المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر - الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

[عبد الرحمن حبنكة الميداني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌فاتحة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌فاتحة كتاب؛ "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة وموقف الإسلام من التقدم الحضاري

- ‌المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري

- ‌المقولة الثانية: موقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري

- ‌الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات

- ‌الباب الأول: البناء الفكري للحضارة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: الحق والباطل

- ‌الفصل الثاني: الخير والشر

- ‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر

- ‌المقولة الثانية: من أسس الحضارة الإسلامية "مبدأ فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه

- ‌المقولة الثالثة: مفاهيم عامة تشتمل عليها حدود الخير والشر

- ‌المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية

- ‌المقولة الخامسة: فلسفة الإسلام في الوسائل والغايات

- ‌المقولة السادسة: فلسفة الإسلام فيما يجري به القضاء والقدر من نعم ومصائب

- ‌الفصل الثالث: العالمية والشمول في رسالة الحضارة الإسلامية

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الحضارة الإسلامية منفتحة الحدود

- ‌انفتاح الحدود الفكرية

- ‌ انفتاح الحدود النفسية:

- ‌ انفتاح الحدود المادية:

- ‌الفصل الرابع: المثالية والواقعية

- ‌المقولة الأولى: تعريفات وبيانات عامة للمثالية والواقعية

- ‌المقولة الثانية: شرح المثاليات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌المقولة الثالثة: شرح الواقعيات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌مدخل

- ‌شرح الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية

- ‌شرح الأمر الثاني: رفع التكليف في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها

- ‌شرح الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية

- ‌شرح الأمر الرابع: مراعاة حال واقع المجتمعات الإنسانية

- ‌شرح الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري

- ‌جدليات حول المثاليات والواقعيات الإسلامية:

- ‌الباب الثاني: وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا

- ‌مقدمات عامة:

- ‌الفصل الأول: التعلم والتعليم

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: الدفع الإسلامي إلى التعلم والتعليم

- ‌المقولة الثانية: إجمال طرق تحصيل المعارف المختلفة

- ‌المقولة الثالثة: تكريم الإنسان بأدوات التعلم ومسؤوليته بالنسبة إليها

- ‌المقولة الرابعة: مكافحة الإسلام التقليد الأعمى

- ‌المقولة الخامسة: تفصيل طرق اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السادسة: نظرات من خلال النصوص الإسلامية حول اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السابعة: منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية

- ‌المقولة الثامنة: البحث العلمي والإيمان

- ‌المقولة التاسعة: مكانة العلماء في الإسلام

- ‌الفصل الثاني: تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: موقف الإسلام من تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقولة الثانية: قواعد العمل في الإسلام

- ‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار

- ‌المقولة الرابعة: دفع شبهات

- ‌الفصل الثالث: التربية

- ‌الفصل الرابع: الجدال بالتي هي أحسن

- ‌المقولة الأولى: تعريف بالجدال بالتي هي أحسن وبيان لطائفة من قواعده العامة

- ‌المقولة الثانية: أمثلة جدالية من القرآن الكريم

- ‌الفصل الخامس: إقامة الحكم الإسلامي

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: البيعة وواجبات الحاكم والمحكوم

- ‌المقولة الثانية: فلسفة الحكم الإسلامي

- ‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته

- ‌الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال

- ‌المقولة الثالثة: الروح المعنوية لدى المقاتلين من حملة الرسالة الربانية

- ‌المقولة الرابعة: الجهاد بالقتال في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية

- ‌الباب الثالث: صور ونماذج من تطبيقات المسلمين الحضارية في مختلف المجالات العلمية والعملية

- ‌الفصل الأول: تلقي القرآن وتدوينه وتدبره

- ‌المقولة الأولى: تلقي القرآن وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم التفسير

- ‌الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة

- ‌المقولة الأولى: السنة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌المقولة الثانية: السنة بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الثالثة: السنة بعد القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الرابعة: حركة التصنيف الكبرى للسنة وزواتها

- ‌الفصل الثالث: أثر القرآن والسنة في ابتكار كثير من العلوم الإسلامية

- ‌الفصل الرابع: تأسيس علمي النحو والصرف وتدوين المعجمات العربية

- ‌الفصل الخامس: تأسيس علم الفقه الإسلامي، وعلم أصوله، وتدوينهما

- ‌المقولة الأولى: تأسيس علم الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: تأسيس علم أصول الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌الفصل السادس: نشأة علمي التاريخ والجغرافية والتدوين فيهما

- ‌المقولة الأولى: نشأة علم التاريخ البشري والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم الجغرافية والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌الفصل السابع: اهتمام المسلمين بالعلوم التي تتعلق بآيات الله في الكون وأدواتها العقلية والتجريبية

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الثالثة: الكيمياء

- ‌المقولة الرابعة: الفلاحة والنبات

- ‌المقولة الخامسة: الحيوان

- ‌الفصل الثامن: عناية المسلمين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية خلقا وسلوكا

- ‌النشأة والتأسيس

- ‌ العلم والتعليم والتربية في بلاد الشام:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أيام العباسيين في العراق والأقاليم حوله:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في مصر:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أقاليم المغرب من بلدان العالم الإسلامي:

- ‌كلمة موجزة عن أندنوسيا

- ‌ تعرض حضارة المسلمين لقتل علمائها وإبادة مصنفاتها من قبل همج الشرق ونصارى الإسبان:

- ‌الفصل التاسع: نظرات موجزات حول تطبيقات حضاريات مختلفات قام بها المسلمون

- ‌ مقدمة:

- ‌ الواقع الاقتصادي:

- ‌ المالية العامة:

- ‌ التنظيمات الإدارية:

- ‌ القضاء:

- ‌ نظام الحسبة ووظيفة المحتسب:

- ‌ التدبيرات العسكرية:

- ‌ العمران:

- ‌ الخط العربي

- ‌ الصناعات الخزفية:

- ‌ الصناعات الزجاجية:

- ‌ صناعة النسيج:

- ‌الباب الرابع: لمحات من أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية الأخرى

- ‌ مقدمة:

- ‌ من أقوال المنصفين:

- ‌تتبعات تاريخية مفصلة جاءت في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب

- ‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:

- ‌ أثر حضارة المسلمين في همج الشرق الفاتحين المدمرين:

- ‌خاتمة كتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌خاتمة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌فهرس الكتاب:

- ‌آثار المؤلف

الفصل: ‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر

‌الفصل الثاني: الخير والشر

‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر

تطلق لفظتا الخير والشر على وجوه ثلاثة:

الوجه الأول: يطلق الخير على ما يرى فيه الإنسان لنفسه نعمة أو منفعة أو لذة. فهو يحبه لذلك، وقد يكون في حقيقة حاله شرًّا أو سوءًا أو سببًا لوقوع الشر، أو السوء به، وقد نبه الله عز وجل على هذه الحقيقة بقوله في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":

{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

ومن هذا الوجه ما اشتهر في لسان العرب من تسمية المال وسائر أسباب الرزق خيرًا، ويدخل في هذا الوجه ما يصيب الإنسان من نعم ومنافع ولذات مما لا كسب له فيه، ومن ذلك الخصائص الجسدية والنفسية التي تتجلى فيها نعم الله على عبده.

ويستعمل في مرادف كلمة الخير على هذا الوجه كلمة: نعمة، أو منفعة، أو مصلحة أو لذة أو نحو ذلك.

وفي مقابل هذا تطلق كلمة الشر على كل ما يرى فيه الإنسان لنفسه سوءًا أو ضرًّا أو أذى، فهو يكرهه لذلك، وقد يكون في حقيقة حاله خيرًا له، أو سببًا لحصول خير كثير له، كما جاء في الآية التي سبق الاستشهاد بها.

ويستعمل في مرادف كلمة الشر على هذا الوجه كلمة: سوء، أو ضر، أو أذى، أو مصيبة، أو نحوها.

استعمالات قرآنية على هذا الوجه:

وقد ورد في القرآن الكريم استعمال لفظتي الخير والشر على هذا الوجه من وجوه الاستعمال العربي، فمن ذلك الأمثلة التالية:

ص: 51

أ- قول الله تعالى في وصف الإنسان في سورة "العاديات: 100 مصحف/ 14 نزول":

{إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} .

أي: لحب المال وسائر الوسائل التي يرى الإنسان فيها لنفسه نعمة أو منفعة أو لذة أو جاهًا.

ب- وقول الله تعالى في سورة "الأعراف: 7 مصحف/ 39 نزول":

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

أي: ولو كنت أعلم ما ستجري به المقادير في الدنيا لأخذت بالأسباب التي قضى الله بأن تأتي المنافع والخيرات من ورائها، ولابتعدت عن كل جهة قضى الله بأن يأتي السوء من قبلها، واختيرت كلمة السوء هنا للاستعمال في مقابل كلمة الخير للدلالة على أن المراد بكلمة الخير هنا المنافع الدنيوية التي يتولاها القضاء والقدر بنفسه دون أن يكون لإرادة الإنسان وساطة فيها، بخلاف الخيرات الأخروية فإن لإرادة الإنسان دخلًا في استحقاقها بحسب وعد الله.

ج- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول":

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .

فقد أطلقت كلمة الخير هنا مرادًا بها النعم الدنيوية التي يبتلي الله بها عباده بمحض مشيئته، فإتيان الملك، ومنح العز وما أشبه ذلك أنواع من المتع والخيرات الدنيوية التي هي بيد الله، فهو يختبر بها من يشاء من عباده.

د- وقول الله تعالى في سورة "الأنبياء: 21 مصحف/ 73 نزول":

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} .

وهذه الآية أوضحت أن الشر "ويراد به هنا المصائب والمؤلمات الدنيوية" وأن الخير "ويراد به هنا النعم والأمور السارة الدنيوية" ما هما إلا مظهران لابتلاء إرادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فمن اجتاز الابتلاء بنجاح كانت المصائب

ص: 52

والمؤلمات الدنيوية سبب خير كبير له في الآخرة، ومن تجاوز حدود الله وآثر الحياة الدنيا لم تنفعه النعم والخيرات الكثيرات التي تمتع بها في دنياه، بل تكون عليه وبالًا يوم القيامة، وسبب شر كبير يجازي به على ما فرط في جنب الله.

هـ- وقول الله تعالى في سورة "يونس: 10 مصحف/ 51 نزول":

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .

وفي هذه الآية جاء استعمال كلمة الضر في مقابل كلمة الخير للدلالة على أن المراد بالخير هنا النعم الدنيوية، جريًا مع الاستعمال الشائع عند الناس.

الوجه الثاني: وتطلق لفظة "خير" أيضًا على أنها أفعل تفضيل بمعنى أخير ويرادها بهذه المعنى كلمة أفضل أو نحوها، وقد يستعمل في مقابل لفظة خير على هذا المعنى كلمة أدنى أو نحوها.

كما قد تطلق كلمة "شر" على أنها أفعل تفضيل بمعنى أشر ويرادفها بهذا المعنى كلمة أدنى أو أخس أو نحوهما.

استعمالات قرآنية على هذا الوجه:

وقد ورد في القرآن الكريم استعمال كلمتي "خير وشر" على هذا الوجه من وجوه الاستعمال العربي، فمن ذلك الأمثلة التالية:

أ- قول الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} .

فقد أنكر موسى صلوات الله عليه على قومه أن يطلبوا استبدال البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل بالمن والسلوى، مع أنهما أفضل لذة وغذاء من هذه النباتات التي يطلبونها ويشتهونها، وظاهر هنا أنه لا معنى للخيرة إلا الأفضلية المادية؛ لأن كلا من الرزقين، من نعم الله على عباده.

ص: 53

ب- وقوله الله تعالى في سورة "الأعراف: 7 مصحف/ 39 نزول":

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} .

فقول إبليس الذي يحكيه الله عنه: أنا خير منه، يريد به أنه أفضل تكوينًا من آدم، ودلل على ذلك بحجته الساقطة: خلقتني من نار وخلقته من طين، فاعتبر النار أشرف من الطين، وبنى على ذلك استعلاءه بالنظر في أصله الناري عن السجود لآدم، متجاهلًا أن الذي خلقه هو الذي يأمره بالسجود، وأمره واجب التنفيذ على أي وجه.

الوجه الثالث: وهو الوجه المقصود في أسس الحضارة الإسلامية.

ويطلق الخير ويراد به ما يكسبه الإنسان بإرادته في الحياة الدنيا من عمل قلبي أو نفسي أو جسدي يحقق له عند الله خيرًا باقيًا، وسعادة خالدة، وثوابًا حسنًا، ولو كان ذلك العمل شاقًّا أو مضنيًا أو مؤلمًا، أو فيه تعرض للضر والأذى.

ويرادف الخير بهذا المعنى الطاعة لله والبر ونحوهما.

وفي مقابل هذا يطلق الشر ويراد به ما يكتسبه الإنسان بإرادته من عمل قلبي أو نفسي أو جسدي يستحق عليه جزاء سيئًا، ولو جلب له في الدنيا متعة أو منفعة أو لذة.

ويرادف الشر على هذا المعنى المعصية لله والإثم ونحوهما. وقد لوحظ في هذا الوجه المراد من الخير والشر أمران:

الأمر الأول: ما سيؤول إليه العمل يوم القيامة من جزاء بالثواب أو بالعقاب، لما يتضمن من طاعة الله أو معصية له.

الأمر الثاني: ما يؤدي إليه العمل من آثار ونتائج حسنة أو سيئة على الفرد أو على المجتمع في الحياة الدنيا، وذلك لأن الأحكام الإسلامية تهدف إلى

ص: 54

تحقيق أكبر نسبة من الخير، وتفادي أكبر نسبة من الشر، في نظرة كلية جامعة ينظر بها الإسلام إلى الإنسانية على وجه العموم، ثم إلى الحياة، ثم إلى الوجود بأسره.

ولا يظن ظان أن الإسلام يرفع من حسابه على هذا المفهوم للخير والشر ملاحظة المنافع والمتع واللذات، أو ملاحظة المضار والآلام والأكدار، بل الإسلام يدخل كل ذلك في حسابه، ولكن ضمن نظرة كلية شاملة، سيأتي تفصيلها، وتوضيح جوانبها إن شاء الله.

ويدني هذه الحقيقة من الفكر المثال التالي:

يشتهي الطفل المريض قطعة من الحلوى، وفي تناوله لهذه القطعة لذة عظيمة له، ومتعة تندفع إليها نفسه بإلحاح، وذلك في تقديره من الخير الذي يصح أن يسعى إليه، ولكن هذه القطعة من الحلوى ستسبب له آلامًا كثيرة إذا هي وصلت إلى أمعائه، وهذا شر أكبر نسبة من الخير الذي يهفو إلى تحقيقه من طريق متعة الفم، وهو للنتيجة المؤلمة جاهل، أو عنها غافل.

فماذا يحكم العاقل البصير على تناول هذا المريض لهذه القطعة من الحلوى؟ هل هو خير أم شر؟ إنه لا شك يحكم على تناولها بأنه شر.

وهنا يقال: هل رفع العاقل البصير من حسابه متعة الفم ولذته بتناول قطعة الحلوى؟

الجواب: إنه لم يرفع ذلك من حسابه، ولكنه أدخل في حسابه أيضًا أشياء أخرى؛ إذ نظر إلى الأمر نظرة كلية شاملة، تناولت العمل، وجميع ما يؤدي إليه. إن عاجلًا أو آجلًا.

وكذلك الإسلام في كل أحكامه وشرائعه.

وهنا لا بد من لفت النظر إلى واقع هذه الحياة الدنيا؛ إذ بث الله فيها أسباب اللذة وأسباب الألم، ونشر فيها عوامل المنفعة وعوامل المضرة، ومزج كل ذلك بعضه في بعض، وجعل كثيرًا من الآلام جسورًا لتحقيق الخير العظيم،

ص: 55

وجعل كثيرًا من اللذات مزالق تُقضي إلى الشر المستطير، لتتم بكل ذلك حكمة الابتلاء التي أرادها الله في هذه الحياة، وبدون ذلك لا تتم حكمة الابتلاء على الوجه الأكمل، وفي حكمة الابتلاء يكمن سر خلق الله الإنسان.

استعمالات قرآنية على هذا الوجه:

لدى تتبع النصوص القرآنية نجد أن أكثر ما جاء فيها من مادتي الخير والشر مستعمل في حدود هذا الوجه الثالث، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

أ- قول الله تعالى في سورة "الزلزلة: 99 مصحف/ 93 نزول":

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} .

فالخير والشر هنا تابعان للعمل الإرادي الذي يمارسه الإنسان في حياته الدنيا ضمن حدود الابتلاء الرباني.

ب- وقول الله تعالى في سورة "الحج: 22 مصحف/ 103 نزول":

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

ففي هذه الآية يأمر الله سبحانه الذين آمنوا بفعل الخير، ويرتب عليه رجاء فلاحهم، وفعلهم الخير هو من الأعمال الإرادية التي يمارسونها في حياتهم.

ج- وقول الله تعالى في سورة "المزمل: 73 مصحف/ 3 نزول":

{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

فما يقدمه الإنسان لنفسه إنما هو عمله الإرادي، سواء كان عملًا قلبيًّا أم نفسيًّا أم جسديًّا.

د- وقول الله تعالى في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول":

{وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} .

ص: 56