الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10](كَحِرْمَانِهِ الْإِرْثَ بِهِ) أَيْ بِكُفْرِهِ (لِذَلِكَ) أَيْ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِرْثِ مِنْهُ (لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ) ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِسَبَبِيَّةِ الْإِرْثِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ زَكَرِيَّاءَ عليه السلام {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5]{يَرِثُنِي} [مريم: 6] وَالْكَافِرُ لَيْسَ لَهُ أَهْلِيَّتُهَا عَلَى الْمُسْلِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا} [النساء: 141](كَالرَّقِيقِ) أَيْ كَمَا يَحْرُمُ الْمَرْقُوقُ وَافِرًا كَانَ الرِّقُّ فِيهِ أَوْ نَاقِصًا بَالِغًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ الْإِرْثَ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ سَبَبِيَّتِهِ فَلَا يَكُونُ انْتِفَاءُ الْإِرْثِ فِيهِمَا جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمَا بَلْ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ سَبَبِيَّتِهِ الَّتِي هِيَ اتِّصَالُ الشَّخْصِ بِالْمَيِّتِ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ وَلَاءٍ وَمِثْلُهُ لَا يُعَدُّ جَزَاءً أَلَا يُرَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبُ إرْثٍ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَرِثُهُ وَلَا يُقَالُ حِرْمَانُهُ جَزَاءٌ بَلْ لَمْ يُشْرَعْ الْإِرْثُ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ سَبَبِهِ
[الْجُنُونُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَهْلِيَّةِ]
(وَأَمَّا الْجُنُونُ) وَهُوَ اخْتِلَالٌ لِلْعَقْلِ مَانِعٌ مِنْ جَرَيَانِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ عَلَى نَهْجِهِ إلَّا نَادِرًا إمَّا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ خِلْقَةً فَلَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ مَا أُعِدَّ لِقَبُولِهِ مِنْ الْفِعْلِ كَعَيْنِ الْأَكْمَهِ وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَلَا فَائِدَةَ فِي الِاشْتِغَالِ بِعِلَاجِهِ وَإِمَّا لِخُرُوجِ مِزَاجِ الدِّمَاغِ مِنْ الِاعْتِدَالِ بِسَبَبِ خَلْطٍ وَآفَةٍ مِنْ رُطُوبَةٍ مُفْرِطَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ وَهَذَا مِمَّا يُعَالَجُ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَإِمَّا بِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ وَإِلْقَاءِ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ إلَيْهِ وَهَذَا مِمَّا قَدْ يَنْجِعُ فِيهِ الْأَدْوِيَةُ الْإِلَهِيَّةُ (فَيُنَافِي شَرْطَ الْعِبَادَاتِ النِّيَّةَ) بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ شَرْطِ الْعِبَادَاتِ لِسَلْبِهِ الِاخْتِيَارَ (فَلَا تَجِبُ) الْعِبَادَاتُ مُطْلَقًا (مَعَ الْمُمْتَدِّ مِنْهُ مُطْلَقًا) أَيْ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ الْمُتَّصِلُ بِزَمَنِ الصِّبَا بِأَنْ جُنَّ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَبَلَغَ مَجْنُونًا وَالْعَارِضِيُّ وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ أَمَّا وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِلَا عَقْلٍ وَلَا قَصْدٍ صَحِيحٍ وَهُوَ مُنَافٍ لَهُمَا وَأَمَّا أَصْلُ الْوُجُوبِ فَلِعَدَمِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ عَلَى تَقْدِيرِ إمْكَانِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَمَا لَا يَمْتَدُّ) مِنْهُ حَالَ كَوْنِهِ (طَارِئًا) عَلَيْهِ (جُعِلَ كَالنَّوْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا (عَارِضٌ يَمْنَعُ فَهْمَ الْخِطَابِ زَالَ قَبْلَ الِامْتِدَادِ) مَعَ عَدَمِ الْحَرَجِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ فَلَا يُنَافِي كُلَّ عِبَادَةٍ لَا يُؤَدِّي إيجَابُهَا إلَى الْحَرَجِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَعْدَ زَوَالِهِ كَالنَّوْمِ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْجُنُونَ (لَا يَنْفِي أَصْلَ الْوُجُوبِ إذْ هُوَ) أَيْ أَصْلُ الْوُجُوبِ مُتَعَلِّقٌ (بِالذِّمَّةِ، وَهِيَ) أَيْ الذِّمَّةُ مَوْجُودَةٌ (لَهُ) أَيْ لِلْمَجْنُونِ (حَتَّى وَرِثَ) مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْإِرْثِ (وَمَلَكَ) مَا تَحَقَّقَ لَهُ فِيهِ سَبَبُ الْمِلْكِ مِنْ مَالٍ أَوْ حَقٍّ مَالِيٍّ وَالْإِرْثُ وَالْمِلْكُ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَلَا وِلَايَةَ بِدُونِ الذِّمَّةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْأَدَاءُ تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا بِلُزُومِ الْحَرَجِ يَنْعَدِمُ الْوُجُوبُ.
(وَكَانَ أَهْلًا لِلثَّوَابِ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مُسْلِمًا بَعْدَ الْجُنُونِ وَالْمُسْلِمُ يُثَابُ وَالثَّوَابُ مِنْ أَحْكَامِ الْوُجُوبِ أَيْضًا (كَأَنْ نَوَى صَوْمَ الْغَدِ فَجُنَّ فِيهِ) أَوْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُمْسِكًا كُلِّهِ صَحَّ فَلَا يَقْضِي) ذَلِكَ الْيَوْمَ (لَوْ أَفَاقَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْغَدِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَمَضَانَ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا حَرَجَ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ فَيَكُونُ الْأَدَاءُ ثَابِتًا تَقْدِيرًا بِتَوَهُّمِهِ فِي الْوَقْتِ وَقَضَائِهِ بَعْدَهُ كَمَا فِي النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْحَقَ الْعَارِضَ مِنْ النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ بِالْعَدَمِ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ حَيْثُ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ فِيهِمَا وَعُلَمَاؤُنَا الثَّلَاثَةُ أَلْحَقُوا الْعَارِضَ مِنْ الْجُنُونِ بِالْعَدَمِ بَعْدَ زَوَالِهِ فِي حَقِّ الْوُجُوبِ وَجَعَلُوا السَّبَبَ الْمَوْجُودَ فِيهِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ إيجَابِ الْقَضَاءِ عِنْدَ زَوَالِ الْعَارِضِ فَكَانَ هَذَا الِاسْتِحْسَانُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ الْقِيَاسِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَانِعًا لِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ عَارِضِيًّا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِزَوَالِ أَهْلِيَّةِ الْأَدَاءِ بِفَوَاتِ الْعَقْلِ وَعَدَمِ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ بِدُونِهَا بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُنَافِيَانِ الْعَقْلَ وَلَا يُزِيلَانِهِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِهِمَا الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ آلَةِ الْقُدْرَةِ فَكَانَ الْعَقْلُ ثَابِتًا كَمَا كَانَ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَ.
(وَصَحَّ إسْلَامُهُ تَبَعًا) لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَالصَّبِيِّ (وَإِنَّمَا يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ لِإِسْلَامِ زَوْجَتِهِ عَلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ لِصَيْرُورَتِهِ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِهِ) أَيْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا فَإِنْ أَسْلَمَ أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ أَبَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ (بِخِلَافِهِ)(أَيْ الْإِسْلَامِ)(أَصَالَةً) فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ
مِنْهُ (لِعَدَمِ رُكْنِيَّةِ الِاعْتِقَادِ) أَيْ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْعَقْلِ وَهُوَ عَدِيمُهُ (لَا حَجْرًا) ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَنْ الْإِيمَانِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ (بِخِلَافِ) الْإِسْلَامِ (التَّبَعِ) أَيْ التَّابِعِ لِإِسْلَامِهِمَا أَوْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا (لَيْسَ) الِاعْتِقَادُ فِيهِ (رُكْنًا وَلَا شَرْطًا لَهُ وَإِنَّمَا عَرَضَ) عَلَى وَلِيِّهِ إذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ (دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا إذْ لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْجُنُونِ (نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ) فَفِي التَّأْخِيرِ ضَرَرٌ بِهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ لِقُدْرَةِ الْمَجْنُونِ عَلَى الْوَطْءِ ثُمَّ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْإِلْزَامِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْآبَاءِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَادَةً فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يُسْلِمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدَانِ جَعَلَ الْقَاضِي لَهُ خَصْمًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآبَاءَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ هُنَا لِلتَّعَذُّرِ (بِخِلَافِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْعَاقِلِ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ لَا يَعْرِضُ عَلَى وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّ لِعَقْلِهِ حَدًّا مَعْلُومًا) وَهُوَ الْبُلُوغُ فَيُنْتَظَرُ فَإِذَا بَلَغَ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ.
(وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ) أَيْ الصَّبِيِّ الْمَجْنُونِ لِمَا ذُكِرَ (وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا تَبَعًا بِارْتِدَادِ أَبَوَيْهِ وَلَحَاقِهِمَا بِهِ) أَيْ بِالْمَجْنُونِ بِدَارِ الْحَرْبِ (إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا وَهُمَا مُسْلِمَانِ) ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ قَبِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِوَاسِطَةِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ وَقَدْ ثَبَتَ الْإِسْلَامُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لَهُمَا فَيَزُولُ بِزَوَالِ مَا يَتْبَعُهُ ثُمَّ كَوْنُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمِينَ لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ أَحَدِهِمَا وَارْتِدَادَهُ وَلُحُوقَهُ مَعَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ كَافٍ فِي ارْتِدَادِهِ (بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَاهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا لِظُهُورِ تَبَعِيَّةِ الدَّارِ بِزَوَالِ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّهَا كَالْخَلَفِ عَنْهُمَا (أَوْ بَلَغَ مُسْلِمًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ أَسْلَمَ عَاقِلًا فَجُنَّ) قَبْلَ الْبُلُوغِ (فَارْتَدَّا أَوْ لَحِقَا بِهِ) بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا فِي الْإِيمَانِ بِتَقَرُّرِ رُكْنِهِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِالتَّبَعِيَّةِ أَوْ عُرُوضِ الْجُنُونِ ثُمَّ قَالَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَنْفِي أَصْلَ الْوُجُوبِ (إلَّا أَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْأَدَاءُ) وَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ بِهِ الْفِعْلُ لَا مُقَابِلُ الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ (أَيْ الْفِعْلِ تَحْقِيقًا وَتَقْدِيرًا بِلُزُومِ الْحَرَجِ فِي الْقَضَاءِ وَتَقَدَّمَ وَجْهُهُ) حَيْثُ قَالَ: وَالتَّكْلِيفُ رَحْمَةٌ وَالْحَرَجُ طَرِيقُ التَّرْكِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ ابْتِدَاءً بِمَا فِيهِ فَضْلًا (انْتَفَى) أَصْلُ الْوُجُوبِ (لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ) مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الْأَصْلِيُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) عَطْفٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ وَمَا لَا يَمْتَدُّ طَارِئًا أَيْ وَكَذَا الْجُنُونُ الْأَصْلِيُّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْتَدِّ مِنْ الْجُنُونِ الطَّارِئِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْأَصْلِيِّ بَيْنَ الْمُمْتَدِّ وَغَيْرِهِ فِي السِّقَاطِ كَمَا فَرَّقَ فِي الْعَارِضِيِّ بَيْنَهُمَا بِالْإِسْقَاطِ وَعَدَمِهِ (إنَاطَةً لِلْإِسْقَاطِ بِكُلٍّ مِنْ الِامْتِدَادِ وَالْأَصَالَةِ) وَعَزَاهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إلَى أَصْحَابِنَا وَفِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا مُخْتَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ وَالْإِمَامُ الرُّسْتُغْفَنِيُّ وَالزَّاهِدُ الصَّفَّارُ.
(وَخَصَّهُ) أَيْ الْإِسْقَاطَ (أَبُو يُوسُفَ بِالِامْتِدَادِ) لَا غَيْرُ فِيهِمَا فَأَسْقَطَ عِنْدَهُ الْمُمْتَدَّ مِنْهُمَا دُونَ غَيْرِهِ وَنَصَّ فِي طَرِيقَةِ أَبِي الْمُعِينِ عَلَى أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ بِلَفْظِ قِيلَ ثُمَّ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا هَكَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا (وَقِيلَ الْخِلَافُ عَلَى الْقَلْبِ) وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَنَاطَ الْإِسْقَاطَ بِالِامْتِدَادِ وَعَدَمَ الْإِسْقَاطِ بِعَدَمِ الِامْتِدَادِ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ فَرَّقَ فِي الْعَارِضِيِّ بَيْنَ الْمُمْتَدِّ وَغَيْرِهِ فِي الْإِسْقَاطِ وَعَدَمِهِ وَسَوَّى فِي الْأَصْلِيِّ فِي الْإِسْقَاطِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَدًّا أَوْ لَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَكَشْفِ الْمَنَارِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ التَّقْرِيرِ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ لِشَرْحِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلِلْمُصَنِّفِ هُنَا حَاشِيَةٌ لَهَا مَحْمَلٌ صَحِيحٌ فِي ذَاتِهَا وَلَكِنَّهَا لَا تُوَافِقُ شَرْحَ هَذَا الْمَوْضِعِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ، وَجْهُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجُنُونِ الْحُدُوثُ إذْ السَّلَامَةُ عَنْ الْآفَاتِ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْجِبِلَّةِ فَتَكُونُ أَصَالَةُ الْجُنُونِ أَمْرًا عَارِضًا فَيُلْحَقُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْجُنُونُ الطَّارِئُ ثَانِيهِمَا أَنَّ زَوَالَ الْجُنُونِ بَعْدَ الْبُلُوغِ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُصُولَهُ كَانَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ عَلَى أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فَكَانَ مِثْلَ الطَّارِئِ، وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَمْرَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا الطَّرَيَانُ بَعْدَ الْبُلُوغِ رَجَّحَ الْعُرُوضَ فَجُعِلَ عَفْوًا عِنْدَ عَدَمِ الِامْتِدَادِ إلْحَاقًا بِسَائِرِ الْعَوَارِضِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا فَزَالَ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصِّغَرِ فَلَا يُوجِبُ قَضَاءَ
مَا مَضَى ثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَصْلِيَّ يَكُونُ لِآفَةٍ فِي الدِّمَاغِ مَانِعَةٍ عَنْ قَبُولِ الْكَمَالِ فَيَكُونُ أَمْرًا أَصْلِيًّا لَا يَقْبَلُ اللَّحَاقَ بِالْعَدَمِ وَالطَّارِئُ قَدْ اعْتَرَضَ عَلَى مَحَلٍّ كَامِلٍ لِلُحُوقِ آفَةٍ فَيَلْحَقُ بِالْعَدَمِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَلَيْسَ فِيمَا إذَا كَانَ جُنُونُهُ أَصْلِيًّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى (وَإِذَا كَانَ الْمُسْقِطُ) لِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ (الْحَرَجُ لَزِمَ اخْتِلَافُ الِامْتِدَادِ الْمُسْقِطِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ (فَقُدِّرَ) الِامْتِدَادُ الْمُسْقِطُ (فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَتِهِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِنْدَهُمَا) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بِزَمَانٍ يَسِيرٍ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِصَيْرُورَةِ الصَّلَوَاتِ) الْفَوَائِتِ (سِتًّا) بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ (وَهُوَ أَقْيَسُ) ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ الْوُجُوبِ عِنْدَ كَثْرَتِهَا وَكَثْرَتُهَا بِدُخُولِهَا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ نَصَّ السَّرَخْسِيِّ وَصَاحِبِ الذَّخِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (لَكِنَّهُمَا) أَيْ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَإِنْ اشْتَرَطَا تَكْرَارَهَا (أَقَامَا الْوَقْتَ) إذْ هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ لَهَا (مَقَامَ الْوَاجِبِ) أَيْ الصَّلَاةِ (كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ) وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ تَيْسِيرًا عَلَى الْعِبَادِ ثُمَّ كَوْنُ هَذَا قَوْلَهُمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ وَمَبْسُوطِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَغَيْرِهَا وَجَعَلَهُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَالسَّرَخْسِيُّ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْمَنْظُومَةِ وَالْمُخْتَلِفِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ (وَفِي الصَّوْمِ) أَيْ وَقُدِّرَ امْتِدَادُ الْجُنُونِ الْمُسْقِطِ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (بِاسْتِغْرَاقِ الشَّهْرِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ) حَتَّى لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَفِي الْكَامِلِ نَقْلًا عَنْ الْحَلْوَانِيِّ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مَجْنُونًا وَاسْتَوْعَبَ الْجُنُونُ بَاقِيَ الشَّهْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يُصَامُ فِيهِ فَكَانَ الْجُنُونُ وَالْإِفَاقَةُ فِيهِ سَوَاءً، وَكَذَا لَوْ أَفَاقَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا وَلَوْ أَفَاقَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَوْ أَفَاقَ بَعْدَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُفْتَتَحُ فِيهِ اهـ وَهَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَحُمَيْدٌ الضَّرِيرُ مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافٍ لَكِنْ إذَا كَانَ سُقُوطُ الْوَاجِبِ لِلْحَرَجِ وَامْتِدَادُ الْجُنُونِ شَهْرًا كَثِيرٌ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَلْزَمُ الْحَرَجُ بِثُبُوتِهِ مَعَ اسْتِيعَابِ الْجُنُونِ الشَّهْرَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ؛ لِأَنَّ صَوْمَ مَا دُونَ الشَّهْرِ فِي سَنَةٍ لَا يُوقِعُ فِي الْحَرَجِ يَجِبُ أَنْ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ الشَّهْرِ بَيْنَ أَنْ يُفِيقَ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْهُ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ فِي نَهَارٍ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا أَفَاقَ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى ثُمَّ أَصْبَحَ مَجْنُونًا جَمِيعَ الشَّهْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ نَعَمْ هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ فِيهَا أَوْ نَوَاهُ ثُمَّ أَفْطَرَ فِي نَهَارِهِ أَمَّا إذَا نَوَاهُ، وَلَمْ يُفْطِرْ قَضَى الشَّهْرَ إلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ مَحْمَلُ مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ جَمِيعِ الشَّهْرِ إلَّا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ.
وَكَذَا يَجِبُ أَنْ لَا يُفَرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْعَارِضِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِيضَاحِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مِنْ أَنَّ فِي الْأَصْلِيِّ إذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا أَدْرَكَ لَا قَضَاءَ مَا مَضَى ثُمَّ قَالُوا إنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ التَّكْرَارُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ لَازْدَادَتْ الزِّيَادَةُ الْمُؤَكِّدَةُ عَلَى الْأَصْلِ الْمُؤَكَّدِ إذْ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الصِّيَامِ مَا لَمْ يَمْضِ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَالتَّحْقِيقُ مَا سَبَقَ.
(وَفِي الزَّكَاةِ) قُدِّرَ امْتِدَادُ الْجُنُونِ الْمُسْقِطِ لِوُجُوبِهَا (بِاسْتِغْرَاقِ الْحَوْلِ) بِهِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ التَّكْرَارَ بِخُرُوجِهَا لَا بِدُخُولِهَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ فَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ فِي نَفْسِهِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّلْوِيحِ (وَأَبُو يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْهُ قَالَ (أَكْثَرُهُ) أَيْ الْحَوْلِ إذَا اسْتَوْعَبَهُ الْجُنُونُ (كَكُلِّهِ) إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مُقَامَ الْكُلِّ تَيْسِيرًا وَتَخْفِيفًا فِي سُقُوطِ الْوَاجِبِ وَالنِّصْفُ مُلْحَقٌ بِالْأَقَلِّ (فَلَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا مَالِكًا) لِلنِّصَابِ ثُمَّ أَفَاقَ