الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حضوضى
1 -
تعريف حضوضي عن السلف
يقول الزمخشري في كتاب الجبال والأمكنة والمياه: حضوضى موضع وقيل جبل في البحر
ويقول ياقوت في معجمه الجغرافي: حضوضى جبل فيالغرب كانت العرب في الجاهلية تنفي إليه خلعاءها. وقال الحازمي: حضوض بغير ألف جزيرة في البحر، ويقول أيضاً الحضوض نهر كان بين الحيرة والقادسية
وفي القاموس للفيروز ابادي: حضوضى وحضوض جبل في البحر كانت العرب تنفي إليه خلعاءها. والحضيض القرار في الأرض. والحضوضى: البعد والنار. والحضوضاة:
الضوضاة
وفي الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني قصة نفي أبي محجن الثقفي إلى جزيرة في البحر. يقال لها: حضوضى بحراسة ابن جهراء وهربه منه على ساحل البحر ثم التحاقه بجيش سعد ابن أبي وقاص في حرب القادسية. وسجنه بأمر الخليفة عمر بن الخطاب (رض) الذي كان نفاه لإدمانه شرب الخمر على رواية، ولمحاولته التطلع إلى امرأة من الأنصار يقال لها شموس كان هويها على رواية أخرى. وقد احتال أبو محجن وهو في حبسه حتى خرج إلى الجيش المحارب يوم ارماث وهو أول يوم من أيام القادسية. وبعد أن أبلى بلاءً حسناً عاد إلى سجنه ووضع القيد في رجله. وقد نقل لنا الأصبهاني هذه الأبيات التي قالها حين تمكن من الهرب من ابن جهراء وهي:
الحمد لله نجاني وخلصني
…
من ابن جهراء والبوصي قد حبسا
من يجشم البحر والبوصي مركبه
…
إلى حضوضى فبئس المركب التمسا
ابلغ لديك أبا حفص مغلغلةً
…
عبد الإله إذا ما غار أو جلسا
أني اكر على الأول إذا فزعوا
…
يوماً واحبس تحت الراية الفرسا
أغشى الهياج وتغشاني مضاعفةً
…
من الحديد إذا ما بعضهم خنسا
2 -
تحقيق حضوضى في نظرنا
وفي تخوم البادية بالقرب من الطريق الذاهب من الحجاز إلى العراق بين الأزرق والقريات موضع يعرف إلى اليوم بحضوضي وهو يقع على بعد خمس عشرة ساعة بالسيارة من عمان عاصمة حكومة الشرق العربي ويوصل إليه عن طريق الأزرق في شرقي عمان ثم من الأزرق يسير القاصد إليه بتعريج إلى الشمال فيلقى في وسط سهل أفيح بحيرة صغيره مستديرة أو كالمستديرة يعلو وجهها طبقه بيضاء كالشيد المروب، يظن الذين تمكنوا من الدنو منها أن هذه الطبقة هي مما تكون من ذلك الماء الآسن الذي لا يعرف من أين ينبع فهي من هذا القبيل بطيحة من البطائح اكثر منها بحيرة من البحيرات.
وفي وسط هذه البحيرة بناء قائم إلى الآن أشبه شي بالمباني والقلاع الرومانيه التي تكثر في تخوم البادية مثل قصر زيزاء. وقصر الزرقاء. وهذا البناء مغمور من جميع جوانبه بماء البحيرة التي لا يجرؤ على الدنو منها أحد لاعتقاد البدو بأنها تبتلعهم أو تلحق بهم الأذى ويقدر أحد الذين وصلوا إلى هذه البحيرة أن مساحتها لا تزيد على أربعة آلاف متر مربع، ويقول أن حول شاطئها عظاماً ورفاتاً هي عظام أو رفات بعض الحيوانات مثل الظباء والوعول وما ماثلهما مما يدلنا على أن هذه الحيوانات قد هلكت بسبب شربها من ذلك الماء الآسن في تلك الصحراء القاحلة التي لا كلأ فيها ولا ماء، أو أن ما ينتشر حولها من
الروائح الكريهة والجراثيم القاتلة هي التي أودت بهذه الحيوانات فأوردتها موارد الهلكه.
ويؤكدون أنه لا يخيم بالقرب منها أو بجوارها البعيد قبيلة ما لاستيلاء الرعب على الناس من مضارها وهي عندهم مضرب المثل.
يدلك على ذلك ما قاله شاعر هم النمر بن عدوان شيخ قبيلة العدوان المعروفة يصف بها حالة نفسه عند وفاة قرينته قبل ثلاثة أرباع القرن:
طير إلينا بمخلبه كين شغر بي
…
وبين الثريا والكواكب رقابي
وبمثل سلك العنكبوت أنحدر بي
…
وبقاعة حضوضى يا وديدي هوى بي
وأنت ترى أن هذا الشعر البدوي غاية في الرقة والانسجام، لا تنقص قيمته الشعرية عما أتى به أمير الشعراء شوقي بك في قصيدته أنس الوجود إذ يقول:
فتراها ما بين صخر وبحر
…
ملكةً في السجون فوق حضوضى
3 -
توافق الخواطر في ضرر الحضوضين
بقي علينا أن ننظر هل هذه هي حضوضى التي عناها العرب وكانت منفى خلعائهم؟ أن نفرة الناس من حضوضى اليوم كنفرتهم منها بالأمس وتخوفهم منها اكثر من تخوف أبي محجن الثقفي فهذه الحقيقة تمهد لنا سبيل الظن بأنها هي المعنية وقد مر بنا أن أبا محجن هرب منها إلى القادسية في العراق وهي على ما علمت في الجادة السابلة إليه من الحجاز وقد تكون إذ ذاك ذات بوصي يمخر في مائها ويصل إلى البناء القائم في وسطها.
ولاستغربن أبدا تسمية العرب لمثل هذه البحيرة الصغيرة بالبحر وللبناء القائم في وسطها بالجزيرة فمثل هذا الماء في وسط جزيرة العرب يستحق أن يدعى بحراً وكل ما قام في وسطه من اليابسة حري بأن يسمى جزيرة، فأننا نراهم يسمون الأنهار بحاراً ويستوحشون من رؤية البحار وركوبها بله يحاذرون الدنو من الأنهار الكبيرة كما كان يفعل الخليفة عمر بن الخطاب وقصته مع عامليه عمرو بن العاص في مصر وسعد بن أبي وقاص في المدائن لما كتب أليهما (أن لا تجعلوا بيني وبين المسلمين ماء) قصة مشهورة.
وسنبقى على الاعتقاد بأن حضوضى هذه هي التي عناها العرب إلى أن يقوم من الأدلة والبراهين ما يثبت وجود غيرها والله اعلم.
حيفا (فلسطين): عبد الله مخلص
رأينا في حضوضى
كنا في سابق العهد درسنا هذه المسألة وعالجناها وبحثنا عن موادها فكانت النتيجة ما يأتي بعض تحقيقه.
قول الزمخشري: موضع وقيل جبل في البحر كلام جلي واضح لا يحتاج إلى شرح وتأويل.
وأما قول ياقوت: (جبل في الغرب كانت العرب في الجاهلية تنفي إليه خلعائها) ففيه بعض الأشكال، لكن إذا عرفت أن المراد بالغرب هنا الشام ولا سيما ما كان منها في الجنوب الغربي زال عنك كل أشكال. أما أن الغرب هو الشام فقد نص عليه في النهاية. قال في مادة غرب: لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق. قيل: أراد بهم أهل الشام لأنهم غرب
الحجاز اهـ. قلنا: ليست الشام في غرب الحجاز بل في شمال غربيها لكنهم يتجوزون في مثل هذا التعبير ومثله كثير عندهم. ولعل الصواب لأن الشام في غرب مساكن العرب لا في غرب الحجاز وعلى كل حال: كان العرب يسمون الشام غرباً وأن اختلفت أسباب هذه التسمية
إذن معنى كلام ياقوت جبل في الغرب: جبل في الشام والشام تطلق عند العرب على سورية وفلسطين معاً، فتكون حضوضى في أرض الشام.
وقوله: كانت العرب تنفي إليه خلعاءها. فهذا يعني أنه غير بعيد عن بلادهم بل داخل في أرضهم، وكيف يجوز لهم أن ينفوا رجلاً إلى بلاد ليست في حكمهم؟
على أن الذي في معيار اللغة: تنفي إليه خلفائها (بالفاء) وهو خطأ ظاهر إذا لم يكن خلفاء في الجاهلية كما أننا لم نسمع بخليفة نفي إليه بعد الإسلام فالتصحيف ظاهر لا شبه فيه.
وأما قول ياقوت نقلاً عن الحازمي: حضوض بغير ألف جزيرة في البحر فليس فيه ما يضاد قولهم جبل في البحر، إذ ما من جزيرة في البحر إلا هي
جبل أو سلسلة جبال إذا كانت الجزيرة كبيرة أو سلسلة جزر.
وأما قول الفيروز آبادي: حضوضى وحضوض: جبل في البحر. . . والحضوضى البعد والنار. ففيه ما يهدينا إلى معرفة حقيقة حضوضى.
لا جرم أن حضوضى لغة في حضوض وزيادة الألف في الآخر معروفة أشهر من أن تذكر. وقوله: البعد والنار. يذكرنا بما يقابله عند اليونانيون بالحضس أو الحضو ولا سيما لأنه ورد في إحدى نسخ القاموس الموجودة عندنا إذ تنص على ما يأتي (البعد في باطن الأرض والنار)
وهو عند اليونانيون ويريدون به بلوطن الإله الروماني وهو اله ما تحت الأرض وباطنها أو بعبارة أخرى اله وادي الجحيم أو اله مقر الموتى. وكان يكرم في عدة مدن مثل تريزينس وتريفيلية وأوبنتس وفي عدة بلدان من فلسطين وتخوم البادية التي بين العراق والحجاز. وبالأخص في المواطن الغمقة التي تتصاعد منها الروائح الخبيثة. فكان ينفى إليها كبار الأئمة والخونة وأعداء المدن أو أعداء الوطن وكأن يحتفل بعيده في 12 من قلنداس تموز أي في ما يوافق العشرين من حزيران الغربي الحالي.
وقد توسع اليونانيون في معنى كلمة حضوض حتى أطلقوها على كل موطن يكون مهلكة لمن يذهب إليه. وهذا كله يقوي رأي حضرة صديقنا الطالب عبد الله مخلص ولا سيما إذا عرفنا أن مادة (ح ض ض) تقارب مادة (ح ض و) أو (ح ض أ) من جهة، ومادة (خ ض ض) من جهة أخرى، فإذا اعتمدنا على ما ورد في معنى هذه المواد عرفنا أن الموطن المسمى بحضوض أو حضوضى هو مكان يوصل إليه (خوضاً في مائه) الضحضاح، وهواؤه حار كأنه (يحضو حضوا) تتصاعد منه الأبخرة المتعفنة فينشأ عنها ما يسمى (بالنار التائهة) عند بعض المحدثين وهو (الأرقان) عند الأقدمين من أجدادنا
فلقد صدق إذن الكاتب لأن الحضوض هو اسم الإله الذي قد وكل بالنار وبكل مكان يكون مهلكة الرجل. وحضوضى التي بين الأزرق والقريات هي المطلوبة. فلله در محققنا:
ومما يزيدنا تمسكاً برأي صاحبنا العزيز، واعتقاداً بصحة ما ذهب إليه،
أن عندنا نسخه قديمة من قاموس المجد الفيروز آبادي خطت في سنة 941 هـ وقد فتحنا فيها مادة ح ض ض لنرى ما جاء فيها من الاختلاف عن سائر النسخ المطبوعة أو المخطوطة فرأيناه يقول (حضوضي: جبل في البحر أو جزيرة في السند. وعلم للنار) اهـ.
قلنا: السند هنا وزان سبب وهو في لسان أهل بادية الشام المعاصرين كل ما حاذى ضفة الفرات اليمنى ممعناً في جزيرة العرب ومتصلاً بسوريا وفلسطين.
فإذا كان هذا هو المعنى المراد هنا من (السند) الواردة في النسخة من القاموس، كان تأويل (مخلصنا) من احسن ما جاء موافقاً لهذا التعبير، ونحن لم نجد أحدا من ذهب إلى هذا الرأي الناطق بالحق، من الأقدمين ولا من المعاصرين، ولابد من أن بتأثره كل من يحاول أن يكتب في هذا الموضوع ويتوخى صدق الرواية ودقة التحقيق.
ومن غريب الاتفاق أن ملوك العراق في عهد لجاهلية - وكانوا يومئذ فرسا - إذا أرادوا نفي واحد من العراق نفوه إلى مدينة في البطائح غمقة سيئة الهواء كثيرة الرطوبة شديدة الحميات كأنها نسخة ثانية من حضوضى وكأن اسمها (الهفة) والطبري يذكرها باسم طرنايا. أما النبط فكانوا يسمونها (هفاطرنايا) ودونك ما قيل عنها:
الهفة أو طرنايا
قال ياقوت في معجمه: (الهفة (وزان شدة) مدينة قديمة كانت في طرف السواد، بناها
سابور ذو الأكتاف، واسكنها أياداً لما قتل من قتل منهم في مدينة شالها لما عصوا عليه. ونقل من بقي منهم إلى هذه المدينة وجعلها محبساً لهم ونهى الرعية عن مخالطتهم، وأمر أن لا تدخل العرب داخل الحصن. فمن دخل بغير إذنه قتل، وكان كل من سخطت عليه ملوك فارس نفته إلى (الهفة) ووسمها بالنفي واللعن. وكان النبط يسمونها (هفا طرنايا) وأثار سورها بينة لم تندرس) اهـ كلام ياقوت
قلنا: ويؤخذ من كلام الطبري في تأريخه أنها كانت في أرض جرجرايا في رقعة البطائح وأغلب بلدان البطائح - حتى عهدنا هذا - من أسوأ البلاد مقاماً
وهواء. ومعنى (هفا) بالنبطية - والنبطية هي اللغة الصابئية التي هي فرع من اللغة الارمية وأصحابها يفرون من حروف الحلق إذ ليس في لسانهم حاء ولا عين بل هاء وهمزة - المحتجبة (عن الأنظار لكثرة ما فيها من الشجر والدغل) ومعنى طرنايا الرطبة فيكون محصل مجموعها: المدينة المحتجبة بالدغل الرطبة الهواء. قلنا وما كان كذلك من البلاد والمدن لا يكون إلا مهلكة لسكانها.
ومن غريب الأمر أن بعض البغداديين في عصرنا هذا إذا أرادوا أن يدعوا على أحد من باب المدح أو القدح قالوا. (يا مال الهفا) أي من أنت جدير لأن تكون من أهل الهفة.
أما موقع الهفة اليوم فلا نعرفه فلعل أحد أدباء البطائح يفيدنا عنه بشيء.
وإذ قد وقع الحديث عن منفيين للعرب في عهد الجاهلية فلا بأس من ذكر منفاهم في أيام احتلال الإنكليز للعراق فأنهم كانوا ينفون الوطني الحر المدافع عن دياره إلى هنكام.
(هنكام)
والمعاصرون يقولون أيضاً هنجام هي حقيقة باب جهنم على ما وصوفها من نفي إليها. وقد قال ياقوت عنها: هنكام بالفتح اسم لجزيرة في بحر فارس قريبة من كيش ولم يزد على هذا القدر.
مع أنها حارة صيف شتاء شديدة الحرارة رطبتها. كثيرة الدويبات والهوام ولا سيما السامة منها، قليلة الخيرات وافرة النقمات واللعنات إلى آخر ما تريد أن تصفها بمثل هذا المعنى: فالمنفي إليها العائد منها مولود ثانية في العالم، والعائش فيها يهون عليه بعد هذا أن يعيش في نار جهنم، وكفى لها وصفاً.
(أيقال زحف الجيش على العدو)
لا تطالع سطوراً تذكر الزحف إلا تسمع صاحبها يقول: وزحف الجيش (على) العدو. ولا تكاد ترى كاتباً فصيحاً سورياً أو مصرياً أو عراقياً يخرج عن دائرة هذا الخطأ، مع أن الصواب هو زحف (إلى) العدو ونص اللغويين صريح: قال في اللسان: الزحف: الجماعة يزحفون (إلى) العدو بمرة أما زحف الولد فيكون (على) اليدين أو الرجلين قال الأزهري: أصل الزحف للصبي هو أن يزحف (على) أسته اهـ. وبهذا القدر كفاية.