الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: الخير والشر
المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر
تطلق لفظتا الخير والشر على وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: يطلق الخير على ما يرى فيه الإنسان لنفسه نعمة أو منفعة أو لذة. فهو يحبه لذلك، وقد يكون في حقيقة حاله شرًّا أو سوءًا أو سببًا لوقوع الشر، أو السوء به، وقد نبه الله عز وجل على هذه الحقيقة بقوله في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":
ومن هذا الوجه ما اشتهر في لسان العرب من تسمية المال وسائر أسباب الرزق خيرًا، ويدخل في هذا الوجه ما يصيب الإنسان من نعم ومنافع ولذات مما لا كسب له فيه، ومن ذلك الخصائص الجسدية والنفسية التي تتجلى فيها نعم الله على عبده.
ويستعمل في مرادف كلمة الخير على هذا الوجه كلمة: نعمة، أو منفعة، أو مصلحة أو لذة أو نحو ذلك.
وفي مقابل هذا تطلق كلمة الشر على كل ما يرى فيه الإنسان لنفسه سوءًا أو ضرًّا أو أذى، فهو يكرهه لذلك، وقد يكون في حقيقة حاله خيرًا له، أو سببًا لحصول خير كثير له، كما جاء في الآية التي سبق الاستشهاد بها.
ويستعمل في مرادف كلمة الشر على هذا الوجه كلمة: سوء، أو ضر، أو أذى، أو مصيبة، أو نحوها.
استعمالات قرآنية على هذا الوجه:
وقد ورد في القرآن الكريم استعمال لفظتي الخير والشر على هذا الوجه من وجوه الاستعمال العربي، فمن ذلك الأمثلة التالية:
أ- قول الله تعالى في وصف الإنسان في سورة "العاديات: 100 مصحف/ 14 نزول":
أي: لحب المال وسائر الوسائل التي يرى الإنسان فيها لنفسه نعمة أو منفعة أو لذة أو جاهًا.
ب- وقول الله تعالى في سورة "الأعراف: 7 مصحف/ 39 نزول":
أي: ولو كنت أعلم ما ستجري به المقادير في الدنيا لأخذت بالأسباب التي قضى الله بأن تأتي المنافع والخيرات من ورائها، ولابتعدت عن كل جهة قضى الله بأن يأتي السوء من قبلها، واختيرت كلمة السوء هنا للاستعمال في مقابل كلمة الخير للدلالة على أن المراد بكلمة الخير هنا المنافع الدنيوية التي يتولاها القضاء والقدر بنفسه دون أن يكون لإرادة الإنسان وساطة فيها، بخلاف الخيرات الأخروية فإن لإرادة الإنسان دخلًا في استحقاقها بحسب وعد الله.
ج- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول":
فقد أطلقت كلمة الخير هنا مرادًا بها النعم الدنيوية التي يبتلي الله بها عباده بمحض مشيئته، فإتيان الملك، ومنح العز وما أشبه ذلك أنواع من المتع والخيرات الدنيوية التي هي بيد الله، فهو يختبر بها من يشاء من عباده.
د- وقول الله تعالى في سورة "الأنبياء: 21 مصحف/ 73 نزول":
وهذه الآية أوضحت أن الشر "ويراد به هنا المصائب والمؤلمات الدنيوية" وأن الخير "ويراد به هنا النعم والأمور السارة الدنيوية" ما هما إلا مظهران لابتلاء إرادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فمن اجتاز الابتلاء بنجاح كانت المصائب
والمؤلمات الدنيوية سبب خير كبير له في الآخرة، ومن تجاوز حدود الله وآثر الحياة الدنيا لم تنفعه النعم والخيرات الكثيرات التي تمتع بها في دنياه، بل تكون عليه وبالًا يوم القيامة، وسبب شر كبير يجازي به على ما فرط في جنب الله.
هـ- وقول الله تعالى في سورة "يونس: 10 مصحف/ 51 نزول":
وفي هذه الآية جاء استعمال كلمة الضر في مقابل كلمة الخير للدلالة على أن المراد بالخير هنا النعم الدنيوية، جريًا مع الاستعمال الشائع عند الناس.
الوجه الثاني: وتطلق لفظة "خير" أيضًا على أنها أفعل تفضيل بمعنى أخير ويرادها بهذه المعنى كلمة أفضل أو نحوها، وقد يستعمل في مقابل لفظة خير على هذا المعنى كلمة أدنى أو نحوها.
كما قد تطلق كلمة "شر" على أنها أفعل تفضيل بمعنى أشر ويرادفها بهذا المعنى كلمة أدنى أو أخس أو نحوهما.
استعمالات قرآنية على هذا الوجه:
وقد ورد في القرآن الكريم استعمال كلمتي "خير وشر" على هذا الوجه من وجوه الاستعمال العربي، فمن ذلك الأمثلة التالية:
أ- قول الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":
فقد أنكر موسى صلوات الله عليه على قومه أن يطلبوا استبدال البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل بالمن والسلوى، مع أنهما أفضل لذة وغذاء من هذه النباتات التي يطلبونها ويشتهونها، وظاهر هنا أنه لا معنى للخيرة إلا الأفضلية المادية؛ لأن كلا من الرزقين، من نعم الله على عباده.
ب- وقوله الله تعالى في سورة "الأعراف: 7 مصحف/ 39 نزول":
فقول إبليس الذي يحكيه الله عنه: أنا خير منه، يريد به أنه أفضل تكوينًا من آدم، ودلل على ذلك بحجته الساقطة: خلقتني من نار وخلقته من طين، فاعتبر النار أشرف من الطين، وبنى على ذلك استعلاءه بالنظر في أصله الناري عن السجود لآدم، متجاهلًا أن الذي خلقه هو الذي يأمره بالسجود، وأمره واجب التنفيذ على أي وجه.
الوجه الثالث: وهو الوجه المقصود في أسس الحضارة الإسلامية.
ويطلق الخير ويراد به ما يكسبه الإنسان بإرادته في الحياة الدنيا من عمل قلبي أو نفسي أو جسدي يحقق له عند الله خيرًا باقيًا، وسعادة خالدة، وثوابًا حسنًا، ولو كان ذلك العمل شاقًّا أو مضنيًا أو مؤلمًا، أو فيه تعرض للضر والأذى.
ويرادف الخير بهذا المعنى الطاعة لله والبر ونحوهما.
وفي مقابل هذا يطلق الشر ويراد به ما يكتسبه الإنسان بإرادته من عمل قلبي أو نفسي أو جسدي يستحق عليه جزاء سيئًا، ولو جلب له في الدنيا متعة أو منفعة أو لذة.
ويرادف الشر على هذا المعنى المعصية لله والإثم ونحوهما. وقد لوحظ في هذا الوجه المراد من الخير والشر أمران:
الأمر الأول: ما سيؤول إليه العمل يوم القيامة من جزاء بالثواب أو بالعقاب، لما يتضمن من طاعة الله أو معصية له.
الأمر الثاني: ما يؤدي إليه العمل من آثار ونتائج حسنة أو سيئة على الفرد أو على المجتمع في الحياة الدنيا، وذلك لأن الأحكام الإسلامية تهدف إلى
تحقيق أكبر نسبة من الخير، وتفادي أكبر نسبة من الشر، في نظرة كلية جامعة ينظر بها الإسلام إلى الإنسانية على وجه العموم، ثم إلى الحياة، ثم إلى الوجود بأسره.
ولا يظن ظان أن الإسلام يرفع من حسابه على هذا المفهوم للخير والشر ملاحظة المنافع والمتع واللذات، أو ملاحظة المضار والآلام والأكدار، بل الإسلام يدخل كل ذلك في حسابه، ولكن ضمن نظرة كلية شاملة، سيأتي تفصيلها، وتوضيح جوانبها إن شاء الله.
ويدني هذه الحقيقة من الفكر المثال التالي:
يشتهي الطفل المريض قطعة من الحلوى، وفي تناوله لهذه القطعة لذة عظيمة له، ومتعة تندفع إليها نفسه بإلحاح، وذلك في تقديره من الخير الذي يصح أن يسعى إليه، ولكن هذه القطعة من الحلوى ستسبب له آلامًا كثيرة إذا هي وصلت إلى أمعائه، وهذا شر أكبر نسبة من الخير الذي يهفو إلى تحقيقه من طريق متعة الفم، وهو للنتيجة المؤلمة جاهل، أو عنها غافل.
فماذا يحكم العاقل البصير على تناول هذا المريض لهذه القطعة من الحلوى؟ هل هو خير أم شر؟ إنه لا شك يحكم على تناولها بأنه شر.
وهنا يقال: هل رفع العاقل البصير من حسابه متعة الفم ولذته بتناول قطعة الحلوى؟
الجواب: إنه لم يرفع ذلك من حسابه، ولكنه أدخل في حسابه أيضًا أشياء أخرى؛ إذ نظر إلى الأمر نظرة كلية شاملة، تناولت العمل، وجميع ما يؤدي إليه. إن عاجلًا أو آجلًا.
وكذلك الإسلام في كل أحكامه وشرائعه.
وهنا لا بد من لفت النظر إلى واقع هذه الحياة الدنيا؛ إذ بث الله فيها أسباب اللذة وأسباب الألم، ونشر فيها عوامل المنفعة وعوامل المضرة، ومزج كل ذلك بعضه في بعض، وجعل كثيرًا من الآلام جسورًا لتحقيق الخير العظيم،
وجعل كثيرًا من اللذات مزالق تُقضي إلى الشر المستطير، لتتم بكل ذلك حكمة الابتلاء التي أرادها الله في هذه الحياة، وبدون ذلك لا تتم حكمة الابتلاء على الوجه الأكمل، وفي حكمة الابتلاء يكمن سر خلق الله الإنسان.
استعمالات قرآنية على هذا الوجه:
لدى تتبع النصوص القرآنية نجد أن أكثر ما جاء فيها من مادتي الخير والشر مستعمل في حدود هذا الوجه الثالث، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- قول الله تعالى في سورة "الزلزلة: 99 مصحف/ 93 نزول":
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} .
فالخير والشر هنا تابعان للعمل الإرادي الذي يمارسه الإنسان في حياته الدنيا ضمن حدود الابتلاء الرباني.
ب- وقول الله تعالى في سورة "الحج: 22 مصحف/ 103 نزول":
ففي هذه الآية يأمر الله سبحانه الذين آمنوا بفعل الخير، ويرتب عليه رجاء فلاحهم، وفعلهم الخير هو من الأعمال الإرادية التي يمارسونها في حياتهم.
ج- وقول الله تعالى في سورة "المزمل: 73 مصحف/ 3 نزول":
فما يقدمه الإنسان لنفسه إنما هو عمله الإرادي، سواء كان عملًا قلبيًّا أم نفسيًّا أم جسديًّا.
د- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول":