الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
باب القسمة
هي بكسرِ القافِ الاسمُ، من قولِك: قسمتُ الشيءَ قَسمًا، بفتحِ القافِ، وهو تمييزُ بعضِ الأنصباءِ من بعضٍ، وإفرازها عنها.
والأصلُ في جوازها قبل الإجماعِ قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} الآية. ومن السُّنَّةِ: قسمتُه صلى الله عليه وسلم الغنائمَ، وقوله أن الشُّفعةَ فيما لم يُقْسم (1).
وقد يتولَّي الشريكانِ أو الشركاءُ القسمةَ بأنفسِهم، وقد يتولاها منصوبُهم أو منصوبُ الإمامِ.
ويشترطُ في منصوبِهم التكليفُ، ويشترطُ في منصوب الإمامِ الذُّكورَةُ، والحريَّةُ، والتكليفُ، وأنْ يكونَ مقبولَ الشَّهادَةِ، فلا بدَّ من كونِهِ ضابطًا، بصيرًا، سميعًا، وأن يكونَ قليلَ الطمعِ، نَزِهَ النَّفسِ، حتَّى لا يرتشِي فيما يلي، ولا يخونُ، وأنْ يكونَ عالمًا بالمساحَةِ. وهل يشترطُ معرفة التقويم؟ فيه
(1)"روضة الطالبين"(11/ 201).
وجهان في "الروضة"(1) تبعًا للشرحِ من غير ترجيحٍ، والمعتمدُ عن شيخنا الجزمُ بالاحتياجِ إلى ذلك في قسمةِ التعديلِ والردِّ، ولا تعتبرُ في قسمةِ الأجزاءِ، فإن كان فيها تقويمٌ فقاسمان ينصبهما القاضي، إذا لم يكنِ الواحدُ حاكمًا في التقويمِ بمعرفتِه، فإن حكمَ فيه كان كقضائِه بعلمه، وإذا جوَّزنا القضاء بالعلمِ في هذا كما هو الأصحُّ فلا يعتبرُ التعدُّدُ.
وأمَّا منصوبُ الشُّركاءِ، فيجوزُ أن يكونَ واحدًا قطعًا، وإن لم يكنْ فيها تقويم فقاسمٌ على المذهبِ، وقيل قولان؛ ثانيهما: يشترطُ اثنانِ، وللإمامِ جعلُ القاسمِ حاكمًا في التقويمِ، فيعملُ فيه بعدلينِ، أو بعلمِه، ويقسمُ ويجعلُ الإمامَ رزقَهُ مِن بيتِ المالِ، فإن لم يكنْ فأجرتُهُ على الشركاءِ (2) إذا استأجرُوهُ إجارَةً صحيحةً، أو فاسدةً.
فأمَّا إذا طلبَ الشُّركاءُ من قسامِ القاضي القسمةَ، فقسمَ، ولم يذكروا أجرةً، فإنَّ المعتمدَ في ذلك أن لا أجرةَ للقسَّامِ عليهم، وأن يكونَ ذِكْرُ الأجرةِ من جميعهم، فإن ذكرها بعضُهم دونَ بعضٍ، فما خصَّ الذاكِرِ يلزمُهُ، ولا يلزمُ غير الذاكرِ على المعتمدِ، كما تقدَّم.
وأن يكونَ جرى ذلك من جميعهم، وهم متأهلون للالتزامِ، أو بعضُهم غيرُ متأهِّلِ ولا غبطةَ في القسمةِ، فإنْ كانَ بعضُهم غيرَ متأهِّلٍ للالتزامِ لصغرٍ أو جنونٍ ولا غَبطةَ له في القسمةِ بل عليه ضررٌ فيها، ولو وجه، لا يمنع من الإجبارِ على القسمةِ، فإنَّ الشافعيَّ قد توقَّفَ في إلزامِ المذكورِ شيئًا من الأجرةِ.
فإذا استأجروهُ جميعًا بأنْ قالوا: استأجرناكَ لتقسمَ بيننا كذا بدينارٍ على
(1)"روضة الطالبين"(11/ 202).
(2)
"روضة الطالبين"(11/ 202).
فلانٍ، ودينارينِ على فلانٍ -مثلًا- ووكَّلُوا وكيلًا، فعقد لهم كذلك، لزمهم ما وقعَ عقد الإجارة عليهِ (1).
وإن ذكروا الأجرةَ ولم يسمِّ كلُّ أحدٍ ما يخصُّه فالأجرةُ موزَّعةٌ على قدرِ الحصصِ على المذهب، وقيل قولانِ، ثانيهما: على عدد الرءوسِ، وإن دعوه إليها ولم يسموا أجرةً فلا أجرةَ له على الصحيحِ، وإن كانَ الدَّاعي إليها الحاكمُ ولم يسمِّ أجرةً استحقَّ أجرةَ المثلِ، ويُستثنَى من ذلكَ قسمةُ التعديل، فإن الأجرةَ توزَّعُ بحسبِ المأخوذِ قلةً وكثرةً، لا بحسبِ الحصصِ على الأصحِّ، ويُستثنَى منهُ أيضًا حصَّةَ الطِّفلِ والمجنونِ والمحجورِ عليه بالسَّفَهِ، وحصَّة الوقفِ حيمث يلحقهم بالقسمةِ الضَّرَرُ، فلا أجرةَ عليهم.
* * *
ثمَّ ما عظم ضررُه كجوهرةٍ وثوبٍ نفيسٍ لم تكنِ العادةُ مستمرَّةً بقطعِهِ على وجهٍ يحصلُ لكلِّ واحدٍ بما صارَ إليه منفعةٌ إن طلبَ الشُّركاءُ كلُّهم قسمتَهُ لم يجبهم القاضِي، لكن لا يمنعُهُم أن يقسموا بأنفسهم إذا لم تبطُلْ منفعتُهُ بالكليَّةِ، كالسَّيفِ يكسَرُ، وما تبطلُ منفعتُهُ المقصودَةُ كحمامٍ وطاحونٍ صغيرينِ، لا يجابُ طالبُ قسمتِهِ على الأصحِّ، فإنْ أمكَنَ جعلُهُ حمَّامينِ، وجبتْ (2)، وكذا لو أمكنَ جعلُ نصيبٌ منهُ -وهو الأكثرُ- حمَّامًا دونَ الآخرِ، فتجبُ القسمةُ أيضًا، إذا طلبَها صاحبُ الأكثَرِ، فإن طلبَهما صاحبُ الأقلِّ الذي لا يجيء حمَّامًا فإنّه لا يجابُ، قال شيخُنا: ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلكَ.
(1)"روضة الطالبين"(11/ 204).
(2)
"روضة الطالبين"(11/ 203).