الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإذا ادَّعى رقَّ بالغٍ عاقلٍ، فقالَ: أنا حرُّ الأصلِ، فالقول قولُهُ بيمينِهِ.
ولو ادَّعى رقَّ مَن لم يكلَّف ليس في يدِه لم يقبل إلَّا ببينةٍ إلَّا أن يصدِّقَهُ مَن هو في يدِه، فإنَّه يقبل ما ادَّعاهُ بغير بينةٍ، ويكفي في ذلك تصديقُ صاحبِ اليدِ، أو في يده حكم له به إن لم يعرفِ استنادها إلى التقاطِ ولا غيره، فلو أنكرَ الصغيرُ وهو مميزٌ أو بعد بلوغِهِ لم يؤثر إنكارُه، ولكن يحلفُ المدعي واليمينُ واجبةٌ على الأرجحِ. وقيلَ كالبالغِ في احتياجِ المدعي إلى بينةِ الرِّقِّ.
ولا تُسمعُ الدعوَى بدَينٍ مؤجَّلِ لازمٍ متحققٍ لزومه لمن ادَّعى عليه في الأصحِّ إذا كانتِ الدَّعوى به على طريقِ الاستقلالِ، فإن كانت على سبيلِ التبعيةِ سمعتْ، كما إذا ادَّعى على القاتلِ بقتلٍ خطأٍ أو شبه عمدٍ، فإنَّه تُسمع قطعًا.
وكما إذا كان بعضُ الدينِ حالًّا، وبعضه مؤجَّلًا، فإنَّه تُسمع الدعوى بالكلِّ كما جزمَ به الماورديُّ.
وأمَّا المؤجَّلُ غير اللازمِ فلا تُسمع الدعوى به جزمًا كنجومِ الكتابَةِ والثمنِ في مدَّةِ الخيارِ، وكذا لو كانَ لازمًا لكن لم يتحقق لزومُهُ لمن ادَّعى به عليه كالدية اللازمة للعاقلةِ المؤجلة في ثلاثِ سنين، لا تصحُّ الدعوى به جزمًا.
* * *
فصل
أصرَّ المدعى عليه الذي هو أصلٌ في الدعوَى على السُّكوتِ عن جوابِ المدعي (1)، جُعِلَ كمنكرٍ ناكلٍ بعدَ أن يقولَ له القاضِي: أنتَ بمنزلةِ المنكرِ، واليمينُ بها جهتِكَ، ويُصرُّ على السُّكوتِ حينئذٍ، وإن كان المدَّعى عليه وكيلًا
(1)"منهاج الطالبيِن"(ص 352)، و"تحفة المحتاج"(10/ 303)، و"مغني المحتاج"(6/ 410).
فيجعل كالمنكرِ، ولا يجعل كالناكلِ؛ لأنَّ اليمينَ لا تتوجَّهُ إليهِ.
وأمَّا المدعى عليه من جهة ما يتعلَّقُ بمن هو في ولايتِهِ فلا يحلُّ لهُ السُّكوتُ، ويجبُ عليه أن يجيبَ بما يعرِفُهُ من الحالِ، فإنْ أصرَّ على السُّكوتِ، وكان أبًا أو جدًّا أو وصيًّا من جهةِ أحدِهِما، عرَّفَهُ الحاكمُ: أنَّ هذا الذي تعمَّدَه من السُّكوتِ لقصدِ التعنُّتِ والإضرارِ قادحٌ في الولايةِ، فإن أنتَ بادرتَ إلى الجوابِ وأقلعتَ عن هذا التعنُّتِ فأنت على ولايتِكَ، وإلَّا فلا ولايةَ لكَ.
وإنْ كانَ المدَّعى عليهِ قيِّمًا من جهةِ الحاكمِ زبرهُ الحاكمُ وأقامَ غيرَهُ عندَ إصرارِه بإصرارهِ، ولا يجعلُ كالمنكرِ.
فإنِ ادَّعى عشرةٌ فقال: لا يلزمني العشرةُ، لم يكفِ حتَّى يقولَ: وما دونَ العشرةِ (1)، وإن أسند المدعي العشرةَ إلى عقدٍ بأنْ قالَ: استحق عليه عشرة دراهم ثمن مبيع ابتاعَهُ مني. فيكفي المدعى عليهِ أن يقولَ: لا يلزمني العشرةُ، ولا يحتاجُ أن يقولَ: وما دونها. وكذا يحلفُ. فإنِ اقتصرَ على نفي العشرةِ، وأصرَّ عليهِ فناكلٌ، فيحلفُ المدعي على استحقاقِ شيءٍ منها، فإنِ ادَّعى عليه ثانيًا بما دونَ العشرةِ بجزء فأنكر ونكل، حلف المدعى على استحقاق ما دونَ العشرةِ بجزءٍ، وكذا لو قالَ في الجوابِ: ولا ما دونَ العشرةِ، ونكلَ في الحلفِ عن قولِهِ: ولا ما دونَ العشرةِ، فإنَّه يحلفُ المدعي على استحقاقِ ما دونَ العشرةِ بجزء يأخذه.
وإذا ادعى مالًا مضافًا إلى سببٍ (2) كأقرضتُك كذا. كفاه في الجواب: لا
(1)"المنهاج"(ص 352).
(2)
"المنهاج"(ص 352).
يستحقُّ عليَّ شيئًا.
وإنِ ادَّعى عليه شفعةً كفاهُ (1): "لا شفعةَ لك عندي". ويحلفُ على حسبِ جوابِه هذا، فإن أجاب بنفي السبب المذكورِ حلفَ عليه على النصِّ. وقيل: له الحلفُ بالنفي المطلقِ، ولو كان بيده مرهونٌ أو مكرًى وادَّعاه مالكُهُ وثبت مِلكُهُ؛ وجب على واضع اليد حينئذٍ تسليمه إليه، وإن لم يظهرْ ملكُ مالكِهِ، فلا يكفي في الجوابِ أن يقولَ: لا يلزمني تسليمه لئلَّا يكون مبطلًا في دعواه، فيتعطَّل على المالكِ الوصولُ إلى ملكِهِ بمجردِ مقالةٍ قد يستعملُها المبطلُ.
وإن اعترفَ بالملكِ وادَّعى الرهنَ أو الإجارَةَ، فلا تقبلُ إلَّا ببينةٍ، فإن عجزَ عنها وخاف إن اعترفَ بالملكِ جحْدَ ذلك كفاهُ: لا يلزمني تسليمه إليك.
وإذا ادعى عليه عينًا فقالَ (2): ليستْ هي لي، فلا يكونُ كافيًا في الجوابِ، ويُقال له: الجوابُ أن تقولَ: ليستْ للمدعي. أو: هيَ لَهُ. فإن ذكرتَ واحدًا منهما عُملَ بمقتضاهُ، وإنْ أصررتَ على قولِكَ: ليستْ لي. جعلناك منكرًا، وقبلْنَا البينةَ عليكَ، وجعلناكَ بعدَ عرضِ اليمينِ عليكَ ناكلًا، وأحلفنَا المدَّعي وحكمنَا بانتزاعِ ذلكَ منكَ.
وكذلكَ لو قالَ: "هي لرجلٍ لا أعرفُهُ"(3) لا يكونُ جوابًا كافيًا، ويقالُ لهُ: قد توجَّهَ عليكَ جوابٌ عدلتَ عنهُ، فإنْ أقمتَ عليه جُعلتَ ناكلًا، وأُحلفَ المدعي وحُكمَ له بانتزاعِها من يدكَ، وإن قال: لمحجوري، أو: وقفٌ على الفقراءِ، أو: مسجدِ كذا، وهو ناظرٌ عليهما، فلا تنصرفُ الخصومةُ عنهُ، ولا تنزعُ منهُ، بل يقيمُ
(1)"المنهاج"(ص 352).
(2)
"المنهاج"(ص 353).
(3)
"المنهاج"(ص 353).
المدعي البينةَ في مسألةِ وليِّ المحجورِ، وناظرِ الوقفِ على الفقراءِ والمسجدِ، وتقدَّم الحكمُ في قولِهِ: ليستْ هي لي، أو: لرجلٍ لا أعرفُهُ.
وإذا أقرَّ به لمعيَّنٍ حاضرٍ (1) يمكنُ مخاصمتُهُ سئل، فإنْ صدَّقَهُ فلا تنصرفُ الخُصومةُ إليهِ بذلك، وللمدَّعِي أن يطلبَ يمينَ المدعَى عليه؛ بناءً على أنَّه يغرمَ له البدلَ لو أقرَّ لَه، وهو أصحُّ القولينِ، فإنِ حلفَ انصرفتِ الخصومَةُ عنهُ، وإن نكلَ حلفَ المدعي واستحقَّ الغرمَ. وإن أقرَّ له غرمَ له البدلَ على أصحِّ القولينِ، وإن كذَّبَهُ فلا تنصرفً الخصومَةُ عنِ المدعى عليهِ وتركَ المدعَى بهِ في يدِه. وقيلَ: يسلم إلى المدعي، وقيل: يحفظهُ الحاكمُ لظهورِ مالكٍ. وقيلَ: يجبرُ المقرُّ له على أخذِهِ، أو الإبراءِ منه.
وإنْ أقرَّ به لغائبٍ فالأصحُّ انصرافُ الخصومة عنه، وحينئذٍ فإنْ لم يكنْ للمدعِي بينةٌ توقَّف الأمرُ إلى أن يحضُرَ الغائبُ، وإن كان له بينةٌ فيقضى له، والمرادُ بانصرافِ الخصومَةِ وإيقافِ الأمرِ بالنسبةِ إلى رقبةِ العينِ المدعاةِ، أمَّا بالنسبةِ إلى تحليفِ المدعَى عليه فلا تنصرفُ على الأصحِّ، بل له تحليفُهُ من أجلِ تغريمِ البدلِ لو أقرَّ لَهُ بها، ونكلَ، فحلفَ المدعي اليمينَ المردودة.
والمذهبُ المعتمدُ أنَّه قضاءٌ على حاضرٍ، وما قُبِلَ إقرارُ عبدٍ به، فالدعوى عليهِ وعليهِ الجوابُ، وما لا يقبلُ إقرارُهُ فعلى السيدِ، وقد تكونُ على السيدِ والعبدِ، والحالةُ هذه كضمانِ الإحضارِ، والنسبِ، والنكاحِ إذا أريدَ إثباتُهُ نفسه.
* * *
(1)"المنهاج"(ص 353).