الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ (الصَّعِيدُ) فَإِنَّهُ (خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ فَيَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالصَّعِيدِ (مَا يَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ إلَى وُجُودِ النَّاقِضِ فَالْأَصَالَةُ وَالْخَلَفِيَّةُ بَيْنَ الْآلَتَيْنِ فَيَجُوزُ إمَامَةُ الْمُتَيَمِّمِ لِلْمُتَوَضِّئِ لِوُجُودِ شَرْطِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ كُلٍّ فَيَجُوزُ بِنَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَالْغَاسِلِ عَلَى الْمَاسِحِ مَعَ أَنَّ الْخُفَّ بَدَلٌ مِنْ الرَّجُلِ فِي قَبُولِ الْحَدَثِ وَرَفْعِهِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (وَلِمُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقُوهُ أَنَّ الْأَصَالَةَ وَالْخَلَفِيَّةَ (بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ) أَيْ التَّيَمُّمِ وَكُلٍّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ (فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يَثْبُتَ بِالصَّعِيدِ مَا يَثْبُتُ بِالْمَاءِ (وَلَا يُصَلِّي الْمُتَوَضِّئُ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ) الْمُحْدِثَ (بِالْفِعْلِ) فَقَالَ {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6](ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْفِعْلِ) عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]
(وَلَهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (أَنَّهُ) أَيْ اللَّهَ تَعَالَى (نَقَلَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ) إلَى الصَّعِيدِ حَيْثُ قَالَ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَكَانَ) الْمَاءُ هُوَ (الْأَصْلُ) وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا بَعْدَ اتِّفَاقهمْ عَلَى كَوْنِ الْخَلَفِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ إلَى غَايَةِ وُجُودِهِ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وُضُوءًا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَغُسْلًا فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ إلَّا مَا قِيلَ فِيمَا إذَا تَيَمَّمَ فِي الْمِصْرِ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ فَصَلَّى وَحَضَرَتْ أُخْرَى وَلَمْ يَجِدْ بَيْنَهُمَا وَقْتًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِيهِ أَنَّ الْخِلَافَةَ ضَرُورِيَّةٌ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَذْكُرُهُ لِلشَّافِعِيِّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ حَتَّى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الثَّانِيَةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُمَا أَحْسَنُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ خَلَفٌ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَثْبُتُ خَلْفِيَّتُهُ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمِنْ ثَمَرَاتِ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ وَأَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ فَرَائِضَ وَنَوَافِلَ خِلَافًا لَهُ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ جَعْلَ الصَّعِيدِ أَوْ التَّيَمُّمِ خَلَفًا عَنْ الْمَاءِ أَوْ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ مَعَ كَوْنِهِ لَهُ حُكْمٌ بِرَأْسِهِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ يَنْفِي كَوْنَهُ خَلْفًا عَنْ الْأَصْلِ بَلْ يُفِيدُ كَوْنُهُ أَصْلًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى خِلَافِهِ وَأَمَّا أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّ شَرْعِيَّتَهُ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ فِيمَا لَهَا مِنْ الْأَوْقَاتِ وَتَكْثِيرًا لِلْخَيْرَاتِ فَمَا لَا نِزَاعَ فِيهِ وَهُوَ لَا يَخْلُ بِمَعْنَى الْإِطْلَاقِ هَذَا (وَلَا بُدَّ فِي تَحْقِيق الْخَلَفِيَّةِ مِنْ عَدَمِ الْأَصْلِ) فِي الْحَالِ الْعَارِضِ إذْ لَا مَعْنَى إلَى الْمَصِيرِ إلَى الْخَلَفِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ (وَ) مِنْ (إمْكَانِهِ) أَيْ الْأَصْلِ لِيَصِيرَ السَّبَبُ مُنْعَقِدًا لِلْأَصْلِ ثُمَّ بِالْعَجْزِ عَنْهُ يَتَحَوَّلُ الْحُكْمُ عَنْهُ إلَى الْخَلَفِ (وَإِلَّا) فَحَيْثُ لَا إمْكَانَ لِوُجُودِ أَمْرٍ مَا (فَلَا أَصْلَ) أَيْ فَلَا يُوصَفُ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْأَصَالَةِ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ فَرْعُ وُجُودِهِ فِي ذَاتِهِ (فَلَا خَلَفَ) أَيْ فَلَا يُوصَفُ ذَلِكَ الْغَيْرُ بَالْخَلَفِيَّةِ عَنْهُ أَيْضًا وَمِنْ هُنَا لَزِمَ التَّكْفِيرُ
مَنْ حَلَفَ لَيَمَسَّنَّ السَّمَاءَ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلْبِرِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لِإِمْكَانِ مَسِّ السَّمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَصْعَدُونَ إلَيْهَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَعَدَ إلَيْهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ إلَّا أَنَّهُ مَعْدُومٌ عُرْفًا وَعَادَةً فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ مِنْهُ إلَى الْخَلَفِ الَّذِي هُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يَلْزَمْ مَنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ مَا كَانَ أَوْ ثُبُوتِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَاضِي لِعَدَمِ إمْكَانِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْبَرُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ) فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ (الْمَحْكُومُ فِيهِ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ (وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ الْمَحْكُومِ بِهِ) اعْتِرَاضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِهِ وَهُوَ (فِعْلُ الْمُكَلَّفِ) يُرِيد أَنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالْمَحْكُومِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالْمَحْكُومِ بِهِ كَمَا ذَكَرَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: إذْ لَمْ يَحْكُمْ الشَّارِعُ بِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَلْ حَكَمَ فِي الْفِعْلِ بِالْوُجُوبِ بِالْمَنْعِ بِالْإِطْلَاقِ وَالظَّاهِرُ أَنْ لَيْسَ فِي مَنْعِهِ حُكْمٌ بِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَلَا فِي إطْلَاقِهِ وَالْإِذْنِ فِيهِ وَإِنَّمَا يُخَالُ ذَلِكَ فِي إيجَابِهِ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ أَنْ لَيْسَ إيجَابُهُ أَيْ إيجَابُ
الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ حُكْمًا بِنَفْسِ الْفِعْلِ وَلَوْ سُلَّمَ كَانَ بِاعْتِبَارِ قِسْمٍ يُخَالِفُهُ أَقْسَامٌ ثُمَّ إنَّمَا يَكُونُ الْمَحْكُومُ فِيهِ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ حَالَ كَوْنِ فِعْلِهِ (مُتَعَلِّقَ الْإِيجَابِ وَهُوَ) أَيْ فِعْلُهُ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَابِ (الْوَاجِبُ لَمْ يَشْتَقُّوا لَهُ) أَيْ لِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورِ (بِاعْتِبَارِ أَثَرِهِ) أَيْ لِلْإِيجَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ اسْمًا (إلَّا اسْمَ الْفَاعِلِ) وَأَمَّا الْبَاقِي (فَمُتَعَلِّقُ النَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ مَفْعُولٌ) أَيْ اشْتَقُّوا لِمُتَعَلِّقِهَا بِاعْتِبَارِ أَثَرِهَا اسْمَ الْمَفْعُولِ (مَنْدُوبٌ مُبَاحٌ) مَكْرُوهٌ (وَ) اشْتَقُّوا (كُلًّا) مِنْ اسْمَيْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ (لِمُتَعَلِّقِ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ تَخْصِيصًا بِالِاصْطِلَاحِ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ مُتَعَلِّقُ الْإِيجَابِ (وَالْأَخِيرُ) أَيْ مُتَعَلِّقُ التَّحْرِيمِ (وَرَسْمِ الْوَاجِبِ بِمَا) أَيْ فِعْلٍ (يُعَاقَبُ تَارِكُهُ) عَلَى تَرْكِهِ (مَرْدُودٌ بِجَوَازِ الْعَفْوِ) عَنْهُ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالْأَوْلَى بِمَا عُفِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ وَاقِعًا وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْوُقُوعِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ فَيَكُونُ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ لِخُرُوجِ الْوَاجِبِ الْمَعْفُوِّ عَنْ تَرْكِهِ.
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَلِلْمُعَرِّفِ بِهِ أَنْ يَقُولَ: الْمُرَادُ مَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ عَادَةً لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ (وَ) رَسْمَهُ (بِمَا) أَيْ فِعْلٍ (أَوْعَدَ) بِالْعِقَابِ (عَلَى تَرْكِهِ إنْ أُرِيدَ) بِالتَّرْكِ التَّرْكُ (الْأَعَمُّ مِنْ تَرْكِ وَاحِدٍ أَوْ الْكُلِّ لِيُدْخِلَ الْكِفَايَةَ) أَيْ الْوَاجِبُ كِفَايَةً فِي هَذَا التَّعْرِيفِ (لَزِمَ التَّوَعُّدُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ فِي الْكِفَايَةِ) مَعَ فِعْلِ غَيْرِهِ (أَوْ) أُرِيدَ بِهِ (تَرْكُ الْكُلِّ خَرَجَ مَتْرُوكُ الْوَاحِدِ أَوْ) أُرِيدَ بِهِ تَرْكُ (الْوَاحِدِ خَرَجَ الْكِفَايَةُ) وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمُلَازِمَاتِ وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ فِيهَا ظَاهِرٌ فَالتَّعْرِيفُ كَذَلِكَ (وَأَمَّا رَدُّهُ) أَيْ هَذَا التَّعْرِيفِ (بِصِدْقِ إيعَادِهِ كَوَعْدِهِ فَيَسْتَلْزِمُ الْعِقَابَ) عَلَى التَّرْكِ فَلَا يَنْعَكِسُ لِخُرُوجِ الْوَاجِبِ الْمَعْفُوِّ عَنْ تَرْكِهِ (فَيُنَاقِضُ تَجْوِيزَهُمْ الْعَفْوَ) لِأَنَّ صِدْقَ الْإِيعَادِ يُوجِبُ عَدَمَ وُقُوعِ الْعَفْوِ وَوُقُوعَ الْعَفْوِ يُوجِبُ عَدَمَ صِدْقِ الْإِيعَادِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الرَّدُّ (بِالْمُعْتَزِلَةِ أَلْيَقُ) لِاسْتِحَالَةِ الْخَلَفِ فِي الْوَعِيدِ عَلَيْهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا سَنَذْكُرُ (إلَّا أَنْ يُرَادَ) بِإِيعَادِهِ (إيعَادُ تَرْكِ وَاجِبِ الْإِيمَانِ) فَإِنَّ الْخَلَفَ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ قَطْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] وَأَمَّا الْإِيعَادُ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ غَيْرِهِ فَجَائِزٌ الَخَلَفُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48](فَلَا يَبْطُلُ التَّعْرِيفُ) الْمَذْكُورُ (إلَّا بِفَسَادِ عَكْسِهِ بِخُرُوجِ مَا سِوَاهُ) أَيْ مَا سِوَى وَاجِبِ الْإِيمَانِ الْمَعْفُوِّ عَنْ تَرْكِهِ لِصِدْقِ الْمَحْدُودِ بِدُونِ الْحَدِّ، هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي حَلْبَةِ الْمُجَلِّي أَنَّ ظَاهِرَ الْمَوَاقِفِ وَالْمَقَاصِدِ أَنَّ الْأَشَاعِرَةَ عَلَى جَوَازِ الْخَلَفِ فِي الْوَعِيدِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جُودًا وَكَرْمًا لَا نَقْصًا وَأَنَّ فِي غَيْرِهِمَا الْمَنْعَ مِنْهُ مَعْزُوٌّ إلَى الْمُحَقِّقِينَ وَإِنَّ الشَّيْخَ حَافِظَ الدِّينِ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَأَنَّ الْأَشْبَهَ بَحْثًا تَرَجُّحُ الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً بِمَعْنَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ لِلْمَعْنَى الْوَعِيدِيِّ مِنْ الْعُمُومِ لَا جَوَازُ عَدَمِ وُقُوعِ عَذَابِ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ الْإِخْبَارَ بِعَذَابِهِ فَإِنَّهُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقُلْنَا ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كَمَا يُعْرَفُ ثَمَّةَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنَّ الْأَوْجَهَ تَرْكُ إطْلَاقِ جَوَازِ الْخَلْفِ عَلَيْهِ تَعَالَى وَعْدًا وَوَعِيدًا دَفْعًا لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُحَالَ الْمَذْكُورَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُخَالِفُ الْوَعْدُ الْوَعِيدَ فِي هَذَا التَّجْوِيزِ
وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) رَدُّ هَذَا التَّعْرِيفِ (بِأَنَّ مِنْهُ) أَيْ الْوَاجِبِ (مَا لَمْ يَتَوَعَّدْ عَلَيْهِ) فَإِنْ أُرِيدَ بِخُصُوصِهِ فَقَدْ يَسْلَمُ وَلَا ضَيْرَ فَإِنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ أُرِيدَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (فَمُنْدَفِعٌ بِثُبُوتِهِ) أَيْ الْإِيعَادِ (لِكُلِّهَا) أَيْ الْوَاجِبَاتِ (بِالْعُمُومَاتِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا} [النساء: 14](وَرَسْمَ) الْوَاجِبَ أَيْضًا (بِمَا) أَيْ فِعْلٍ (يُخَافُ الْعِقَابُ بِتَرْكِهِ وَأَفْسَدَ طَرْدَهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَشَكَّ فِي وُجُوبِهِ) فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الشَّاكَّ يَخَافُ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فَيَصْدُقُ الْحَدُّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ (وَيَدْفَعُ) هَذَا الْإِفْسَادُ (بِأَنَّ مَفْهُومَهُ) أَيْ مَا يَخَافُ الْعِقَابَ بِتَرْكِهِ (مَا بِحَيْثُ) يَخَافُ (فَلَا يَخْتَصُّ) تَرْكُ الْوَاجِبِ (بِخَوْفٍ وَاحِدٍ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا خَوْفَ) عِقَابٍ عَادَةً (لِلْمُجْتَهِدِ فِي تَرْكِ مَا شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي وُجُوبِهِ لِعَدَمِ سَبَبِ الْخَوْفِ فَلَا يَصْدُقُ
الْحَدُّ بِدُونِ الْمَحْدُودِ (وَ) أَفْسَدَ (عَكْسُهُ بِوَاجِبِ شَكٍّ) ابْتِدَاءً (فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ أَوْ ظَنَّ) ابْتِدَاءً عَدَمِ وُجُوبِهِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ (لَا يَخَافُ) الْعِقَابَ بِتَرْكِهِ فَيَصْدُقُ الْمَحْدُودُ بِدُونِ الْحَدِّ (وَهُوَ) أَيْ إفْسَادُ عَكْسِهِ بِهَذَا (حَقٌّ وَمَنْبَعُ دَفْعِ الْأَوَّلِ) أَيْضًا لِأَنَّ الشَّكَّ ابْتِدَاءً فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ يُفِيدُ الشَّكَّ ابْتِدَاءً فِي وُجُوبِهِ وَمَا شُكَّ ابْتِدَاءً فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ وَوُجُوبِهِ لَيْسَ بِحَيْثُ مِمَّا يَخَافُ الْمُجْتَهِدُ الْعِقَابَ بِتَرْكِهِ عَادَةً
(وَلِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ) رَسْمٌ آخَرُ وَهُوَ (مَا) أَيْ فِعْلٌ (يُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهُ بِوَجْهٍ مَا) فَشَمِلَ مَا الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْحَرَامُ وَخَرَجَ بِالْبَاقِي مَا عَدَا الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْحَرَامَ يُذَمُّ فَاعِلُهُ لَا تَارِكُهُ وَالثَّانِي لَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ وَقَيَّدَهُ ص بِشَرْعًا أَيْ بِأَنْ يَرِدَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِحَالَةٍ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ مُسْتَنْقِصًا مَلُومًا إلَى حَدٍّ يَصْلُحُ لِتَرَتُّبِ الْعِقَابِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِهِ وَبِوَجْهِ مَا لِيَدْخُلَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وَالْمُخَيَّرُ وَالْكِفَايَةُ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ (يُرِيدُ) بِتَرْكِهِ تَرْكَهُ (فِي جَمِيعِ وَقْتِهِ بِلَا عُذْرِ نِسْيَانٍ وَنَوْمٍ وَسَفَرٍ وَمَعَ عَدَمِ فِعْلِ غَيْرِهِ) أَيْ تَرْكِ الْجَمِيعِ لَهُ (إنْ) كَانَ الْوَاجِبُ (كِفَايَةً وَ) تَرْكِ (الْكُلِّ) مِنْ الْأُمُورِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا (فِي) الْوَاجِبِ (الْمُخَيَّرِ) فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تَرَكَهَا النَّائِمُ وَالنَّاسِي وَصَوْمَ الْمُسَافِرِ فِي رَمَضَانَ غَيْرُ وَاجِبٍ مَعَ صِدْقِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فَلَا يَطَّرِدُ (وَلَوْ أَرَادَ) الْقَاضِي (عَدَمَ الْوُجُوبِ مَعَهَا) أَيْ الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْقَاضِي صَرَّحَ فِي التَّقْرِيبِ بِأَنَّهُ لَا وُجُوبَ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَنَحْوِهِمَا حَتَّى السَّكْرَانِ وَأَنَّ الْمُسَافِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ أَحَدِ الشَّهْرَيْنِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ (فَلَا يُذَمُّ) الْمُكَلَّفُ (مَعَهَا) أَيْ الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ (بِالتَّرْكِ إلَى آخَرِ الْوَقْتِ وَبَعْدَ زَوَالِهَا) أَيْ الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ (تَوَجَّهَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَاضِي (فَيُذَمُّ) الْمُكَلَّفُ (بِتَرْكِهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (بِوَجْهٍ مَا وَهُوَ) أَيْ تَرْكُهُ الْقَضَاءَ بِوَجْهٍ مَا (مَا) أَيْ التَّرْكُ الَّذِي يَكُونُ (فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (وَلِبَعْضِهِمْ) وَلَعَلَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (اعْتِرَاضٌ جَدِيرٌ بِالْإِعْرَاضِ) فَلَا يُطَوَّلُ بِإِيرَادِهِ وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْ شُرُوحَ أُصُولِهِ وَحَوَاشِيَهَا ثُمَّ كَوْنُ الذَّمِّ عَلَى تَرْكِ هَذِهِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ تَرْكِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ لَا عَلَى تَرْكِ الْأَدَاءِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ بَلْ يَكْفِي فِي وُجُوبِهِ تَحَقُّقُ سَبَبِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَلَا وُجُودَ لِنَفْسِ وُجُوبٍ لَا غَيْرَ لِيَدَّعِيَ ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالْمُسَافِرِ فَلَا يَتِمُّ نَفْيُ اطِّرَادِ الْحَدِّ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْمَذْكُورَيْنِ لَيْسَ عَلَى اصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ (أَمَّا عَلَى) اصْطِلَاحِ (الْحَنَفِيَّةِ فَالْوُجُوبُ يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ هُوَ (السَّاقِطُ) لَا الْوُجُوبُ فَلَا يُتَّجَهُ الْقَوْلُ بِصِدْقِ الْحَدِّ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ الْمَذْكُورَيْنِ دُونَ الْمَحْدُودِ لِيَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ نَفْيُ اطِّرَادِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ ثَمَّ هَذَا
(تَقْسِيمٌ) لِلْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ تَقَيُّدِهِ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَتَقَيُّدِهِ بِهِ فَنَقُولُ: (الْوَاجِبُ) قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ (مُطْلَقٌ) وَهُوَ الَّذِي (لَمْ يُقَيَّدْ طَلَبُ إيقَاعِهِ بِوَقْتٍ) مَحْدُودٍ (مِنْ الْعُمُرِ) بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ قَبْلُهُ وَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي وَقْتٍ لَا مَحَالَةَ (كَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَالْكَفَّارَاتِ) وَقَضَاءِ رَمَضَانَ كَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ لَا أَنَّهَا مِنْ الْمُؤَقَّتِ كَمَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّهَارِ لِأَنَّ كَوْنَهُ بِالنَّهَارِ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِهِ لَا قَيْدٌ لَهُ (وَالزَّكَاةُ) كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ الرَّازِيّ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ وَذَكَرَهُ ابْنُ شُجَاعٍ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّظَرِ إلَى دَلِيلِ الِافْتِرَاضِ أَيْ دَلِيلِ الِافْتِرَاضِ لَا يُوجِبُ الْفَوْرِيَّةَ وَهُوَ لَا يَنْفِي وُجُودَ دَلِيلِ الْإِيجَابِ وَالْوَجْهُ الْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ مَعَهُ قَرِينَةُ الْفَوْرِ وَهِيَ أَنَّهُ لِدَفْعِ حَاجَتِهِ وَهِيَ مُعَجَّلَةٌ فَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِيجَابِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ فَلَزِمَ بِالتَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ الْإِثْمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَالْكَرْخِيُّ وَهُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَهِيَ
الْمَحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِ اسْمِهَا إذَا تَعَلَّقَتْ بِتَرْكِ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِبًا لِأَنَّهُمَا فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَنْهُمَا مَا يُفِيدُ ذَلِكَ أَيْضًا وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ (وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ وَأَدْرَجَ الْحَنَفِيَّةُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ) فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا (نَظَرًا إلَى أَنَّ وُجُوبَهَا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ) عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا تَتَقَيَّدْ بِوَقْتٍ (وَالظَّاهِرُ تَقَيُّدُهَا بِيَوْمِهِ) أَيْ يَوْمِ الْفِطْرِ (مِنْ) قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم (اغْنُوهُمْ إلَى آخِرِهِ) أَيْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ كَمَا هُوَ لَفْظُ الْأَصْلِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي كُتُبِ مَشَايِخِنَا أَوْ عَنْ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ كَمَا فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ (فَبَعْدَهُ) أَيْ فَإِخْرَاجِهَا فِيمَا بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ (قَضَاءٌ وَوُجُوبُهُ) أَيْ الْمُطْلَقِ (عَلَى التَّرَاخِي أَيْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ) عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي يَلِي وَقْتَ وُرُودِ الْأَمْرِ لَا وُجُوبَ تَأْخِيرِهِ عَنْهُ (مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ فَوَاتُهُ) إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِإِتْيَانِهِ بِهِ فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَلِّيَهَا مِنْهُ (عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفِرَقِ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ (خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالُوا: وُجُوبُهُ عَلَى الْفَوْرِ (وَمَبْنَاهُ) أَيْ هَذَا الْخِلَافِ (أَنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ أَوْ لَا) وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ مُسْتَوْفَى ثَمَّةَ.
ثَانِيهُمَا وَاجِبٌ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَ (وَمُقَيَّدٌ بِهِ) أَيْ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ (يَفُوتُ) الْوَاجِبُ (بِهِ) أَيْ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ (وَهُوَ) أَيْ الْوَقْتُ الْمُقَيَّدُ بِهِ الْوَاجِبُ (بِالِاسْتِقْرَاءِ) أَقْسَامٌ (أَرْبَعَةٌ) : الْقِسْمُ (الْأَوَّلُ أَنْ يَفْضُلَ الْوَقْتُ عَنْ الْأَدَاءِ وَيُسَمَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ظَرْفًا اصْطِلَاحًا) مُوَافِقًا لِلُّغَةِ لِأَنَّهُ لُغَةُ مَا يَحِلُّ بِهِ الشَّيْءُ وَالْأَدَاءُ يَحِلُّ فِيهِ نَعَمْ تَخْصِيصُهُ بِهِ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ (وَمُوَسَّعًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ) أَيْ بِالْمُوَسَّعِ (سَمَّاهُ فِي الْكَشْفِ الصَّغِيرِ) أَيْ كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحُ الْمَنَارِ لِمُؤَلَّفِهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ بَلْ وَقَفْت عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ وَسَأَذْكُرُ سِيَاقَهُ فِيمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (كَوَقْتِ الصَّلَاةِ) الْمَكْتُوبَةِ لَهَا فَإِنَّهُ (سَبَبٌ مَحْضٌ عَلَامَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ) أَيْ وُجُوبِهَا فِيهِ (وَالنِّعَمُ) الْمُتَتَابِعَةُ عَلَى الْعِبَادِ فِيهِ هِيَ (الْعِلَّةُ) الْمُثِيرَةُ لِلْوُجُوبِ فِيهِ (بِالْحَقِيقَةِ) لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ لِوُجُوبِ الشُّكْرِ شَرْعًا وَعَقْلًا بِخِلَافِ نَفْسِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَإِنَّمَا جَعَلَ سَبَبًا مَجَازًا لِأَنَّهُ مَحِلّ حُدُوثِ النِّعَمِ فَأُقِيمَ مَقَامُهَا تَيْسِيرًا (وَشَرْطُ صِحَّةِ مُتَعَلِّقِهِ) أَيْ الْوُجُوبِ (مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ) أَيْ مُتَعَلِّقُهُ وَهُوَ الْمُؤَدَّى (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا قَالَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ (ظَرْفِيَّتُهُ لِلْمُؤَدَّى وَهُوَ) أَيْ الْمُؤَدَّى (الْفِعْلُ وَشَرْطِيَّتُهُ لِلْأَدَاءِ وَهُوَ) أَيْ الْأَدَاءُ (غَيْرُهُ) أَيْ الْفِعْلِ (غَلَطٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ الْمَفْعُولُ فِي الْوَقْتِ) كَالْهَيْئَةِ الْحَاصِلَة مِنْ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاةِ (هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَدَاءِ لَا أَدَاءِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الْفِعْلِ) وَهُوَ إخْرَاجُ الْفِعْلِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ (لِأَنَّهُ) أَيْ فِعْلَ الْفِعْلِ أَمْرٌ (اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ وَفِيهِ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ (مَسْأَلَةُ السَّبَبِ) لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَقْتِ عَيْنًا لِلسَّبَقِ وَالصَّلَاحِيَّةِ بِلَا مَانِعٍ وَعَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ) السَّبَبُ (هُوَ) أَيْ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَقْتِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ (فَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْأَدَاءُ انْتَقَلَتْ) السَّبَبِيَّةُ مِنْهُ (كَذَلِكَ) أَيْ كَمَا انْتَقَلَتْ مِنْ الْأَوَّلِ (إلَى مَا) أَيْ الْجُزْءِ الَّذِي بَعْدَهُ بِشَرْطِ أَنَّهُ (يَتَّصِلُ بِهِ) الْأَدَاءُ (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَا يَلِيهِ كَذَلِكَ حَتَّى الْجُزْءَ (الْأَخِيرَ وَعِنْدَ زُفَرَ) يَنْتَقِلُ مِنْ جُزْءٍ إلَى جُزْءٍ حَتَّى إلَى (مَا يَسَعُ مِنْهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْأَدَاءُ) هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ (وَبَعْدَ خُرُوجِهِ) السَّبَبِ (جُمْلَتُهُ اتِّفَاقًا) قُلْت وَيَطْرُقُهُ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَذَهَبَ أَبُو الْيُسْرِ إلَى أَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مُتَعَيِّنٌ لِلسَّبَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَافَ الْوُجُوبُ إلَى كُلِّ الْوَقْتِ بَعْدَ مُضِيِّهِ بِحَالٍ (فَتُؤَدَّى عَصْرُ يَوْمِهِ فِي) الْوَقْتِ (النَّاقِصِ) وَهُوَ وَقْتُ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ وَجَبَ نَاقِصًا لِأَنَّ نُقْصَانَ السَّبَبِ مُؤَثِّرٌ فِي نُقْصَانِ الْمُسَبَّبِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُؤَثِّرٌ فِي فَسَادِ الْمِلْكِ فَيَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ (لَا أَمْسَهُ) أَيْ وَلَمْ يَتَأَدَّ عَصْرُ أَمْسِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ النَّاقِصِ (لِأَنَّهُ) أَيْ سَبَبَ عَصْرِ أَمْسِهِ (نَاقِصٌ مِنْ وَجْهٍ) لِاشْتِمَالِ جُمْلَةِ الْوَقْتِ عَلَى الْوَقْتِ النَّاقِصِ فَالْوَاجِبُ بِهِ كَذَلِكَ (فَلَا يَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ)
أَيْ فِي الْوَقْتِ النَّاقِصِ (مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) لِأَنَّهُ دُونَهُ ذَكَرَ فِي مُخْتَلِفَاتِ الْقَاضِي الْغَيَّ (وَاعْتَرَضَ بِلُزُومِ صِحَّتِهِ) أَيْ عَصْرِ أَمْسِهِ (إذَا وَقَعَ بَعْضُهُ فِيهِ) أَيْ الْوَقْتِ النَّاقِصِ وَبَعْضُهُ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْوَقْتَ حِينَئِذٍ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ نَاقِصٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْوَاجِبِ لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ (فَعَدَلَ) عَنْ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ الْوَقْتَ الْكَامِلَ لَمَّا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النَّاقِصِ تَعَيَّنَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ كَامِلًا مَيْلًا (إلَى تَغْلِيبِ الصَّحِيحِ) الْأَكْثَرِ عَلَى الْفَاسِدِ الْأَقَلِّ (لِلْغَلَبَةِ) لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أَوْلَى (فَوَرَدَ مَنْ أَسْلَمَ وَنَحْوُهُ) كَمَنْ بَلَغَ وَمَنْ طَهُرَ مِنْ حَائِضٍ (فِي) الْوَقْتِ (النَّاقِصِ) فَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى مَضَى (لَا يَصِحُّ مِنْهُ) قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ (فِي نَاقِصٍ غَيْرِهِ) مِنْ الْأَوْقَاتِ النَّاقِصَةِ (مَعَ تَعَذُّرِ الْإِضَافَةِ) لِلسَّبَبِ (فِي حَقِّهِ إلَى الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْوَقْتِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمْ لِلْوُجُوبِ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّ الْقَضَاءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَجَبَ بِهَا الْأَدَاءُ لِتَقَرُّرِ تَعَيُّنِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ لِلسَّبَبِيَّةِ فِي حَقِّ مَنْ هَذَا حَالُهُ
(فَأُجِيبَ بِأَنَّ لَا رِوَايَةَ) فِي هَذَا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ (فَيَلْتَزِمُ الصِّحَّةَ) فِيهِ كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَعَزَاهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَدَمِهَا كَمَا هُوَ قَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْأَوْجُهُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّهُ لَا نَقْصَ فِي الْوَقْتِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَدَاءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّقْصَانَ لَازِمُ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ) الْأَخِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِعَبَدَةِ الشَّمْسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ (لَا الْجُزْءِ) لِلْوَقْتِ مُطْلَقًا مِمَّا عَدَا هَذَا الْجُزْءِ مِنْهُ لِانْتِفَاءِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ (فَتُحْمَلُ) النُّقْصَانُ فِي الْأَدَاءِ فِيهِ (لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ فِيهِ) بِسَبَبِ شَرَفِ الْوَقْتِ وَوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ (فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ) فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْحَالُ كَمَا قَالَ (وَلَا نَقَصَ) فِي الْوَقْتِ أَصْلًا (وَجَبَ الْكَامِلُ) فَلَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا مَعَ عَدَمِ الْجَابِرِ لَهُ (قَالُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ: (كَوْنُهُ) أَيْ السَّبَبِ الْجُزْءَ (الْأَوَّلَ يُوجِبُ كَوْنَ الْأَدَاءِ بَعْدَهُ) أَيْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْأَدَاءُ (قَضَاءً) كَمَا إذَا لَمْ يَتَّصِلْ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ (وَ) كَوْنُهُ (الْكُلُّ) أَيْ كُلُّ الْوَقْتِ (يُوجِبُهُ) أَيْ الْأَدَاءُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْوَقْتِ ضَرُورَةَ لُزُومِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ (وَهُمَا) أَيْ كَوْنُ الْأَدَاءِ بَعْدَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَقْتِ فِي الْوَقْتِ قَضَاءً وَإِيجَابُ الْفِعْلِ بَعْدَ الْوَقْتِ أَدَاءً (مُنْتَفِيَانِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِالتَّفْوِيتِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ وَأَمَّا الثَّانِي فَبِالْإِجْمَاعِ (قُلْنَا) : نَخْتَارُ الْأَوَّلَ ثُمَّ (الْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ) كَوْنُ الْأَدَاءِ بَعْدَهُ قَضَاءً (لَوْ لَمْ يَكُنْ) الْجُزْءُ الْأَوَّلُ (سَبَبًا لِلْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ) أَيْ كَوْنَهُ (عَلَامَةً عَلَى تَعَلُّقِ وُجُوبِ الْفِعْلِ مُخَيَّرًا فِي أَجْزَاءِ زَمَانٍ مُقَدَّرٍ يَقَعُ أَدَاءً فِي كُلٍّ مِنْهَا) أَيْ الْأَجْزَاءِ (كَالتَّخْيِيرِ فِي الْمَفْعُولِ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَجَمِيعُهُ) أَيْ الْوَقْتِ (وَقْتُ الْأَدَاءِ وَالسَّبَبُ الْجُزْءُ السَّابِقُ) وَهَذَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الثَّلْجِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَنَصَّ السَّرَخْسِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَتَعْلَمُ فَلَا جَرَمَ أَنْ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ
(وَلَا تَنْعَكِسُ الْفُرُوعُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا السَّبَبُ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عَيْنًا لَا تَنْعَكِسُ الْفُرُوعُ الْمَذْهَبِيَّةُ بَلْ يَسْتَمِرُّ قَوْلُنَا إنَّ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ إلَخْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَلْزَمُ الْأَدَاءَ فِيهِ نُقْصَانُ الْمُؤَدَّى لَا يَصِحُّ أَدَاءُ عَصْرِهِ فِي مِثْلِهِ مِنْ يَوْمٍ غَيْرِهِ لِأَنَّ مَا يَجِبُ دَائِمًا كَامِلٌ إذْ لَا نَقْصَ فِي الْوَقْتِ كَمَا حُقِّقَ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ فِيهِ نَقْصٌ إلَّا عَصْرُ يَوْمِهِ كَمَا قُلْنَا (وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ) أَيْ الْمَفْعُولَ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ (قَضَاءً بَعْدُهُ) أَيْ بَعْدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ وَفِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ (وَ) عَنْ (بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ) أَيْ السَّبَبَ الْجُزْءُ (الْأَخِيرُ فَفِيمَا قَبْلَهُ) أَيْ فَالْفِعْلُ قَبْلَ الْأَخِيرِ (نَفْلٌ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ لَيْسَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ) أَيْ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّ الْمَعْزُوَّ إلَى بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَ صَحِيحًا عَنْهُمْ قُلْت: وَيُعَكِّرُهُ مَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ الرَّازِيّ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا عَنْ الثَّلْجِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْوُجُوبَ فِي مِثْلِهِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ فَإِنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ: إنَّ مَا فَعَلَهُ
فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ نَفْلٌ يَمْنَعُ لُزُومَ الْفَرْضِ فِي آخِرِهِ وَقَالَتْ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى مِنْ أَصْحَابِنَا: مَا فَعَلَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُرَاعَى فَإِنْ لَحِقَ آخِرَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِهَا كَانَ مَا أَدَّاهُ فَرْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ بِهَا كَانَ الْمَفْعُولُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ نَفْلًا اهـ مُخْتَصَرًا وَنَصَّ فِي الْكَشْفَيْنِ عَلَى أَنَّ هَذَيْنِ قَوْلَانِ لِمَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا عَنْ الْكَرْخِيِّ مُوَافَقَةً لِابْنِ الْحَاجِبِ وَصَاحِبِ الْبَدِيعِ فَقَالَ (وَإِنَّمَا عَنْ الْكَرْخِيِّ إذَا لَمْ يَبْقَ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ (بِأَنْ يَمُوتَ أَوْ يُجَنَّ كَانَ) ذَلِكَ الْمَفْعُولُ (نَفْلًا) وَفِي الْمِيزَانِ عَنْ الْكَرْخِيِّ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهَا هَذَا وَالثَّانِيَةُ مَا قَبْلَهُ قَالَ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَهْجُورَةٌ
وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَصَّاصِ عَنْهُ أَنَّ الْوَقْتَ كُلَّهُ وَقْتُ الْفَرْضِ وَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فِي وَقْتٍ مُطْلَقٍ مِنْ جَمِيعِ الْوَقْتِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْوُجُوبُ بِالْأَدَاءِ أَوْ بِتَضْيِيقِ الْوَقْتِ فَإِنْ أَدَّى فِي أَوَّلِهِ يَكُونُ وَاجِبًا وَإِنْ أَخَّرَ لَا يَأْثَمُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ قَبْلَ التَّعْيِينِ وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يُؤَدَّى فِيهِ يَتَعَيَّنُ الْوُجُوبُ حَتَّى يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا (وَالْكُلُّ) مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلٌ (بِلَا مُوجِبٍ) وَتَشَبَّثَ كُلٌّ مِمَّنْ يُعَلِّقُهُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَا غَيْرَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَقَّتَ لَا يَنْتَظِرُ لِوُجُوبِهِ بَعْدَ وُجُودِ شَرَائِطِهِ سِوَى دُخُولِ الْوَقْتِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مَعَ أَسْبَابِهَا وَإِذَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَهُ لِامْتِنَاعِ التَّوَسُّعِ فِي الْوُجُوبِ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْوَاجِبَ مَا لَا يَسَعَ تَرْكُهُ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَالتَّوَسُّعُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ يُعَلِّقُهُ بِآخِرِ الْوَقْتِ بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ التَّأْخِيرُ إلَى التَّضَيُّقِ وَامْتَنَعَ التَّوَسُّعُ كَانَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِآخِرِهِ وَإِنَّ مَا قَبْلَهُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْإِيجَابِ وَبِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَاضَتْ فِي آخَرِ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ تَكُنْ صَلَّتْهَا وَأَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي آخَرِ الْوَقْتِ يَقْصُرُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا وَالْفُقَهَاءُ مِنْ أَنَّهَا لَوْ طَهُرَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَزِمَتْهَا وَأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَقَامَ فِي آخِرِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ يُتِمُّهَا ثُمَّ الْمُؤَدَّى إمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْلًا كَمَا قَالَ الْبَعْضُ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّرْكِ فِي أَوَّلِهِ لَا إلَى بَدَلٍ وَأَثِمَ وَهَذَا حَدُّ النَّفْلِ إلَّا أَنَّ بِأَدَائِهِ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ إظْهَارُ فَضْلِ الْوَقْتِ فَيُمْنَعُ لُزُومُهُ الْفَرْضَ كَمُحْدِثٍ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ يَقَعُ نَفْلًا وَمَعَ هَذَا يُمْنَعُ لُزُومُ فَرْضِ الْوَقْتِ بَعْدَ دُخُولِهِ
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا كَمَا قَالَ الْبَعْضُ كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ لِلْمُصَدِّقِ كَشَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً فَإِنَّهُ إنْ تَمَّ الْحَوْلُ وَعِنْدَهُ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمُصَدِّقِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً تَشَبُّثٌ سَاقِطٌ فَإِنَّ النُّصُوصَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78]«وَقَوْلِ جِبْرِيلَ عليه السلام فِي حَدِيثِ الْإِمَامَةِ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا أَيْ لِوَقْتِهَا وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ الْعَصْرُ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَطْبِيقَ الصَّلَاةِ عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَلَا فِعْلِهَا فِي كُلِّ جُزْءٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ أُرِيدَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ صَالِحٌ لِلْأَدَاءِ وَالْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ فِيهِ فَثَبَتَ التَّوَسُّعُ شَرْعًا ضَرُورَةً لِامْتِنَاعِ قِسْمٍ آخَرَ وَلَيْسَ هُوَ مَعَ الْوُجُوبِ بِمُمْتَنِعٍ عَقْلًا فَإِنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْيَوْمِ إمَّا فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ صَحِيحٌ عَقْلًا وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقَالَ مَا أَوْجَبَ شَيْئًا أَوْ أَوْجَبَ مَضِيقًا وَهُمَا مُحَالَانِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَوْجَبَ مُوَسَّعًا.
ثُمَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ طَهُرَتْ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ الْبَاقِي مِنْهُ مَا يَسَعُهَا وَلَوْ كَانَ الْوُجُوبُ مُعَلَّقًا بِأَوَّلِهِ لَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ فَوَاتِ أَوَّلِهِ كَمَا لَوْ فَاتَ جَمِيعُ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْفَرْضِ لَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَلَا بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَلَوْ كَانَ نَفْلًا كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ لَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَوْ مَوْقُوفًا كَمَا زَعَمَ آخَرُونَ لَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَلَاسْتَوَتْ فِيهِ نِيَّةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَفِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَقَوْلُهُمْ وُجِدَ فِي