الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الأمان
يصحُّ من كلِّ مسلمٍ مكلَّفٍ مختارٍ أمانُ حربيٍّ قبلَ أسرِهِ، وعدد محصورٌ فقط كعشرةٍ ومائةٍ، إن لم يؤدِّ ذلك إلى انسدادِ الجهادِ، أو بعصابةٍ نقصانًا لَهُ وقع.
والأسيرُ المقهورُ في أيدي الكفَّارِ إذَا أمنَ بعضهم مكرهًا لم يصحّ، وإن أمنهُ مختارًا لم يصح أيضًا على الأصحِّ إذا لمْ يَكُنْ في أمانٍ، ممن هو في أسره، فإنْ كانَ في أمانٍ منهُ صحَّ أمانُهُ إياهُ إذا صارَ منهُ ذلكَ مع معرفتِهِ وجه النظر.
وينعقدُ الأمانُ بكلِّ لفط يفيدُ الغرضَ صريحًا أو كنايةً مع نيةٍ، وبالكناية مع النيةِ، وبالرِّسالةِ فإنْ كانَ المرسلُ بهِ فيها صريحًا فذاكَ وإنْ كانَ كنايةً فلا بدَّ منَ النيَّةِ كما سبقَ.
ومحلُّ اعتبارِ الصريح أو اعتبار ما يحتاج غيره إلى النيةِ ممَّا يقدمُ ما لم يدخل الحربي دار الإسلامِ رسولًا أو دخل ليسمعَ الذِّكر وينقادَ للحقِّ إذا ظهرَ لَهُ، فإنْ
دخَلَ كذلكَ لم يحتجْ إلى ما ذكر، وكذلكَ إذ دخَلَ مستحق المال الذي نقضَ العهدَ والتحقَ بدارِ الحربِ لطلبِ ماله الذي بقي في حكمِ الأمانِ على الصحيحِ لا يحتاجُ إلَى ما ذكر.
ولا يشترطُ علمُ الكافرِ بالأمانِ على النصِّ وجرى على عدمِ اعتبارِهِ العراقيونَ وجمع من المراوزةِ، خلافًا لمنِ اعتبرر فإنْ ردَّهُ بطلَ.
ولا يشترطُ قبولُ الكافرِ الأمان على المنصوصِ فلو سكتَ لم يبطلِ الأمانُ.
وتكفي إشارةٌ مفهمةٌ للقبولِ، أو أَنْ تبدو عليه مخايل القبول.
وإن كان الذي أمَّنَهُ يا دخولِه رجلًا من المسلمين كانَ أمانُهُ مقصورًا على حقنِ دمِهِ ومالِهِ دونَ مقامه، ونظر الإمامُ في حالِهِ، فإن كانَ من المصلحةِ إقرارُهُ أقرَّهُ على الأمانِ، وقررَ لَهُ مدَّةَ مقامِهِ، ولم يكُنْ لمنْ أمَّنَهُ من المسلمين تقدير مدته.
ويجوزُ أَنْ تؤمَّنَ المرأةُ والعددُ من النساء من غيرِ تقييدٍ بأربعةِ أشهرٍ ولا دونَ السَّنَةِ على النصِّ، ولا يجوزُ أمانٌ من الإمامٍ إلَّا بالنظرِ للمسلمين، وإنما يجوزُ أمانُ الواحدِ من المسلمينَ من كانَ إذا اتَّصل بالمصلحةِ على الأرجحِ كما نقلَهُ القاضي حسين عن الأصحابِ.
وعقدُ الأمانِ جائزٌ من جهةِ المؤمَّنِ له بيده متى شاء، ويصير حربًا لنا يبلغ المأمن، ولازم من جهة المؤمِّن لا يجوزُ له نبذه إلَّا بأنْ يظهرَ منه خيانةٌ فينبذه حينئذٍ ويقتضي إطلاق نصوص الشافعي حصول الأمان في المالِ حيثُ كانَ، ولا يدخلُ الأصلُ في الأمانِ إلَّا. . . (1).
والمسلمُ بدارِ الحرب إنْ أمكَنَهُ إظهارَ دينِهِ ولم يرج ظهور الإسلام هناك
(1) مقدار كلمة لم أستطع قراءتها في الأصل.
بمقامِهِ يستحبُّ لَهُ الهجرةُ فإنْ رجَا فالأفضل أن يُقيمَ (1).
وإنْ قدَرَ على الامتناعِ في دارِ الحربِ والاعتزال وجبَ عليهِ المقامُ بها، وإن لم يمكنْهُ ما تقدَّمَ، ولم يكن في مقامِهِ مصلحةٌ للمسلمينَ وجبتِ الهجرةُ إنْ أطاقَهَا، وإذَا قَدَرَ الأسيرُ عَلى الهَرَبِ لزمَهُ وإنْ أطلَقُوهُ بلا شرطٍ فلهُ اغتيالُهُم، أو على أنَّهم في أمانِهِ حرُم اغتيالُهُم، وكذلك الحكمُ إذا أطلقوهُ على أنَّهُ في أمانِهِم على النصِّ فإنْ تَبِعَهُ قومٌ فليدفعْهم ولو بِقتلهم.
ولو شرطوا أن لا يخرج من دارهم لم يجزِ الوفاء إذا لم يمكنْهُ إظهارَ دينِهِ فإنْ أمكنَهُ لم يحرُم الوفاء.
ولو عاقدَ الإمامَ مَن يدله على قلعة كذا، وله منها جارية جازَ، فإنْ فُتحت بدلالتِهِ عَنْوَة أعطيها، وإن فتحت صلحًا وكانتِ الجاريةُ المشروطةُ خارجةً عَنِ الأمانِ، وكان الصلحُ على أمانِ صاحبِ القلعةِ وأهله ولم تكنِ الجارية من أهلِه سلِّمتْ إليهِ، وإن كانتْ داخلةً في الأمانِ أعلمنا صاحبَ القلعةِ بشرطِنَا معهُ، وقُلنَا لَهُ إن رضيتَ بتسليمِها إليهِ غرمنا لك قيمتها وأمضينا الصلحَ، وتكونُ القيمةُ من بيتِ المال وإن لمْ يرضَ راجعناهُ فإنْ رضِيَ بقيمتِها أو بجاريةٍ أخرى فذاك، وإلَّا قلنا لصاحبِ القلعَةِ إن لم تسلمْها فسخنا الصلحَ ونبذنا عهدك، فإنِ امتنعَ رددناهُ إلى القلعةِ واستأنفنَا القتالَ، وإنْ لمْ يفتحِ بدلالته أعطيها على المنصوصِ (2)؛ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، فإنْ لم يفتحْ فلا شيءَ لَهُ.
وقيل: إنْ لم يعلَّقِ الجعلُ بالفتحِ فلَهُ أجرةُ مثلٍ، فإنْ لم يكنْ فيها جارية أو
(1)"المنهاج"(ص 311).
(2)
"روضة الطالبين"(10/ 289).