقرارِ بالمالِ تثبتُ برجلٍ وامرأتينِ، والأصحُّ جوازُ ترجمة أعمَى إن كانَ أهلُ المجلسِ سكوتًا، فإنْ كانَ هناكَ كلامٌ، واحتملَ حصولُ الإلباسِ بذلك فلا تقبلُ شهادتُهُ بالترجمةِ قطعًا.
ويشترطُ العددُ في استماعِ القاضِي الذي به صممٌ على الأصحِّ، فإن كانَ القاضِي والخصمانِ صمًّا اشترطَ العددُ في إسماعِهم قطعًا (3).
ويستحبُّ أَنْ يكونَ مجلسَهُ فسيحًا بارزًا مصونًا من أذى حرٍّ وبردٍ، لائقًا بالوقتِ والقضاء (4).
ويكرهُ اتخاذُ المسجدِ مجلسًا للقضاءِ، ولا بأسَ في فصلِ ما يعرض وتغليظ يمينٍ به.
(1)"روضة الطالبين"(11/ 168).
(2)
"مغني المحتاج"(6/ 283).
(3)
"منهاج الطالبين"(ص 338)، و"تحفة المحتاج"(10/ 134).
(4)
"منهاج الطالبين"(ص 338).
ويكرهُ أَنْ يقضي في حالِ غضبٍ وجوعٍ وشبعٍ مفرطينِ، وكلِّ حالٍ يحيلُ به فكره (1) وإذا كانَ الغضبُ يخرجُهُ عن طريقِ الاستقامةِ حرمَ عليهِ القضاءُ في هذه الحالةِ. وإذا احتدَّ احتدادًا لا يمنعُه من الاسْتدادِ (2)، وكانَ احتدادُه ذلك للَّهِ تعالى فلا كراهةَ في هذه الحالَةِ.
ويستحبُّ أَنْ يُشاورَ الفقهاءَ (3)، وأنْ لا يبيعَ ويشترِي بنفسِهِ إذا أمكنَهُ أَنْ يفعلَ ذلكَ غيرُهُ، فإن لم يمكنْهُ ذلكَ وتعاطاهُ بنفسِهِ لم يكنْ مخالفًا للندبِ، ولكن لا يتعاطاهُ في مجلسِ الحُكمِ (4).
ولا يكونُ لهُ وكيلٌ معروفٌ.
فإنْ أهدى إليهِ مَن له خصومة أو لم يهد له قبلَ ولايتِه حرمَ عليه قبولها، ولا يحصلُ له فيها ملأ إن قبلهَا على الأصحِّ. ومَن أهدى إليهِ في غير محلِّ ولايتِهِ ولا خصومةَ له، فلا يحرُمُ قبولُها. وإن كانَ يُهدي قبل ولايته، ولا خصومة له جازَ بقدرِ العادةِ (5)، فإنْ زادَ زيادةً تتميز عن المعتادِ حرمَ قبولُ الزيادةِ، وإن كانتِ الزيادَةُ لا تتميزُ فالكلُّ حرامٌ، ولا يجوزُ أَنْ يقبلَ من ذلكَ شيئًا.
والأولى أن يُثبتَ على ما يجوزُ له قبوله (6).
(1)"منهاج الطالبين"(ص 338).
(2)
في الأصل: "الاستبداد" وهو تحريفٌ واضحٌ، وكذا وقع محرفًا في "نهاية المطلب"(18/ 469)، وأصلحهُ محققهُ د/ الديب رحمه الله.
(3)
"منهاج الطالبين"(ص 338).
(4)
"منهاج الطالبين"(ص 338).
(5)
"منهاج الطالبين"(ص 338 - 339).
(6)
"منهاج الطالبين"(ص 338).
ولا ينفذُ حكمُهُ لنفسِهِ ولا عليها (1)، أمَّا الأوَّلُ فللتهمةِ، وأما الثانِي فلئلَّا يؤدِّي إلى اتحادِ الحاكمِ والمحكومِ عليه، والحاكمُ لا بدَّ أن يكونَ غيرَ المحكومِ عليه، وتستثنَى صورٌ تتضمنُ حكمُه فيه الحكمَ لنفسِه وهو نافذ:
الأولى: إذا حكمَ لمن هو تحتَ نظرِهِ بجهةِ الحكمِ من يتيمٍ، ومجنونٍ، وسفيهٍ بالمالِ، فإنَّه ينفَّذُ، وإن تضمَّن ذلكَ أنهُ يستولي على المالِ.
الثانيةُ: وصي اليتيم يتولَّى القضاءَ في بلدِ إقامةِ اليتيمِ، فيسمعُ البينةَ ويحكمُ لليتيمِ بالمالِ على الأصحِّ في "الروضة" تبعًا للشرحِ. ورجَّح شيخُنا المنعَ تبعًا لابن الحداد، والقاضي أبي الطيب، وعليه لا استثناء.
الثالثةُ: الأوقافُ التي تحتَ نظر الحاكمِ بجهةِ الحكم، يقضِي فيها بالمالِ على مَن عليه من مستأجرٍ وغيرهِ.
الرابعةُ: ناظرُ وقفٍ خاصٍّ تولَّى الحكم، إذا رُفعتْ إليهِ قضيَّةٌ تتعلَّقُ بالوقفِ الذي هو ناظرُهُ، ففي حكمِهِ ذلك الخلافُ السابقُ في صورةِ الوصيِّ على اليتيم يتولَّى الحكمَ ببلدِ اليتيم.
الخامسةُ: الأوقافُ التي فيها شرطُ النَّظرِ للحاكِمِ، أو انقطَعَ فيها شرطُ النَّاظرِ الخاصِّ، وصارَ النظرُ بجهةِ الحكمِ للحاكِمِ أَنْ يحكمَ بِصِحَّتِها وموجبها، وإن كانَ يتضمَّنُ ذلك الحكمُ لنفسِهِ في الاستيلاءِ والتصرُّفِ.
السادسةُ: إذا ماتَ مَن لا وارثَ لَهُ أو لهُ من الورثةِ مَن لا يستغرقُ ماله، وارتفعتْ للإمامِ قضيتُه أو قضية تتعلقُ بأملاكِ بيتِ المالِ، فإنَّهُ يحكمُ في ذلكَ كلِّهِ، وإنْ كانَ يصرفُ إليهِ في جامِكيَّتِهِ ونحو ذلكَ والتُّهمةُ هنا أبعدُ منهُ في الذي قبله ولا ينفذ حكمه لرقيقه (2).
(1)"منهاج الطالبين"(ص 239).
(2)
"منهاج الطالبين"(ص 339).