الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُطْلَقُ الْمُبَاحُ أَيْضًا (عَلَى مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الشَّارِعِ تَخْيِيرًا) بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ عَلَى السَّوَاءِ وَهِيَ الْإِبَاحَةُ الشَّرْعِيَّةُ (وَكِلَاهُمَا) أَيْ الْمُتَعَلِّقَيْنِ إنَّمَا يُعْرَفَانِ (بَعْدَ الشَّرْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مَسْأَلَتَيْ التَّنَزُّلِ، وَفِي ذَلِكَ تَحْرِيرٌ أَوْرَدْنَاهُ ثَمَّةَ فَلْيُرَاجَعْ.
(أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمُبَاحِ عِنْدَهُمْ يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ (وَالْعَقْلِيَّةِ) وَمُتَعَلِّقُهَا عِنْدَهُمْ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ الَّتِي يُدْرِكُ الْعَقْلُ عَدَمَ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا خِطَابٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ بِعَدَمِ الْحَرَجِ فِي فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا (وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ) أَيْ جَوَازَ إطْلَاقِ الْمُبَاحِ شَرْعًا عَلَى مُتَعَلِّقِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ (خِلَافًا فِي أَنَّ لَفْظَ الْمُبَاحِ هَلْ يُطْلَقُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الشَّارِعِ تَخْيِيرًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تَحْرِيرِ التَّفْتَازَانِيِّ الْكَلَامَ فِي أَنَّ الْمُبَاحَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مَا انْتَفَى الْحَرَجُ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَعِنْدَنَا مَا تَعَلَّقَ خِطَابُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ بِهِ (فَلَا حَاصِلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ) بِالشَّرْعِ (الشَّارِعَ فَلَا يُعْرَفُ لَهُ) أَيْ لِلشَّارِعِ (اصْطِلَاحٌ فِي الْمُبَاحِ أَوْ) أَرَادَ بِهِ (أَهْلَ الِاصْطِلَاحِ الْفِقْهِيَّ فَلَا خِلَافَ بُرْهَانِيًّا) بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ (وَيُرَادِفُ الْمُبَاحَ) بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى تَخْيِيرًا بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ عَلَى السَّوَاءِ (الْجَائِزُ وَيَزِيدُ) الْجَائِزُ عَلَيْهِ فِي الْإِطْلَاقِ (بِإِطْلَاقِهِ) أَيْ الْجَائِزِ (عَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا) أَيْ مَا لَا يَحْرُمُ شَرْعًا (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (وَاجِبًا وَمَكْرُوهًا) أَيْ أَوْ مَكْرُوهًا فَيُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى (وَعَقْلًا) أَيْ وَعَلَى مَا لَا يُمْتَنَعُ عَقْلًا وَهُوَ الْمُمْكِنُ الْعَامُّ سَوَاءٌ كَانَ (وَاجِبًا أَوْ رَاجِحًا أَوْ قَسِيمَيْهِ) أَيْ الرَّاجِحِ وَهُمَا الْمَرْجُوحُ وَالْمُسَاوِي وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ وَعَلَى مَا اسْتَوَى شَرْعًا أَوْ عَقْلًا فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَأَخَصُّ مِنْ الثَّانِي مُطْلَقًا وَمِنْ الثَّالِثِ مِنْ وَجْهٍ إذَا حُمِلَ مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ عَقْلًا عَلَى الْمُمْكِنِ الْخَاصِّ الَّذِي نِسْبَةُ مَاهِيَّتِه إلَى الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ سَوَاءٌ كَمَا فِي عَدَمِ الِاقْتِضَاءِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا؛ لِأَنَّ الْجَائِزَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَرِدْ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ كَمَا ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ.
وَعَلَى مَا يَشُكُّ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ فِي الشَّرْعِ أَوْ فِي الْعَقْلِ بِاعْتِبَارِ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا وَعَدَمِ الِامْتِنَاعِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ فِيهِمَا بِالِاعْتِبَارَيْنِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ شَرْعًا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ مَا تَعَارَضَ فِيهِ دَلِيلَانِ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا نَقِيضَ الْآخَرِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فِي نَظَرِهِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَيَقُولُ الْحُكْمُ فِيهِ إمَّا هَذَا أَوْ ذَاكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّابِعِ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ هُنَا فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَهُنَاكَ فِي حُكْمِ الشَّارِعِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْغَزَالِيُّ بِقَوْلِهِ لَيْسَ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ لَا دَلِيلَانِ مُتَقَابِلَانِ ثَانِيهَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الِامْتِنَاعِ الشَّرْعِيِّ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ مَا دَلَّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَامْتَنَعَ عَدَمُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ امْتِنَاعُ عَدَمِهِ فَلَمْ يَجْزِمْ بِهِ فَعَدَمُ امْتِنَاعِ نَقِيضِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ثَالِثُهَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ عَقْلًا فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ رَابِعُهَا الْمَشْكُوكُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الِامْتِنَاعِ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي الشَّرْعِيِّ اهـ مُخْتَصَرًا وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا لِانْدِرَاجِهِ فِيمَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَمَا لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ وَقَوْلُهُ (كَمَا يُقَالُ الْمَشْكُوكُ عَلَى الْمَوْهُومِ) صَحِيحٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَكِنَّ الْمُنَاسَبَةَ فِي تَشْبِيهِ مَا تَقَدَّمَهُ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ نَعَمْ أَشَارَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ إلَى مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَمَا يُقَالُ عَلَى مَا يَسْتَوِي طَرَفَاهُ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ كَذَلِكَ يُقَالُ الْجَائِزُ عَلَيْهَا وَهَذَا التَّشْبِيهُ ظَاهِرُ الْوَجْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ نَفْيِ الْكَعْبِيِّ الْمُبَاحَ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ]
(مَسْأَلَةُ نَفْيِ الْكَعْبِيِّ الْمُبَاحَ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُبَاحَ (تَرْكُ حَرَامٍ) فَإِنَّ السُّكُوتَ تَرْكٌ لِلْقَذْفِ وَالسُّكُونَ تَرْكٌ لِلْقَتْلِ (وَتَرْكُهُ) أَيْ الْحَرَامِ (وَاجِبٌ وَلَوْ) كَانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا (مُخَيَّرًا)
لِإِمْكَانِ تَرْكِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ كَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَحَدَهَا فَإِذَا اخْتَارَ الْمُكَلَّفُ فِعْلَ الْمُبَاحِ كَانَ وَاجِبًا (فَانْدَفَعَ) بِقَوْلِهِ وَلَوْ مُخَيَّرًا (مَنْعُ تَعَيُّنِ الْمُبَاحِ لِلتَّرْكِ) لِلْحَرَامِ (لِجَوَازِهِ) أَيْ تَرْكِ الْحَرَامِ (بِوَاجِبٍ) لَكِنَّهُ قِيلَ لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ وَاجِبًا مُخَيَّرًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هُنَا فَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَعَيُّنُهَا بِالنَّوْعِ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَمَا بِهِ يَحْصُلُ تَرْكُ الْحَرَامِ مُتَعَيِّنٌ بِالنَّوْعِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ وَدُفِعَ بِأَنَّ تَرْكَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَفْعَالِ وَتَعَيُّنُهَا النَّوْعِيُّ إنَّمَا يَحْصُلُ بِتَعَيُّنِ حَقَائِقِهَا وَتَمَيُّزِ كُلٍّ مِنْهَا عَمَّا عَدَاهُ بِمَا يَخُصُّهُ كَالصَّوْمِ وَالْإِعْتَاقِ مَثَلًا لَا بِالْأَعْرَاضِ الْعَامَّةِ كَكَوْنِهَا وَاجِبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً وَأُجِيبُ بِأَنَّ الشَّرْعَ عَيَّنَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْفِعْلِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَالْفُقَهَاءُ دَوَّنُوا تِلْكَ الْأَنْوَاعَ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا بِالْأَعْرَاضِ الْعَامَّةِ لِلْإِغْنَاءِ عَنْ التَّفْصِيلِ الْمَعْلُومِ لَا لِلْجَهْلِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ (وَيُورَدُ) عَلَى الْكَعْبِيِّ أَنَّهُ (لَيْسَ تَرْكُهُ) أَيْ الْحَرَامَ (عَيْنَ فِعْلِ الْمُبَاحِ) غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ (وَأَجَابَ) الْكَعْبِيُّ (بِأَنَّ) هَذَا لَا يَضُرُّ فَإِنَّ (مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ) وَبِهِ يَتِمُّ دَلِيلُنَا فَيُقَال تَرْكُ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ مُقَدِّمَةٌ لِلْوَاجِبِ وَمُقَدِّمَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ.
(وَأَوْرَدَ) عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ (أَنَّهُ مُصَادَمَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى انْقِسَامِ الْفِعْلِ إلَيْهِ) أَيْ الْمُبَاحِ (وَبَاقِيهَا) أَيْ أَقْسَامِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَنْدُوبِ فَلَا يُسْمَعُ (فَأَجَابَ) الْكَعْبِيُّ (بِوُجُوبِ تَأْوِيلِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ عَلَى انْقِسَامِ الْفِعْلِ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَنَّهُ مُنْقَسِمٌ إلَيْهَا (بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (فِي ذَاتِهِ) أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ (لَا بِمُلَاحَظَةِ مَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْفِعْلِ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ فَيَكُونُ الْمُبَاحُ نَظَرًا إلَى ذَاتِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مُبَاحًا وَبِالنَّظَرِ إلَى مَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ كَوْنِهِ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا أَوَّلْنَاهُ (لِقَطِيعَةِ دَلِيلِنَا) الْمَذْكُورِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلِيلِنَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لِبَقَاءِ الْعَمَلِ بِالْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ عَلَى وُجُوبِ الْمُبَاحِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْأَدِلَّةِ الْإِعْمَالُ لَا الْإِهْمَالُ (وَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ) أَيْ هَذَا (مُرَادَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ يَقْتَضِي وُجُوبَ مُبَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ تَجُرُّ إلَى مِثْلِ قَوْلِ الْكَعْبِيِّ فَيَجِبُ كَوْنُ مُرَادِهِمْ أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ مُبَاحَةٌ فِي ذَاتِهَا وَلَكِنْ لَزِمَهَا الْوُجُوبُ لِعَارِضِ التَّوَصُّلِ إلَى الْوَاجِبِ بِهَا (فَإِنْ لَزِمَ وُجُوبُ الْمَعْصِيَةِ مُخَيَّرًا) لِلْكَعْبِيِّ عَلَى سَبِيلِ النَّقْضِ الْإِجْمَالِيِّ لِدَلِيلِهِ بِأَنْ يُقَالَ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ بِجَمِيعِ مُقَدِّمَاتِهِ لَزِمَ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ إذَا تَرَكَ بِهِ مُحَرَّمًا آخَرَ كَاللِّوَاطَةِ إذَا تَرَكَ بِهَا الزِّنَا وَاجِبًا لِقِيَامِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُحَرَّمَ يَتَحَقَّقُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ فَيَكُونُ وَاجِبًا (فَقَدْ ذَكَرَ جَوَابَهُ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي إلْزَامِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ مِنْ كَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةً، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ خِلَافُ ذَلِكَ فَيَكُونُ وَاجِبًا حَرَامًا مَعًا كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ كَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَإِيضَاحُهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ اتِّصَافِ الْفِعْلِ بِالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ مَعًا بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ فَيَصِيرُ الْحَرَامُ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ وَاجِبًا بِتَرْكِ حَرَامٍ آخَرَ لِغَيْرِهِ (وَجَوَابَ الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَوُجُوبُ الْمَعْصِيَةِ مِنْ قِبَلِ الْجُمْهُورِ (مَنْعَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ وَاقْتِصَارُهُمْ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ (عَنْ آخِرِهِمْ) عَلَى هَذَا الْجَوَابِ (يُنَادِي بِانْتِفَاءِ دَفْعِهِ) أَيْ قَوْلِ الْكَعْبِيِّ (إلَّا لِلنَّافِي) كَوْنَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبًا (وَلَيْسَ) هَذَا هُوَ (الْمَذْهَبُ الْحَقُّ) لِلْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ (وَلَا مُخَلِّصَ لِأَهْلِهِ) حِينَئِذٍ بَلْ يَكُونُونَ مُلْزَمِينَ بِقَوْلِهِ بِنَفْيِ الْمُبَاحِ رَأْسًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَهُوَ) أَيْ جَوَابُهُ (أَقْرَبُ إلَيْك مِنْك لِانْكِشَافِ مَنْعِ أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ تَرْكُ حَرَامٍ بَلْ لَا شَيْءَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُبَاحِ (إيَّاهُ) أَيْ تَرْكَ حَرَامٍ (وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ الْمُبَاحَ تَرْكُ الْحَرَامِ (لِلْقَطْعِ بِأَنَّ التَّرْكَ وَهُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ فَرْعُ خُطُورِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (وَ) فَرْعُ (دَاعِيَةِ النَّفْسِ لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ (وَيَقْطَعُ بِإِسْكَانِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ وَفِعْلِهَا) أَيْ الْجَوَارِحِ (لَا عَنْ دَاعِيَةِ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ تَرْكًا لَهَا) أَيْ لِلْمَعْصِيَةِ (بِذَلِكَ) الْإِسْكَانِ وَالْفِعْلِ لِلْجَوَارِحِ (وَعِنْدَ تَحَقُّقِهَا)