الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والبندقِ وغيرهما على الأصحِّ.
ويدخل فيه القِثَّاء والخيار على النصِّ، ولا يدخلُ الليمون خلافًا لما في "المنهاجِ"(1) لأنَّه يصلح به بعض الأطعمةِ كالملحِ، وليس هو من الفاكهةِ، ولا النارنج كما ذكره شيخنا، ويدخلُ في الثِّمارِ اليابسُ لغةً وعرفًا، ولو أطلق تمر وجوز لم يدخل الهنديُّ فيهما (2).
والطعامُ يتناولُ عُرفَ أهلِ بلدِ الحالفِ، فمن كانَ عُرفُ بلدِهِ الطعامُ المطبوخُ كعرفِ الدِّيارِ المصريَّةِ حملَ عليه، ومن كانَ عُرفُهم أنَّ الطَّعامَ هو البرُّ كأهلِ الحجَازِ حمِلَ عليهِ، فلا يحنثُ أحد إلَّا بما يفهمه، ويكونُ ما أطلقَ لغةً وشرعًا إنَّما يلزمُهُ بهِ حِنثٌ بلغَةِ ذلكَ الإطلاقِ وفهمه، هكذا ذكرَ شيخُنا.
ولو قالَ: لا آكلُ من هذه البقرةِ، يتناولُ لحمَهَا وشحمَهَا ومُخَّها، وما ليسَ بلحمٍ ولا شحمٍ كالقلبِ وشحمة العينِ، ونحو ذلك مما يؤكَلُ من الحيوانِ إذا ذكي دونَ ولدٍ ولبنٍ، ولو قالَ: لا آكلُ من هذه الشجرةِ، فتمرٌ وجُمَّارٌ دونَ ورق لم يؤكلْ عادةً، وطرف غصنٍ.
* * *
فصل
حلفَ لا يأكلُ هذه التمرةَ (3)، فاختلطتْ بتمرٍ فأكلَهُ إلَّا بعضَ تمرِةٍ لم يحنَثْ، وكذلك الحكمُ لو ضاعَ من الجميعِ تمرةٌ وأخذها طائرٌ، وجاز أنها
(1)"المنهاج"(ص 329).
(2)
"تحفة المحتاج"(10/ 41).
(3)
"المنهاج"(ص 330).
المحلوفُ عليها، هذا إذا لم يتيقن أنَّه أكلها، فإنْ تيقَّنَ أنَّه أكلَها (1) أكل المحلوفَ عليها حنثَ جزمًا.
ويحنثُ بآخرِ تمرة يأكُلُها إذا أكلَ الكُلَّ، كما قالَهُ القَفَّالُ، حتَّى لو كانَ الحلفُ بالطلاقِ، فالعدَّةُ من حينئذٍ لا من وقتِ الاشتغالِ بالأكلِ.
ولو حلفَ ليأكلنَّها، فاختلطتْ لم يبرَّ إلَّا بالجميعِ إن لم يتيقَّنْ إلَّا بذلك، فإن تيقَّنَ بدونِهِ كأنْ وقعتِ التمرةُ في جانبِهِ من الصبرةِ ولا تغُص فيها، وأَكَلَ الحالفُ من ذلكِ الجانب الذي وقعتْ التمرةُ عليهِ فلا حنثَ، حيثُ تيقَّنَ أنَّه أتى عليها.
أو ليأكلنَّ هذه الرُّمَّانة، لم يبرَّ إلَّا بجميعِ حبِّها ولا يحنثُ بتركِهِ قشرها وشحمها.
وإن حلفَ لا يأكُلُ هذه التَّمرةَ فأكلَهَا إلَّا قُمعها أو شيئًا بقي عليها مما جرَتِ العادةُ بتركِهِ فقد حنثَ. قالَهُ الضمريُّ.
أو لا يلبس هذين، أو لا يلبسُ هذا وهذا لم يحنثْ بأحدهما، أو لا ألبسُ هذا ولا هذا، حنثَ بأحدهِما، وتبقى اليمينُ منعقدةً على الفعلِ الآخرِ على أصحِّ الوجهينِ، حتَّى إذا وجدَ يكفِّرُ أخرَى.
وإن حلفَ ليأكلنَّ هذا الطَّعامَ غدًا فماتَ قبلَهُ من غيرِ أن يقتلَ نفسَهُ فلا شيءَ عليهِ على المذهبِ، وإنْ مَاتَ أو تلفَ الطعامُ في غدٍ بعدَ غلته من أكلِهِ لا يحنثُ على النصِّ مع بقاءِ الوقتِ الذي يمكنُ فيهِ البرُّ لو بقيَ الطَّعامُ. قال شيخنا: وهو المذهبُ المعتمدُ.
ولو قتلَ نفسَهُ بعدَ مجيءِ الغدِ، فإنَّه يحنَثُ، كما إذا قتَلَ نفسَهُ قبلَ الغدِ،
(1) كذا، ولعلَّ صوابَهُ: إن أكلها.
وإن ماتَ قبلَ التَّمكُّنِ من غيرِ قتلِ نفسِهِ أو تلفَ الطَّعامُ قَبلَهُ بغيرِ تقصيرٍ منهُ ففيهِ قولَانِ؛ لأنَّهُ كالمُكرهِ، والأظهرُ عدمُ الحنثِ. وإنْ أتلفَهُ بأكلٍ أو غيرِهِ مختارًا ذاكرًا لحلفِهِ حنثَ، وإن تلفَ بغيرِ تقصيرٍ منه، أو أتلفَهُ أجنبيٌّ ولم يمكنْهُ دفعُهُ فلا يحنثُ على الأصحِّ كالمكرهِ.
وإن حلفَ ليقضينَّ حقَّه عندَ رأسِ الهلالِ، فليأخذ في القضاءِ عندَ دخولِ الشهرِ، ويكفي في ذلك أَنْ يشرعَ في أسبابِ القضاءِ من ذلكَ الوقتِ، فإذا أخذَ في إحضارِ المالِ ذلك الوقتِ وورثه كان ذلك مقتضيًا لبرِّة، وإن لم توجدْ حقيقة قضاء الدَّينِ عند رأسِ الهلالِ، ولهذا لو احتاجَ إلى زمانٍ طويلٍ في الكيلِ أو الوزنِ لم يحنثْ بعدَ الشُّروعِ في ذلكِ من أوَّلِ جزءٍ من تلكَ الليلةِ، فإنْ قدم القضاء على الوقتِ أو مضى بعد الغروبِ قدر إمكانِ ولم يفعلْ ما تقدَّم حنث.
ولو حلفَ لا يتكلَّمَ فسبَّحَ حنثَ على الأرجحِ؛ لأنَّهُ تكلَّمَ، ولكنَّه لم يكلِّمِ النَّاسَ، وهو لم يحلِفْ على أن لا يكلِّمَ النَاسَ، ولا يحنثُ إذا قرأ القرآنَ.
وإن حلفَ أَنْ لا يكلمه، فسلَّمِ عليه في غيرِ الصلاةِ حنثَ. وإن كاتَبَهُ أو راسلَهُ أو أشارَ إليه بيدِهِ أو غيرها فلا يحنثُ على الأظهرِ.
وإنْ قرأ آيةً وقعدا لِقراه، أو أطلقَ لم يحنثْ، وإلَّا حنثَ.
وإن حلفَ لا مالَ لهُ حنثَ بكلِّ نوعٍ من مالٍ، وإن قلَّ، بحيثُ يكونُ متمولًا حتى ثوبَ بدنِهِ، ومدبَّره، ومعلق عتقه على صفة في حياةِ المعلَّق، وأم ولدِهِ، ومقضي به كذلكَ، ودين حالّ، ومؤجَّلٌ في الأصحِّ، إلَّا الدين الذي للسَّيِّدِ على المكاتب، وإلَّا إذا مات المديون ولم يخلفْ تركة وليسرَ بالدينِ ضامنٌ لأنَّ الدينَ حينئذٍ صارَ في حكمِ العدمِ، لا مكاتبَ كتابةً صحيحةً على الأظهرِ.
وإن حلفَ ليضربنَّه، فالبرُّ بِمَا يُسمَّى ضربًا، ولا يشترطُ الإيلامُ، إلَّا أن يقولَ: ضربًا شديدًا، فيشترطُ الإيلامُ مع ضربٍ تطلقُ اللغةُ عليه شديدًا، ولا يكفي وضع سوطٍ عليهِ، وعضٌّ، وخنقٌ، ونتفُ شعرٍ؛ لأنَّ ذلكَ لا يسمَّى ضربًا. وأمَّا اللطمُ والوكزُ فيكفيانِ في البرِّ إذا حلفَ على الضربِ على الأصحِّ.
ولو حلفَ ليضربنَّه مائة سوطٍ، أو خشبةٍ، فشدَّ مائة مما سمَّاهُ، وضربَهُ بها ضربةً، أو بعثكالٍ عليهِ مائة شمراخٍ برَّ بالشدِّ فيما سمَّاه ولا يبرُّ بالعثكالِ فيما إذا حلفَ ليضربنَّه مائة سوطٍ على الصحيحِ، خلافًا لما في "المنهاجِ"(1)، وإنَّما يبرُّ فيما تقدَّمَ إذا أصابَهُ الكلُّ أو تراكمَ بعضٌ على بعضٍ، فوصلَ إليهِ ثقلُ الكُلِّ.
ولو شكَّ في إصابةِ الجميعِ برَّ على النصِّ، إذا كانَ الضربُ بحيثُ يغلبُ على الظنِّ وصولُ الجميعِ، إنِ اعتبرنا المماسَّةَ، أو ثقلَ الجميعِ، إنِ اكتفينا بالانكباسِ، وأن لا يغلبَ على ظنِّ الحالفِ أنَّه لم يصل الجميع، بل يكونُ على خلافِ ذلك واحدٌ من أمرين: إمَّا بأن يغلبَ على ظنِّه إصابةُ الجميع، وإمَّا بأن يشكَّ شكًّا مستويًا.
ولو حلفَ ليضربنَّهُ مائةَ مرَّةٍ، لم يبرَّ بذلك، وإن قالَ: لا أفارقَكَ حتى أستوفي حقِّي منكَ، فهربَ قبلَ استيفاءِ المحلوف على استيفائِهِ، وكانَا ماشيينِ، ولم يقصِّرِ الحالفُ في الخُطَى، ولم يقفْ، أو واقفين ولم يمكنهُ اتباعه لم يحنثْ، وكذا إن أمكنَهُ على الصحيحِ، وإن فارقَهُ أو وقفَ حتَّى ذهبَ وكانَا ماشيينِ، أو أبرأهُ أو احتالَ على غريمٍ ثم فارقَهُ، أو اعتبرَ مفارقة
(1)"المنهاج"(ص 331).
ليوسر حنثَ. وإنِ استوفَى وفارقَهُ فوجدَه ناقصًا، إن كانَ من جنسِ حقِّه لكنَّه أردأ لم يحنثْ، وإن لم يكنْ من جنسِ حقِّهِ حنثَ إن كانَ عالمًا، وإلَّا فعلى الخلافِ في حنثِ النَّاسِي.
وإذا حلفَ لا يرى منكرًا إلَّا رفعهُ إلى القاضي، فرأى وتمكَّن ولم يرفعْ حتَّى ماتَ الحالفُ حنثَ، ويحملُ على قاضي البلدِ، فإن عزلَ فالبرُّ بالرفعِ إلى القاضِي، وإن قال: لأرفعنَّه إلى قاضٍ، برَّ بكلِّ قاضٍ. أو لأرفعنَّه إلى القاضي فلان، فرآه ثم عزل، فإن نوى ما دام قاضيًا حنثَ إن أمكنَهُ رفعُهُ فتركَهُ، وإن لم يمكنْهُ فكمكرهٍ، وإن لم ينوِ بَرَّ بالرفعِ إليهِ بعدَ عزلِهِ، ومحلُّ حنثِهِ جزمًا في صورة موتِ الحالفِ، وفيما إذا أمكنَهُ رفعُهُ إلى القاضي ما دامَ قاضيًا فتركَهُ ما إذا لم يرَ المنكرَ بين يدي القاضِي الذي يبرُّ بالرفعِ إليه، فإن رآهُ فإنما يحصل البرُّ بأن يخبره به كما قاله المتولي.
ولو رأَى المنكرَ بعدَ اطلاع القاضي عليهِ، فالأصحُّ -وبه أجابَ البغويُّ- أنَّه يبرُّ بالإخبارِ وصورةِ الرفعِ.
وقد نصَّ في "الأمِّ"(1) على نحو ما قالَ المتولِّي، وعلى ما يساعد هذا التصحيح الذي أجابَ به البغويُّ، ولفظُه: وإن علماهُ جميعًا فعليهِ أن يخبرَهُ إنْ كانَ ذلك مجلسًا واحدًا. انتهى. وهو المعتمدُ.
* * *
فرع (2): حلفَ لا يبيعُ ولا يشتري، فعقدَ لنفسِهِ أو غيرِهِ حنثَ، ولا يحنثُ بعقدِ وكيلِهِ لَهُ.
(1)"كتاب الأم"(7/ 85).
(2)
"المنهاج"(ص 331).
وإن حلفَ أن لا يزوجَ أو لا يطلقَ أو لا يعتقَ أو لا يضربَ، فوكَّلَ من فعلَ ذلكَ لا يحنثُ إلَّا أَنْ يُريدَ أن لا يفعلَ هو ولا غيرُه.
وإن حلفَ أن لا ينكِحَ فلا يحنثُ بعقدِ وكيلِهِ لَهُ على مقتضَى النصِّ، وقالَ به أكثرُ الأصحابِ، وهو المعتمدُ في الفتوَى، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِهِ، وكذا لا يحنثُ بقبولِهِ هو لغيرِهِ.
وإن حلفَ لا يبيعَ مال زيدٍ فباعَهُ بيعًا صحيحًا حنثَ، وإلَّا فلا، وإن حلفَ أن لا يهبَ لَهُ فأوجبَ لَهُ فلم يقبلْ لم يحنثْ على الأرجَحِ، وإنْ قبلَ ولم يقبضْ حنثَ على المعتمدِ في الفتوى.
ويحنثُ بعمرَى، ورُقبى، وهبة تقديريَّة، كقولِه: أعتق عبدك عنِّي مجانًا، وصدقة تطوع.
ولا يحنثُ بالإعارةِ والوصيةِ والوقفِ الذي لا يكونُ في الموقوف حال الوقف عين يملكها الموقوف عليه، وإن حلفَ لا يتصدَّقُ فلا يحنثُ بالهبةِ على الأصحِّ.
وإن حلفَ أن لا يأكلَ طعامًا اشتراهُ زيدٌ، فاشتراهُ زيدٌ وغيرُهُ لم يحنثْ على النصِّ فيهما، ويحنثُ بما اشتراهُ سلمًا.
ولو اختلطَ ما اشترَاهُ بمشترى غيرِهِ لم يحنثْ حتَّى يأكُلَ قدرًا يعتقدُ أنَّهُ أكلَ من المختلطِ وإن لم يبلغْ مقدارَ طعامِهِ فيحنثُ حينئذٍ.
وإن حلفَ لا يدخلُ دارًا اشتراهَا زيدٌ، لم يحنَثْ بدارٍ ملكَ بعضَها بشفعةٍ.
* * *