المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في حجية السنة] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ٢

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَسْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ لِأَهْلِ الشَّرْعِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمَوْضُوعَ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وُقُوع الْمَجَازُ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنِ الْمَجَازِ نَقْلِيًّا]

- ‌[مَسْأَلَة كَوْنُ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ]

- ‌[مَسْأَلَة يَعُمُّ الْمَجَازُ فِيمَا تَجُوزُ بِهِ فِيهِ]

- ‌[مَسْأَلَة اسْتِعْمَالُ اللَّفْظَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ]

- ‌[مَسْأَلَة الْمَجَازِ خُلْفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ]

- ‌[مَسْأَلَة خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ عَنْ الْحَقِيقَةِ]

- ‌[مَسْأَلَة يَلْزَمُ الْمَجَازُ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَة الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ]

- ‌[مَسَائِلُ الْحُرُوفِ جَرَى فِيهَا الِاسْتِعَارَةُ تَبَعًا كَالْمُشْتَقِّ فِعْلًا وَوَصْفً]

- ‌[مَسْأَلَة الْوَاوُ إذَا عَطَفْتَ جُمْلَةً تَامَّةً]

- ‌[مَسْأَلَة الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَة اسْتِعَارَة ثُمَّ لِمَعْنَى الْفَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَة تُسْتَعَارُ ثُمَّ لِمَعْنَى الْوَاوِ]

- ‌[مَسْأَلَة بَلْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِلْإِضْرَابِ]

- ‌[مَسْأَلَة لَكِنْ لِلِاسْتِدْرَاكِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَوْ قَبْلَ مُفْرَدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تُسْتَعَارُ أَوْ لِلْغَايَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَسْأَلَةٌ حَتَّى جَارَّةٌ وَعَاطِفَةٌ]

- ‌[حُرُوفُ الْجَرِّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْبَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ حُرُوف الْجَرّ مِنْ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إلَى لِلْغَايَةِ حُرُوف الْجَرّ]

- ‌[مَسْأَلَةُ فِي لِلظَّرْفِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ إذَا لِزَمَانِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَوْ لِلتَّعْلِيقِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ كَيْفَ أَصْلُهَا سُؤَالٌ]

- ‌[مَسْأَلَةُ قَبْلُ وَبَعْدُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ عِنْدَ لِلْحَضْرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ غَيْرُ اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ فِي الْإِبْهَامِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَحْوَالِ الْمَوْضُوعِ]

- ‌[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَحْكَامِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْحُكْمِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا تَكْلِيفَ أَمْرًا كَانَ أَوْ نَهْيًا إلَّا بِفِعْلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقُدْرَةُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ أَيْ تَعَلُّقُهُ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِشَيْءٍ لَيْسَ شَرْطًا لِلتَّكْلِيفِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْحَاكِمِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمَحْكُومِ فِيهِ]

- ‌[مَسْأَلَة الواجب بِالسَّبَبِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَثْبُتُ السَّبَبِيَّةُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْوَاجِبِ الْبَدَنِيِّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْأَدَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمُقَيَّدِ بِهِ شَرْعًا]

- ‌[تَذْنِيبٌ لِهَذَا الْبَحْثِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَكُونُ الْوَقْتِ فِيهِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْوَقْتِ الْمُقَيَّدِ بِهِ الْوَاجِبُ وَقْتٌ هُوَ مِعْيَارٌ لَا سَبَبٌ]

- ‌[الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَقْتٌ ذُو شَبَهَيْنِ بِالْمِعْيَارِ وَالظَّرْفِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَا يَجِبُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَحْرِيمُ أَحَدِ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْمَنْدُوبِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ نَفْيِ الْكَعْبِيِّ الْمُبَاحَ خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ]

- ‌[تَقْسِيمٌ لِلْحَنَفِيَّةِ الْحُكْمُ إمَّا رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ]

- ‌[تَتِمَّةٌ الصِّحَّةُ تَرَتُّبُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْفِعْلِ عَلَيْهِ]

- ‌[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ]

- ‌[مَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَانِعُو تَكْلِيفِ الْمُحَالِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ فَهْمُهُ]

- ‌[فَصْلٌ اخْتَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِعَقْدِهِ فِي الْأَهْلِيَّةِ أَهْلِيَّةُ الْإِنْسَانِ]

- ‌[الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ وُجُوبٌ وَأَدَاءٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النَّوْع الْأَوَّل الْعَوَارِض السَّمَاوِيَّة]

- ‌[الصِّغَرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْجُنُونُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَتَهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النِّسْيَانُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النَّوْمُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْإِغْمَاءُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الرِّقُّ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْمَرَضُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْحَيْضُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْمَوْتُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[النَّوْع الثَّانِي عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[السُّكْرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[الْهَزْلُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[السَّفَهُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسِبَة]

- ‌[السَّفَرُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ]

- ‌[الْخَطَأُ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ مِنْ عَوَارِضُ الْأَهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْبَابُ الثَّانِي مِنْ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ هَلْ هِيَ حُجَّةٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَشْتَمِلُ الْقُرْآنُ عَلَى مَا لَا مَعْنَى لَهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قِرَاءَةُ السَّبْعَةِ هَلْ يَجِبُ تَوَاتُرُهَا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]

- ‌[الْبَابُ الثَّالِثُ السُّنَّةُ]

- ‌[فَصْلٌ فِي حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ الرَّاوِي]

- ‌[مَسْأَلَةٌ مَجْهُولُ الْحَالِ هَلْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الشُّهْرَةَ لِلرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ]

- ‌[تَنْبِيهٌ حَدِيثُ الضَّعِيفِ لِلْفِسْقِ لَا يَرْتَقِي بِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ إلَى الْحُجِّيَّةِ]

- ‌[رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ الْمَجْهُولِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ يَثْبُتَانِ بِوَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ وَبِاثْنَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ إلَّا مُبَيَّنًا سَبَبُهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْعَدْلُ أَنَا صَحَابِيٌّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّحَابِيُّ قَالَ عليه السلام حُمِلَ عَلَى السَّمَاعِ مِنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ خَبَرًا بِحَضْرَتِهِ عليه السلام فَلَمْ يُنْكِرْ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ عَلَيْهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حَمْلُ الصَّحَابِيِّ مَرْوِيَّهُ الْمُشْتَرَكَ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى]

- ‌[مَسْأَلَةٌ حَذْفُ بَعْضِ الْخَبَرِ الَّذِي لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَذْكُورِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِقَرَائِنِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أُجْمِعَ عَلَى حُكْمٍ يُوَافِقُ خَبَرًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْعَدْلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْوَاحِدُ فِي الْحَدِّ مَقْبُولٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ تَعْرِيفُهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَكْذَبَ الْأَصْلَ أَيْ الشَّيْخُ الْفَرْعُ أَيْ الرَّاوِي عَنْهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْفَرَدَ الثِّقَةُ مِنْ بَيْنِ ثِقَاتٍ رَوَوْا حَدِيثًا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْفَرَدَ مُخْبِرٌ بِمَا شَارَكَهُ بِالْإِحْسَاسِ بِهِ خَلْق كَثِيرٌ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَعَارَضَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ فِي أَفْعَالِهِ الْجِبِلِّيَّةِ الصَّادِرَةِ بِمُقْتَضَى طَبِيعَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه علية وَسَلَّمَ بِفِعْلٍ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه علية وَسَلَّمَ قَبْلَ بَعْثِهِ مُتَعَبِّدٌ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الرَّأْيُ]

الفصل: ‌[فصل في حجية السنة]

آدَمَ وَمَا شَابَهَهَا قَوْله تَعَالَى {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة: 36] كَمَا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي نَحْوِ وَكْزِ مُوسَى لَا مُطْلَقًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ

[فَصْلٌ فِي حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ]

(فَصْلٌ حُجِّيَّةُ السُّنَّةِ) أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مُفِيدَةً الْفَرْضَ أَوْ الْوُجُوبَ أَوْ الِاسْتِنَانَ (ضَرُورِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَيَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِتَحَقُّقِهَا) أَيْ حُجِّيَّتِهَا (وَهِيَ) أَيْ السُّنَّةُ (الْمَتْنُ عَلَى طَرِيقِهِ) أَيْ الْمَتْنُ وَقَوْلُهُ (السَّنَدُ) بَدَلٌ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَوْلُهُ (الْإِخْبَارُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَتْنِ (بِأَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ) أَيْ بِالْمَتْنِ (فُلَانٌ أَوْ خَلْقٌ) بَدَلٌ مِنْ السَّنَدِ لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ ثُبُوتُهَا وَعَدَمُهُ، ثُمَّ مَنَازِلُ الثُّبُوتِ ثُمَّ تَعْرِيفُ السَّنَدِ بِهَذَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَعِنْدِي لَوْ قَالَ: طَرِيقُ الْمَتْنِ. كَانَ أَوْلَى وَهُوَ مَأْخُوذٌ إمَّا مِنْ السَّنَدِ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا مِنْ سَفْحِ الْجَبَلِ أَيْ أَسْفَلِهِ لِأَنَّ الْمُسْنَدَ يَرْفَعُهُ إلَى قَائِلِهِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ سَنَدٌ أَيْ مُعْتَمَدٌ لِاعْتِمَادِ الْحُفَّاظِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَتْنُ (خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ) وَتَقَدَّمَ وَجْهُ حَصْرِهِ فِيهِمَا فِي أَوَائِلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى (فَالْخَبَرُ قِيلَ لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ) أَيْ تَحْدِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِيقِيِّ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ جَامِعَةٍ لِلْجِنْسِ وَالْفَصْلِ الذَّاتِيِّ لِأَنَّ إدْرَاكَ ذَاتِيَّاتِ الْحَقِيقَةِ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ كَمَا قِيلَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ (وَقِيلَ لِأَنَّ عِلْمَهُ) أَيْ الْخَبَرِ (ضَرُورِيٌّ) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالسَّكَّاكِيِّ (لِعِلْمِ كُلٍّ بِخَبَرٍ خَاصٍّ ضَرُورَةً وَهُوَ) أَيْ الْخَبَرُ الْخَاصُّ (أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَتَمْيِيزُهُ) أَيْ وَلِتَمْيِيزِ كُلِّ الْخَبَرِ (عَنْ قَسِيمِهِ) الَّذِي هُوَ الْإِنْشَاءُ (ضَرُورَةً) وَلِذَا يُورَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ وَيُجَابُ عَنْ كُلٍّ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَإِذَا كَانَ الْخَبَرُ الْمُقَيَّدُ الَّذِي هُوَ الْخَاصُّ ضَرُورِيًّا (فَالْمُطْلَقُ) أَيْ الْخَبَرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُ (كَذَلِكَ) أَيْ ضَرُورِيٌّ بَلْ أَوْلَى لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ تَصَوُّرِ الْكُلِّ ضَرُورِيًّا مَعَ كَوْنِ تَصَوُّرِ الْجُزْءِ مُكْتَسِبًا لِتَوَقُّفِ تَصَوُّرِ الْكُلِّ عَلَى تَصَوُّرِ الْجُزْءِ وَعَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَصَوُّرُ الْجُزْءِ.

(وَأَوْرَدَ) عَلَى أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْلِ (الضَّرُورَةَ تُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ) عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِدْلَالَ (وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ كَوْنَ الضَّرُورِيِّ يُنَافِي الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ (عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ) لِلضَّرُورَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ (وَلَيْسَ) مَحَلُّهُمَا هُنَا مُتَّحِدًا (فَالضَّرُورِيُّ حُصُولُ الْعِلْمِ بِلَا نَظَرٍ وَكَوْنُهُ) أَيْ الْعِلْمِ (حَاصِلًا كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى وَجْهِ الضَّرُورَةِ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ حُصُولِهِ بِلَا نَظَرٍ وَهُوَ النَّظَرِيُّ (وَلَوْ أَوْرَدَ كَذَا الْحَاصِلُ ضَرُورَةً يَلْزَمُهُ ضَرُورِيَّةُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا إذْ بَعْدَ حُصُولِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ ضَرُورَةً (لَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ الثَّانِي) وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ ضَرُورِيًّا (بَعْدَ تَجْرِيدِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ سِوَى عَلَى الِالْتِفَاتِ) أَيْ اسْتِحْضَارِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِلَا نَظَرٍ (وَتَطْبِيقِ) هَذَا (الْمَفْهُومِ) عَلَى الْعِلْمِ الْحَاصِلِ فَيَجِدُهُ حَصَلَ بِلَا نَظَرٍ فَيَعْلَمُ كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا وَهُوَ الْعِلْمُ الثَّانِي (وَلَيْسَ) هَذَا (النَّظَرُ) فَإِنَّ تَجْرِيدَ الطَّرَفَيْنِ وَتَوَجُّهَ النَّفْسِ مِمَّا يَلْزَمُ فِي كُلٍّ ضَرُورِيٌّ (كَانَ) هَذَا الْإِيرَادُ (لَازِمًا فَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ.

(تَنْبِيهٌ) عَلَى خَفَائِهِ ثُمَّ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْجَوَابَ هُنَا كَالْجَوَابِ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْعِلْمُ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ كُلًّا يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَالْمُطْلَقُ جُزْءٌ إلَخْ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ حَاصِلٌ هُنَا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وَالْحُصُولُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ الْحَاصِلِ فَيُعْرَفُ لِيَصِيرَ بِنَفْسِهِ مُتَصَوَّرًا فَأَجَابَ هُنَا كَذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الْخَبَرِ حَاصِلٌ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمِثَالِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فَيُحَدُّ لِيَصِيرَ مُتَصَوَّرًا وَرَأَى الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ لَا فِي نَفْسِ الْعِلْمِ فَقَوْلُنَا يَعْلَمُ كُلٌّ أَنَّهُ مَوْجُودٌ يُبَيِّنُ أَنَّ مَضْمُونَ أَنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ الْخَبَرُ تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ أَصْلًا بَعْدَ فَرْضِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَعَلَّقَ بِهِ بِوَجْهٍ وَالْحَدُّ لِإِرَادَةِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْجَوَابُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ (بِوَجْهٍ لَا يَسْتَلْزِمُ تَصَوُّرَ حَقِيقَتِهِ) أَيْ الْخَبَرِ (ضَرُورَةً) وَتَصَوُّرُ حَقِيقَتِهِ هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّعْرِيفِ ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ أَنَّ الْخَبَرَ ضَرُورِيٌّ فَقَالَ (وَالظَّاهِرُ أَنَّ إعْطَاءَ اللَّوَازِمِ) أَيْ إعْطَاءَ كُلِّ أَحَدٍ لَازِمَ الْخَبَرِ لِلْخَبَرِ وَلَازِمَ الْإِنْشَاءِ

ص: 225

لِلْإِنْشَاءِ (مِنْ وَضْعِ كُلٍّ) مِنْهُمَا (مَوْضِعَهُ) فَلَا يَضَعُ أَحَدٌ قُمْت مَكَانَ قُمْ وَلَا عَكْسَهُ وَمِنْ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَعَدَمِهِ (وَنَفْيِ) كُلِّ أَحَدٍ (مَا يَمْتَنِعُ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (عَنْهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا يَقُولُ إنَّ قُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (فَرْعٌ تَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ) وَهِيَ الْمَعْنَى الَّذِي سَمَّيْنَا الدَّالَّ عَلَيْهِ خَبَرًا وَإِنْشَاءً (إذْ هِيَ) أَيْ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ هِيَ (الْمُسْتَلْزِمَةُ) لِذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ.

(نَعَمْ لَا يَتَصَوَّرُهُمَا) أَيْ الْحَقِيقَتَيْنِ (مِنْ حَيْثُ هُمَا مُسَمَّيَا الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ) أَوْ غَيْرِهِمَا وَذَلِكَ لَا يَنْفِي ضَرُورِيَّةَ نَفْسِهِمَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَمَّ الْحَقَائِقُ بِأَسْمَاءِ أَصْلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفِي كَوْنَ بَعْضِهِمَا ضَرُورِيًّا فَحِينَئِذٍ إذَا عُرِّفَ الْخَبَرُ وَالْإِنْشَاءُ (فَيُعَرِّفَانِ اسْمًا) أَيْ تَعْرِيفًا اسْمِيًّا لِإِفَادَةِ أَنَّ مُسَمَّى لَفْظِ الْخَبَرِ كَذَا وَمُسَمَّى لَفْظِ الْإِنْشَاءِ كَذَا (وَإِنْ كَانَ) التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ (قَدْ يَقَعُ حَقِيقِيًّا) بِأَنْ كَانَتْ ذَاتِيَّاتُ الْحَقِيقَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالِاسْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ (فَالْخَبَرُ مُرَكَّبٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِلَا نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِهِ) فَمُرَكَّبُ جِنْسٍ لِسَائِرِ الْمُرَكَّبَاتِ وَيَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ إلَخْ مُخْرِجٌ لِمَا عَدَا الْخَبَرِ مِنْهَا مِنْ مُرَكَّبٍ إضَافِيٍّ وَمَزْجِيٍّ وَتَقْيِيدِيٍّ وَإِنْشَائِيٍّ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَقَالَ بِلَا نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِهِ أَيْ وَخُصُوصِ الْكَلَامِ لِئَلَّا يُظَنَّ خُرُوجُ الْخَبَرِ الْمَقْطُوعِ بِصِدْقِهِ كَخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِ رَسُولِهِ وَالْمَقْطُوعُ بِكَذِبِهِ كَالْمَعْلُومِ خِلَافَهُ ضَرُورَةً كَالنَّقِيضَانِ يَجْتَمِعَانِ أَوْ يَرْتَفِعَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى مُحَصَّلِ مَفْهُومِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَحْكُومُ فِيهِ أَوْ لَيْسَ إيَّاهُ كَانَ صَالِحًا لِلِاتِّصَافِ بِكُلٍّ مِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ فَيَنْدَرِجُ الْخَبَرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيهِ (وَأَوْرَدَ) عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ (الدَّوْرَ) أَيْ أَنَّهُ دَوِّرِي (لِتَوَقُّفِ) كُلٍّ مِنْ (الصِّدْقِ) وَالْكَذِبِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْخَبَرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الصِّدْقَ (مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ) وَالْكَذِبُ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ وَقَدْ فَرَضَ تَوَقُّفَ الْخَبَرِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (وَبِمَرْتَبَةٍ) أَيْ وَأَوْرَدَ لُزُومَ الدَّوْرِ بِمَرْتَبَةٍ أَيْضًا (لَوْ قِيلَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ) مَكَانَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُفَسِّرَ التَّصْدِيقَ بِالْخَبَرِ بِصِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَالتَّكْذِيبَ بِالْخَبَرِ بِكَذِبِ الْمُتَكَلِّمِ أَمَّا لَوْ فَسَّرَ التَّصْدِيقَ بِنِسْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الصِّدْقِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَالتَّكْذِيبَ بِنِسْبَةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الْكَذِبِ وَهُوَ الْخَبَرُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الدَّوْرُ بِمَرْتَبَتَيْنِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَهُوَ عَلَى الصِّدْقِ وَهُوَ عَلَى الْخَبَرِ.

وَكَذَا فِي التَّكْذِيبِ وَلَوْ فَسَّرَ التَّصْدِيقَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقًا وَالتَّكْذِيبَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا لَزِمَهُ الدَّوْرُ بِمَرَاتِبَ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَمَعْرِفَةِ التَّصْدِيقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّادِقِ وَمَعْرِفَةِ الصَّادِقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ وَمَعْرِفَةِ الصِّدْقِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ وَكَذَا فِي التَّكْذِيبِ وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ اللَّذَانِ هُمَا صِفَةُ الْخَبَرِ أَعْنِي مُطَابَقَتَهُ لِلْوَاقِعِ وَعَدَمَ مُطَابَقَتِهِ لَهُ وَمَا أُخِذَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وَأَيْضًا اللَّازِمُ فَسَادُ تَعْرِيفِ الْخَبَرِ أَوْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِلُزُومِ الدُّورِ لَا تَعْرِيفَ الْخَبَرِ عَلَى التَّعْيِينِ وَأَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (إنَّمَا يَلْزَمُ) الدَّوْرُ (لَوْ لَزِمَ) ذِكْرُ الْخَبَرِ (فِي تَعْرِيفِهِ) الصِّدْقَ وَكَذَا فِي تَعْرِيفِ الْكَذِبِ (وَلَيْسَ) ذِكْرُهُ لَازِمًا فِيهِمَا بَلْ يُعْرَفَانِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُهُمَا عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَبَرِ (إذْ يُقَالُ فِيهِمَا) أَيْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ (مَا طَابَقَ نَفْسِيُّهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) تَعْرِيفًا لِلصِّدْقِ أَيْ مَا يَكُونُ نِسْبَتُهُ النَّفْسِيَّةُ مُطَابِقَةً لِلنِّسْبَةِ الَّتِي فِي الْوَاقِعِ بِأَنْ يَكُونَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (أَوْ لَا) أَيْ وَمَا لَا يُطَابِقُ نَفْسِيُّهُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَعْرِيفًا لِلْكَذِبِ أَيْ مَا يَكُونُ إحْدَى نِسْبَتَيْهِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً أَوْ يُقَالُ هُمَا ضَرُورِيَّانِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ) فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ (كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً) يَرِدُ (عَلَيْهِ أَنَّ نَحْوَ قَائِمٍ) مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ (عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي الْحُسَيْنِ (كَلَامٌ) لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ الْكَلَامُ هُوَ مَا اُنْتُظِمَ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ الْمُتَوَاضَعِ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمَعَانِي (وَيُفِيدُهَا) أَيْ قَائِمُ النِّسْبَةِ (بِنَفْسِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ النِّسْبَةُ مَدْلُولَهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ لَا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا عَقْلًا وَبِالنِّسْبَةِ نِسْبَةٌ مَعْنًى إلَى

ص: 226

الذَّاتِ (وَلَيْسَ) نَحْوَ قَائِمٍ (خَبَرًا) بِالِاتِّفَاقِ وَلَمَّا جَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهُ بِنَفْسِهِ لِإِخْرَاجِ قَائِمٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ لِإِفَادَتِهَا نِسْبَةً لَا بِنَفْسِهَا بَلْ مَعَ الْمَوْضُوعِ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ مَثَلًا وَكَانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ التَّحْقِيقِ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (وَمَا قِيلَ مَعَ الْمَوْضُوعِ مَمْنُوعٌ) بَلْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ يُفِيدُهَا لَا بِقَيْدِ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ الْمَوْضُوعِ. (إذْ الْمُشْتَقُّ دَالٌّ عَلَى ذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ) أَيْ لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَقٍّ مِنْ الصِّفَاتِ وُضِعَ لِذَاتٍ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا فَيُفِيدُ النِّسْبَةَ بِنَفْسِهِ إذْ قَدْ وُضِعَ لِذَلِكَ فَلَزِمَتْ النِّسْبَةُ حِينَئِذٍ مَدْلُولَةً لِنَفْسِ الْمُشْتَقِّ وَأَمَّا مَعَ الْمَوْضُوعِ فَيُفِيدُ النِّسْبَةَ إلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الذَّاتَ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا الْوَصْفُ فِي الْمُشْتَقِّ مُبْهَمَةٌ وَبِذِكْرِ مَوْضُوعٍ تَتَعَيَّنُ ضَرْبًا مِنْ التَّعْيِينِ (فَالْمَوْضُوعُ لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ) وَلَا دَخْلَ لِلْمَوْضُوعِ فِي إفَادَتِهَا هَذَا عَلَى هَذَا النَّقْلِ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْهُ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْخَبَرِ فَمَا نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْهُ وَهُوَ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إضَافَةَ أَمْرٍ إلَى أَمْرٍ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْمَذْكُورُ لِأَبِي الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ وَتُرَاجَعْ حَاشِيَتُهُ وَحَاشِيَةُ التَّفْتَازَانِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ (وَأَمَّا إيرَادُ نَحْوِ قُمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهِ (لِإِفَادَتِهِ) أَيْ نَحْوِ قُمْ (نِسْبَةَ الْقِيَامِ) إلَى الْمُخَاطَبِ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْقِيَامُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهِ لَا مُطْلَقُ الطَّلَبِ وَهُوَ لَيْسَ بِخَبَرٍ قَطْعًا (فَلَيْسَ) بِوَارِدٍ عَلَيْهِ (إذْ لَمْ يُوضَعْ) نَحْوَ قُمْ (سِوَى لِطَلَبِ الْقِيَامِ) أَيْ طَلَبِ الْمُتَكَلِّمِ الْقِيَامَ مِنْ الْمُخَاطَبِ (وَفَهْمِ النِّسْبَةِ) أَيْ نِسْبَةِ طَلَبِ الْقِيَامِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إلَى الطَّالِبِ وَنِسْبَةِ وُقُوعِ الْقِيَامِ مِنْ الْمُخَاطَبِ إلَيْهِ أَيْ الْحُكْمِ بِوُقُوعِهِ مِنْهُ عِنْدَ الِامْتِثَالِ (بِالْعَقْلِ وَالْمُشَاهَدَةِ) لَفًّا وَنَشْرًا مُرَتَّبًا (لَا يَسْتَلْزِمُ الْوَضْعَ) أَيْ وَضْعَ نَحْوِ قُمْ (لَهَا) أَيْ لِلنِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَوْعَيْهَا (فَلَيْسَ) فَهْمُ النِّسْبَةِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ لَفْظِ الطَّلَبِ بَلْ دَلَالَةُ الطَّلَبِ عَلَى الْأَوَّلِ عَقْلِيَّةٌ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الثَّانِي أَصْلًا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْحِسِّ. (وَمَا قِيلَ) أَيْ وَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْبَدِيعِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ (الْأَوْلَى) فِي تَعْرِيفِهِ (كَلَامٌ مَحْكُومٌ فِيهِ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجٌ فَطَلَبَتْ الْقِيَامَ مِنْهُ) أَيْ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مَحْكُومٌ فِيهِ بِنِسْبَةِ طَلَبِ الْقِيَامِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَلَهَا خَارِجٌ قَدْ يُطَابِقُهُ فَيَكُونُ صِدْقًا وَقَدْ لَا يُطَابِقُهُ فَيَكُونُ كَذِبًا (لَا قُمْ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مَحْكُومًا فِيهِ بِنِسْبَةٍ إلَى الْقِيَامِ إلَى الْمَأْمُورِ وَنِسْبَةِ الطَّلَبِ إلَى الْآمِرِ لَكِنْ هَذِهِ النِّسْبَةُ لَيْسَ لَهَا خَارِجٌ تُطَابِقُهُ أَوْ لَا تُطَابِقُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إلَّا مُجَرَّدَ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ (فَعَلَى إرَادَةِ مَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ بِالْكَلَامِ فَلَا يَرِدُ الْغُلَامُ الَّذِي لِزَيْدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ (وَلَا حَاجَةَ إلَى مَحْكُومٍ) حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِ بِنِسْبَةٍ وَإِنَّمَا يَكْفِي كَلَامٌ فِيهِ نِسْبَةٌ لَهَا خَارِجٌ (بَلْ قَدْ يُوهِمُ) التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ (أَنَّ مَدْلُولَ الْخَبَرِ الْحُكْمُ) لِلْمُخْبِرِ بِوُقُوعِ النِّسْبَةِ. (وَحَاصِلُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (عِلْمٌ) لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ (وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (لَمْ يُوضَعْ لِعِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بَلْ) إنَّمَا وُضِعَ (لِمَا عِنْدَهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ وَاللَّا وُقُوعِهَا (فَالْأَحْسَنُ) فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ (كَلَامٌ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَهُوَ كَلَامٌ وَالْفَصْلُ الْقَرِيبُ وَهُوَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ مَعَ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَعَدَمِ إيهَامِ خِلَافِ الْمُرَادِ

(وَاعْلَمْ أَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (يَدُلُّ عَلَى مُطَابَقَتِهِ) لِلْوَاقِعِ وَهُوَ الصِّدْقُ (فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى نِسْبَةٍ) تَامَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ (وَاقِعَةٍ) كَمَا فِي الْإِثْبَاتِ (أَوْ غَيْرِ وَاقِعَةٍ) كَمَا فِي السَّلْبِ مُشْعِرَةٍ بِحُصُولِ نِسْبَةٍ أُخْرَى فِي الْوَاقِعِ مُوَافَقَةٍ لَهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَهَذِهِ الْأُخْرَى مَدْلُولَةٌ لِلْخَبَرِ بِتَوَسُّطِ الْأُولَى وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِفَادَةِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُخْرَى الْمُشْعِرُ بِهَا مُوَافِقَةً لِلْأُولَى كَانَ الْخَبَرُ صَادِقًا وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ صِدْقُ الْخَبَرِ ثُبُوتُ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَكَذِبُهُ تَخَلُّفُ مَدْلُولِهِ مَعَهُ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ وَدَلَالَةُ الذِّهْنِيَّةِ عَلَى حُصُولِ النِّسْبَةِ الْأُخْرَى بِطَرِيقِ الْإِشْعَارِ لَا بِاسْتِلْزَامٍ عَقْلِيٍّ وَجَازَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ مَدْلُولُهَا بِلَا وَاسِطَةٍ فَضْلًا عَنْ مَدْلُولِهَا بِوَاسِطَةٍ وَهَذَا مَعْنَى مَا قِيلَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ هُوَ الصِّدْقُ وَأَمَّا الْكَذِبُ فَاحْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَمَدْلُولُ اللَّفْظِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ ثَابِتًا فِي الْوَاقِعِ) بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا وَأَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا (فَجَاءَ احْتِمَالُ الْكَذِبِ بِالنَّظَرِ

ص: 227

إلَى أَنَّ الْمَدْلُولَ) الْمَذْكُورَ هُوَ (كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوَّلًا) وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَى هَذَا فِي أَقْسَامِ الْمُرَكَّبِ وَأَوْضَحْنَاهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَيْضًا ثَمَّةَ

(وَمَا لَيْسَ بِخَبَرٍ إنْشَاءً وَمِنْهُ) أَيْ الْإِنْشَاءِ (الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالتَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالْقَسَمُ وَالنِّدَاءُ وَيُسَمَّى الْأَخِيرَانِ) أَيْ الْقَسَمُ وَالنِّدَاءُ (تَنْبِيهًا أَيْضًا) بَلْ الْمَنْطِقِيُّونَ يُسَمُّونَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخِيرَةَ تَنْبِيهًا وَزَادَ بَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الشَّمْسِيَّةِ الِاسْتِفْهَامَ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِخَبَرٍ يُسَمَّى إنْشَاءً فَإِنْ كَانَ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ فَسَهْلٌ وَإِلَّا فَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ (وَاخْتُلِفَ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ وَالْإِسْقَاطَاتِ كَبِعْت وَأَعْتَقْت إذَا أُرِيدَ حُدُوثُ الْمَعْنَى بِهَا فَقِيلَ إخْبَارَاتٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (فَيَنْدَفِعُ الِاسْتِدْلَال عَلَى إنْشَائِيَّتِهِ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ (بِصِدْقِ تَعْرِيفِهِ) أَيْ الْإِنْشَاءِ وَهُوَ كَلَامٌ لَيْسَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ عَلَيْهِ (وَانْتِفَاءِ لَازِمِ الْإِخْبَارِ مِنْ احْتِمَالِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ) عَلَيْهِ لِأَنَّ بِعْت لَا يَدُلُّ عَلَى بَيْعٍ آخَرَ غَيْرَ الْبَيْعِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ (لِأَنَّ ذَلِكَ) الِاسْتِدْلَالَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يُفِيدُ نَفْيَ قَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ (لَوْ لَمْ يَكُنْ) مُرَادُهُ كَوْنَهُ (إخْبَارًا عَمَّا فِي النَّفْسِ) بِأَنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ خَارِجٍ أَمَّا إذَا أُرِيدَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ مِنْ الْمَعْنَى فَلَا وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ) مِنْ هَذِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ احْتِمَالِهِ الْكَذِبَ (أَنَّهُ إخْبَارٌ يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِخَارِجٍ) هُوَ نَفْسُ اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ بِعْت مَثَلًا فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ فَيُعْلَمُ صِدْقُهُ (كَإِخْبَارِهِ بِأَنَّ فِي ذِهْنِهِ كَذَا) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ فِي ذِهْنِهِ مَعْنَى بِعْت بَعْدَ مَا قَالَ بِعْت (وَمَا اسْتَدَلَّ) بِهِ الْإِنْشَائِيُّونَ مِنْ أَنَّهُ (لَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ مَاضِيًا) لِوَضْعِ لَفْظِهِ لِذَلِكَ وَعَدَمِ وُرُودِ مُغَيِّرٍ.

(وَامْتَنَعَ التَّعْلِيقُ) أَيْ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ تَوْقِيفُ دُخُولِ أَمْرٍ فِي الْوُجُودِ عَلَى دُخُولِ غَيْرِهِ وَالْمَاضِي دَخَلَ فِيهِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَوْقِيفُ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ عَلَى دُخُولِ غَيْرِهِ وَكِلَا اللَّازِمَيْنِ مُنْتَفٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَعَلُّقِ الطَّلَاقِ بِدُخُولِ الدَّارِ فِيمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَقَدْ طَلَّقْتُك (مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ مَاضٍ إذْ ثَبَتَ فِي ذِهْنِ الْقَائِلِ الْبَيْعُ وَالتَّعْلِيقُ) لِلطَّلَاقِ (وَاللَّفْظُ إخْبَارٌ عَنْهُمَا) أَيْ الْبَيْعِ وَالتَّعْلِيقِ الْكَائِنَيْنِ فِي الذِّهْنِ فَالْقَابِلُ لِلتَّعْلِيقِ بِالتَّحْقِيقِ هُوَ مَا فِي الذِّهْنِ وَاللَّفْظُ إخْبَارٌ عَنْهُ وَإِعْلَامٌ بِهِ (وَأَلْزَمَ امْتِنَاعَ الصِّدْقِ لِأَنَّهُ) أَيْ الصِّدْقُ (بِالْمُطَابَقَةِ وَهِيَ) أَيْ الْمُطَابَقَةُ (بِالتَّعَدُّدِ) أَيْ تَعَدُّدِ مَا فِي الْوَاقِعِ وَالنَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْكَلَامِ (وَلَيْسَ) هُنَا شَيْءٌ (إلَّا مَا فِي النَّفْسِ وَهُوَ) أَيْ مَا فِي النَّفْسِ (الْمَدْلُولُ) أَيْضًا (فَلَا خَارِجَ) فَلَا مُطَابَقَةَ فَلَا صِدْقَ (وَأُجِيبُ بِثُبُوتِهِ) أَيْ تَعَدُّدِ مَا فِي الْوَاقِعِ وَالنَّفْسِيِّ اعْتِبَارًا (فَمَا فِي النَّفْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَا فِي النَّفْسِ (مِنْ حَيْثُ هُوَ فِيهَا) أَيْ فِي النَّفْسِ (فَتُطَابِقُ الْمُتَعَدِّدَ) أَيْ فَيَكُونُ النِّسْبَةُ الْقَائِمَةُ بِالنَّفْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَدْلُولُ اللَّفْظِ مُطَابِقَةً لَهَا لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي النَّفْسِ قَالَ الْمُصَنِّفُ.

(وَمَبْنَى هَذَا التَّكَلُّفِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ (إخْبَارٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ) كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ (لَكِنْ الْوِجْدَانُ شَاهِدٌ بِأَنَّ الْكَائِنَ فِيهَا) أَيْ فِي النَّفْسِ (مَا لَمْ يَنْطِقْ لَيْسَ) شَيْئًا (غَيْرَ إرَادَةِ الْبَيْعِ لَا يُعْلَمُ قَوْلُهَا) أَيْ النَّفْسَ (بِعْتُك قَبْلَهُ) أَيْ النُّطْقِ بِهِ (إنَّمَا يَنْطِقُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ بِعْتُك (فَهِيَ إنْشَاءَاتٌ) لَفْظُهَا عِلَّةٌ لِإِيجَادِ مَعْنَاهَا

(ثُمَّ يَنْحَصِرُ) الْخَبَرُ (فِي صِدْقٍ إنْ طَابَق) حُكْمُهُ (الْوَاقِعَ) أَيْ الْخَارِجَ الْكَائِنَ لِنِسْبَةِ الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ بِأَنْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ الذِّهْنِيَّةُ مُوَافِقَةً لِنِسْبَتِهِ الْخَارِجِيَّةِ فِي الْكَيْفِ بِأَنْ كَانَتَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (وَكَذِبٍ إنْ لَا) تُطَابِقَ نِسْبَتُهُ الذِّهْنِيَّةُ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ فِي الْكَيْفِ بِأَنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْمُطَابَقَةَ أَوْ عَدَمَهَا فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَحَصَرَهُ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ (الْجَاحِظُ فِي ثَلَاثَةٍ) الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ (الثَّالِثِ مَا لَا) أَيْ مَا لَيْسَ بِصَادِقٍ (وَلَا) كَاذِبٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ (إمَّا مُطَابِقٌ) لِلْوَاقِعِ (مَعَ الِاعْتِقَادِ) لِلْمُطَابَقَةِ (أَوْ) مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ مَعَ (عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ اعْتِقَادِهَا (أَوْ غَيْرُ مُطَابِقٍ) لِلْوَاقِعِ.

(كَذَلِكَ) أَيْ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ وَمَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهَا (الثَّانِي مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ الْمُطَابِقُ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ وَيَصْدُقُ

ص: 228

بِصُورَتَيْنِ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ وَعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ أَصْلًا وَالثَّانِي مِنْ الثَّانِي غَيْرِ الْمُطَابِقِ مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ وَيَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ أَيْضًا اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ وَعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ (لَيْسَ كَذِبًا وَلَا صِدْقًا) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَالْأَوَّلُ مِنْ الْأَوَّلِ صِدْقٌ وَمِنْ الثَّانِي كَذِبٌ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ عَلَى قَوْلِهِ سِتَّةً وَاحِدٌ صِدْقٌ وَوَاحِدٌ كَذِبٌ وَأَرْبَعَةٌ وَاسِطَةٌ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةُ {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] أَيْ جُنُونٌ (حَصَرُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (قَوْلَهُ) أَيْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7](فِي الْكَذِبِ وَالْجِنَّةِ فَلَا كَذِبَ مَعَهَا) أَيْ الْجِنَّةِ لِأَنَّهُ قَسِيمُ الْكَذِبِ عَلَى زَعْمِهِمْ وَقَسِيمُ الشَّيْءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ (وَلَمْ يَعْتَقِدُوا صِدْقَهُ) بَلْ هُمْ جَازِمُونَ بِكَذِبِهِ فَهَذَا حِينَئِذٍ لَيْسَ بِكَذِبٍ وَلَا صِدْقٍ ثُمَّ هُمْ عُقَلَاءُ عَارِفُونَ بِاللُّغَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخَبَرِ مَا لَيْسَ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا لِيَكُونَ هَذَا مِنْهُمْ بِزَعْمِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَالْجَوَابُ حَصَرُوهُ) أَيْ خَبَرَهُ (فِي الِافْتِرَاءِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَالْجِنَّةِ الَّتِي لَا عَمْدَ فِيهَا فَهُوَ) أَيْ حَصْرُهُمْ خَبَرَهُ إنَّمَا هُوَ (فِي كَذِبٍ عَمْدٍ وَغَيْرِ عَمْدٍ) أَيْ فِي نَوْعَيْهِ الْمُتَبَايِنَيْنِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَنَوَّعُ إلَيْهِمَا قَوْله تَعَالَى {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} [النحل: 39] وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (أَوْ) حَصَرُوهُ (فِي تَعَمُّدِهِ) أَيْ الْكَذِبَ (وَعَدَمِ الْخَبَرِ) لِخُلُوِّهِ عَنْ الْقَصْدِ وَالشُّعُورِ الْمُعْتَدِّ بِهِ عَلَى مَا هُوَ حَالُ الْمَجْنُونِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ فَضْلًا عَنْ الْخَبَرِ فَهُوَ حُصِرَ فِي فَرْدٍ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَا كَذَبَ وَلَكِنَّهُ وَهَمَ) وَعَزَاهُ السُّبْكِيُّ إلَى الصَّحِيحَيْنِ. (تُرِيدُ) مَا كَذَبَ (عَمْدًا) وَلَيْسَ لَفْظُ مَا كَذَبَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَإِنَّمَا فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رحمه الله لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ وَهَمَ إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِرَجُلٍ مَاتَ يَهُودِيًّا أَنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبَ وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ» ثُمَّ قَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الْمُوَطَّأِ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ

(وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ النَّظَّامُ وَمُوَافِقُوهُ (الصِّدْقُ مُطَابَقَةُ الِاعْتِقَادِ) وَإِنْ كَانَ الِاعْتِقَادُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ (وَالْكَذِبُ عَدَمُهَا) أَيْ مُطَابَقَةِ الِاعْتِقَادِ وَإِنْ كَانَ الِاعْتِقَادُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ فَهُوَ كَمَا قَالَ (فَالْمُطَابِقُ) لِلْوَاقِعِ (كَذِبٌ إذَا اعْتَقَدَ عَدَمَهَا) أَيْ الْمُطَابَقَةِ لِلْوَاقِعِ وَالْمُخَالِفُ لِلْوَاقِعِ صِدْقٌ إذَا اعْتَقَدَ مُطَابَقَتَهُ لَهُ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ عِنْدَهُ أَيْضًا لِأَنَّ مَا لَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ كَاذِبٌ كَانَ هُنَاكَ اعْتِقَادٌ أَوْ لَا (لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] فِي قَوْلِهِمْ {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1] الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ دُونَ اعْتِقَادِهِمْ (أُجِيبَ) بِأَنَّ التَّكْذِيبَ إنَّمَا هُوَ (فِي الشَّهَادَةِ لِعَدَمِ الْمُوَاطَأَةِ) أَيْ مُوَافَقَةِ اللِّسَانِ الْقَلْبَ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى خَبَرٍ ضِمْنِيٍّ يُشْعِرُ بِهِ تَأْكِيدُهُمْ كَلَامَهُمْ بِأَنَّ وَاللَّامِ وَكَوْنِ الْجُمْلَةِ اسْمِيَّةٌ وَهُوَ أَنَّ إخْبَارَنَا هَذَا صَادِرٌ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِنَا وَخُلُوصِ اعْتِقَادِنَا وَوُفُورِ رَغْبَتِنَا وَنَشَاطِنَا لَا إلَى خَبَرِهِمْ الْمَذْكُورِ صَرِيحًا وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ تَعَالَى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون: 1](أَوْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ) الشَّهَادَةُ (مِنْ الْعِلْمِ) لِأَنَّ مَنْ قَالَ أَشْهَدُ بِكَذَا تَضَمَّنَ إنِّي أَقُولُهُ عَنْ عِلْمٍ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِمُجَرَّدِهَا تَحْتَمِلُ الْعِلْمَ وَالزُّورَ وَتَقَيُّدُهُمَا لُغَةٌ أَوْ فِي دَعْوَاهُمْ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْغَيْبَةِ وَالْحُضُورِ بِشَهَادَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ الْمُنْبِئِ عَنْ الِاسْتِمْرَارِ أَوْ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَكِنْ لَا فِي الْوَاقِعِ بَلْ فِي زَعْمِهِمْ الْفَاسِدِ وَاعْتِقَادِهِمْ الْبَاطِلِ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ شَأْنُهُمْ الْكَذِبُ وَإِنْ صَدَقُوا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.

(وَالْمُوجِبُ لِهَذَا) التَّأْوِيلِ (وَمَا قَبْلَهُ) مِنْ تَأْوِيلِ قَوْلِ عَائِشَةَ (الْقَطْعُ مِنْ اللُّغَةِ بِالْحُكْمِ بِصِدْقِ قَوْلِ الْكَافِرِ كَلِمَةَ الْحَقِّ) كَالْإِسْلَامِ حَقٌّ لِكَوْنِهِ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ مَعَ عَدَمِ مُطَابَقَةِ اعْتِقَادِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ لِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ دُونَ الِاعْتِقَادِ وَمَا ذَكَرَهُ الْفَرِيقَانِ ظُنُونٌ وَالْقَطْعِيُّ لَا يُتْرَكُ بِالظَّنِّيِّ بَلْ بِالْعَكْسِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْوِيلُهُ وَإِلَّا كَانَ يُدْفَعُ بِأَنَّ التَّأْوِيلَ خِلَافُ الْأَصْلِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ الصِّدْقُ الْمُطَابَقَةُ الْخَارِجِيَّةُ مَعَ اعْتِقَادِهَا فَإِنَّ فَقْدَ كُلٍّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ صَدَقَ فَقْدُ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ بِاعْتِقَادِ عَدَمِهَا أَمْ

ص: 229

بِعَدَمِ اعْتِقَادِ شَيْءٍ فَكَذِبٌ وَإِنَّ فَقْدَ أَحَدِهِمَا يُوصَفُ بِالصِّدْقِ مِنْ حَيْثُ مُطَابَقَتُهُ لِلِاعْتِقَادِ أَوْ لِلْخَارِجِ وَبِالْكَذِبِ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاءُ الْمُطَابَقَةِ لِلْخَارِجِ أَوْ اعْتِقَادُهَا فِيهِ وَفِي الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَقِيلَ إنْ طَابَقَ فَصِدْقٌ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ فَإِنْ عَلِمَ الْمُتَكَلِّمُ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ فَكَذِبٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَخَطَأٌ لَا كَذِبٌ وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] لِأَنَّهُمْ نَسَبُوهُ إلَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إخْبَارِهِ عَنْ الْبَعْثِ عَنْ غَيْرِ عَمْدِ الْكَذِبِ فَصَارَ فِي خِطَابِهِ كَذِي الْجِنَّةِ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ انْتَهَى قُلْت وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرًا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ

(وَيَنْقَسِمُ) الْخَبَرُ (بِاعْتِبَارٍ آخَرَ) أَيْ الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ بِصِدْقِهِ وَعَدَمِهِ (إلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ضَرُورَةً) إمَّا بِنَفْسِهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُتَوَاتِرُ فَإِنَّهُ بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِمَضْمُونِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ أَيْ اُسْتُفِيدَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِمَضْمُونِهِ بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ مَعْلُومًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ نَحْوُ الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ (أَوْ نَظَرًا كَخَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) وَأَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ مَنْ ثَبَتَ بِأَحَدِهَا صِدْقُهُ بِأَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ أَوْ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِصِدْقِهِ وَخَبَرِ مَنْ وَافَقَ خَبَرُهُ دَلِيلَ الْعَقْلِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ عِلْمُ وُقُوعِ مَضْمُونِهِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَهُوَ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى صِدْقِ اللَّهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ وَعِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنْ الْكَذِبِ وَعَلَى أَنَّ الْمُوَافِقَ لِلصَّادِقِ صَادِقٌ (أَوْ) مَا يُعْلَمُ (كَذِبُهُ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ) أَيْ مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ ضَرُورَةً كَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ أَوْ نَظَرًا كَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ (وَمَا يَظُنُّ أَحَدُهُمَا) أَيْ صِدْقَهُ أَوْ كَذِبَهُ (كَخَبَرِ الْعَدْلِ) لِرُجْحَانِ صِدْقِهِ عَلَى كَذِبِهِ (وَالْكَذُوبِ) لِرُجْحَانِ كَذِبِهِ عَلَى صِدْقِهِ (أَوْ يَتَسَاوَيَانِ) أَيْ الِاحْتِمَالَانِ (كَالْمَجْهُولِ) أَيْ كَخَبَرِ مَجْهُولِ الْحَالِ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ فِي الْعَدَالَةِ وَعَدَمِهَا وَلَمْ يَشْتَهِرْ أَمْرُهُ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَإِنَّ الْجَهْلَ بِحَالِهِ يُوجِبُ تَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ.

(وَمَا قِيلَ مَا لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهُ يَعْلَمْ كَذِبَهُ) وَإِلَّا لَنُصِبَ عَلَى صِدْقِهِ دَلِيلٌ (كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةَ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ صِدْقًا دَلَّ عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَةِ كَمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ (بَاطِلٌ لِلُزُومِ ارْتِفَاعِ النَّقِيضَيْنِ فِي إخْبَارِ مَسْتُورَيْنِ بِنَقِيضَيْنِ) مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ أَحَدِهِمَا لِلُزُومِ كَذِبِهِمَا قَطْعًا وَيَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَهُمَا لِأَنَّ كَذِبَ كُلٍّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ يَسْتَلْزِمُ صِدْقَ الْآخَرِ (وَلُزُومُ الْحُكْمِ بِكُفْرِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ كَلِمَةَ الْحَقِّ وَلَا يُعْلَمُ صِدْقُهُمْ بِقَاطِعٍ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ (بِخِلَافِ أَهْلِ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ) مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِكُفْرِهِمْ إذَا أَتَوْا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْعَدَالَةَ (دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْعِلْمِ الْأَوَّلِ) أَيْ الَّذِي فِي قَوْلِهِ وَمَا قِيلَ مَا لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ يُعْلَمْ كَذِبُهُ (الظَّنُّ) غَيْرُ وَاقِعٍ مَوْقِعَهُ فِيمَا يَظْهَرُ بَلْ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بَدَلَهُ ثُمَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْعِلْمِ الْأَوَّلِ الظَّنُّ (وَإِلَّا) لَوْ أَرَادَ بِهِ الْقَطْعَ (بَطَلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ) لِأَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ إلَّا مِنْ خَارِجٍ (وَلَا يَقُولُهُ) أَيْ بُطْلَانَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (ظَاهِرِيٌّ فَلَا يَتِمُّ إلْزَامُ كُفْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِتَرَجُّحِ صِدْقِ خَبَرِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُسْلِمٌ عَلَى كَذِبِهِ فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ فَيَلْزَمُ اللَّازِمُ الْمَذْكُورُ لِفَرْضِ أَنَّهُ عُلِمَ صِدْقُهُ أَيْ ظُنَّ، وَالْعِلْمُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الظَّنِّ كَمَا بِالْعَكْسِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ لُزُومُ ارْتِفَاعِ النَّقِيضَيْنِ ظَنًّا.

وَأَمَّا تَمَسُّكُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحُكْمِ بِكَذِبِ مُدَّعِي الرِّسَالَةَ بِلَا دَلِيلٍ عَلَيْهَا فَجَوَابُهُ (وَالْحُكْمُ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي) الرِّسَالَةَ بِلَا مُعْجِزَةٍ (بِدَلِيلِهِ) أَيْ التَّكْذِيبِ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ عَنْ اللَّهِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَهِيَ تَقْضِي بِكَذِبِ مَنْ يَدَّعِي مَا يُخَالِفُهَا بِلَا دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ الْعَادَةَ لَا تَقْضِي بِكَذِبِهِ مِنْ غَيْرِ مُقْتَضٍ فَالْقِيَاسُ فَاسِدٌ تَنْبِيهٌ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ بِكَذِبِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ بِلَا دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعِيٌّ قَالَ السُّبْكِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِتَجْوِيزِ الْعَقْلِ صِدْقَهُ هَذَا وَمُدَّعِي النُّبُوَّةِ أَيْ الْإِيحَاءِ إلَيْهِ فَقَطْ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْمُرَادَ مُدَّعِيهَا قَبْلَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم

(وَ) يَنْقَسِمُ الْخَبَرُ (بِاعْتِبَارٍ آخَرَ) أَيْ السَّنَدِ (إلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ فَالْمُتَوَاتِرُ) لُغَةً الْمُتَتَابِعُ عَلَى التَّرَاخِي وَاصْطِلَاحًا (خَبَرُ جَمَاعَةٍ يُفِيدُ الْعِلْمَ لَا بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ) عَنْهُ بَلْ بِنَفْسِهِ فَخَبَرُ جِنْسٌ شَامِلٌ لَهُ وَلِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَجَمَاعَةٍ تَخْرُجُ بَعْضُ أَفْرَادِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ خَبَرُ الْفَرْدِ، وَ (يُفِيدُ الْعِلْمَ) يَخْرُجُ

ص: 230

مَا كَانَ مِنْ خَبَرِ الْآحَادِ خَبَرُ جَمَاعَةٍ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْعِلْمِ وَلَا بِالْقَرَائِنِ الْمُنْفَصِلَةِ عَمَّا يُفِيدُهُ مِنْ إخْبَارِ جَمَاعَةٍ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَقْلِيَّةً كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ وَخَبَرِ جَمَاعَةٍ مُوَافِقٍ كَخَبَرِ اللَّهِ وَخَبَرِ رَسُولِهِ أَوْ حِسِّيَّةً كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ عَنْ عَطَشِهِمْ وَجُوعِهِمْ بِشَهَادَةِ آثَارِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوْ عَادِيَّةً كَخَبَرِ جَمَاعَةٍ عَنْ مَوْتِ وَالِدِهِمْ مَعَ شَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ وَالتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ لَا تَكُونُ مُتَوَاتِرَةً (بِخِلَافِ مَا يَلْزَمُ) مِنْ الْقَرَائِنِ (نَفْسَهُ) أَيْ الْخَبَرَ مِثْلَ الْهَيْئَاتِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ الْمُوجِبَةِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ (أَوْ الْمُخْبِرَ) أَيْ الْمُتَكَلِّمَ مِثْلَ كَوْنِهِ مَوْسُومًا بِالصِّدْقِ مُبَاشِرًا لِلْأَمْرِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ (أَوْ الْمُخْبَرَ عَنْهُ) أَيْ الْوَاقِعَةَ الَّتِي أَخْبَرُوا عَنْ وُقُوعِهَا كَكَوْنِهَا أَمْرًا قَرِيبَ الْوُقُوعِ أَوْ بَعِيدَهُ فَإِنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ بِمَعُونَةِ مِثْلِ هَذِهِ الْقَرَائِنِ لَا تَقْدَحُ فِي التَّوَاتُرِ (وَعَنْهُ) أَيْ هَذَا اللَّازِمِ (يَتَفَاوَتُ عَدَدُهُ) أَيْ الْمُتَوَاتِرُ حَتَّى إنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إذَا كَانَ قَرِيبَ الْوُقُوعِ يَحْصُلُ بِإِخْبَارِ عَدَدٍ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِ بَعِيدِهِ.

(وَمَنَعَتْ السُّمَنِيَّةُ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ فِرْقَةٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مَنْسُوبَةٌ إلَى سُومَنَاتٍ بَلَدٍ مَشْهُورٍ بِالْهِنْدِ وَالْبَرَاهِمَةُ وَهُمْ طَائِفَةٌ لَا يُجَوِّزُونَ عَلَى اللَّهِ بِعْثَةَ الرُّسُلِ (إفَادَتَهُ الْعِلْمَ وَهُوَ) أَيْ مَنْعُهُمْ (مُكَابَرَةٌ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِوُجُودِ نَحْوِ مَكَّةَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ) بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا نَقْطَعُ بِالْمَحْسُوسَاتِ عِنْدَ الْإِحْسَاسِ بِهَا بِلَا تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَعُودُ إلَى الْجَزْمِ فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلَى إفَادَةِ هَذَا الْخَبَرِ الْعِلْمَ (وَتَشْكِيكُهُمْ) أَيْ السُّمَنِيَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ (بِأَنَّهُ كَأَكْلِ الْكُلِّ طَعَامًا) أَيْ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَادَةً (وَأَنَّ الْجَمِيعَ) مُرَكَّبٌ (مِنْ الْآحَادِ) بَلْ هُوَ نَفْسُ الْآحَادِ (وَكُلٌّ) مِنْهُمْ (لَا يَعْلَمُ خَبَرَهُ) أَيْ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ (فَكَذَا الْكُلُّ) وَإِلَّا انْقَلَبَ الْمُمْكِنُ مُمْتَنِعًا وَهُوَ مُحَالٌ (وَبِلُزُومِ تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ إذَا أَخْبَرَ جَمْعَانِ كَذَلِكَ) أَيْ يُفِيدُ خَبَرُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ (بِهِمَا) أَيْ بِذَيْنِك الْمَعْلُومَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ كَمَا إذَا أَخْبَرَ أَحَدُ الْجَمْعَيْنِ بِمَوْتِ زَيْدٍ فِي وَقْتِ كَذَا وَالْجَمْعُ الْآخَرُ بِحَيَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ بَاطِلٌ (وَ) بِلُزُومِ (صِدْقِ الْيَهُودِ فِي) نَقْلِهِمْ عَنْ مُوسَى عليه السلام (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) لِأَنَّهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يُفِيدُ الْعِلْمَ خَبَرُهُمْ وَهُوَ بَاطِلٌ لِمُنَافَاتِهِ ثُبُوتَ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الثَّابِتَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ.

(وَ) بِلُزُومِ (عَدَمِ الْخِلَافِ) فِيهِ نَفْسَهُ حَيْثُ قُلْتُمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ (وَبِأَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ الْعِلْمِ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمُتَوَاتِرُ (وَغَيْرِهِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ضَرُورَةَ) حَتَّى لَوْ عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وُجُودَ جَالِينُوسَ وَكَوْنَ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ وَجَدْنَا الثَّانِيَ أَقْرَبَ مِنْ الْأَوَّلِ بِالضَّرُورَةِ وَلَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِالْمُتَوَاتِرِ لَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْبَدِيهِيَّاتِ وَالْمَحْسُوسَاتِ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْجَزْمِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِيهَا (تَشْكِيكٍ فِي ضَرُورَةٍ) فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ (وَأَبْعَدُهَا) أَيْ هَذِهِ التَّشْكِيكَاتِ (الْأَوَّلُ) وَهُوَ كَوْنُهُ كَاجْتِمَاعِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى أَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ عَلِمَ وُقُوعَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْإِمْكَانِ فَدَلَّ عَلَى إمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ وَالْفَرْقُ وُجُودُ الدَّاعِي عَادَةً وَعَدَمُهُ عَادَةً ثَمَّةَ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَمْزِجَةِ وَالشَّهَوَاتِ مُؤَثِّرٌ فِي اخْتِلَافِ الدَّاعِي إلَى الْمَأْكُولِ وَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي اخْتِلَافِهِ إلَى الْإِخْبَارِ إذْ لَا تَعَلُّقَ لِلْمِزَاجِ فِيهِ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِوُقُوعِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ فَلَا بُعْدَ فِي وُقُوعِهِ وَاطِّلَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ عَلَيْهِ فَيَدْعُوهُمْ إلَى نَقْلِهِ (وَإِنَّمَا خُيِّلَ) أَيْ ظَنَّ هَذَا (فِي الْإِجْمَاعِ عَنْ) دَلِيلٍ (ظَنِّيٍّ) كَمَا سَيَأْتِي مَعَ جَوَابِهِ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ (وَاخْتِلَافُ حَالِ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ ضَرُورِيٌّ) أَلَا يَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ جُزْءٌ مِنْ الْعَشَرَةِ وَلَيْسَتْ الْعَشَرَةُ جُزْءًا مِنْ نَفْسِهَا وَلِمَجْمُوعِ طَاقَاتِ الْحَبْلِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَيْسَ لِطَاقَةٍ أَوْ طَاقَتَيْنِ مِنْهَا وَلِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ فِي الزِّنَا مَا لَيْسَ لِمَا دُونَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَمْرٍ لِكُلٍّ مِنْ الْآحَادِ عَلَى انْفِرَادِ ثُبُوتِهِ لِجُمْلَتِهَا وَلَا يَلْزَمُ الِانْقِلَابُ لِأَنَّ الْمُتَوَاتِرَ قَابِلٌ لِلْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، غَيْرُ قَابِلٍ لَهُ بِاعْتِبَارِ اجْتِمَاعِ النَّقَلَةِ إلَى حَدٍّ يَمْنَعُ الْعَقْلُ تَوَافُقَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالْمُمْكِنُ لِذَاتِهِ قَدْ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا.

(وَالثَّالِثُ) أَيْ لُزُومُ تَنَاقُضِ مَعْلُومَيْنِ بِخَبَرَيْنِ مُتَوَاتِرَيْنِ بِهِمَا (فَرْضٌ مُمْتَنِعٌ) عَادَةً فَلَا

ص: 231

يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (وَأَخْبَارُ الْيَهُودِ آحَادُ الْأَصْلِ) لِأَنَّ الْيَهُودَ قَلُّوا فِي زَمَانِ بُخْتَ نَصَّرَ لِقَتْلِهِ إيَّاهُمْ فَفَاتَ شَرْطُ التَّوَاتُرِ فِيهِ وَهُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ وَلِأَنَّ الْقَاطِعَ دَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ فِيمَا نَقَلُوا وَالْخَبَرُ إنَّمَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ قَاطِعٌ (وَقَدْ يُخَالِفُ فِي الضَّرُورِيِّ مُكَابَرَةٌ كَالسُّوفِسْطَائِيَّةِ) فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَيَزْعُمُ أَنَّهَا خَيَالَاتٌ بَاطِلَةٌ وَهُمْ الْعَنَانِيَّةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ ثُبُوتَهَا وَيَزْعُمُ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلِاعْتِقَادَاتِ حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ الْمُعْتَقِدُ الْعَرَضَ جَوْهَرًا وَالْجَوْهَرَ عَرَضًا فَالْأَمْرُ عَلَى مَا اعْتَقَدَهُ وَهُمْ الْعِنْدِيَّةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ شَيْءٍ وَلَا ثُبُوتَهُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ شَاكٌّ وَشَاكٌّ فِي أَنَّهُ شَاكٌّ وَهَلُمَّ جَرَّا وَهُمْ اللَّا أَدْرِيَّةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ مِنْهُمْ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الْحَقُّ أَنْ لَا طَرِيقَ إلَى مُنَاظَرَتِهِمْ خُصُوصًا اللَّا أَدْرِيَّةُ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِمَعْلُومٍ لِيَثْبُتَ بِهِ مَجْهُولٌ بَلْ الطَّرِيقُ تَعْذِيبُهُمْ بِالنَّارِ لِيَعْتَرِفُوا أَوْ يَحْتَرِقُوا وَسُوفُسْطَا اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ الْمُمَوَّهَةِ وَالْعِلْمِ الْمُزَخْرَفِ، وَيُقَالُ سَفَطَ فِي الْكَلَامِ إذَا النَّطْرُونِيُّ وَسَفْسَطَ الرَّجُلُ إذَا تَجَاهَلَ فَسُمُّوا بِهَذَا الِاسْمِ لِهَذَيَانِهِمْ أَوْ تَجَاهُلِهِمْ فَانْتَفَى التَّشْكِيكُ الْخَامِسُ.

(وَالْفَرْقُ) بَيْنَ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالتَّوَاتُرِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ إنَّمَا هُوَ (فِي السُّرْعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ) بِوَاسِطَةِ التَّفَاوُتِ فِي الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَالْمُمَارَسَةِ وَالْإِخْطَارِ بِالْبَالِ وَتَصَوُّرَاتِ أَطْرَافِ الْأَحْكَامِ (لَا) لِلِاخْتِلَافِ (فِي الْقَطْعِ) بِوَاسِطَةِ احْتِمَالِ النَّقِيضِ وَالْأَوَّلُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الضَّرُورَةِ وَالثَّانِي مُنْتَفٍ فَانْتَفَى التَّشْكِيكُ السَّادِسُ (ثُمَّ الْجُمْهُورُ) مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ (عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ ضَرُورِيٌّ) لِحُصُولِهِ بِلَا نَظَرٍ وَلَا كَسْبٍ (وَالْكَعْبِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ) قَالَا هُوَ (نَظَرِيٌّ وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ قَالُوا) أَيْ النَّظَرِيُّونَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ (يَحْتَاجُ إلَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ) لِيَرْكَبَا عَلَى وَجْهٍ مُنْتَجٍ هَكَذَا (الْمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْسُوسٌ فَلَا يُشْتَبَهُ) وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا إشَارَةً إلَى وَجْهِ اشْتِرَاطِ الْإِسْنَادِ إلَى الْحِسِّ لِأَنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ (وَلَا دَاعِيَ لَهُمْ) أَيْ لِلْجَمَاعَةِ الْمُخْبِرِينَ (إلَى الْكَذِبِ) لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ (وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ) أَيْ مَحْسُوسٌ غَيْرُ مُشْتَبَهٍ وَلَا دَاعِيَ لِمُخْبِرٍ بِهِ إلَى الْكَذِبِ (صِدْقٌ) فَهَذَا الْخَبَرُ صِدْقٌ وَلَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا احْتَاجَ إلَيْهِمَا (قُلْنَا احْتِيَاجُهُ) أَيْ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (إلَى سَبْقِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ) أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَتَرْتِيبِهِمَا عَلَى وَجْهٍ مُنْتَجٍ (مَمْنُوعٌ فَإِنَّا نَعْلَمُ عِلْمَنَا بِوُجُودِ بَغْدَادَ مِنْ غَيْرِ خُطُورِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) بِالْبَالِ حَتَّى إنَّ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ مَنْ لَيْسَ يَعْلَمُ تَرْتِيبَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ مِنْ الصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ (فَكَانَ) الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (مَخْلُوقًا عِنْدَهُ) أَيْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ لِسَامِعِهِ (بِالْعَادَةِ وَإِمْكَانِ صُورَةِ التَّرْتِيبِ) لِلْمُقَدَّمَتَيْنِ فِيهِ (لَا يُوجِبُ النَّظَرِيَّةَ) لِلْعِلْمِ الْحَاصِلِ مِنْهُ (لِإِمْكَانِهِ) أَيْ تَرْتِيبِهِمَا (فِي أَجْلَى الْبَدِيهِيَّاتِ كَالْكُلِّ أَعْظَمُ مِنْ جُزْئِهِ) بِأَنْ يُقَالَ الْكُلُّ فِيهِ جُزْءٌ آخَرُ غَيْرُ جُزْئِهِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ أَعْظَمُ.

(وَمَرْجِعُ الْغَزَالِيِّ) حَيْثُ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِ وَاسِطَةٍ مُفْضِيَةٍ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْوَاسِطَةَ حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ وَلَيْسَ ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ كَقَوْلِنَا الْمَوْجُودُ لَا يَكُونُ مَعْدُومًا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ مُقَدِّمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ جَامِعٌ وَالثَّانِيَةِ أَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ لَكِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِلَفْظٍ مَنْظُومٍ وَلَا إلَى الشُّعُورِ بِتَوَسُّطِهِمَا وَإِفْضَائِهِمَا إلَيْهِ (إلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُتَوَاتِرُ (مِنْ قَبِيلِ الْقَضَايَا الَّتِي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا) كَالْعَشَرَةِ نِصْفُ الْعِشْرِينَ (وَظَهَرَ) مِنْ قَوْلِنَا نَعْلَمُ عِلْمَنَا بِوُجُودِ بَغْدَادَ إلَى آخِرِهِ (عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ قَوْلِهِ أَيْ بُطْلَانُ قَوْلِهِ (قَالُوا) أَيْ الْمُنْكِرُونَ لِضَرُورَتِهِ (لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا عُلِمَ ضَرُورِيَّتُهُ بِالضَّرُورَةِ) لِأَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ لِلْإِنْسَانِ وَلَا يَشْعُرُ بِالْعِلْمِ وَلَا بِكَيْفِيَّةِ حُصُولِهِ مُحَالٌ وَحِينَئِذٍ (فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ) لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا (قُلْنَا) أَوَّلًا مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ (لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا عُلِمَ نَظَرِيَّتُهُ بِالضَّرُورَةِ) لِمَا ذَكَرْتُمْ (وَالْحِلُّ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الشُّعُورُ بِصِفَتِهِ) الَّتِي هِيَ الضَّرُورَةُ لِإِمْكَانِ كَوْنِ الشَّيْءِ مَعْلُومًا وَلَا تَكُونُ صِفَتُهُ مَعْلُومَةً قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّهُمْ) أَيْ الْمُنْكِرِينَ

ص: 232

لِلضَّرُورَةِ (لَمْ يُلْزِمُوا) أَهْلَ الضَّرُورَةِ (مِنْ الشُّعُورِ بِهِ) أَيْ الْعِلْمِ (الشُّعُورَ بِصِفَتِهِ) أَيْ الْعِلْمِ (بَلْ أَلْزَمُوا كَوْنَ الْعِلْمِ بِهَا) أَيْ بِصِفَتِهِ (ضَرُورِيًّا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ) أَيْ الْعِلْمِ بِهَا (ضَرُورِيًّا الشُّعُورُ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (بَلْ الضَّرُورَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْحُصُولَ بِوَجْهٍ إذْ يَتَوَقَّفُ) الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا (عَلَى تَوَجُّهِ النَّفْسِ وَتَطْبِيقِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ الْمَشْهُورِ) وَهُوَ كَوْنُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَكَسْبٍ (وَلَيْسَ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ تَوَجُّهِ النَّفْسِ وَتَطْبِيقِ مَفْهُومِ الضَّرُورِيِّ (نَظَرِيًّا بَلْ الْجَوَابُ مَنْعُ انْتِفَاءِ التَّالِي) وَهُوَ عِلْمُ ضَرُورِيَّتِهِ بِالضَّرُورَةِ (وَقَدْ مَرَّ مِثْلُهُ) آنِفًا حَيْثُ قَالَ قُلْنَا احْتِيَاجُهُ إلَى سَبْقِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ مَمْنُوعٌ (وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تُوجِبُ عَدَمَ الِاخْتِلَافِ) كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا (فَقَدْ يَنْشَأُ) الِاخْتِلَافُ (لَا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ بَلْ مِنْ الْغَلَطِ بِظَنِّ كُلٍّ مُتَوَقِّفٍ) عَلَى غَيْرِهِ نَظَرِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَقَدْ انْتَظَمَ الْجَوَابُ) الْقَائِلُ احْتِيَاجُهُ إلَى سَبْقِ الْعِلْمِ مَمْنُوعٌ إلَخْ (دَلِيلَ الْمُخْتَارِ) وَهُوَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ.

(وَشُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ) الصَّحِيحَةُ فِي الْمُخْبِرِينَ ثَلَاثَةٌ (تَعَدُّدُ النَّقَلَةِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ التَّوَاطُؤَ عَادَةً) عَلَى الْكَذِبِ فَهَذَا أَحَدُهَا (وَالِاسْتِنَادُ) فِي إخْبَارِهِمْ (إلَى الْحِسِّ) أَيْ إحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا إلَى الْعَقْلِ وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ وَهَذَا ثَانِيهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ) الِاسْتِنَادُ إلَى الْحِسِّ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ فِي اشْتِرَاطِ الْقَاضِي وَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ لَا ظَانِّينَ فِيهِ، غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْجَمِيعُ فَبَاطِلٌ قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُخْبِرِينَ مُقَلِّدًا فِيهِ أَوْ ظَانًّا أَوْ مُجَازِفًا قَالَ السُّبْكِيُّ وَعِنْدِي هُنَا وَقْفَةٌ فَقَدْ يُقَالُ الْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ إلَّا إذَا عَلِمَ الْكُلَّ (وَاسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ فِي ذَلِكَ) أَيْ التَّعَدُّدِ وَالِاسْتِنَادِ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ لَهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ فَيُشْتَرَطُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِمْ (وَالْعِلْمُ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ أَوَّلًا (شَرْطُ الْعِلْمِ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ (عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ) أَيْ عِلْمَ الْمُتَوَاتِرِ (نَظَرِيًّا) لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ إلَيْهِ (وَعِنْدَنَا) الْعِلْمُ بِالشُّرُوطِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ بِخَلْقِ اللَّهِ إيَّاهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ (عَادَةً) فَإِنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ عِلْمًا مِنْهُ عِلْمُ وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَإِلَّا فَلَا، فَهِيَ شُرُوطٌ لَهُ لَا يَتَحَقَّقُ هُوَ فِي نَفْسِهِ إلَّا بَعْدَهَا لَا شَرْطُ الْعِلْمِ بِهِ وَكَيْفَ لَا (وَقَدْ) يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ مِنْهُ وَحَالُهُ أَنَّهُ (لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا) أَيْ الشُّرُوطِ بَلْ هُوَ ذَاهِلٌ عَنْ مُلَاحَظَتِهَا وَأَيْضًا لَوْ كَانَ سَبْقُ الْعِلْمِ بِالشُّرُوطِ ضَابِطًا لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَمَا اخْتَلَفَ حُصُولُهُ عِنْدَ وُجُودِهَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبْقُ الْعِلْمِ يُوجِبُ حُصُولَهُ لِقَوْمٍ بِوَاقِعَةٍ لَا لِغَيْرِهِمْ فِيهَا وَلَا لَهُمْ فِي غَيْرِهَا (وَلَا يَتَعَيَّنُ عَدَدٌ) مَخْصُوصٌ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ التَّوَاتُرِ عَلَيْهِ (وَقِيلَ) يَتَعَيَّنُ فَقِيلَ (أَقَلُّهُمْ خَمْسَةٌ) لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الزِّنَى تَجِبُ تَزْكِيَتُهُمْ لِإِفَادَةِ خَبَرِهِمْ الظَّنَّ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يُفِيدُ الْيَقِينَ ثُمَّ بِالْأَوْلَى مَا دُونَهَا وَالْإِصْطَخْرِيُّ عَشَرَةٌ لِأَنَّ مَا دُونَهَا جَمْعُ الْآحَادِ فَاخْتَصَّ بِأَخْبَارِهَا وَالْعِشْرِينَ فَمَا زَادَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ (وَاثْنَا عَشَرَ) كَعَدَدِ نُقَبَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَبْعُوثِينَ طَلِيعَةً لَهُمْ إلَى الْجَبَابِرَةِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ بِالشَّامِ فَإِنَّ كَوْنَهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.

(وَعِشْرُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] فَيَتَوَقَّفُ بَعْثُ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ عَلَى إخْبَارِهِمْ بِصَبْرِهِمْ وَكَوْنِهِمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلَ ذَلِكَ (وَأَرْبَعُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا كَمَّلَهُمْ عُمَرُ رضي الله عنه بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِخْبَارُ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَافُو النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَدْعِي إخْبَارَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ وَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَسَبْعُونَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155] أَيْ لِلِاعْتِذَارِ إلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَسَمَاعِهِمْ كَلَامَهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ لِيُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَهُ، وَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَثَلَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْلِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَهِيَ الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى الَّتِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا الْإِسْلَامَ وَلِذَلِكَ «قَالَ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى

ص: 233

أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لِاقْتِضَائِهِ زِيَادَةَ احْتِرَامِهِمْ يَسْتَدْعِي التَّنْقِيبَ عَنْهُمْ لِيُعْرَفُوا وَإِنَّمَا يُعْرَفُونَ بِإِخْبَارِهِمْ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَعَدَدُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَفِي عَدَدِهِمْ رِوَايَاتٌ ثَلَاثٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ، أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ أَصَحُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالصَّحِيحُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فَكَوْنُهُمْ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ لَيْسَ إلَّا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الْمَطْلُوبَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ (وَمَا لَا يُحْصَى وَمَا لَا يَحْصُرُهُمْ بَلَدٌ) لِيَمْتَنِعَ التَّوَاطُؤُ وَالْكُلُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ كَمَا قَالَ (وَالْحَقُّ عَدَمُهُ) أَيْ الْحَصْرِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ (لِقَطْعِنَا بِقَطْعِنَا بِمَضْمُونِهِ) أَيْ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ (بِلَا عِلْمٍ مُتَقَدِّمٍ بِعَدَدٍ) مَخْصُوصٍ (عَلَى النَّظَرِيَّةِ) أَيْ الطَّائِفَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمًا نَظَرِيًّا (وَلَا) عِلْمٍ (مُتَأَخِّرٍ) بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ (عَلَى الضَّرُورِيَّةِ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا (وَلِلْعِلْمِ بِاخْتِلَافِهِ) أَيْ الْعَدَدِ (بِحُصُولِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَدٍ) خَاصٍّ (فِي مَادَّةٍ وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ حُصُولِهِ (فِي) مَادَّةٍ (أُخْرَى مَعَ مِثْلِهِ) أَيْ الْعَدَدِ الْخَاصِّ الْمَذْكُورِ (فَبَطَلَ) بِهَذَا أَيْضًا (قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ وَالْقَاضِي كُلُّ خَبَرِ عَدَدٍ أَفَادَ عِلْمًا) بِشَيْءٍ لِشَخْصٍ (فَمِثْلُهُ) أَيْ خَبَرُ ذَلِكَ الْعَدَدِ (يُفِيدُهُ) أَيْ عِلْمًا بِشَيْءٍ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ ذَلِكَ الشَّخْصِ، ثُمَّ قَالَ تَعْلِيلًا لِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ فِي إفَادَتِهِ الْعِلْمَ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ دَلِيلِ إبْطَالِ كَوْنِ عَدَدٍ مَا إذَا أَفَادَ الْعِلْمَ أَفَادَهُ فِي كُلِّ مَادَّةٍ (لِلِاخْتِلَافِ فِي لَوَازِمِ مَضْمُونِ الْخَبَرِ مِنْ قُرْبِهِ وَبُعْدِهِ وَمِنْ مُمَارَسَةِ الْمُخْبِرِينَ لِمَضْمُونِهِ وَالْعِلْمِ بِأَمَانَتِهِمْ وَضَبْطِهِمْ وَحُسْنِ إدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ) فَإِنَّ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي الْمُفِيدِ بِنَفْسِهِ فَاخْتِلَافُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِالْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ وَاقِعٌ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ لَيْسَ غَيْرُ، وَتَفَاوُتُهَا فِي إيجَابِ الْعِلْمِ بِهَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بَسِيطَةٌ فَكَيْفَ إذَا تَرَكَّبَ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ثُمَّ أَمْرُ قَوْلِ الْقَاضِي وَأَبِي الْحُسَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (إلَّا أَنْ يُرَادَ) بِهِ (مَعَ التَّسَاوِي) لِلْخَبَرَيْنِ فِي ذَاتَيْهِمَا وَمُخْبِرَيْهِمَا وَمَخْبَرَيْهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (فَصَحِيحٌ) حِينَئِذٍ قَوْلُهُمَا لَكِنَّ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ (بَعِيدٌ) جِدًّا لِتَفَاوُتِهِمَا عَادَةً ثُمَّ تَلَخَّصَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنَاطَةِ حُصُولِ الْعِلْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِكُلِّ سَامِعٍ بِهِ.

وَكَيْفَ وَالِاعْتِقَادُ يَتَزَايَدُ بِتَدْرِيجٍ خَفِيٍّ كَمَا يَحْصُلُ كَمَالُ الْعَقْلِ كَذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ وَالْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ قَاصِرَةٌ عَنْ ضَبْطِهِ بَلْ الضَّابِطُ لِلْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ حُصُولُ الْعِلْمِ فَمَتَى أَفَادَ الْخَبَرُ بِمُجَرَّدِهِ الْعِلْمَ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَأَنَّ جَمِيعَ شَرَائِطِهِ مَوْجُودَةٌ وَإِنْ لَمْ يُفِدْهُ ظَهَرَ عَدَمُ تَوَاتُرِهِ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ (وَأَمَّا شَرْطُ الْعَدَالَةِ وَالْإِسْلَامِ كَيْ لَا يَلْزَمَ تَوَاتُرُ) خَبَرِ (النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ) وَهُوَ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} [النساء: 157] وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ (فَسَاقِطٌ كَشُرُوطِ الْيَهُودِ أَهْلِ الذِّلَّةِ) وَالْمَسْكَنَةِ أَنْ يَكُونُوا فِي الْمُخْبِرِينَ (لِخَوْفِهِمْ) أَيْ الْيَهُودِ (الْمُوَاطَأَةَ) عَلَى الْكَذِبِ مِنْ الْمُخْبِرِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ هَؤُلَاءِ بَلْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ الْأَكَابِرِ وَالْعُظَمَاءِ لِعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْكَذِبِ لِعِزَّتِهِمْ وَجَاهِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ فِيهِمْ فَإِنَّ خَوْفَهُمْ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْكَذِبِ لِهَوَانِهِمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ أَمَّا سُقُوطُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةُ فِي الْعَدَدِ الْمَانِعِ مِنْ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ (وَخَبَرُهُمْ آحَادُ الْأَصْلِ) فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِمْ قَلِيلِينَ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ لِأَنَّ الْمَسِيحَ شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوهُ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157] وَأَمَّا سُقُوطُ الثَّانِي فَلِحُصُولِ الْعِلْمِ بِإِخْبَارِ الْعُظَمَاءِ عَنْ مَحْسُوسٍ كَغَيْرِهِمْ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ مِنْ خَبَرِهِمْ أَسْرَعَ لِتَرَفُّعِهِمْ عَنْ رَذِيلَةِ الْكَذِبِ لِشَرَفِهِمْ وَحِفْظِ جَاهِهِمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ فَإِنَّهُمْ قَدْ يُقْدِمُونَ عَلَى الْكَذِبِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِهِ لِدَنَاءَةِ نُفُوسِهِمْ وَخِسَّتِهِمْ وَعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنْ سُقُوطِ جَاهِهِمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (تَتْمِيمٌ) وَأَمَّا شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ فِي الْمُسْتَمِعِينَ فَثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا كَوْنُ الْمُسْتَمِعِ أَهْلًا لِقَبُولِ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ

ثَانِيهَا عَدَمُ عِلْمِهِ بِمَدْلُولِ الْخَبَرِ قَبْلَ سَمَاعِهِ وَإِلَّا كَانَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَقِدًا بِخِلَافِ مَدْلُولِهِ إمَّا لِشُبْهَةِ دَلِيلٍ إنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ لِتَقْلِيدٍ إنْ كَانَ مِنْ الْعَوَامّ فَإِنَّ ارْتِسَامَ ذَلِكَ فِي ذِهْنِهِ وَاعْتِقَادَهُ لَهُ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ

ص: 234

غَيْرِهِ وَالْإِصْغَاءِ إلَيْهِ وَهَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ وَلَا تَعَقُّبٍ وَنَقَلَهُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ دَالٌّ عَلَى إمَامَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ إفَادَتِهِ الْعِلْمَ عِنْدَ الْخَصْمِ اعْتِقَادُ خِلَافِهِ وَهَذَا تَعَقُّبٌ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ لِهَذِهِ الدَّسِيسَةِ لَا غَيْرُ، فَإِذَا هُوَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ عِنْدَ مَنْ سَلِمَ مِنْهَا

(وَيَنْقَسِمُ الْمُتَوَاتِرُ إلَى مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَوْضُوعٍ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ) كَالْأَمْكِنَةِ النَّائِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ (وَغَيْرِ مَوْضُوعٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (بَلْ يُعْلَمُ) ذَلِكَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِلسَّامِعِ (عِنْدَهَا) أَيْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (بِالْعَادَةِ كَأَخْبَارِ عَلِيٍّ) رضي الله عنه فِي الْحُرُوبِ (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) فِي الْعَطَاءِ (يَحْصُلُ عِنْدَهَا) أَيْ إخْبَارِهِمَا لِلسَّامِعِ عَادَةً (عِلْمُ الشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا) أَيْ أَخْبَارِهِمَا (يَدُلُّ عَلَى السَّجِيَّةِ ضِمْنًا، إذْ لَيْسَ الْجُودُ جُزْءَ مَفْهُومِ إعْطَاءِ آلَافٍ) لِأَنَّ الْجُودَ مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ هِيَ مَبْدَأٌ لِإِفَادَةِ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي لَا لِعِوَضٍ (وَلَا الشَّجَاعَةُ جُزْءَ مَفْهُومٍ قَتْلِ آحَادٍ مَخْصُوصِينَ) لِأَنَّ الشَّجَاعَةَ مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَقْتَضِي اعْتِدَالَ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ (وَلَا) يَدُلُّ عَلَى السَّجِيَّةِ (الْتِزَامًا إلَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ) لِلِالْتِزَامِ (لِجَوَازِ تَعَقُّلِ قَاتِلٍ أَلْفًا بِلَا خُطُورِ مَعْنَى الشَّجَاعَةِ فَمَا قِيلَ) أَيْ فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَوَاتِرُ فِي الْوَقَائِعِ (الْمَعْلُومُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِتَضَمُّنٍ أَوْ الْتِزَامِ تَسَاهُلٍ) كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِمَّا حَقَّقْنَاهُ (وَأَمَّا الْآحَادُ فَخَبَرٌ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ) سَوَاءٌ لَمْ يُفِدْهُ أَصْلًا أَوْ أَفَادَهُ بِالْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَتِمُّ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ مُطَّرِدًا وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُطَّرِدٍ كَمَا سَيَأْتِي (وَقِيلَ مَا) أَيْ خَبَرٌ (يُفِيدُ الظَّنَّ وَاعْتُرِضَ بِمَا) أَيْ بِخَبَرٍ (لَمْ يُفِدْهُ) أَيْ الظَّنَّ فَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بِهِ لِصِدْقِ الْمَحْدُودِ وَهُوَ كَوْنُهُ خَبَرَ وَاحِدٍ دُونَ الْحَدِّ (وَدُفِعَ بِأَنَّهُ) أَيْ الْخَبَرَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ الظَّنَّ (لَا يُرَادُ) لِلْمُعَرِّفِ أَيْ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْمَحْدُودِ (إذْ لَا يَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِالْخَبَرِ (حُكْمٌ) وَالْمَقْصُودُ تَعْرِيفُ الْخَبَرِ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَا يَكُونُ مُتَوَاتِرًا وَعَلَى هَذَا تَثْبُتُ الْوَاسِطَةُ (وَلَيْسَ) بِشَيْءٍ (إذْ يَثْبُتُ بِالضَّعِيفِ) أَيْ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ضَعَّفَهُ (بِغَيْرِ وَضْعِ) أَيْ كَذِبِ (الْفَضَائِلُ وَهُوَ النَّدْبُ) وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ

(وَمِنْهُ) أَيْ خَبَرِ الْآحَادِ (قِسْمٌ يُسَمَّى الْمُسْتَفِيضَ) وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ (مَا رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ وَكَأَنَّهُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَقَلُّ مَا تَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ اثْنَانِ وَقَالَ السُّبْكِيُّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ شَائِعًا وَقَدْ صَدَرَ عَنْ أَصْلٍ لِيُخْرِجَ مَا شَاعَ لَا عَنْ أَصْلٍ وَرُبَّمَا حَصَلَتْ الِاسْتِفَاضَةُ بِاثْنَيْنِ وَجَعَلَهُ الْأُسْتَاذُ الْإسْفَرايِينِيّ وَابْنُ فُورَكٍ وَاسِطَةً بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَزَعَمَا أَنَّهُ يَقْتَضِي الْعِلْمَ نَظَرًا وَالْمُتَوَاتِرُ يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً وَمَثَّلَ الْإسْفَرايِينِيّ بِمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَرَدَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالصِّدْقِ فِيهِ وَإِنَّمَا قُصَارَاهُ ظَنٌّ غَالِبٌ (وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا (الْخَبَرُ مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ وَمَشْهُورٌ وَهُوَ) أَيْ الْمَشْهُورُ (مَا كَانَ آحَادُ الْأَصْلِ مُتَوَاتِرًا فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَبَيْنَهُ) أَيْ الْمَشْهُورِ (وَبَيْنَ الْمُسْتَفِيضِ) بِأَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ (عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ) لِصِدْقِهِمَا فِيمَا رَوَاهُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةٌ أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ ثُمَّ تَوَاتَرَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ، وَانْفِرَادُ الْمُسْتَفِيضِ عَنْ الْمَشْهُورِ فِيمَا رَوَاهُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةٌ أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى التَّوَاتُرِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَانْفِرَادُ الْمَشْهُورِ عَنْ الْمُسْتَفِيضِ فِيمَا رَوَاهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ تَوَاتَرَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَشْهُورُ (قِسْمٌ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ الْجَصَّاصِ) فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَعَامَّتُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ (قَسِيمٌ) لِلْمُتَوَاتِرِ (فَالْآحَادُ مَا لَيْسَ أَحَدَهُمَا) أَيْ الْمُتَوَاتِرِ وَالْمَشْهُورِ اتِّفَاقًا (وَالْمُتَوَاتِرُ عِنْدَهُ) أَيْ الْجَصَّاصِ (مَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ ضَرُورَةً أَوْ) مَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ (نَظَرًا وَهُوَ) أَيْ مُفِيدُ الْعِلْمِ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ نَظَرًا (الْمَشْهُورُ وَعَلَى هَذَا) أَيْ أَنَّ الْمَشْهُورَ يُفِيدُ الْعِلْمَ نَظَرًا.

(قِيلَ) الْجَصَّاصُ (يُكْفَرُ) جَاحِدُهُ (بِجَحْدِهِ) وَعَامَّتُهُمْ لَا يُكَفِّرُونَهُ فَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِي الْإِكْفَارِ وَعَدَمِهِ

ص: 235