المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الهزل من عوارض الأهلية المكتسبة] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ٢

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَسْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لِأَهْلِ الشَّرْعِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمَوْضُوعَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وُقُوع الْمَجَازُ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنِ الْمَجَازِ نَقْلِيًّا]

- ‌[مَسْأَلَة كَوْنُ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ]

- ‌[مَسْأَلَة يَعُمُّ الْمَجَازُ فِيمَا تَجُوزُ بِهِ فِيهِ]

- ‌[مَسْأَلَة اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ]

- ‌[مَسْأَلَة الْمَجَازِ خُلْفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ]

- ‌[مَسْأَلَة خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ عَنْ الْحَقِيقَةِ]

- ‌[مَسْأَلَة يَلْزَمُ الْمَجَازُ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَة الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ]

- ‌[مَسَائِلُ الْحُرُوفِ جَرَى فِيهَا الِاسْتِعَارَةُ تَبَعًا كَالْمُشْتَقِّ فِعْلًا وَوَصْفً]

- ‌[مَسْأَلَة الْوَاوُ إذَا عَطَفْتَ جُمْلَةً تَامَّةً]

- ‌[مَسْأَلَة الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَة اسْتِعَارَة ثُمَّ لِمَعْنَى الْفَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَة تُسْتَعَارُ ثُمَّ لِمَعْنَى الْوَاوِ]

- ‌[مَسْأَلَة بَلْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِلْإِضْرَابِ]

- ‌[مَسْأَلَة لَكِنْ لِلِاسْتِدْرَاكِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَوْ قَبْلَ مُفْرَدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تُسْتَعَارُ أَوْ لِلْغَايَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَسْأَلَةٌ حَتَّى جَارَّةٌ وَعَاطِفَةٌ]

- ‌[حُرُوفُ الْجَرِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْبَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ حُرُوف الْجَرّ مِنْ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إلَى لِلْغَايَةِ حُرُوف الْجَرّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ فِي لِلظَّرْفِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إذَا لِزَمَانِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَوْ لِلتَّعْلِيقِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ كَيْفَ أَصْلُهَا سُؤَالٌ]

- ‌[مَسْأَلَةُ قَبْلُ وَبَعْدُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ عِنْدَ لِلْحَضْرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ غَيْرُ اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ فِي الْإِبْهَامِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَحْوَالِ الْمَوْضُوعِ]

- ‌[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَحْكَامِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْحُكْمِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا تَكْلِيفَ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا إلَّا بِفِعْلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقُدْرَةُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ أَيْ تَعَلُّقُهُ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِشَيْءٍ لَيْسَ شَرْطًا لِلتَّكْلِيفِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْحَاكِمِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ]

- ‌[مَسْأَلَة الواجب بِالسَّبَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَثْبُتُ السَّبَبِيَّةُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْوَاجِبِ الْبَدَنِيِّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَدَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَيَّدِ بِهِ شَرْعًا]

- ‌[تَذْنِيبٌ لِهَذَا الْبَحْثِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَكُونُ الْوَقْتِ فِيهِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْوَقْتِ الْمُقَيَّدِ بِهِ الْوَاجِبُ وَقْتٌ هُوَ مِعْيَارٌ لَا سَبَبٌ]

- ‌[الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَقْتٌ ذُو شَبَهَيْنِ بِالْمِعْيَارِ وَالظَّرْفِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَا يَجِبُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَحْرِيمُ أَحَدِ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْمَنْدُوبِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ نَفْيِ الْكَعْبِيِّ الْمُبَاحَ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ]

- ‌[تَقْسِيمٌ لِلْحَنَفِيَّةِ الْحُكْمُ إمَّا رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ]

- ‌[تَتِمَّةٌ الصِّحَّةُ تَرَتُّبُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْفِعْلِ عَلَيْهِ]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَانِعُو تَكْلِيفِ الْمُحَالِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ فَهْمُهُ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِعَقْدِهِ فِي الْأَهْلِيَّةِ أَهْلِيَّةُ الْإِنْسَانِ]

- ‌[الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ وُجُوبٌ وَأَدَاءٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النَّوْع الْأَوَّل الْعَوَارِض السَّمَاوِيَّة]

- ‌[الصِّغَرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْجُنُونُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَتَهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النِّسْيَانُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النَّوْمُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْإِغْمَاءُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الرِّقُّ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْمَرَضُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْحَيْضُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْمَوْتُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النَّوْع الثَّانِي عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[السُّكْرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[الْهَزْلُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[السَّفَهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسِبَة]

- ‌[السَّفَرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[الْخَطَأُ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي مِنْ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ هَلْ هِيَ حُجَّةٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَشْتَمِلُ الْقُرْآنُ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ السَّبْعَةِ هَلْ يَجِبُ تَوَاتُرُهَا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]

- ‌[الْبَابُ الثَّالِثُ السُّنَّةُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَجْهُولُ الْحَالِ هَلْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الشُّهْرَةَ لِلرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ]

- ‌[تَنْبِيهٌ حَدِيثُ الضَّعِيفِ لِلْفِسْقِ لَا يَرْتَقِي بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ]

- ‌[رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ الْمَجْهُولِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ يَثْبُتَانِ بِوَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ وَبِاثْنَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ إلَّا مُبَيَّنًا سَبَبُهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْعَدْلُ أَنَا صَحَابِيٌّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ عليه السلام حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ خَبَرًا بِحَضْرَتِهِ عليه السلام فَلَمْ يُنْكِرْ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ عَلَيْهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حَمْلُ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُشْتَرَكَ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حَذْفُ بَعْضِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَذْكُورِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِقَرَائِنِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أُجْمِعَ عَلَى حُكْمٍ يُوَافِقُ خَبَرًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْعَدْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْوَاحِدُ فِي الْحَدِّ مَقْبُولٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ تَعْرِيفُهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَكْذَبَ الْأَصْلَ أَيْ الشَّيْخُ الْفَرْعُ أَيْ الرَّاوِي عَنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْفَرَدَ الثِّقَةُ مِنْ بَيْنِ ثِقَاتٍ رَوَوْا حَدِيثًا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْفَرَدَ مُخْبِرٌ بِمَا شَارَكَهُ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ خَلْق كَثِيرٌ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَعَارَضَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ فِي أَفْعَالِهِ الْجِبِلِّيَّةِ الصَّادِرَةِ بِمُقْتَضَى طَبِيعَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه علية وَسَلَّمَ بِفِعْلٍ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه علية وَسَلَّمَ قَبْلَ بَعْثِهِ مُتَعَبِّدٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الرَّأْيُ]

الفصل: ‌[الهزل من عوارض الأهلية المكتسبة]

فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ مُسْتَقِيمًا فَلَيْسَ بِسَكْرَانَ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصُّحَاةِ فِي إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ فِي الْعُرْفِ مَنْ اخْتَلَطَ جِدُّهُ بِهَزْلِهِ فَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَى شَيْءٍ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارُوهُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ إذَا كَانَ يَهْذِي سُمِّيَ سَكْرَانًا وَتَأَيَّدَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَإِذَا سَكِرَ هَذَى رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ أَنْ لَا يُمَيِّزَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَلَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ إذْ لَوْ مَيَّزَ) بَيْنَهَا (فَفِيهِ) أَيْ سُكْرِهِ (نُقْصَانٌ وَهُوَ) أَيْ نُقْصَانُهُ (شُبْهَةُ الْعَدَمِ) أَيْ عَدَمِ السُّكْرِ وَهُوَ الصَّحْوُ (فَيَنْدَرِئُ) الْحَدُّ (بِهِ) أَيْ بِهَذَا النُّقْصَانِ (وَأَمَّا) حَدُّ السُّكْرِ عِنْدَهُ (فِي غَيْرِ وُجُوبِ الْحَدِّ مِنْ الْأَحْكَامِ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْده أَيْضًا اخْتِلَاطُ الْكَلَامِ حَتَّى لَا يَرْتَدَّ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ اخْتِلَاطِ الْكَلَامِ (وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ بِمَا يُوجِبُ) الْحَدَّ عِنْدَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنَّمَا اخْتَارُوا لِلْفَتْوَى قَوْلَهُمَا لِضَعْفِ وَجْهِ قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ قَالَ يُؤْخَذُ فِي أَسْبَابِ الْحُدُودِ بِأَقْصَاهَا فَقَدْ سَلَّمَ أَنَّ السُّكْرَ يَتَحَقَّقُ قَبْلَ الْحَالَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا وَأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ هِيَ سُكْرٌ. وَالْحَدُّ إنَّمَا أُنِيطَ فِي الدَّلِيلِ الَّذِي أَثْبَتَ حَدَّ السُّكْرِ بِمَا يُسَمَّى سُكْرًا لَا بِالْمَرْتَبَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي ذَكَرَ قَلَّمَا يَصِلُ إلَيْهَا سَكْرَانُ فَيُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْحَدِّ بِالسُّكْرِ هَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ اخْتِلَاطَ الْكَلَامِ أَوْ عَدَمَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ نَفْسُ السُّكْرِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ مَعْنَى يُزِيلُ الْعَقْلَ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ مُزِيلٍ لَهُ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ السُّكْرُ جُنُونًا وَقِيلَ غَفْلَةً تَعْرِضُ لِغَلَبَةِ السُّرُورِ عَلَى الْعَقْلِ بِمُبَاشَرَةِ مَا يُوجِبُهَا قَالَ الْفَاضِلُ الْقَاآنِيُّ فَتَخْرُجُ الْغَفْلَةُ الَّتِي لَا تُوجِبُ السُّرُورَ كَاَلَّتِي مِنْ شُرْبِ الْأَفْيُونِ وَالْبَنْجِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْجُنُونِ لَا مِنْ السُّكْرِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا فِي الشَّرْعِ أُلْحِقَتْ بِهِ وَلَا يَعْرَى عَنْ نَظَرٍ وَفِي التَّلْوِيحِ، وَهِيَ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ امْتِلَاءِ دِمَاغِهِ مِنْ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ إلَيْهِ فَيَتَعَطَّلُ مَعَهُ عَقْلُهُ الْمُمَيِّزُ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ اهـ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ الْمُمَيِّزُ إلَخْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَ.

[الْهَزْلُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

(وَمِنْهَا) أَيْ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ نَفْسِهِ (الْهَزْلُ) وَهُوَ لُغَةً اللَّعِبُ وَاصْطِلَاحًا (أَنْ لَا يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَلَا الْمَجَازِيُّ) لِلَّفْظِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُمَا وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ إرَادَتُهُ مِنْهُ (ضِدُّهُ الْجِدُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْمَجَازِيُّ لَهُ (وَمَا يَقَعُ) الْهَزْلُ (فِيهِ) مِنْ الْأَقْسَامِ (إنْشَاءَاتٌ فَرِضَاهُ) أَيْ الْهَازِلِ (بِالْمُبَاشَرَةِ) أَيْ بِالتَّكَلُّمِ بِصِيَغِهَا (لَا بِحُكْمِهَا) أَيْ لَا بِثُبُوتِ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا الْمَوْضُوعَةِ لَهُ (أَوْ إخْبَارَاتٌ أَوْ اعْتِقَادَاتٌ) ؛ لِأَنَّ مَا يَقَعُ الْهَزْلُ فِيهِ إنْ كَانَ إحْدَاثَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْشَاءٌ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ إلَى بَيَانِ الْوَاقِعِ فَإِخْبَارٌ وَإِلَّا فَاعْتِقَادٌ (وَالْأَوَّلُ) أَيْ الْإِنْشَاءُ (إحْدَاثُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَيْ) إحْدَاثُ (تَعَلُّقِهِ) وَإِلَّا فَنَفْسُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ قَدِيمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْهَزْلُ فِيهِ إمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ وَإِمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ (فَإِمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ) أَيْ الْفَسْخَ وَالْإِقَالَةَ (كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِمَّا أَنْ يَتَوَاضَعَا فِي أَصْلِهِ) أَيْ تَجْرِي الْمُوَاضَعَةُ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ (عَلَى التَّكَلُّمِ بِهِ) أَيْ بِلَفْظِ الْعَقْدِ (غَيْرَ مُرِيدِينَ حُكْمَهُ) أَيْ الْعَقْدِ (أَوْ) يَتَوَاضَعَا (عَلَى قَدْرِ الْعِوَضِ أَوْ) يَتَوَاضَعَا عَلَى (جِنْسِهِ) أَيْ الْعِوَضِ (فَفِي الْأَوَّلِ) أَيْ تَوَاضُعِهِمَا فِي أَصْلِهِ (إنْ اتَّفَقَا بَعْدَهُ) أَيْ الْعَقْدِ (عَلَى الْإِعْرَاضِ عِنْدَهُ) أَيْ الْعَقْدِ (إلَى الْجِدِّ) بِأَنْ قَالَا بَعْدَ الْبَيْعِ قَدْ أَعْرَضْنَا وَقْتَ الْبَيْعِ عَنْ الْهَزْلِ وَبِعْنَا بِطَرِيقِ الْجِدِّ (لَزِمَ الْبَيْعُ) وَبَطَلَ الْهَزْلُ بِقَصْدِهِمَا الْجِدَّ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلرَّفْعِ وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ يَقْبَلُ الرَّفْعَ بِالْإِقَالَةِ فَهَذَا أَوْلَى فَهَذِهِ أُولَى صُوَرِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ) اتَّفَقَا (عَلَى الْبِنَاءِ) لِلْعَقْدِ (عَلَيْهِ) أَيْ التَّوَاضُعِ (فَكَشَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ صَارَ الْعَقْدُ كَالْعَقْدِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ (لَهُمَا) أَيْ لِلْعَاقِدَيْنِ (مُؤَبَّدًا إذَا رَضِيَا) فِيهِ (بِالْمُبَاشَرَةِ فَقَطْ) أَيْ لَا بِالْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ أَيْضًا كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (فَيَفْسُدُ) الْعَقْدُ فِيهِ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ (وَلَا يَمْلِكُ) الْمَبِيعَ فِيهِ (بِالْقَبْضِ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ) كَذَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُ وَفِي التَّلْوِيحِ لَوْ قَالَ لِعَدَمِ اخْتِيَارِ الْحُكْمِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْمَانِعُ عَنْ الْمِلْكِ لَا عَدَمِ الرِّضَا.

ص: 194

كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ لِوُجُودِ الِاخْتِيَارِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الرِّضَا إذْ الِاخْتِيَارُ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ وَإِرَادَتُهُ وَالرِّضَا إيثَارُهُ وَاسْتِحْسَانُهُ فَالْمُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ يَخْتَارُهُ وَلَا يَرْضَاهُ وَمِنْ هُنَا قَالُوا الْمَعَاصِي وَالْقَبَائِحُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ هَذَا حَيْثُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ بِالْقَبْضِ لِوُجُودِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ (فَإِنْ نَقَضَهُ) أَيْ الْعَقْدَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (أَحَدُهُمَا) أَيْ الْعَاقِدَيْنِ (انْتَقَضَ) ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا النَّقْضُ فَيَنْفَرِدُ بِهِ (لَا إنْ أَجَازَهُ) أَيْ أَحَدُهُمَا الْعَقْدَ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَارَتِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ لَهُمَا فَإِجَازَةُ أَحَدِهِمَا لَا تُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْآخَرِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ أَجَازَاهُ) أَيْ الْعَاقِدَانِ الْعَقْدَ (جَازَ بِقَيْدِ الثَّلَاثَةِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ إجَازَتُهُمَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدِ عِنْدَهُ لِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ لَا فِيمَا بَعْدَهَا لِتَقَرُّرِ الْفَسَادِ بِمُضِيِّهَا (وَمُطْلَقًا) أَيْ وَجَازَ إذَا أَجَازَاهُ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ النَّقْضُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْخِيَارِ الْمُؤَبَّدُ عِنْدَهُمَا فَهَذِهِ ثَانِيَةُ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ) اتَّفَقَا عَلَى (إنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا) أَيْ لَمْ يَقَعْ بِخَاطِرِهِمَا وَقْتَ الْعَقْدِ (شَيْءٌ) أَيْ لَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَلَا الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَهَذِهِ ثَالِثَةُ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ) عَنْ الْمُوَاضَعَةِ (وَالْبِنَاءِ) عَلَيْهَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا بَنَيْنَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ.

وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ أَعْرَضْنَا عَنْهَا بِالْجِدِّ وَهَذِهِ رَابِعَةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا وَفِيمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ (صَحَّ الْعَقْدُ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا (عَمَلًا بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعَقْدِ) الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ حَتَّى يَقُومَ الْمُعَارِضُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمِلْكِ وَالْجِدُّ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ الْعَمَلُ بِالْأَصْلِ فِيهِ (أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ) ؛ لِأَنَّهَا عَارِضٌ لَمْ تُنَوِّرْ دَعْوَى مُدَّعِيهَا بِالْبَيَانِ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ كَمَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (وَلَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ فِيهِمَا (عِنْدَهُمَا لِعَادَةِ الْبِنَاءِ) أَيْ لِاعْتِيَادِ بِنَائِهِمَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ (وَكَيْ لَا تَلْغُوَ الْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ) أَيْ يَكُونُ الِاشْتِغَالُ بِهَا عَبَثًا (وَالْمَقْصُودُ) مِنْهَا (وَهُوَ صَوْنُ الْمَالِ عَنْ الْمُتَغَلِّبِ فَهُوَ) أَيْ الْبِنَاءُ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (الظَّاهِرُ وَدُفِعَ بِأَنَّ) الْعَقْدَ (الْآخَرَ) وَهُوَ الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْضُرَهُمَا شَيْءٌ (نَاسِخٌ) لِلْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ لِخُلُوِّهِ عَنْهَا مَعَ أَنَّ عَقْلَ الْعَاقِدَيْنِ وَدِينَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُفْسِدُهُ مِنْ التَّنْصِيصِ عَلَى الْفَسَادِ كَمَا فِي صُوَرِ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْلِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ تَرْجِيحًا لِقَوْلِهِمَا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ (وَقَدْ يُقَالُ هُوَ) أَيْ كَوْنُ الْآخَرِ نَاسِخًا لِلْمُوَاضَعَةِ (فَرْعُ الرِّضَا) بِهِ (إذْ مُجَرَّدُ صُورَةِ الْعَقْلِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ رَفْعَ مَا سَبَقَ (إلَّا بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الرِّضَا بِهِ (وَفُرِضَ عَدَمُ إرَادَةِ شَيْءٍ) فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ (فَيُصْرَفُ) الْعَقْدُ (إلَى مُوَافَقَةِ) التَّوَاضُعِ (الْأَوَّلِ وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا) فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ (أَعْرَضَ لَا يُوجِبُ صِحَّتَهُ) أَيْ الْعَقْدِ.

(إذْ لَا يَقُومُ الْعَقْدُ إلَّا بِرِضَاهُمَا وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَعْرَضْت) عِنْدَ الْعَقْدِ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ (وَالْآخَرُ لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ) وَهَذِهِ صُورَةٌ خَامِسَةٌ (أَوْ بَنَى أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ يَحْضُرْنِي) شَيْءٌ وَهَذِهِ صُورَةٌ سَادِسَةٌ (فَعَلَى أَصْلِهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْإِعْرَاضِ) عَمَلًا بِالْعَقْدِ فَيَصِحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ (وَهُمَا) يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِمَا أَنْ يَكُونَا قَائِلِينَ بِأَنَّهُ (كَالْبِنَاءِ) تَرْجِيحًا لِلْمُوَاضَعَةِ بِالْعَادَةِ وَالسَّبْقِ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا وَفِي التَّلْوِيحِ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ صُورَةِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْرَاضِ وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ اهـ وَتُعَقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ جِهَةُ الصِّحَّةِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ عَلَى أَصْلِهِ لِاجْتِمَاعِ الْمُصَحِّحِ وَالْمُفْسِدِ وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُفْسِدِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَمَسُّكَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَقْدِ الصِّحَّةُ وَهُمَا) أَيْ تَمَسُّكُهُمَا (بِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي دَعْوَى الْإِعْرَاضِ أَوْ الْبِنَاءِ وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الِاخْتِلَافِ بِأَنْ يُقِرَّا بِإِعْرَاضِ أَحَدِهِمَا وَبِنَاءِ الْآخَرِ فَلَا قَائِلَ بِالصِّحَّةِ) بَلْ الِاتِّفَاقُ حِينَئِذٍ عَلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ (وَمَجْمُوعُ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ

ص: 195

وَالِاخْتِلَافِ) فِي ادِّعَاءِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى إعْرَاضِهِمَا أَوْ بِنَائِهِمَا أَوْ ذُهُولِهِمَا أَوْ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا وَإِعْرَاضِ الْآخَرِ أَوْ) بِنَاءِ أَحَدِهِمَا (وَذُهُولِهِ) أَيْ الْآخَرِ (أَوْ إعْرَاضِ أَحَدِهِمَا وَذُهُولِ الْآخَرِ سِتَّةٌ وَالِاخْتِلَافُ دَعْوَى أَحَدِهِمَا إعْرَاضَهُمَا وَبِنَاءَهُمَا وَذُهُولَهُمَا وَبِنَاءَهُ مَعَ إعْرَاضِ الْآخَرِ أَوْ) بِنَاءَهُ مَعَ (ذُهُولِهِ) أَيْ الْآخَرِ (وَإِعْرَاضَهُ مَعَ بِنَاءِ الْآخَرِ أَوْ) إعْرَاضَهُ (مَعَ ذُهُولِهِ) أَيْ الْآخَرِ (وَذُهُولَهُ مَعَ بِنَاءِ الْآخَرِ أَوْ) ذُهُولَهُ مَعَ (إعْرَاضِهِ) أَيْ الْآخَرِ (تِسْعَةٌ وَكُلٌّ) مِنْ هَذِهِ التَّقَادِيرِ التِّسْعَةِ تَكُونُ (مَعَ دَعْوَى الْآخَرِ إحْدَى الثَّمَانِيَةِ الْبَاقِيَةِ) مِنْهَا.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (تَمَّتْ) صُوَرُ الِاخْتِلَافِ (ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ) حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ التِّسْعَةِ فِي الثَّمَانِيَةِ (وَسِتَّةُ الِاتِّفَاقِ) أَيْ وَسِتَّةُ أَقْسَامِ الِاتِّفَاقِ تُضَمُّ إلَيْهَا فَتَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ قِيلَ وَالْحَقُّ أَنْ تُجْعَلَ صُوَرُ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ سِتًّا وَثَلَاثُونَ إنْ أَرَادَ بِأَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِحْدَى وَثَمَانِينَ إنْ أَرَادَ بِهِ مُعَيَّنًا فَحِينَئِذٍ صُوَرُ الِاتِّفَاقِ تِسْعٌ وَصُوَرُ الِاخْتِلَافِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ التِّسْعَةِ فِي الثَّمَانِيَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُسْتَخْرَجْ لِكُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ

(وَإِمَّا) أَنْ يَتَوَاضَعَا (فِي قَدْرِ الْعِوَضِ بِأَنْ تَوَاضَعَا) عَلَى الْبَيْعِ (بِأَلْفَيْنِ وَالثَّمَنُ أَلْفٌ فَهُمَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (يَعْمَلَانِ) فِي التَّقَادِيرِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ وَعَلَى الْإِعْرَاضِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنْهُمَا وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ (بِالْمُوَاضَعَةِ إلَّا فِي إعْرَاضِهِمَا) عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يَعْمَلَانِ بِالْإِعْرَاضِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ أَلْفَيْنِ وَهَذَا أَيْضًا رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (وَهُوَ) أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَصَحِّ عَنْهُ يَعْمَلُ (بِالْعَقْدِ) فَيَقُولُ بِصِحَّتِهِ بِأَلْفَيْنِ (فِي الْكُلِّ وَالْفَرْقُ لَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ (بَيْنَ الْبِنَاءِ هُنَا وَثَمَّةَ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوَاضَعَةُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ حَيْثُ قَالَ بِفَسَادِهِ فِي بِنَائِهِمَا كَمَا قَالَا (أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ) هُنَا (تَجْعَلُ قَبُولَ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ شَرْطًا لِقَبُولِ الْبَيْعِ بِالْأَلْفِ) الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْأَلْفَيْنِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَقْدِ حِينَئِذٍ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَجِبَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْهَزْلِ فِي مَنْعِ الْوُجُوبِ لَا فِي الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِهِمَا (فَيَفْسُدُ) الْبَيْعُ «لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ (فَالْحَاصِلُ التَّنَافِي بَيْنَ تَصْحِيحِهِ) أَيْ الْعَقْدِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْجِدِّ فِيهِ (وَاعْتِبَارُ الْمُوَاضَعَةِ) فِي الثَّمَنِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْهَزْلِ فِيهِ (تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ) وَهُوَ الْمَبِيعُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ جَادٌّ فِيهِ عَلَى الْوَصْفِ وَهُوَ الثَّمَنُ إذْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَبِيعِ لَا مَقْصُودٌ وَإِلَّا لَزِمَ إهْدَارُ الْأَصْلِ لِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَهُوَ بَاطِلٌ.

(فَيَنْتَفِي الثَّانِي) أَيْ اعْتِبَارُ الْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا ثَمَّةَ مُعَارِضٌ يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِهَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا اتِّفَاقًا (وَإِمَّا) أَنْ يَتَوَاضَعَا (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الثَّمَنِ بِأَنْ يَتَّفِقَا فِي إظْهَارِ الْعَقْدِ بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا يَكُونُ الثَّمَنُ فِي الْوَاقِعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ (فَالْعَمَلُ بِالْعَقْدِ اتِّفَاقًا فِي الْكُلِّ) مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَعَلَى الْبِنَاءِ وَعَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنْهُمَا وَمِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ (وَالْفَرْقُ لَهُمَا) بَيْنَ الْهَزْلِ فِي الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ حَيْثُ قَالَا فِي الْقَدْرِ يُعْمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِي الْبِنَاءِ وَفِي الْجِنْسِ يُعْمَلُ بِالْعَقْدِ فِيهِ (أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ مَعَ الصِّحَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ هُنَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُعْدَمُ لِعَدَمِ تَسْمِيَةِ بَدَلٍ) فِيهِ إذْ هِيَ رُكْنٌ فِيهِ (وَبِاعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ يَكُونُ) الْبَدَلُ (أَلْفًا وَلَيْسَ) الْأَلْفُ (مَذْكُورًا فِي الْعَقْدِ بَلْ) الْمَذْكُورُ فِيهِ (مِائَةُ دِينَارٍ، وَهِيَ غَيْرُ الثَّمَنِ) فَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الصِّحَّةِ مَعَ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنْ قِيلَ دَعْهُ لَا تَجْتَمِعُ مَعَ الصِّحَّةِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا أَوْجَبَا الْمُوَاضَعَةَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ فِي الْأَصْلِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُوَاضَعَةِ لَيْسَ إلَّا لِتَحْقِيقِ غَرَضِهِمَا مِنْهَا وَغَرَضُهُمَا مِنْهَا فِي الْأَصْلِ أَنْ لَا يَصِحَّ كَيْ لَا يَخْرُجَ الْمَبِيعُ مِنْ مِلْكِهِ وَغَرَضُهُمَا مِنْهَا فِي الْبَدَلِ لَيْسَ إلَّا صِحَّةَ الْعَقْدِ مَعَ الْبَدَلِ الْمُتَوَاضِعِ عَلَيْهِ فَالْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ هُوَ التَّصْحِيحُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْجِنْسِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِخِلَافِهَا) أَيْ

ص: 196

الْمُوَاضَعَةِ (فِي الْقَدْرِ يُمْكِنُ التَّصْحِيحُ مَعَ اعْتِبَارِهَا) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ.

(فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالْأَلْفِ الْكَائِنَةِ فِي ضِمْنِ الْأَلْفَيْنِ) إذْ الْأَلْفُ مَوْجُودَةٌ فِي الْأَلْفَيْنِ فَتَكُونُ مَذْكُورَةً فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ ثَمَنًا وَلَمَّا كَانَ مِنْ وَجْهِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْعَمَلِ بِالْعَقْدِ مُطْلَقًا فِيمَا إذَا تَوَاضَعَا فِي الْقَدْرِ أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ لُزُومَ شَرْطٍ فَاسِدٍ فِيهَا وَهُوَ مُفْسِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمَا مُحْتَاجَانِ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ قِيلَ فِيهِ (وَالْهَزْلُ بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى) وَإِنْ كَانَ شَرْطًا مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ لَكِنَّهُ (شَرْطٌ لَا طَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ ثَمَنِيَّتِهِ) فَلَا يَطْلُبُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَإِنْ ذَكَرَاهُ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ (وَلَا يَفْسُدُ) الْعَقْدُ بِهِ إذْ كُلُّ شَرْطٍ لَا طَالِبَ لَهُ مِنْ الْعِبَادِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ (كَشَرْطِ أَنْ لَا يَعْلِفَ الدَّابَّةَ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ الْجَوَابَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشَّرْطَ فِي مَسْأَلَتِنَا وَقَعَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الطَّالِبُ لَكِنْ لَا يُطَالَبُ بِهِ لِلْمُوَاضَعَةِ وَعَدَمُ الطَّلَبِ بِوَاسِطَةِ الرِّضَا لَا يُفِيدُ الصِّحَّةَ كَالرِّضَا بِالرِّبَا اهـ وَأَيْضًا الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ فِيهَا لَا يُوجِبُ جَعْلَ قَبُولِ مَا لَيْسَ بِثَمَنٍ شَرْطًا لِقَبُولِ مَا هُوَ ثَمَنٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُوجِبُ الْفَسَادَ كَاشْتِرَاطِ قَبُولِ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ لِقَبُولِ مَا هُوَ مَبِيعٌ وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَالِبٌ مِنْ الْعِبَادِ كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَخَذَ فِي قَسِيمِ قَوْلِهِ فَأَمَّا فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَقَالَ (وَأَمَّا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ النَّقْضَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْفَسْخُ وَالْإِقَالَةُ (مِمَّا لَا مَالَ فِيهِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ) مَجَّانًا فِيهِمَا (وَالْعَفْوِ) عَنْ الْقِصَاصِ (وَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ فَيَصِحُّ) كُلٌّ مِنْ هَذَا النَّوْعِ.

(وَيَبْطُلُ الْهَزْلُ لِلرِّضَا بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ مَلْزُومٌ لِلْحُكْمِ شَرْعًا) فَيَنْعَقِدُ وَلَا يَمْنَعُ الْهَزْلُ مِنْ انْعِقَادِهِ وَحُكْمُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ وَالرَّدَّ بِالْإِقَالَةِ ثُمَّ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ بِقَوْلِهِ (أَيْ الْعِلَّةِ) وَسَنَذْكُرُ قَرِيبًا مِنْ السُّنَّةِ مَا يُؤَيِّدُهُ (وَلِذَا) أَيْ كَوْنِهِ مَلْزُومًا لِلْحُكْمِ (لَا يَحْتَمِلُ شَرْطَ الْخِيَارِ) ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّرَاخِيَ فِي الْحُكْمِ (بِخِلَافِ قَوْلِنَا الطَّلَاقُ الْمُضَافُ) كَأَنْتِ طَالِقٌ غَدًا (سَبَبٌ لِلْحَالِ فَإِنَّهُ) أَيْ السَّبَبَ (يَعْنِي بِهِ الْمُفْضِي) لِلْوُقُوعِ لَا الْعِلَّةَ وَلِذَا لَا يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْإِيجَابِ وَجَازَ تَأَخُّرُ الْحُكْمِ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ عِلَّةً لَاسْتَنَدَ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُنَجَّزَ عِلَّةٌ مَلْزُومَةٌ لِحُكْمِهِ فَإِذَا أُضِيفَ صَارَ سَبَبًا فَقَطْ وَحَقِيقَةُ السَّبَبِ مَا يُفْضِي إلَى الْحُكْمِ إفْضَاءً لَا مَا يَسْتَلْزِمُهُ فِي الْحَالِ (وَمَا فِيهِ) الْمَالُ تَبَعًا (كَالنِّكَاحِ) فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ الْحِلُّ لِلتَّوَالُدِ، وَالْمَالُ شُرِعَ فِيهِ لِإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَلِّ وَلِهَذَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَيَتَحَمَّلُ فِي الْمَهْرِ مِنْ الْجَهَالَةِ مَا لَا يَتَحَمَّلُ فِي غَيْرِهِ، لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ مَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ وَنُقْصَانِ الْمَهْرِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَبِرِدَّتِهَا فَسْخٌ اهـ.

قُلْت وَبِكَوْنِ رِدَّتِهَا فَسْخًا يَظْهَرُ أَيْضًا عَدَمُ تَمَامِ مَا قِيلَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ النَّافِذُ اللَّازِمُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ رِدَّتَهَا فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ فَسْخٌ.

(فَإِنْ) تَوَاضَعَا (فِي أَصْلِهِ) بِأَنْ قَالَ أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَك بِأَلْفٍ هَازِلًا عِنْدَ النَّاسِ وَلَا يَكُونُ بَيْنَنَا فِي الْوَاقِعِ نِكَاحٌ وَوَافَقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ وَحَضَرَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْعَقْدِ (لَزِمَ) النِّكَاحُ وَانْعَقَدَ صَحِيحًا قَضَاءً وَدِيَانَةً اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ أَوْ الْبِنَاءِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ بَعْدَ تَمَامِهِ وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (أَوْ) تَوَاضَعَا (فِي قَدْرِ الْمَهْرِ) أَيْ عَلَى أَلْفَيْنِ وَيَكُونُ الْوَاقِعُ أَلْفًا (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَأَلْفَانِ) الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ لِبُطْلَانِ الْمُوَاضَعَةِ بِإِعْرَاضِهِمَا عَنْهَا (أَوْ) اتَّفَقَا عَلَى (الْبِنَاءِ فَأَلْفٌ) الْمَهْرُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْآخَرَ ذُكِرَ هَزْلًا وَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِ الْهَزْلِ فِيهِ إذْ الْمَالُ لَا يَجِبُ مَعَ الْهَزْلِ (وَالْفَرْقُ لَهُ) أَيْ لِأَبِي حَنِيفَةَ (بَيْنَهُ) أَيْ الْهَزْلِ بِقَدْرِ الْمَهْرِ (وَبَيْنَ) الْهَزْلِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ فِي (الْمَبِيعِ) حَيْثُ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْبِنَاءِ فِي الْمُوَاضَعَةِ عَلَى قَدْرِ الْبَدَلِ فِي الْبَيْعِ وَاعْتَبَرَ الْمُوَاضَعَةَ فِي اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ هُنَا (أَنَّهُ) أَيْ الْبَيْعَ

ص: 197

(يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ) الْفَاسِدِ وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَوَجَبَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ فِيهِ وَاعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ كَيْ لَا يَفْسُدَ الْبَيْعُ فَيَفُوتَ مَقْصُودُهُمَا وَهُوَ الصِّحَّةُ (لَا النِّكَاحُ) أَيْ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْمُوَاضَعَةِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ فَسَادٍ فَاعْتُبِرَ.

(وَإِنْ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ أَوْ اخْتَلَفَا جَازَ بِأَلْفٍ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ حَتَّى صَحَّ الْعَقْدُ بِدُونِهِ فَيَعْمَلُ بِالْهَزْلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) فَإِنَّ الثَّمَنَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ وَصْفًا تَابِعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْإِيجَابِ لِكَوْنِهِ أَحَدَ رُكْنَيْ الْبَيْعِ (حَتَّى فَسَدَ لِمَعْنًى فِي الثَّمَنِ) كَجَهَالَتِهِ (فَضْلًا عَنْ عَدَمِهِ) أَيْ ذِكْرِ الثَّمَنِ (فَهُوَ) أَيْ الثَّمَنُ (كَالْمَبِيعِ وَالْعَمَلُ بِالْهَزْلِ يَجْعَلُهُ شَرْطًا فَاسِدًا) كَمَا تَقَدَّمَ (فَيَلْزَمُ مَا تَقَدَّمَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (وَهِيَ أَصَحُّ) كَمَا ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ يَلْزَمُهُ (أَلْفَانِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا) مِنْ الْمَهْرِ وَالثَّمَنِ (لَا يَثْبُتُ إلَّا قَصْدًا وَنَصًّا وَالْعَقْلُ يَمْنَعُ مِنْ الثَّبَاتِ عَلَى الْهَزْلِ فَيُجْعَلُ) عِنْدَهُمَا بِأَلْفَيْنِ عَقْدًا (مُبْتَدَأً عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا) لَا بِنَاءً عَلَى الْمُوَاضَعَةِ ذَكَرَهُ فِي كَشْفِ الْمَنَارِ وَهُوَ قَاصِرٌ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَا فَالْأَوْلَى كَمَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْفَسَادِ إهْدَارٌ لِجَانِبِ الْفَسَادِ وَاعْتِبَارٌ لِلْجِدِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ فَيَشْمَلُ مَا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ كَمَا يَشْمَلُ مَا إذَا اخْتَلَفَا (أَوْ) تَوَاضَعَا (فِي الْجِنْسِ) أَيْ جِنْسِ الْمَهْرِ بِأَنْ يَذْكُرَا فِي الْعَلَانِيَةِ مِائَةَ دِينَارٍ وَيَكُونَ الْمَهْرُ فِي الْوَاقِعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ (فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِعْرَاضِ فَالْمُسَمَّى) وَهُوَ مِائَةُ دِينَارٍ لِبُطْلَانِ الْمُوَاضَعَةِ بِالْإِعْرَاضِ (أَوْ) تَوَافَقَا عَلَى (الْبِنَاءِ فَمَهْرُ الْمِثْلِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ إذْ الْمُسَمَّى هَزْلٌ وَلَا يَثْبُتُ الْمَالُ بِهِ) أَيْ بِالْهَزْلِ (وَالْمُتَوَاضَعُ عَلَيْهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ) وَالتَّزَوُّجُ بِلَا مَهْرٍ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ (بِخِلَافِهَا) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ (فِي الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْقَدْرَ الْمُتَوَاضَعَ عَلَيْهِ كَالْأَلْفِ (مَذْكُورٌ ضِمْنَ الْمَذْكُورِ) فِي الْعَقْدِ كَالْأَلْفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) تَوَافَقَا (عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا) شَيْءٌ (أَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ فَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ (مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى) .

؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَابِعٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمُوَاضَعَةِ عَلَى الْهَزْلِ (كَيْ لَا يَصِيرَ الْمَهْرُ مَقْصُودًا بِالصِّحَّةِ كَالْبَيْعِ) أَيْ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْوَاقِعُ أَنْ لَا حَاجَةَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ إلَى صِحَّةِ الْمَهْرِ وَإِذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْهَزْلِ بَطَلَتْ التَّسْمِيَةُ (فَيَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ (الْمُسَمَّى) وَالْمُوَاضَعَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بِالْمَهْرِ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ (كَالْبَيْعِ) أَيْ مِثْلِ الثَّمَنِ فِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَكَمَا جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَمَلَ بِصِحَّةِ الْإِيجَابِ أَوْلَى مِنْ الْمُوَاضَعَةِ فِي صُورَتَيْ السُّكُوتِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْمُوَاضَعَةِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الصِّحَّةِ عَلَى الْفَسَادِ فَكَذَا فِي تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ يُؤَثِّرُ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالْإِفْسَادِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ (وَعِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الْوَاجِبُ (مَهْرُ الْمِثْلِ لِتَرْجِيحِهِمَا الْمُوَاضَعَةَ بِالْعَادَةِ فَلَا مَهْرَ) مُسَمًّى (لِعَدَمِ الذِّكْرِ فِي الْعَقْدِ وَ) عَدَمِ (ثُبُوتِ الْمَالِ بِالْهَزْلِ وَمَا فِيهِ) الْمَالُ (مَقْصُودًا بِأَنْ لَا يَثْبُتَ) الْمَالُ (بِلَا ذِكْرِهِ) أَيْ الْمَالِ (كَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَهَزْلُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (فِي الْأَصْلِ) بِأَنْ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بِمَالٍ أَوْ يُعْتِقَهَا عَلَى مَالٍ أَوْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى وَجْهِ الْهَزْلِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالصُّلْحِ (أَوْ الْقَدْرِ) بِأَنْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ أَعْتَقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ صَالَحَهُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ بِأَنَّ الْمَالَ أَلْفٌ (أَوْ الْجِنْسِ) بِأَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ يُعْتِقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ يُصَالِحَهُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَلْفُ دِرْهَمٍ (يَلْزَمُ الطَّلَاقَ وَالْمَالَ فِي الْإِعْرَاضِ وَعَدَمِ الْحُضُورِ) لِلْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ (وَالِاخْتِلَافُ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ اتِّفَاقًا) مَعَ اخْتِلَافٍ فِي التَّخْرِيجِ (فَفِي الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ عَدَمِ الْحُضُورِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْإِعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (لِتَرْجِيحِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَذَلِكَ) أَيْ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهَا (فِي الِاخْتِلَافِ يَجْعَلُ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي الْإِعْرَاضِ) .

؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُعَارِضٌ، وَلَمْ يُوجَدْ فَمُدَّعِي الْإِعْرَاضِ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَفِي

ص: 198

الْأَوَّلِ أَعْنِي الْإِعْرَاضَ ظَاهِرٌ بِطَرِيقٍ أَوْلَى لَبُطْلَانِهَا بِالْإِعْرَاضِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ حُكْمًا وَدَلِيلًا (وَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ عِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ (فِي صُوَرِهَا) أَيْ الْمُوَاضَعَةِ الثَّلَاثِ (حَتَّى لَزِمَا) أَيْ الطَّلَاقُ وَالْمَالُ (فِي الْبِنَاءِ) عَلَى الْمُوَاضَعَةِ (أَيْضًا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِالْهَزْلِ لَكِنَّهُ تَبَعٌ لِلطَّلَاقِ لِاسْتِغْنَائِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ (عَنْهُ) أَيْ الْمَالِ (لَوْلَا الْقَصْدُ إلَى ذِكْرِهِ فَإِذَا ثَبَتَ الْمُتَضَمِّنُ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهُوَ الطَّلَاقُ (ثَبَتَ) الْمُتَضَمَّنُ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَالُ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ قَصْدًا، فَإِنْ قِيلَ لَا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الْمَالِ فِي هَذَا تَبَعًا؛ لِأَنَّهُ سَلَفَ أَنَّهُ فِيهِ مَقْصُودٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ أَنَّهُ فِيهِ تَبَعٌ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي أَصْلِهِ فَإِنَّ الْمَالَ تَابِعٌ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ أَثَّرَ فِي الْمَالِ حَتَّى كَانَ الْمَهْرُ أَلْفًا فِيمَا إذَا هَزَلَا بِأَلْفَيْنِ أُجِيبَ بِمَنْعِ عَدَمِ الِاسْتِقَامَةِ وَكَيْفَ لَا (وَالتَّبَعِيَّةُ) أَيْ تَبَعِيَّةُ الْمَالِ لِلطَّلَاقِ (بِهَذَا الْمَعْنَى) وَهُوَ كَوْنُهُ فِي الثُّبُوتِ تَابِعًا لَهُ إذْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِيهِ وَالشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ عَلَى مَا عُرِفَ (لَا تُنَافِي الْمَقْصُودِيَّةَ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِدِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالذِّكْرِ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ (بِخِلَافِ تَبَعِيَّتِهِ) أَيْ الْمَالِ (فِي النِّكَاحِ فَبِمَعْنَى أَنَّهُ) أَيْ الْمَالَ (غَيْرُ الْمَقْصُودِ) لِلْعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُمَا الْحِلُّ لَا الْمَالُ.

(وَهَذَا) الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ تَبَعِيَّةِ الْمَالِ فِيهِ (لَا يُنَافِي الْأَصَالَةَ) لِلْمَالِ (مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهُ) أَيْ الْمَالِ (عِنْدَ ثُبُوتِهِ) أَيْ النِّكَاحِ بِلَا ذِكْرِهِ بَلْ وَمَعَ نَفْيِهِ إظْهَارًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنْهُ بَلْ مَقْصُودٍ فِيهِ لِإِظْهَارِ شَرَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعَقْدِ بَيْعٌ، وَكَذَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ بَيْعٌ لِثُبُوتِ الْعَقْدِ لَكِنَّ ثُبُوتَهُ عَقِبَ ثُبُوتِهِ مَقْصُودٌ لِمَا ذَكَرْنَا فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي النِّكَاحِ وَفِي شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ لِلشَّيْخِ قِوَامِ الدِّينِ الْكَاكِيِّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ فِي التَّلْجِئَةِ أَنَّهُمَا لَوْ تَوَاضَعَا فِي النِّكَاحِ عَلَى أَلْفٍ سِرًّا ثُمَّ عَقَدَا عَلَانِيَةً بِأَلْفَيْنِ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِأَلْفٍ ثُمَّ قَالَ، وَكَذَا الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ وَالْعَتَاقُ وَعَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا فَعَلَى هَذَا كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ مِثْلَ النِّكَاحِ إذَا كَانَ الْهَزْلُ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ (وَعِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبِنَاءِ فِي الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْهَزْلُ بِأَصْلِ التَّصَرُّفِ أَوْ بِقَدْرِ الْبَدَلِ فِيهِ أَوْ بِجِنْسِهِ (يَتَوَقَّفُ الطَّلَاقُ عَلَى مَشِيئَتِهَا) أَيْ اخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ بِالْمُسَمَّى عَلَى طَرِيقِ الْجِدِّ وَإِسْقَاطِ الْهَزْلِ كَمَا يَتَوَقَّفُ وُقُوعُهُ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِهَا عَلَى اخْتِيَارِهَا؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ فِي الْخُلْعِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالثَّلَاثِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْخُلْعِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطِ فَإِنَّهُ طَلَاقٌ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِمُدَّةٍ فَلَهَا النَّقْضُ وَالْإِجَازَةُ مُؤَبَّدًا وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَعَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِثْبَاتِ وَتَعْلِيقُهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَكِنَّ الْجَوَازَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ فِي الْخُلْعِ أَيْضًا مُقَدَّرًا بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ مِنْ جَانِبِهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الْمَالُ فِيهِ مَقْصُودًا لَا تَابِعًا وَهُوَ هُنَا تَابِعٌ فِي الثُّبُوتِ لِلطَّلَاقِ وَالِاعْتِبَارُ لِلْمَتْبُوعِ دُونَ التَّابِعِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ كَذَا فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِ.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ مُوَافَقَةً لِلتَّلْوِيحِ (لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْمُوَاضَعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ) أَيْ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ (أَنْ يَتَعَلَّقَ) الطَّلَاقُ (بِجَمِيعِ الْبَدَلِ وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا الْفَرْضُ أَنَّهُمَا هَزَلَا بِالْعَقْدِ إذْ بَنَيْنَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَمَعْنَى الْهَزْلِ بِالْخُلْعِ لَيْسَ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الطَّلَاقَ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْبَدَلِ مَعَ قَبُولِهَا وَلَا يَقَعُ فِي الْحَالِ لَمَّا عُرِفَ أَنَّ الْهَازِلَ مُطْلَقًا غَيْرُ رَاضٍ بِالْحُكْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَهَزْلُهُمَا شَرْطٌ فَاسِدٌ فِيمَا هَزَلَا بِهِ لَكِنَّ الْخُلْعَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْخُلْعُ يَبْقَى مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهَا بِقِي أَنْ يُقَالَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مَوْقُوفًا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِمَا لَا عَلَى مَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا لِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْهَزْلَ كَشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا وَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ لِأَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا هَازِلَانِ، وَكَذَا إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا فِي

ص: 199

الْبَيْعِ وَأَعْرَضَ الْآخَرُ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْبَحْثِ مِنْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي دَعْوَى الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ لَا إذَا اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ الْبِنَاءِ وَالْإِعْرَاضِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ.

وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجِبُ كَوْنُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ وَمَا مَعَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ يَمِينٌ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ شَرْطَ الْخِيَارِ فَإِذَا هَزَلَ هُوَ بِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ هَزْلُهُ كَشَرْطِهِ الْخِيَارَ لَهَا كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ عَلَى أَنَّكِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَتْ قَبِلْت فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عِنْدَهُ حَتَّى تَشَاءَ بَعْدَ هَذَا الْقَبُولِ أَوْ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِذَنْ ظَهَرَ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَلُزُومَ الْمَالِ إذَا هَزَلَا إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَتِهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ قَيْدَ الثَّلَاثِ فِي مَشِيئَتِهَا هُنَا عِنْدَهُ وَصَرَّحُوا بِتَقْيِيدِهِ عِنْدَهُ فِي إجَازَتِهِمَا فِي الْهَزْلِ بِأَصْلِ الْبَيْعِ اهـ بَلْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِنَفْيِ التَّقْيِيدِ لِمَشِيئَتِهَا بِالثَّلَاثِ عِنْدَهُ فِي الْخُلْعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ قَدَّمْنَاهُ آنِفًا (وَكُلٌّ مِنْ الْعِتْقِ وَالصُّلْحِ) عَنْ دَمِ الْعَمْدِ (فِيهِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (مِثْلُ مَا فِي الطَّلَاقِ) مِنْ الْحُكْمِ وَالتَّفْرِيعِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

(وَأَمَّا تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ هَزْلًا فَقِيلَ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ) وَهُوَ طَلَبُهَا كَمَا عُلِمَ بِالْبَيْعِ هُوَ (كَالسُّكُوتِ) مُخْتَارًا (يُبْطِلُهَا) إذْ اشْتِغَالُهُ بِالتَّسْلِيمِ هَازِلًا سُكُوتٌ عَنْ طَلَبِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَهِيَ تَبْطُلُ بِحَقِيقَةِ السُّكُوتِ مُخْتَارًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ فَكَذَا بِالسُّكُوتِ حُكْمًا (وَبَعْدَهُ) أَيْ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ طَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالْإِشْهَادُ وَهُوَ أَنْ يَنْهَضَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ فَيَشْهَدُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ بِيَدِهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ عَلَى طَلَبِهَا كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ كَانَ بَعْدَ طَلَبِ الْخُصُومَةِ وَالتَّمَلُّكِ (يَبْطُلُ التَّسْلِيمُ فَتَبْقَى الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ تَسْلِيمَهَا (مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُلُ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ لِكَوْنِهِ اسْتِيفَاءَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ) وَمِنْ ثَمَّةَ يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ تَسْلِيمَ شُفْعَةِ الصَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَهُ (فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا بِالْحُكْمِ وَالْهَزْلِ بِنَفْيِهِ) أَيْ الرِّضَا بِالْحُكْمِ (وَكَذَا يَبْطُلُ بِهِ) أَيْ بِالْهَزْلِ (إبْرَاءُ الْمَدْيُونِ وَالْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ) أَيْ إبْرَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا (مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَيَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْلُ) كَخِيَارِ الشَّرْطِ (وَكَذَا الْإِخْبَارَاتُ وَهُوَ الثَّانِي) مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْإِنْشَاءُ يَبْطُلُ بِالْهَزْلِ (سَوَاءٌ كَانَتْ) الْإِخْبَارَاتُ إخْبَارَاتٍ (عَمَّا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ) كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ (أَوْ) كَانَتْ إخْبَارَاتٍ عَمَّا (لَا) يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ (كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ شَرْعًا وَلُغَةً كَمَا إذَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُقِرَّا بِأَنَّ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا أَوْ بَيْعًا فِي هَذَا بِكَذَا أَوْ لُغَةً فَقَطْ مُقَرَّرَةً شَرْعًا كَالْإِقْرَارِ بِأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ كَذَا لَا يَثْبُتُ) شَيْءٌ مِنْهَا هَزْلًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ) أَيْ تَحَقَّقَ الْحُكْمُ الَّذِي صَارَ الْخَبَرُ عِبَارَةً عَنْهُ وَإِعْلَامًا بِثُبُوتِهِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالْهَزْلُ يُنَافِي ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ.

(أَلَا يُرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ مُكْرَهًا بَاطِلٌ فَكَذَا هَازِلًا) ؛ لِأَنَّ الْهَزْلَ دَلِيلُ الْكَذِبِ كَالْإِقْرَارِ حَتَّى لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَلْحَقُ مُنْعَقِدًا يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَا وُجُودَ هُنَا لِطَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَ إنْسَانٌ زَوْجَةَ غَيْرِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ فَإِذَا أَجَازَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ طَلُقَتْ وَعَتَقَ (وَكَذَا فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَهُوَ الثَّالِثُ) وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ كَذَا وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّالِثِ الِاعْتِقَادِ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. (وَأَمَّا ثُبُوتُ الرِّدَّةِ بِالْهَزْلِ) أَيْ بِتَكَلُّمِ الْمُسْلِمِ بِالْكُفْرِ هَزْلًا (فِيهِ) أَيْ فَثُبُوتُهَا بِالْهَزْلِ نَفْسِهِ (لِلِاسْتِخْفَافِ) ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ رَاضٍ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ وَالرِّضَا بِذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ وَهُوَ كُفْرٌ بِالنَّصِّ قَالَ تَعَالَى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] وَبِالْإِجْمَاعِ (لَا بِمَا هَزَلَ بِهِ) وَهُوَ اعْتِقَادُ مَعْنَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا هَازِلًا (إذْ لَمْ يَتَبَدَّلْ اعْتِقَادُهُ وَيَلْزَمُ الْإِسْلَامُ) أَيْ نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا (بِالْهَزْلِ بِهِ) أَيْ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَتَبَرَّأَ مِنْ دِينِهِ هَازِلًا (تَرْجِيحًا) لِجَانِبِ الْإِيمَانِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْإِنْسَانِ التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ (كَالْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ) أَيْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُطْلَقًا عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (عِنْدَنَا) لِوُجُودِ رُكْنِهِ مِنْهُ بَلْ الْهَازِلُ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَازِلَ رَاضٍ

ص: 200