الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العدد 46
- بتاريخ: 01 - 06 - 1927
بسمى أو أدب
لا بسمايا أو مسماة أو بسماة
1 -
تمهيد
معرفة أعلام المدن القديمة ودرس الألفاظ المعروفة بها في هذا المهد من الأمور الجليلة، وكثيراً ما يخطأ في تحقيقها علماء الآثار. وقد ذكر صديقنا العلامة الشيخ علي الشرقي أسم تل في هذه المجلة (383: 4) قال عنه ما نعيد حروف نصه: مسماة (وقد تبدل الميم الأولى بالباء فيقال بسماة. وهذه العبارة كانت محصورة بين عضاديتن لتدل على أنها للمجلة لا للكاتب اللوذعي إذا لم نود أن نمس كلامه بأذى) وهي تل جالس في سهل واسع كبير فيه جذور مزارع قديمة وآثار أنهار. اهـ
وقد ذكره حضرة العلامة المحقق في أرض البطائح مما يدل على أنها كانت في سابق العهد كما هي الآن من رقعتها وراجعة إليها في جميع أحكامها.
2 -
ما كان اسمها في صدر الإسلام
(مسماة) وأحسن منها (بسماة) واضح من الاثنتين (بسما) بالألف
المقصورة القائمة أو (بسمى) بالألف الجالسة أو الياء المهملة وكلها بفتح الأول وإسكان الثاني هي المعروفة عند العوام ب (بسماية) أو (بسمايا) ويجدر بنا أن نترك كل هذه الروايات المختلفة الناشئة من جهل اللفظة الأولى الحقيقية ونتمسك بالصحيحة (بسما) أو (بسمى) لأنها هكذا كان يعرفها الأقدمون من سلفنا.
نعم لم يذكرها ياقوت في معجمه ولا صاحب مراصد الإطلاع ولا معجم ما أستعجم، ولا تقويم البلدان ولا غيرهم من وصاف البلدان والقرى؛ إلَاّ أنها وردت في تاريخ الطبري وكفى به حجة. قال أبو جعفر في أحداث سنة 12هـ (633م)(لما صالح أهل الحيرة خالداً خرج صلوبا بن نسطونا صاحب قصر الناطف حتى دخل على خالد عسكره فصالحه على (بانقيا) و (بسما) وضمن له ما عليهما وعلى أرضيهما من شاطئ الفرات جميعاً وأعتقل لنفسه وأهله وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة؛ خرزة كسرى؛ وكانت على كل
رأس أربعة دراهم وكتب لهم كتاباً فتموا وتم، ولم يتعلق عليه في حال غلبة فارس بغدر.
(وشاركهم المجالد في الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
(هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه:
(أني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد بانقيا وبسما جميعاً على عشرة آلاف دينار؛ سوى الخرزة. القوي على قدر قوته، والمقل على قدر إقلاله في كل سنة، وأنك قد نقبت على قومك، وأن قومك قد رضوا بك؛ وقد قبلت ومن معي من المسلمين ورضيت ورضي قومك. فلك الذمة والمنعمة، فأن منعناكم فلنا الجزية؛ وإلَاّ فلا، حتى نمنعكم.
(شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميري وحنظلة بن الربيع، وكتب سنة اثنتي عشرة في صفر) اهـ
قلنا: صفر من سنة 12 يوافق نيسان 633
وقال المذكور في حوادث سنة 14هـ: (أن أقواماً من أهل السواد ادعوا
عهوداً. ولم يقم على عهد أهل الأيام لنا، ولم يف به أحد علمناه إلَاّ أهل (بانقيا) و (بسما) وأهل (أُليسْ) الآخرة) اه
وذكر أيضاً في حوادث سنة 268 ما هذا نصه: وفيها (أي في هذه السنة) كانت لأبي العباس (أي المعتضد بالله بن المتوكل) وقعة بقوم من الأعراب الذين كانوا يميرون الفاسق (أي قائد الزنج) اجتاحهم فيها. . . فوجه (مالك بن أُخت القلوص) إلى البطيحة رجلين من أهل قرية (بسمى) يعرف أحدهما بالريان والآخر الخليل كانا مقيمين بعسكر الخبيث، فنهض الخليل والريان وجمعا جماعة من أهل الطّف. وأتيا قرية (بسمى) فأقاما بها يحملان السمك من البطيحة أولاً أولا إلى عسكر الخبيث في الزوارق الصغار التي تسلك بها الأنهار الضيقة والأرخنجان التي لا تسلكها الشذا والسميريات، فكانت
مواد سمك البطيحة متصلة إلى عسكر الخبيث بمقام هذين الرجلين بحيث ذكرنا واتصلت أيضاً مير الأعراب وما كانوا يأتون به من البادية فأتسع أهل عسكره إلى آخر الرواية وهي طويلة واجتزأنا بما ذكرنا للإشارة إلى وجود (بسمى) في ذلك العهد أي في سنة 268هـ الموافقة 881 م.
3 -
تصحيفات هذه الكلمة
منيت هذه الكلمة بتصحيفات مختلفة، كأنه قدر لها أن تلوى حروفها مترقصة على الألسن، فلقد ذكرنا تصحيفاتها عند العوام بين بسماة، وبسمايا، ومسماة ومسمايا. وأما المؤرخون الأقدمون الذين تناقلوا الاسم فقد أوردوه بصورة غريبة، حتى أن الباحث ليتيه في تلك المجاهل.
وأول من ضل سواء سبيلها ياقوت، هذا العلامة الكبير. الواقف على مدن العراق أحسن وقوف، فضلاً عن لمعانه في تطلب الحقائق في مظانها والبحث عنها في معادنها، فأنه لم يذكر في معجمه الشهير كلمة عن (بسمى) مع أنه ذكر جارتها بانقيا. وما ذلك إلَاّ لأنه لم يهتد إلى قراءة الكلمة على وجهها الصحيح، فلقد ذكر في مادة بانقيا ما هذا بعضه:(أن خالد بن الوليد سار من الحيرة حتى نزل بصلوبا صاحب بانقيا وسميا على ألف درهم وزن ستة). . . ثم قال بعيد ذلك: (إنك آمن بأمان الله على حقن دمك في إعطاء الجزية عن نفسك وجيرتك وأهل قريتك بانقيا وسميا على ألف درهم جزية). . .
وقد ضبطت (سميا) كما تضبط (سمى) الماضي المضعف الميم الناقص الآخر في المثنى المذكر، كأنه توهم المؤلف أن خالداً اتفق وصلوبا على أن يسميا مبلغ الدراهم. وليس الأمر كذلك لأن تركيب العبارة لا يساعد على هذا، ولا جرم أن النساخ جاءوا فشوهوا العبارة تشويهاً جديداً بأن قالوا في العبارة الثانية
(وأهل قريتك بانقيا وسميا) ولعل الأصل كان: (وأهل قريتيك بانقيا وبسما) أي بتثنية قرية. وأن كان يجوز القول الأول أي أهل قريتك بانقيا وقريتك بسما. إلَاّ أن النسخة المطبوعة في ديار الإفرنج جاءت على الصورة التي ذكرناها ولم تصلح النسخة المطبوعة في مصر شيئاً بل زادت طين الأولى بلة بأن جاءت بتصحيفات جديدة قبيحة مشوهة في مواطن جديدة غير مذكورة في نسخة الإفرنج.
أما تاريخ الطبري المطبوع في أوربة فقد ذكر ناشره في حاشية ص 2049 من القسم الأول اختلاف روايات الاسم على هذه الصورة: بسما (بفتح وضم) وبسما (بفتح وسكون) وبسما (بفتح تشديد السين الخالية من الحركة) وبسما (مثلها بفتح المشدد) وبسما (بفتح الباء وتشديد الميم المفتوحة) وبرسوما (والحرف السابق للراء سن حرف غير منقوط ويحتمل أن يقرأ باء أو نوناً أو ياء أو تاء مثناه أو ثاء مثلثة) وباروسما (وهذه مدينة أخرى لا رابط يربطها ببسما) وسميا (بضم السين وفتح الميم وتشديد الياء المثناة المفتوحة) وسميا (بفتح
وتشديد مفتوح) وسميا (بضم وفتح المشدد). اه
قلنا: ولو كان يمكن أن يقرأ رسم تلك الحروف قراءة أخرى لما مضى بها علينا النساخ المساخ.
وذكر لها من التصحيفات الأخرى في ص 2014 من القسم الثلث مما يأتي: بسمى وبسمى (بدون تنقيط) وسمى (بدون تنقيط أيضاً) فجملة هذه التصحيفات ثلاثة عشر، فإذا أضفنا إليها تصحيفات العوام في هذا العهد وعددها ثلاثة صارت ستة عشر ولا نظن أننا بلغنا الحد ولعل هناك غيرها لم نظفر بها، بل يعثر عليها غيرنا.
ومن الغريب في هذا الباب أن العلامة الكبير م. ج. دي خويه. من أعظم علماء البلدان بما يتعلق بالشرق، ولا نظن أن في بلادنا من جاراه أو يجاريه في هذا البحث. ومع ذلك تراه قد وهم وهو أيضاً في هذه القرية أو المدينة أو ما شئت أن تسميها، وذلك أنه فرز في فهرس الأعلام بسما عن بسمى فذكر للأولى أي (بسما) مواقع وجودها من تاريخ الطبري. وذكر الثانية بقوله:(بسمى بالبطيحة) وبين محل وجودها وورودها في التاريخ المذكور، مع أن الحقيقة هي أن الاسمين هما لمسمى واحد لا غير ولو أمعن في نظره لوجد أن ما ظنه قريتين إحداهما قريبة من بانقيا نفسها. ولم يهف علامتنا هذه الهفوة إلَاّ لأنه لم يعرف حدود البطائح أما الآن وقد اطلع القراء على ما ذكره صديقنا الدراك. فلا يغلط الواحد فيها.
4 -
أدب أو بسمى في التاريخ القديم
ليس في كتب السلف ما يدلنا على حالة بسما أو بسمى في التاريخ القديم إلَاّ أن الأميركيين الذين نقبوا في تلك الأطلال وقعوا على أنباء تاريخية ممتعة جداً وهنا نترك الكلام لصديقنا البحاثة يوسف رزق الله غنيمة ليذكر لنا ما عثروا عليه في هذا الموضوع.