المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌العدد 50 - بتاريخ: 01 - 09 - 1927 ‌ ‌سعد زغلول بعث - مجلة لغة العرب العراقية - جـ ٥

[أنستاس الكرملي]

فهرس الكتاب

- ‌العدد 45

- ‌سنتنا الخامسة

- ‌تصاوير عربية وإسلامية

- ‌صور وأنغام

- ‌الأمثال العامية البغدادية

- ‌خواطر في اسم الآلة

- ‌مشيخة آل سعدون في المنتفق وسبب انحلالها

- ‌كتب في خزائن إيران

- ‌فَوائِد لُغَوِيَّةُ

- ‌باب المُكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلةٌ وأجوبةٌ

- ‌بابُ المُشَارفَة والانتقَادِ

- ‌باب التقريظ

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 46

- ‌بسمى أو أدب

- ‌مخطوطة في تراجم علماء الموصل

- ‌الأمثال العامية البغدادية

- ‌مشيخة آل سعدون في المنتفق وسبب انحلالها

- ‌كنوز أور الكلدان

- ‌الفعل المهموز

- ‌فَوائِدْ لُغَوَيَةٌ

- ‌بابُ المكَاتَبَة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌بابُ المُشَارفَةَ وَالانتَقاد

- ‌بابُ التَقْريظِ

- ‌تاريخُ وَقَائع الشَهرِ في العِرَاقِ وَما جَاوَرَهُ

- ‌العدد 47

- ‌الحركات العربية المجهولة

- ‌قشعم في التاريخ

- ‌أصل علامة الاستفهام عند الإفرنج

- ‌بعض مدن البطائح القديمة وقراها

- ‌تسلط الفرس على الهند القديمة

- ‌الفعل المعتل في لغة عوام العراق

- ‌الشيخ محمد رضا الخزاعي

- ‌أصل الحرف الإفرنجي في الرياضيات

- ‌كتاب خط في الحماسة

- ‌كتاب المقامات لابن الألوسي

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارقة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق ولما جاوره

- ‌العدد 48

- ‌علم القوميات العراقية

- ‌بدر القرن العشرين

- ‌راوندوز

- ‌حضوضى

- ‌أهم خزائن كتب إيران

- ‌العمادية

- ‌ابن الجوزي

- ‌ثأر الموت

- ‌سر عمادية

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المذاكرة والكتابة

- ‌نظرة في مقالة وردت في مجلة المسرة

- ‌حول مخطوطة دمشق

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 49

- ‌أسرة ترزي باشي

- ‌السحر الحلال

- ‌بنجوين

- ‌أوابد الولادة

- ‌تاريخ الطباعة العراقية

- ‌أصل علامة الفصل عند الغربيين

- ‌صروف

- ‌اتقاء البيضة

- ‌غادة بابل

- ‌فوائد لغوية

- ‌المفترجات

- ‌أبرطيلات ليس من أصنام العرب

- ‌الهيرغليف

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 50

- ‌سعد زغلول

- ‌مأتم أمة

- ‌اصل بيت لحم

- ‌القلم

- ‌الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة التاسعة

- ‌المضارع في لغة العوام

- ‌غادة بابل

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 51

- ‌نيرب ومكشوفاتها

- ‌الحب الضرير

- ‌الخرز ومعتقداته

- ‌مقتطفات من كتاب الحوادث الجامعة لابن الفوطي

- ‌الوفاء الحي

- ‌تحقيق مواقع بعض المواضع القديمة

- ‌غادة بابل

- ‌إلى سعد

- ‌فوائد لغوية

- ‌الأفصح من كلام العرب

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة واجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 52

- ‌حريم دار الخلافة وباب التمر في التاريخ

- ‌في سجن الثورة

- ‌أخبار ملوك قدماء العرب

- ‌السفن والمراكب في بغداد

- ‌الأيام في المعتقدات

- ‌تحقيق بعض أعلام مدن قديمة

- ‌السليفانية

- ‌غادة بابل

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 53

- ‌الشعر العامي وأنواعه

- ‌الأبوذية في اللغة العامية

- ‌خزائن إيران

- ‌تاريخ مطبعة الحكومة في الموصل

- ‌أشهر مدن البطائح الحالية

- ‌اعتراف

- ‌كتب على وشك الظهور

- ‌تصريف المضارع السالم

- ‌غادة بابل

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌أسئلة وأجوبة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق والمجاورة

- ‌العدد 54

- ‌إلى القراء

- ‌رواية ليلى وسمير

- ‌كتب تطبع

- ‌أسماء البصرة

- ‌فَوائِد لُغَويَةُ

- ‌بابُ المُكَاتَبَة والمذاكرَة

- ‌رسالة السواك

- ‌أسَئلةٌ وَأجْوبةٌ

- ‌بابُ التَقريظ

- ‌بابُ المُشَارفَةَ والانتقاد

- ‌تاريخُ وَقائِعِ الشَهرِ في العِرَاقِ وَما جَاوَرَهُ

الفصل: ‌ ‌العدد 50 - بتاريخ: 01 - 09 - 1927 ‌ ‌سعد زغلول بعث

‌العدد 50

- بتاريخ: 01 - 09 - 1927

‌سعد زغلول

بعث مصر الحديثة من رقدتها التي خمدت فيها حياتها مع أمم الشرق الأدنى رجلان: محمد علي وسعد زغلول. وضع الأول الحجر الأساسي في استقلال مصر، وبنى الثاني صرح الجهاد القومي، فكانت مصر الوثابة وان لم تتحرر بعد.

مات الخديوي منذ عشرات السنين وذكره حي خالد. وفي هذه الأيام فاضت روح الزعيم المحبوب، فكان لنعيه رنة عظيمة في أرجاء الشرق والغرب، وأجمعت الكلمة على أنه رجل مصر الأوحد. خمدت أنفاسه ولم ينطفئ سراج مبادئه الوطنية، فحق علينا ومصر شقيقتنا بلغة الضاد وبكثير من العادات والأخلاق والتقاليد أن نسجل له هذه الصفحة إعجاباً بعبقريته وتقديراً لتلك المساعي المتمثلة في شخصية سعد العظيمة.

ولد سعد زغلول في ناحية (أبيانا) من أعمال مركز فوه عام (1860) م ودخل في السابعة من عمره كتاب القرية وظل فيه خمسة أعوام ثم شخص إلى

ص: 321

دسوق حيث جود القرآن.

وقصد بعدها إلى القاهرة ودخل جامعة الأزهر وليث يتلقى فيها العلوم خمس سنوات. وفي القاهرة تعرف إلى السيد جمال الدين الأفغاني والى تلاميذه أمثال محمد عبده والهلباوي والباجوري وعبد الكريم السلمان.

ودرس بعد ذلك القانون فصار محامياً وأحرز في المحاماة شهرة وبعد صيت حتى أضحى مضرب المثل في نبوغه القانوني في سوح المرافعة وعلى كرسي الاستشارة في محكمة الاستئناف.

وتعلم اللغة الفرنسية وهو يكاد يناهز الأربعين من سنه ولم يلبث أن حذقها وأدى بها امتحان علم الحقوق وهو قاضٍ في الاستئناف ونال بذلك شهادة اللسانسية، وتعلم اللغة الألمانية في أثناء اعتكافه في بيته في الحرب الكبرى وتعلم الإنكليزية في منافيه في عدن وسيشل وجبل طارق.

بدأ زغلول حياة عمله بتعينه محرراً في الوقائع المصرية، وكان على رأس تحريرها الشيخ عبده فأقام في هذا العمل سنة وبضعة أشهر يكتب باسمه مقالات في الاستبداد والشورى والأخلاق. ويقول (عباس حافظ) الكاتب المصري: (كانت مقالات المترجم عنه في (الوقائع

المصرية)، والبرهان من مهيئات الثورة ومضرماتها). وكان وهو محرر في الوقائع يصحح أغلاط المقالات الواردة على الجريدة ويقوم اعوجاج أسلوبها أو يقوي ركة تعابيرها. وبذلك خدم اللغة العربية خدمة جليلة، وكانت طريقته أن ينشر الرسالة بنصها ويردفها بما هو أصح منها لغة وأفصح سياقاً، وهكذا صحت لغة الدواوين من علتها وحدثت نهضة مباركة في دوائر الحكومة بحيث هرع سواد الموظفين إلى المدارس الليلية ليطلبوا اللغة العربية الفصحى.

ثم انتقل سنة 1882 إلى وظيفة معاون في الداخلية فإلى ناظر لقلم قضايا الجيزة. واضطلع بأهم الأعباء عندما اضطرم لهيب الثورة العرابية حتى انتهى به الأمر إلى أن زج بأعماق السجون وهو يافع لم يبلغ التاسع عشر ربيعاً بتهمة الاندماج في جمعية إرهابية سميت (جمعية الانتقام) وظل سجيناً 98 يوماً. ثم

ص: 322

مال إلى الاشتغال بالمحاماة فكان أول من قيد أسمه في محكمة مصر محامياً عام 1884.

وقد رفع شأن المحاماة في مدة عمله فيها حتى اختارته محكمة الاستئناف نائب قاض وبذلك كان أول محام في مصر رُفّع قاضياً وقد ابتهج لهذا التعيين زملاءه المحامون فاحتفلوا بتكريمه وتهنئته في 18 تموز سنة 1892 في فندق حديقة الأزبكية فخطب في الحفلة خيار المحامين والمشرعين. وقد قالت فيه صحيفة (الاجبت) تصفه قاضياً: هو من فريق القضاة العصريين الذين يعتقدون أن القانون لا يعاقب رغبة في الانتقام ويرون أن من الواجب الأخذ بالرفق في تنفيذ القانون. وأبدى في القضاء مهارة واستقامة رقتاه إلى وظيفة مستشار في محكمة الاستئناف سنة 1892 وانتقل من محكمة الاستئناف إلى وزارة المعارف سنة 1907 في الوزارة الفهمية، (مصطفى فهمي باشا) فخدم معارف مصر وكافح العجمة وعزز اللغة العربية وحتم تعميمها في المدارس الثانوية والعالية، وأنشأ ديواناً للترجمة والنشر، وأصلح مناهج التعليم.

ووسد سعد باشا عام 1910 وزارة الحقانية في الوزارة السعيدية (سعيد باشا) وبقس في هذا المنصب إلى عام 1913.

وبعد أن قضى مدة قصيرة في عزلته بعيداً عن السياسة انتخب عضواً في الجمعية التشريعية وبقي في الجمعية يدافع عن حقوق المصريين حتى حلت الجمعية في شهر

تشرين الثاني سنة 1914 فعاد إلى عزلته ودروسه الخاصة.

وعلى أثر إعلان الهدنة ترك العزلة وطفق يجمع المذكرات ويلم حوله الأنصار والأصحاب نظير لطفي بك السيد والوزير إسماعيل صدقي باشا وعلي شعراوي باشا وحمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود وطائفة من عيون الأمة. وقرر جميعهم حضور مؤتمر السلام في فرساي لتمثيل الأمة المصرية وعرض مطالبها وقد قصد سعد وعبد العزيز فهمي وشعراوي إلى دار الحماية البريطانية يطلبون استقلال البلاد.

وفي 8 آذار سنة 1919 اعتقلت السلطات البريطانية الزعماء الكبار سعد ورفاقه الثلاثة إسماعيل صدقي وحمد الباسل ومحمد محمود ونفتهم إلى مالطة فثار

ص: 323

الشعب المصري ثورته الوطنية المعلومة فلم تر السلطة بداً من الإفراج عن هؤلاء الأقطاب في 7 نيسان سنة 1919 وأجيز لهم فوق ذلك السفر إلى المؤتمر فركبوا البحر قاصدين باريس في 12 نيسان سنة 1919.

وفي هذه الأثناء أرسلت الحكومة البريطانية لجنة اللورد ملنر إلى مصر للتفاهم مع المصريين فقاطعتها الأمة، فعادت إلى لندن ودعا الإنكليز سعد ورفاقه الذين كانوا في أوربة مؤلف الوفد المصري المطالب بحقوق مثر إلى العاصمة البريطانية وعرض هناك اللورد ملنر مشرعه على سعد فرفضه وعاد إلى بلاده سنة 1920 فاستقبل استقبالاً عظيماً لم تشهد أرض النيل مثله.

وقبل أن يعلن الإنكليز تصريح 28 شباط 1922 اعتقلوا سعد وأبعدوه إلى جزيرة سيشل ونقل منها إلى جبل طارق.

وظل الشعب المصري يلح في مطالبه الوطنية حتى وضع الدستور ودعي زغلول باشا بعد عودته من منفاه - جبل طارق - إلى رئاسة الوزارة فكانت الوزارة السعيدية الوزارة الدستورية الأولى، فأدار سعد سكان سياسة البلاد المصرية إلى أن وقعت حادثة مقتل السردار السر لي ستاك فسقطت وزارته وتألفت الوزارة الزيورية وتعرضت البلاد المصرية إلى خطر الاستبداد وإلغاء الدستور لولا أن تداركها عقلاء الساسة وفي مقدمتهم سعد زغلول باتفاق الأحزاب السياسية سنة 1925 فوقفت في وجه الطاغية المستبد وأضطر الإنكليز إلى الرضوخ لصوت الأمة المتحدة فأعيدت انتخابات البرلمان المصري

ففازت سياسة سعد فوزاً مبيناً ثانياً.

ومن مآثره أهن شكا اختلال الأوقاف إلى اللورد كتشنر.

ولقد سعد الفقيد بزوج قامت في خلال نفيه بإعماله فكانت في ذلك الوقت عاملا سياسياً يعتد به.

ومن المشروعات التي اشتغل سعد بها لتعزيز الثقافة في مصر تأسيس الجامعة المصرية التي تطورت الآن بشكل ضخم بحيث أصبحت تعد من مفاخر الشرق العلمية.

ص: 324

كان سعد خطيباً يفتن الجماعات ببلاغته فتندفع معه إلى حيث يقودها (وهو شجي الصوت تمتزج فيه العذوبة بالمضاء وتشترك الجوارح والأرواح بالعكوف عليه والاصغاء).

وهنا أترك وصف بلاغة زغلول بمثابة كاتب وخطيب لمن عرفه حق المعرفة عن كثب وعاشره، رئيس تحرير جريدته التي تنطلق بمبادئه السياسية الأستاذ عبد القادر حمزة صاحب جريدة (البلاغ) قال: ومن الفضول على ما أظن أن أحاول تصوير سعد باشا كاتباً وخطيباً فان خطبه وبياناته تملأ أسماع مصر والشرق ولناطقين بالضاد جميعاً والغربيون الذين لا يقرأون هذه الخطب والبيانات إلا المنقولة إلى لغاتهم بعد أن تكون قد فقدت أسلوبها وبلاغتها يشهدون

لصاحبها بأنه يملك زمام قارئيه وسامعيه ولكني أحب أن أقول هنا شيئاً يقوله سعد باشا نفسه وهو إنه لا يقول إذا قال ولا يكتب إذا كتب إلا بدافع من عقيدته ووجدانه فهذا هو على ما أظن سبب كبير من أسباب نجاحه في كل خطبه وكتاباته.

(وأكثر ميله حين يكتب إلى الإملاء أما حين يخطب فإنه لا يحب إلا الارتجال).

وقد يلجأ إلى الإلقاء حينما تقيده المواقف السياسية بقيود الألفاظ ولكن ذلك يكون حينئذ عبأ على نفسه حتى أنه ليهجر الورق بعد قليل ويطلق لسانه من غله الثقيل.

(وطريقته هي أنه يعني بالمعنى قبل كل شيء فيهتم أن يكون قوياً وجليلاً فإذا استوى له أخرجه في لفظ قوي جليل حريصاً دائما على أن يكون السياق منطقياً غير زائد عن المعنى ولا ناقص، كذلك هو في كتابته أو خطابته أو حديثه فإذا أنت قرأته أو سمعته خلت أنه ينهض بك إلى مستوى رفيع.

(وإذا كان ذهنه متجهاً دائماً إلى قوة المعنى ورقة التعبير، فكثيراً ما يجد له حتى في خطبه

الارتجالية وخاصة حينما يكون منفعلاً كلمات تنطبع في ذهنك فتتمثل في ذلك صوراً حية، تشعر بأنك تراها بعينك وتلمسها بيدك. مثال ذلك قوله في مشروع ملنر حينما أختلف الناس (هل هو حماية أو استقلال)

ص: 325

(إنه حماية بالثلث) ثم قوله في إحدى المفاوضات (جورج الخامس يفاوض جورج الخامس).

تجسمت في سعد فكرة في عصره بكل قوة الإيمان الوطني لذلك آمن الشعب به وقدس آماله في شخصه، لذلك لم يمت سعد لأنه فكرة هذه الآمال المتجددة وفي نفس الشعب، وسعد حري بهذه المكانة التي بوأه الشعب إياها فقد كان عظيماً منذ نشأ عظيماً حتى مات).

(كان زعيما بفطرته، يساير الشعب ثم يملك زمامه ويستولي على قياده ويسير به إلى حيث يشاء فلا ينبو الشعب في كفه، أيسع غير قوة جبارة أن تطوي كل قوة أخرى وأن تثور بها الأعاصير من كل ناحية فتثبت وتصلب وتجمع في نفسها على الرغم من كل شيء قوة الحكمة وقوة الشعب وقوة (البرلمان) حتى لقد كان يسعه أن يقول انه مصر.

و (أن التأريخ سيعتبر (سعد زغلول) بلا ريب أعظم شخصية أنجبتها مصر الحديثة (فلقد كان للمترجم عنه نفوذ مغناطيسي على المصريين وكانت مواهبه تبدو في نداءاته للرأي العام أكثر مما تبدو في المفاوضات (الدبلوماسية) الدقيقة ويمكن أن نصف حياته السياسية بأنها تقدم من المحافظة إلى التطرف وقد وصفه (اللورد كرزن) ذات مرة بأنه (زعيم غير مسؤول للهياج).

وحسبك أن تقرأ قول جريدة التايمس فيه عام 1906 فتعرف من خسرت مصر اليوم (زغلول من شيعة محمد عبده الذين امتازوا بالارتقاء والتهذيب وهم الذين سماهم اللورد كرومر (فريق الجيروند) في النهضة الوطنية المصرية، وهو مصري عريق في وطنيته أجمع الناس على إكرامه والإعجاب به لما اشتهر عن من الاستقامة والاستقلال).

وأحسن شهادة في الرجل قول (اللورد كرومر) العميد البريطاني في مصر

ص: 326

في خطبته التي ودع بها البلاد المصرية:

(وإني لأذكر أيها السادة اسم رجل قد علمتني معاشرتي القصيرة له أن أحترمه احترماً عظيماً، وإذا أصاب ظني ولم يخطئ يكون أمام ناظر المعارف الجديد سعد زغلول باشا مستقبل عظيم في سبيل خدمة هذه البلاد ومنفعتها لأنه حائز لجميع الصفات اللازمة لخدمة

بلاده، فهو رجل صادق كفو مستقيم مقتدر، بل هو رجل شجاع فيما هو مقتنع به).

كان سعد زغلول رجلا اجتمعت فيه صفات جليلة قومت تلك الشخصية الكبيرة، منها: الجلادة والقوة الأدبية مع جد ونشاط في الشباب والشيخوخة إذ كان في شيخوخته أنشط من كثير من الشبان مع ملكات ومواهب نادرة ممتازة كالذكاء وسرعة الخاطر وحدة الذهن وحضور الجواب وفصاحة متدفقة ومنطق خلاب مع شيء من الصلابة والقوة والعنف (أفاده في ظروف حياته كما جنى عليه في بعض ظروفها).

وكان محدثاً عذب الحديث، فكان حاضر النكته رقيق المعاشرة.

ومن براعته في الجدل انه كان لبقاً شديد المراس تعرض عليه الحجة محاولاً نقض رأيه فما يلبث أن يعدل بحجتك حتى يتخذها سنداً لرأيه وقد نوه بخلال سعد السرية (قاسم أمين) لما أهدى إليه كتابه (المرأة الجديدة) فقال في كلمة الإهداء: (أن السعادة كل السعادة في حوار من كان له عاطفة سعد وتفكيره وقلبه).

ومن أقواله المأثورة:

كل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقاً مهما كان مصدره عالياً ومهما كان الأمر به.

كل تقييد للمصريين لابد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ظلماً.

قد عاهدت الله منذ أن نشأت على أن أًرح بما في ضميري وهذه هي لذتي في حياتي.

ص: 327

الصحافة حرة في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد، فليسمن الرأي أن نسألها لِم تنتقدنا بل الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.

نحن نحب الحرية ولكننا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها.

جميل جداً أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم وإنها لنغمة لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب. ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه صاحبه.

ومن خلقه الكريم شدة وفائه لأنصاره وحبه الخالص لأصدقائه (ولم يفهم سعد إلا من خاصمه سياسياً وخاصمه للمصلحة العامة دون سواها. كان سعد رجلاً وكفى إنه كان كذلك).

حقاً (إن زغلول باشا هو المصري بين جميع المصريين الذين كان نادر الفطنة والشرف السياسي، وكان يقصد ما يقول، وينفذ ما يعد، تلك صفات سببت نفيه ثلاث مرات ولم يستطع الإنكليز إغراءه بان يقبل لمصر ظل الحرية مع اختصاصه هو بنفوذ حقيقي وظهور عظيم لشخصيته).

ومن صفاته الباهرة بل ومن أسرار عظمته تسامحه الديني، فقد ولد مسلماً وكل ما بدا منه طول عمره دل على شدة العقيدة، وطالما أفتخر بانتسابه إلى الأزهر؛ ولكنه كان مع ذلك آية في التسامح الديني يعالج داء عضالاً في المجتمع الشرقي وقد عمل جهده في مدة زعامته في مكافحة هذا الداء بالقول والعمل فلم يميز بين المسلم والنصراني واليهودي في خدمة البلاد والحقوق والواجبات، ولا سيما عندما كان رئيساً للوزارة المصرية، فقد زاره جماعة من السوريين المتمصرين على أثر انتقاء أخطاء مجلس الشيوخ المصري وشكروه على تعيين ثلاثة من النصارى منهم أخطاء في المجلس المذكور، فأجابهم:(إني لا أعرفهم بهذا الوصف بل أعرفهم مواطنين مصريين وعليهم أن ينهضوا بعبء العمل كما ينهض إخوانهم.)

ص: 328

لم يؤلف سعد تأليفاً خاصاً لانصرافه إلى الأشغال السياسية وما تقتضيه من الكتابة والخطابة، وقد ذكر انه لخص في صبح شبابه كتاب (ابن مسكويه) وطبع منه أغلبه. ولكنه كتب مقالات كثيرة في جرائد (مصر) و (البرهان) و (المحروسة) وغيرها وكلها ترمي إلى التحرر والانعتاق من أغلال الأجنبي، جمع من خطبه كتب عديدة ولا يزال بعضها منثوراً في الصحف والمجلات.

وأول ما اعتراه في أواخر حياته كان بمصيفه في (مسجد وصيف) يوم الاثنين ال 15 من آب سنة 1927 إذ أصابته (الحمرة) فارتفعت حرارة جسمه، فعاده الأطباء وأسعفوه ثم قرروا نقله إلى القاهرة فرجع إليها على الباخرة النيلية (محاسن) واطمأن في داره. وظهر التحسن في صحته، ولكنه أصبح يوم الاثنين تعباً وعادت حرارته إلى فارتفعت وفي صبح الثلاثاء تهامس أطباؤه بأن حياته في خطر، وشعر هو بدنو أجله، وكان آخر ما قاله لزوجته النبيلة (إني انتهيت). وظل طول ذلك اليوم محتبس اللسان حتى فاضت روحه الساعة العاشرة مساء (الثلاثاء 23 آب 1927) فأصدر مجلس الوزراء المصري بلاغاً

رسمياً بالفاجعة، كما نشرت إدارة الأمن العام نظام تشييع الجنازة وقد شيع جثمانه إلى مرقده الأخير بموكب فخم لم يشهد المصريون تشييعاً مثله لعظيم من عظمائهم في القرن الأخير، وطفحت الصحف المصرية، وكذلك الصحف العربية والإفرنجية، بالبحث عنه ووصف عظم الرز فيه واتشحت بالحداد عليه ثلاثة أيام وبكته الأقلام ورثاه الشعراء.

وقرر مجلس الوزراء تخليداً لهذا الرجل العامل:

1 -

أن يقام تمثال في القاهرة وآخر في الإسكندرية ينصبان في أهم الميادين العامة في المدينتين.

2 -

أن تشتري الحكومة بيته المسمى بيت الأمة وتضمه إلى الأملاك العمومية المخصصة بالمنافع العامة، على أن يبقى حق السكنى فيه لحرم الفقيد مدى الحياة.

3 -

أن ينشأ في مستشفى أو ملجأ في القاهرة يطلق عليه اسم (سعد زغلول).

ص: 329

4 -

أن تشتري الحكومة البيت الذي ولد فيه ببلدة (أبيانة) بمركز (فوه) بمديرية الغربية وتضمه إلى الأملاك العامة المخصصة بنفع الجمهور.

ومما يروى عن مترجمنا في مواقف غيرته وعنفه أن ساقه الحديث يوماً وهو وزير للحقانية أمام الخديوي عباس حلمي الثاني فاندفع برغم حجته بالبراهين ثم دق بيده على المنضدة دافعاً حجة أمير مصر قائلاً (أنا الوزير المسؤول فلا بد من إقرار مشروعي) شأنه في ذلك أمام منضدة المحكمة حينما كان يدفع حجة زميله المحامي.

ووفد عليه في أحد الأيام جمهور من الفلاحين فغصت بهم ساحة بيته، فخرج إليهم وجلس على الأرض معهم وهو يقول (أنا فلاح مثلكم) لذلك قالت فيه جريدة (أفننك استندر)(كان له دهاء الفلاحين يشبه الرئيس كروكر فقد كان كلاهما وطنيين مخلصين متفانين في إخلاصهما لكن زغلول أقل فظاظة من كروكر.) وشبهته لمصر جريدة (شفيلد ديلي تلغراف)(بدفاليرا) لارلندة وقالت أن غريزته السياسية أعظم من غريزة (دفاليرا).

رفائيل بطي

بعيجة لا بيجي

دجلة في انحدارها من الموصل إلى بغداد تمر بموطن ضيق يظهر للرائي كأن دجلة تبعج المكان، فترى السماء بين الحالقين أو الجبلين فسمى الأهلون ذلك الموطن (بعيجة)(بالتصغير) ولما كان الإنكليز لا يستطيعون أن يلفظوا العين لفظاً صحيحاً فقالوا (بيجة) ثم أن أهالي تلك الأنحاء يميلون بلفظ الهاء إلى الياء فقالوا بيجي واليوم لا تسمع من أفواه الأهالي أنفسهم إلا (بيجي) أي بفتح الباء وإسكان الياء وكسر الجيم وبياء ساكنة في الآخر ومنهم من يشدها. فإذا مر قرن على مسخ هذه اللفظة، فمن ذا الذي يعرف أصلها؟ - ذلك من أثر القوي في الضعيف.

ص: 330