الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خطيباً بمأرب، وتوجوه، وزحفوا إلى حرب ذي الأذعار، فمات بينهم خلق كثير".
وليس في أخباره فائدة.
ابنه الهدهاد بن شر حبيل
هكذا ذكر صاحب التيجان. وقال صاحبا تواريخ الأمم والمعارف أنه "هداد" بن شراحيل بن عمرو بن الرائش".
وقال ابن هشام: ويقال له: ذو مرصد، وكان شجاعاً حازماً، وكان ملكاً بمأرب وذو الأذعار في الحياة بقصر غمدان. وتزوج الهدهاد جنية ولدت له بلقيس، فغلبها على أهل بيته، واستخلفها على ملكه، ومات بعدما أقام في الملك عشرين سنة، وقال: خمساً وسبعين سنة.
بنته بلقيس بنت الهدهاد
قال صاحب التيجان: لما وليت بلقيس بعد أبيها لم تثبت لعمرو ذي الأذعار، وفرت أمامه، فاستجارت بملك اليمامة جعفر بن قرط الهزاني، وكان بنو هزان قد استولوا عليها، وأخرجوا عنها طسما وجديساً إلى ضواحيها.
ولما سارت بلقيس إلى جعفر وجدته بحصنه المشهور بنهر الحفيف، فأقامت عنده. فاتفق أن حضر شرابه عمرو بن عباد الأودي الفاتك، فاغتاله وقتل الملك. وكان عمرو قد عشق بنته جدجاد بنت جعفر، فكرهت أن تكون عند قاتل أبيها، وأخذت في ذلك مع بلقيس. فقالت لها: دعيني أسر إليه عوضك؛ فقالت: شأنك وإياه! فأخذت معها مدية وأخفتها في قرون شعرها، فلما عزم على مباشرتها قتلته بتلك المدية، وردت الملك إلى أهله.
فشكروا لها ذلك، وسعوا في الإصلاح بينها وبين ذي الأذعار، وبنوا الأمر معها في الحقيقة على الحيلة: فأخذوا معه أن يتزوجها، ويرجع الملك كله إليه، فاغتر بذلك، وصنعت معه مثل صنيعها مع عمرو الأودي. ولما قتلته استولت على جميع الملك، واستبشر بها أهل اليمن؛ لأن ذا الأذعار كان ظلوماً جباراً، وكانت مدته قد طالت مائة وخمساً وعشرين سنة.
قال: "ثم غلبت بلقيس على بابل وغيرها، وطار ذكرها، وعلا أمرها. وكانت لا أرب لها في الرجال، ووجدها سليمان عذراء".
وكان أهل اليمن قد طغوا وتجبروا وكفروا واشتغلوا بعبادة الشمس، فأرسل الله إليهم سليمان عليه السلام، فسار والريح تنقل بساطه "غدوها شهر ورواحها
شهر"، والطير تظلله، والأنسر عن يمينه وشماله، والجن من ورائه. فمر بالمدينة، وذكر أنها مهجر نبي كريم يخرج في أخر الزمان من العرب، ثم سار إلى مكة فطاف بالبيت، وملكها حينئذ البشر بن الأغلب الجرهمي قد ورث الملك عن آبائه، وهو تحت طاعة بلقيس على عادة آبائه. ثم سار إلى نجران، وبها أفعى نجران، وهو القلمس بن عمرو الحميري، قد ورث ملكها عن آبائه إلا أنهم تحت سلاطين اليمن، وكان أحكم العرب في وقته.
فلما رأى طوالع عسكر سليمان قد طلعت بتواضع وتذلل قال: تواضع وذلة وعز وقدرة، إن الأمر سماوي. ثم جمع أهل نجران وهي حينئذ دار علم، فاجتمع الرأي أن يلبس عباءة ويسير إليهم بثلاثة: كهانة وطب وحكمة، فإن كان فيهم نبي لم يحتاجوا إلى شيء من ذلك.
فلما سار إليهم رأي الجبال تسبح بين يدي سليمان والطير تظلله، فقال: قد بطلت حكمتي. ثم نظر إلى البقل بين يديه، وكل بقلة تقول: يا نبي الله، اسمي كذا وأنفع بين كذا وأضر في كذل، فقال: بطلت كهانتي وطبي! فآمن به.
ورجع إلى قومه، فقالوا له: ما رأيت؟ قال: "الرائد لا يكذب أهله"، وأرسلها مثلا. وكتب إلى بلقيس: إني رأيت قوماً لبسوا الذل تحت العز، والفاقة تحت
الغنى، والصبر تحت القدرة، ينصرون [بلا حرب]، ويقدرون بلا استطالة. فكتبت إليه: إن الملوك تفعل ذلك حتى تستميل هذا العالم، فإذا قدروا عزوا. وكتبت إليه: إن تختبرهم بأشياء تفرق بين أهل الملك وأهل النبوة. فكتب لها: إنه تحقق أنهم أهل نبوة، وأمرها بالسلم وألا تغالبه، فإن أمر الله لا يغالب.
ولما أراد سليمان النزول وكان لا ينزل إلا على ماء، والهدهد دليله يبصر الماء تحت الأرض وكثافة التراب بينه وبينه لما أعطاه الله من قوة بصره في ذلك، تفقده فقال:"مالي لا أرى الهدهد"(الآية) إلى أن تاه الهدهد، وأخبره أنه لقي هدهداً آخر من أرض بلقيس، وكان ما قصه الله تعالى في القرآن من كلام الهدهد وكلام بلقيس وكلام سليمان. وكان في الهدية التي بعثت بها بلقيس إلى سليمان خيل بحرية من نسل الخيل التي جلبها إلى اليمن ذو القرنين، وحق فيه ياقوت من الذي جلبه من وادي الياقوت؛ وأوصت الرسل أن يختبروا سليمان بأن يسألوا عن نسب الخيل وعما في الحق، فأخبرهم عليه السلام بحقيقة ذلك. وكان من سليمان ما ذكره الله تعالى في كتابه عن قصة عرش بلقيس، وكان من ذهب عامته مرصع بأنواع الدر والياقوت، طوله عشرون ذراعاً في عرض عشر أذرع،
وتاجها معلق فيه بسلاسل ذهب. فقال العفريت: "أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك"، فقال آصف كاتب سليمان وهو "الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك". فلم يكن إلا ما ذكر وإذا بالعرش بين يدي سليمان. وكانت بلقيس قد صارت على انفراد من عساكرها إلى سليمان لتختبر أنبي هو أم ملك؟ فأمر سليمان الجن فصنعوا عن يمينه وشماله حائطين من الذهب، وبنوا خلف ذلك داراً ومجلساً، وجعلوا لبن الدار كلها ذهباً. ثم أذن لبلقيس في الدخول، فلما رأت ذلك وكانت قد جاءت معها بلبنة ذهب تجلس عليها إن أمرت بالجلوس، فكرهت حين أبصرت ذلك أن تدخل بها في يدها، فطرحتها خارج الدار وسليمان ينظر إليها. فحيته بتحية الملوك، وتواضعت له، فقال لها سليمان: أهذا عرشك؟ قالت: "كأنه هو". وقامت بين يديه، فلم يأمرها بالجلوس ولا نهاها عن القيام حتى طال عليها، فرفع سليمان رأسه، وقال لها: الأرض أرض الله، فمن شاء أن يجلس ومن شاء أن يقوم! فقالت: الآن علمت أنك نبي؛ لأن الملوك لا يجلس عندهم إلا بأذن، ولكنك قلت مقال أهل العلم بالله. وأنا أريد أن أسالك عن ثلاث، فإن أخبرتني بها دخلت في طاعتك. قال: قولي، ولا قوة إلا بالله، قالت: أخبرني عن ماء ليس من الأرض ولا من السماء، وأخبرني عن شبه الولد أباه من أي ناحية، وأخبرني عن لون الرب تبارك وتعالى. فقال سليمان للجن: اركبوا هذه الخيول وأجروها، فإذا رأيتم جلودها قد
تصببت بالعرق، فخذوه وجيئوني به؛ ففعلوا، فقال: هذا ماء ليس من الأرض ولا من السماء. وأما شبه الولد أباه فإن النطفة إذا سبقت من الرجل كان الشبه له. قالت: صدقت؛ فما الثالثة؟ وبقي سليمان متفكراً، فأوحى الله إليه: إني قد أنسيتها ذلك، فسألها عن ذلك فقالت: لا أدري عما سألتك! ولما أراد سليمان تزوجها توقعت الجن شر ذلك، وقالت: إذا تزوجها حطنا بين فطنة الجن وحيلة الإنس وكيد النساء، ولم نصب راحة. فأعلموا سليمان أن حافرها مثل حافر الحمار، وأن رجلها [شعراء] ؛ وأراد أن يطلع إلى ذلك، فاحتالوا بأن صنعوا له مجلساً أرضه لجة ماء وسرح فيه السمك، ثم جعل فوقه صرحا ممرداً من قوارير؛ ثم قالوا له: أرسل إليها لتدخل عليك، فأرسل إليها وليس في البيت غيره، فلما رأت الماء والسمك يجول فيه "حسبته لجة وكشفت عن ساقيها" لتخوض إليه، فنظر على ساقيها شعراً كثيراً أسود، فقال لها: لا تكشفي فإنه "صرح ممرد من قوارير"، فقالت: يا نبي الله، جاء الحق وزهق الباطل، ثم قالت: "رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب