الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال صاحب تواريخ الأمم: "ملك أربع سنين في زمن أنوشروان وقد ولد النبي صلى الله عليه، وكان في قابوس لين، فسموه: قنية العرس. ويقال: إنه كان ضعيفاً مهينا، فقتله رجل من يشكر".
وولى أنوشروان على الحيرة فتشهرب الفارسي سنة، ثم ملك أخوه:
المنذر بن المنذر
أربع سنين في زمن أنوشروان (وابنه هرمز) ، وخرج إلى جهة الشام طالباً بدم أبيه، فقتله الحارث بن أبي شمر الغساني قاتل أبيه.
وملك بعده ابنه:
النعمان بن المنذر أبو قابوس
"وهو قاتل عبيد بن الأبرص الشاعر يوم بؤسه، وقاتل عدي بن زيد العبادي، وصاحب النابغة الذبياني وله فيه الأمداح الجليلة والاعتذارات، وهو غازي قرقيسياء، وباني الغريين وهما طربالان كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه. وكان هو وآباؤه يعبدون الأوثان على مذهب العرب، فاتفق أن خرج يوماً متنزها ومعه عدي بن زيد العبادي، فوقف بظهر الحيرة
على مقابر، فقال له عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول؟ قال: لا؛ قال: فإنها تقول:
أيها الركب المخبو
…
ن على الأرض المجدون
مثل ما أنتم سنبلى
…
وكما نحن تكونون
فقال: أعد، فقال: إنها تقول:
رب ركب قد أناخوا حولنا
…
يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم
…
وكذاك الدهر حالا بعد حال
فارعوى وتنصر من حينئذ. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة في زمن هرمز وزمن أبرويز بن هرمز".
قال صاحب تواريخ الأمم: "وقتله أبرويز، فانقطع الملك في لخم، وبسبب قتله وقعت حرب ذي قار" بين الفرس والعرب.
وذكر الطبري: أن المنذر أبا النعمان كان قد ترك عشرة أولاد ذكور يقال لهم: الأشاهب، من حسنهم. وكان النعمان
من بينهم قصيراً أحمر أبرش، وأمه بنت صائغ من فدك؛ وكان أبوه قد جعله في حجر عدي بن زيد. ولما مات المنذر جعل أبرويز ملك الفرس على أمره وولده إياس بن قبيصة الطائي، وجعل يختبر أولاد النعمان، ويقال إنهم كانوا ثلاثة عشر، فخلا عدي بن زيد بكل واحد منهم وجعل يقول له: إذا سألك كسرى وقال لك: أتكفيني أمر العرب؟ فقل: نعم إلا النعمان! وقال للنعمان: إن سألك عن إخوتك فقل: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز؛ فكان ذلك سبب ولاية النعمان.
وكان عدي بن مرينا الشاعر يريد ولاية أخيه الأسود بن المنذر، فاتفق معه في الباطن على السعي في هلاك عدي بن زيد، وأخذ ابن مرينا في إلطاف النعمان بالهدايا والتحف - وكان كثير الأموال، وكان عدي بن زيد غائباً عن النعمان بباب أبرويز يرسم النيابة لملك العرب والترجمة على عادتهم في ذلك. فجعل ابن مرينا إذا جرى ذكر عدي بن زيد أثنى عليه، ووضع من يقول إثر ذلك: إلا أنه يمن على الملك ويقول: لولاي ما ملك! ويتبعون ذلك بما يملأ قلب النعمان عليه، إلى أن وضعوا عليه كتاباً بما يسوء النعمان، وعرضوا حامله لأن يعثر عليه، فحمل للنعمان، فلم يملك النعمان حلمه، وأرسل إلى عدي بن زيد يستعجله ويستزيره؛ فلما وصل إليه حبسه، وجعل عدي يخاطبه بالأشعار المشهورة التي منها:
أبلغ النعمان عني مألكاً
…
أنه قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق
…
كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ولما طال حبسه كتب إلى أخيه أبي زيد شعراً، وكان نائبه بباب أبرويز، فكتب أبرويز إلى النعمان في إطلاقه، وأرسل رسولاً بكتابه، فنم بذلك أعداؤه إلى النعمان وقالوا له: بادر بقتله قبل أن يصل إليك الكتاب، فيخرج على غير اختيارك، ويسعى في هلاك الجميع! فبادر النعمان بأن بعث إليه من قتله. فلما وصل الرسول، ودفع إليه الكتاب، أمر بإطلاقه، وأنعم عليه بمال جزيل، فسار إلى الحيرة ليخرجه، فأعلم أنه قد مات منذ أيام ولم يجسر أحد [أن] يخبر الملك بذلك.
ثم كتب النعمان إلى أبرويز يعزيه فيه، وأرسل إليه ابنه زيد بن عدي عوضاً منه، فجعله أبرويز في مكان أبيه، فأعجب به كسرى وقربه، وصار يكثر من الدخول عليه. وكانت لملوكهم صفة في النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك. فكتب كسرى بتلك الصفة، فأعلمه زيد بن عدي أن عند النعمان من بناته وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة! وقال: الرأي في ذلك أن تبعثني إليه في هذا الشأن فإن العرب
تتكرم ببناتها عن العجم فلا آمن أن يغبهن، ويكون معي رجل من حرسك يفقه العربية؛ فكان ذلك.
وشق [ذلك] على النعمان وقال لزيد: أما كان في عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم؟ فقال الرسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر! ثم انفصلا عنه، وكتب إلى أبرويز بالاعتذار.
فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول: اصدق الملك! فأخبره بما سمع منه، وأنه قال: أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فظهر الغضب في وجه أبرويز وتغير عليه، وبلغ ذلك النعمان فاستعد لوقوع البلاء.
وبعد أشهر كتب إليه أبرويز يستدعيه، فجمع ماله وأهله، وسار إلى جبل طيء ليجيروه، وكان عنده بنت سعد بن حارثة بن لأم، فلم يجيروه. فسار إلى سيد بني شيبان، فترك عنده ماله وأهله وسار إلى أبرويز، فلقي عدي بن زيد على قنطرة ساباط، فقال: انج نعيم، فقد والله وضعت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن.
فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه من قيدع وحمله إلى خانقين، فلم يزل في سجنها حتى وقع الطاعون فمات،