الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو عادَ حجرُ منجنيقٍ فقتلَ أحدَ رُماتِه هُدِرَ قسطُه، وعلى عاقلةِ الباقينَ الباقي إلَّا أَنْ يتصوَّر عمدُهم بقتلِهِ فعليهمْ في أموالهم الباقي، أو غير رماتِهِ ولم يقصدوه فخطأٌ، أو قصدوه فعمدٌ. وقيل: إن غلبتْ إصابتُه. وقيل: لا يتصوَّر العمدَ فيه (1).
فرع
(2): ديةٌ وبعضها خطأ وشبهُ عمدٍ وغرة يلزم العاقلة تحملًا عن الجاني بشرطِ كونِهم عاقلةً له عندَ رميهِ وجرحهِ، وسبب وشرط مضمنين مستمرًا ذلك إلى الفوتِ، فإنْ تبدَّلَ حالُه دونهم وعادَ أولم يَعُدْ عقلوا عنهُ ما وجبَ، قبلَ التبدُّل إنْ لم يَصِرْ نفسًا.
وإن صار نفسًا عقلوا عنه الديةَ إنْ كانَ قبلَ التبدلِ وجب أو أكثر منها، وإن كانَ الواجبُ دونها بالزائدِ في مالِهِ، وإن تبدلتِ العاقلةُ بعد الرمي وقبلَ الإصابةِ لم يتحمَّل واحدة منها، وإن تبدَّلتْ بعد الجرح حملتِ الأولى الديةَ، إنْ كانَ في زمانها صدرَ ما يقابلُ بذلكَ، أو أزيد منه، وإلَّا فتحمل قدرَ الأرشِ في ذمتها والزائد على الجاني إلَّا فيما إذا حَزَّ فما سَبَقَ على الأولى والباقي إلى تمامِ الديةِ على الثانيةِ خلافًا لما في النهايةِ والبيانِ من أنَّ جميعها على الثانيةِ.
والعاقلةُ هم عصبتهُ المذكورُ المكلفونَ إلَّا أصلَ الجاني وفرعِهِ أو أصلَ مَن ثبتَ لهُ الولاءُ أولًا وفرعه.
ويقدمُ الأقربُ، فإن بقيَ شيءٌ فمن يليهِ، وبدل بأمرين على بدل
(1)"روضة الطالبين"(9/ 342).
(2)
"روضة الطالبين"(9/ 348).
بأحدهما (1).
وأمَّا ذوو الرحمِ معنى المتولي أنَّا إذا قلنا بتوريثهم فيتحملونَ عندَ عدمِ العصباتِ كما يرثونَ عندَ عدمهم، وقد ذكرَ شيخُنا في "الفرائضِ" حكمَ توريثهم فلينظر منه.
ويعتبر هنا أن يكونوا ذكورًا كما هُوَ أصلُ البابِ، ثم العتقُ إذا لم يكن للجاني عصبات من النسبِ، أولم يكن منهم كفايةٌ، وتتحمَّلُ عصبةُ العتيقِ معه عندَ عجزِ المعتقِ على النصِّ غيرَ أصلهِ وفرعهِ على مقتضى النصِّ المعتمدِ، ثمَّ معتق المعتقِ، ثم عصبته غير أصوله وفروعه على الأصحِّ، ويدخل بقيتهم معه في حياتِهِ على المذهبِ كما سبقَ، وإلَّا فمعتق أبي الجاني، ثم معتق عصبة الأب غير أصولِ معتق الأبِ وفروعِهِ، وتتحملُ بقيتُهم معه كما سبَقَ، ثم معتق معتق الأبِ، ثم عصبته غير أصوله وفروعه، وتتحمَّل بقيتهم معه كما سبقَ، وهكذا إلى حيثُ ينتهي.
وإذَا لم يوجدْ عتقٌ في جهةِ الآباء انتقلنا إلى معتقِ الأمِّ، ثُم إلى عصبته غير أصوله وفروعه، ويتحمل نصيبهم معَ المعتقِ فِي حياتهِ كما سبقَ.
وهكذا نقولُ في موالي الجداتِ من جهةِ الأمِّ ومن جهةِ الأبِ وموالي المذكور والمُدلين بالإناثِ كالجدِ أبي الأمِّ، ومَن جَرَى مَجْرَاهُ، وعتيقها يعقله عاقلتها لأن الذكورةَ شرطٌ في التحملِ.
(1) كذا بالأصل، وفيه تحريف، وصوابه كما في "روضة الطالبين" (9/ 349): وهلْ يُقدمُ من يُدلي مِن هؤلاء بِالأبوينِ على المُدلِي بِالأبِ كالأخِ من الأبوينِ مع الأخِ مِن الأبِ أم يستوِيانِ؟ قولانِ: الجدِيدُ الأظهرُ تقدِيمُهُ.
والمعتقون كمعتقٍ فإذا أعتق جماعةٌ عبدًا فجنى خطأً يحملونَ عنهُ تحمل شخصٍ واحدٍ.
وكلُّ شخصٍ من عصبة كل معتقٍ غيرَ أصولِه وفروعِهِ يحملُ ما كانَ يحملُهُ ذلكَ المعتقُ، ويحملُ نصيبَهُ عصباته معهُ في حياتِه عندَ العجزِ كما سبقَ.
ويعقلُ العتيقُ على ما نصَّ عليه الشافعيُّ رضي الله عنه في "الأمِّ" و"مختصرِ المزني"، و"مختصرِ البويطي"، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من أنهُ لا يعقلُ على الأظهرِ.
ولفظه في "الأم"(1): (ولا أَجْعَلْ عَلَى الْمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ عَقْلًا بِحَالٍ حَتَّى لَا يُوجَدَ نَسَبٌ وَلَا مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ بِحَالٍ ثُمَّ يَحْمِلُونَهُ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ عَنْهُمْ لَا لأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ؛ وَلَكِنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ كَمَا يَعْقِلُ عَنْهُمْ).
وفِي "مختصر المزني"(2) في باب عقل الموالي: (ولا أحمل الموالي من أسفل عقلًا حتَّى لا أجد نسبًا ولا موالي من أعلى ثم يحملونه لا أنهم ورثته ولكن يعقلون عنه كما يعقل عنهم).
وفِي "مختصرِ البويطي": (وإنْ لم يكنْ لرجلٍ موالي من فوق تعقلُ عنهُ وكانَ لهُ موالي في أسفلَ عقلوا عنهُ، ولم أجعلِ العقلَ من قبلِ الميراثِ ولكن جعلتُه لأنَّه يعقلُ عنهم فيعقلونَ عنهُ).
فهذِهِ نصوصه في هذهِ الكتبِ، على تحمُّلِ الموالي من أسفلَ عند عدمِ
(1)"كتاب الأم"(6/ 125).
(2)
"مختصر المزني"(ص 249).
المتحملين من جهةِ الولاءِ من أعلى.
ولما ذكر الشيخُ أبو حامد في تعليقه نص الشافعي في "مختصر المزني" قال: الَّذي نصَّ عليهِ ههنا أنَّهم يتحمَّلون الديةَ، وحكى أبو إسحاقَ في الشرحِ أنَّ الشافعيَّ قال في موضعٍ آخر أنهم لا يعقلونَ.
قال الشيخ أبو حامدٍ: ولستُ أدري أينَ قالَ الشافعيُّ هذَا، إلَّا أنَّهُ لا يختلفُ أصحابُنا أنَّ المسألةَ على قولينِ. انتهى.
وإذا قُلنا بالمذهبِ المنصوصِ أن العتيقَ يحملُ فإنما يتحملُ بالترتيبِ الَّذي سبقَ في نصِّ "الأمِّ" ولا يأتي في ولدِهِ من الخلاف ما أتى في ولَدِ المولى مِن أعلى ههُنا على أنَّهم يعقلونَ عنه مما يعقلُ عنهم، وهذا معنى (نعم ولد المولى من أسفل)، وأما أصل المولى من أسفل فلا علقة للولاءِ بهِ قطعًا.
فإنْ فقد العاقلَ أو لم يفِ فالعقلُ على جماعةِ المسلمينَ كما قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ، ثم ينظرُ، فإنْ وُجِدَ لهمْ مالى في بيتِ المالِ من جهةِ الإرثِ ثبتَ التَّحمُّلُ في ذلك المالِ، وكذا فيما يحدثُ من الإرثِ المتعلقِ بجماعةِ المسلمينَ، والظاهرُ أنَّهُ يتعلقُ التحملُ بسهمِ المصالح من الفيءِ والغنيمةِ، ويحتمل خلافه، ولا يتعلق بمال غير ذلك من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ يُعقل منه أو كان فيه، ولكن منع المتكلم في بيت المال لظلمِه فإنهُ يؤخَذُ جميعه أو ما يفِي من الضروبِ منْ جماعةِ المسلمينَ الموسرينَ والمتوسطينَ على مُقتضَى مذهبِ الشافعيِّ.
وحيثُ تعذَّرَ الاستيعابُ اجتهدَ الإمامُ وضربَ الواجبَ على مَنْ يراهُ على مقتضى التأجيلِ هذا هو الظاهرُ من نصوصِ الشافعيِّ رضي الله عنه، والمعنى يساعده
لأنَّ بينَ المسلمِ وبينَ المسلمينَ موالاةً ومناصرةً فتحمَّلوا عقل جنايةِ الخطأِ وشبه العمد في الصورةِ المذكورةِ.
وما وقعَ في "المنهاجِ"(1) تبعًا لأصلهِ من قولهِ: "فإن فقد فكله على الجاني في الأظهرِ"، فخلاف المعتمد.
وأما الذميُّ والمستأمنُ فالحكم فيهما أن الواجب عليهما عند فقد عاقلتيهما الخاصة ويدخلُ كلٌّ منهما في كلِّ سنة في الفاضِلِ عن العاقلةِ الخاصَّةِ ودية النفسِ كاملة في خطأ أو شبه عمد مؤجَّلة على عاقلةٍ وجانٍ ثلاثَ سنين، في كل سنة ثلث دية وذمي منه بناء على الأصح؛ لأنها قدر ثلث دية المسلم، وقيلَ ثلاثًا بناءً على أنها دية نفس امرأة مسلمة في سنتينِ في الأولى ثلث الدية الكاملة، والباقي في الثانية.
وتحمل العاقلة العمدَ في الأظهر نفسًا وطرفًا خطأً وشبه عمدٍ، ففِي كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ.
ولو قتلَ رجلينِ مسلمينِ أو امرأتينِ كذلكَ ففِي ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ كلَّ نفسٍ متميزةٌ عن غيرها كديةِ الواحدِ، وقيل في ستٍّ؛ لأنَّ بدلَ النفسِ الواحدة يضربُ في ثلاثٍ، فيزادُ للأخرى مثلها.
والأطرافُ في كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ، فإن كانَ الواجبُ قدرَ ثلثِ الديةِ حملته العاقلةُ.
وأجلُ النفسِ من وقتِ زهوقِ الروحِ، وأجلُ غيرِ النفسِ من الجنايةِ، فلو قطعَ أصبعه فسرت الجنايةُ إلى كفِّه واندملت فأصحُّ الوجوهِ أنَّ أجلَ أرشِ
(1)"منهاج الطالبين"(ص 286).
الأصبعِ من وقتِ قطعهِ، وأجلُ أرشِ الكفِّ من وقت سقوطِهِ.
ولا يعقلُ فقير ورقيقٌ وصبيٌ ومجنونٌ ومسلمٌ عن كافرٍ وعكسه، ولا امرأةٌ ولا خُنثَى مُشكل لاحتمال أن يكونَ امرأةً.
والاعتبارُ في الإعسارِ بآخرِ الحول، واعتبارُ وجود هذه الصفاتِ المانعةِ من التحمُّلِ من الرقيقِ ومن بعده إلى الكافرِ من حين الفعلِ.
ولو كانَ بعضُهم في أولِ الحولِ كافرًا أو رقيقًا أو صبيًّا أو مجنونًا، وصارَ في آخرهِ بصفة الكمال فلا تُؤخذُ منه حصَّةُ تلكَ السنةِ، ويؤخذُ ما بعدها على أرجحِ الوجوهِ عند شيخِنا خلافًا لما صحَّحهُ في "الروضة" من عدمِ أخذِ ذلكَ منهُ.
وإذا بانَ الخنثَى ذكرًا فلا يغرم حصته التي أداها غيره على الأصحِّ خلافًا لما جاءَ في "زيادة الروضة" من الغرم.
وأما البعضُ الَّذي أعتقهُ غير مالك الباقي فالظاهرُ أنَّه يتحمَّلُ؛ لأنَّه ناقصٌ بالنسبةِ إلى النصرةِ.
وإن أعتقَهُ مالكُ الباقي ولم يسرِ عليه يحمل عنه معتقُه على الأرجحِ بالنسبةِ إلى نصيبِ الحرِّ، ويتحمَّل هو عن معتقه كما تقدَّم.
ويعقلُ يهوديٌّ عن نصرانيٍّ وعكسُه، إذا كانا ذِميينِ أو مستأمنينِ، أو أحدُهما ذِميًّا والآخرُ مستأمنًا، فأما الحربيُّ فإنه لا يتحمَّل عن الذِّمِّي ولا عكسه (1).
* * *
(1)"منهاج الطالبين"(ص 286).