الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرح الأمر الثاني: رفع التكليف في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها
إن في قول الله تعالى يُعلم المؤمنين كيف يدعون ربهم:
{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} .
وفي قول الرسول صلوات الله عليه:
"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
في كلا هذين النصين دلالة كافية على عدم المؤاخذة، وعلى وضع المسئولية عن كاهل المكلف في أحوال النسيان، والخطأ، والإكراه، التي لا يملك دفعها، مع رغبته بدفعها، وحرصه على ذلك.
والكلام على هذه الأحوال يحتاج إلى شيء من التفصيل، فلنفصل الكلام على كل من النسيان والخطأ والإكراه، بالمقدار الذي يكشف لنا موقف الإسلام منها، في مجال التكليف والمسئولية:
النسيان:
لدى التبصر في أحوال النسيان نجد أنه ينقسم إلى قسمين:
قسم يعذر به صاحبه، وقسم لا يعذر به بل يؤاخذ عليه.
القسم الأول: وهو القسم الذي يعذر به صاحبه -وهو الذي نحن في صدد الحديث عنه- هو النسيان الناشئ عن حالة من أحوال الإنسان الطبيعية الغالبة لإرادته، والتي يملك دفعها ولا يستطيعه.
ومع هذا الأمر الواقع الذي هو أثر من آثار الخصائص الإنسانية المفطور عليها، تأتي الحكمة الربانية فتنظر إلى الإنسان نظرة عدل ورحمة، فتحكم برفع المؤاخذة عنه.
ومن أمثلة هذا النسيان الذي ترتفع معه المؤاخذة أن ينسى المسلم الحريص على أداء صلاته نسيانًا حقيقيًّا، لسبب فكري أو نفسي عارض إحدى الصلوات المفروضة، ثم يمر وقتها وينقضي دون أن يذكرها.
وهنا ينظر الله إلى حقيقة ما في نفسه من أحوال يعتريها النسيان فيرفع عنه المؤاخرة على تأخير الصلاة عن وقتها، ويأتي كلام الرسول صلوات الله عليه وعمله1 مبينًا ما يجب على هذا الناسي.
عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، واقم الصلاة لذكرى". رواه البخاري.
ومن أمثلته أيضًا أن ينسى المسلم في شهر رمضان أنه صائم فيأكل أو يشرب ناسيًا، ومثل هذا النسيان أحد العوارض التي تعرض للإنسان وهو صائم، لذلك ينظر الله إليه برفع المؤاخذة.
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا نسي -أي الصائم- فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه". رواه البخاري.
ومن أمثلته أيضًا أن ينسى الإنسان ما عهد إليه بحفظه فيضيع من ذاكرته، ومثل هذا النسيان أحد العوارض التي تعرض للنفس الإنسانية باستمرار، لذلك ينظر إليه برفع المؤاخذة، ما لم يكن ناشئًا عن هجر لما حفظه وإهمال له.
ومن هذا نسيان آدم عليه السلام ما عهد الله إليه بحفظه، فعرضت له
1 ومن عمله صلوات الله عليه في نسيان الصلاة ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"والله ما صليتها"، فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
عوارض النسيان، قال تعالى يخاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في سورة "طه: 20 مصحف/ 45 نزول":
ففي توجيه الله رسوله أن يتأنى بتلقي القرآن الذي ينزل عليه، ويحفظه على رؤية، عرض له شاهدًا من احتمالات النسيان التي قد تعرض للإنسان مهما بلغت به قوة الذاكرة، فهذا آدم عليه السلام الذي علمه الله الأسماء كلها، فأثبت جدارة تامة في حفظها، وأدى ما حفظه ساعة الامتحان على مشهد من الملائكة أداء حسنًا، كوفئ عليه بالاحترام والتقدير؛ إذ أمر الله الملائكة بالسجود له، هذا الإنسان الأول قوي الذاكرة، عرضت له عوارض النسيان، ولم يجد الله له عزمًا مستمرًا يمكنه من حفظه ما عهد به إليه.
وبهذا نلاحظ مبلغ مراعاة أسس الإسلام جانب الواقعية في الإنسان؛ إذ أعفته من المؤاخذة على النسيان الذي لا يملك دفعه، باعتباره أثرًا من آثار طبيعته المفطور عليها، وذلك بشرط أن لا يكون ناشئًا عن سبب من إرادة الإنسان نفسه.
القسم الثاني: وهو القسم الذي لا يعذر به صاحبه من قسمي النسيان، هو النسيان الذي لا تفرضه حالة الإنسان الفطرية الطبيعية، وإنما هو ظاهرة من ظواهر الانحراف النفسي المقصود، أو أثر من آثاره، أو ثمرة من ثمرات التهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة.
ويبدو هذا القسم في نسيان الكليات الدينية الكبرى، التي ليس من شأن أي إنسان سوي أن ينساها ويستمر على ذلك.
ومن أمثلة هذا النسيان نسيان الله جل وعلا، ونسيان الدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، والاستمرار على نسيان الفروض والواجبات الدينية.
وذلك لأن المذكرات بهذه الحقائق العظمى ونظائرها منبثة في الوجود كله، فهي إن نسيت في ساعات فلا يمكن أن يستمر نسيانها أمدًا طويلًا، أو مدى الحياة.
ومن أجل ذلك لا يكون نسيانها أو إدعاء نسيانها عذرًا مقبولًا عند الله جل وعلا؛ لأن نسيانها ناشئ عن انحراف نفسي في الإنسان، جعله يعرض عن موجبات التذكر.
فالإعراض عن الإيمان، وعن النظر في أركانه، وعن التفكر في دلائله المنبثة في الكون، وعن التدبر في آيات الله، ينسي الإنسان ما وراء الأعمال السيئة من عواقب وخيمة.
والإعراض عن تدبر القرآن باستمرار، وعن حضور مجالس العلم والذكر، ونحو ذلك، ينسي الإنسان ما كان تعلمه من خير.
ولما كان هذا القسم من النسيان مما لا يعذر به صاحبه وجدنا طائفة من آيات الكتاب العزيز تضع صاحبه موضع المؤاخذة.
فمن ذلك النصوص التالية:
أ- قوله تعالى لداود عليه السلام فيما حكاه لنا في سورة "ص: 38 مصحف/ 38 نزول".
فقد جعل الله سبحانه سبب العذاب الشديد لهؤلاء نسيانهم يوم الحساب، الذي جعلهم يضلون عن سبيل الله، وآخذهم على هذا النسيان؛ إذ ليس من شأن الإنسان السوي أن ينسى ركنًا من أركان الإيمان، وصفة من صفات الله العظيمة، وهي صفة العدل، وإذا بحثنا عن سبب نسيانهم الذي أزلقهم فجعلهم يضلون وجدناه الانحراف الأول الذي تمثل باتباع الهوى.
ب- وقوله تعالى في سورة "الحشر: 59 مصحف/ 101 نزول":
ففي هذا النص نلاحظ أن الله جل وعلا أمر الذين آمنوا بالتقوى، ونبههم على أن التقوى ثمرة من ثمرات مراقبة الله وذكره، وحذرهم من أن يكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
وأشار إلى أن سبب نسيان هؤلاء الله إنما هو فسقهم، أي اتباعهم الهوى، وانحرافهم عن طريق الحق، بقوله:{أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
وهذا النص شبيه الدلالة بالنص السابق، هؤلاء المنافقون والمنافقات عصبة واحدة يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، ويقبضون أيديهم عن البذل في الخير، فما هو السبب في هذا الشر الكبير الذي وصلوا إليه؟ والجواب في قوله تعالى:{نَسُوا اللَّه} فعاقبهم الله على ذلك بأن نسيهم، أي تركهم لأنفسهم ينزلقون في المهالك، فأصل معنى النسيان في اللغة الترك، أما النسيان بمعنى عدم التذكر فالله جل جلاله منزه عنه، إنه لا يضل ولا ينسى.
وإنما آخذهم الله على نسيانهم هذا؛ لأنه أثر من آثار انحرافهم النفسي، وهو فسقهم، الذي يتبعون فيه أهواءهم.
د- وقوله تعالى في سورة "الكهف: 18 مصحف/ 69 نزول":
فهؤلاء الظالمون ذُكروا بآيات الله فأعرضوا عنها، ولما أعرضوا عنها انغمسوا في المعاصي، ولم يهتموا لعاقبتها، فأمست السيئات كبارها وصغارها تمر في حياتهم دون أن يلقوا لها بالًا، فإذا مرت نسوها مع ما ينسونه في حياتهم من محقرات الأمور، أو نسوا آثارها وعقوباتها عند الله، ولم يحاسبوا أنفسهم عليها، فإذا جاء وقت الحساب نشرت عليهم صحائفهم التي تبين لهم كل ما كانوا فعلوا ونسوه، ثم يحاسبون حسابًا عسيرًا.
هـ- وقوله تعالى في سورة "الزمر: 39 مصحف/ 59 نزول":
وإنما كان النسيان في مثل هذا المقام محلًّا للمؤاخذة؛ لأنه ليس من شأن الإنسان السوي إذا مسه الضر فالتجأ إلى الله منيبًا إليه كيما يزيل الضر عنه أن ينسى ربه بعد أن يستجيب له، ويفتح له أبواب النعمة، وأن ينسى ما كان عليه من قبل، من ضرورة التجائه إلى ربه.
وقد يكون المراد بالنسيان هنا معنى الترك.
ونلاحظ في الأعراف الإنسانية أن الناس لا يعذر بعضهم بعضًا في نسيان من هذا القبيل.
ويدخل في قسم النسيان الذي لا يعذر به صاحبه كل نسيان ناشئ عن التهاون والإهمال والتقصير وعدم المبالاة، وذلك لأن في استطاعة الإنسان أن يدفع عن نفسه مسببات هذا النسيان بما يقدر عليه من اهتمام بالواجبات الملقاة على عاتقه، واتخاذ الوسائل للتذكر، فإذا قصر بما هو ميسور له من ذلك فأهمله، ولم يكترث له، فنتج عن إهماله نسيان ما هو مطلوب منه لذاتهن فإن نسيانه هذا لا يعفيه من المسئولية، ولا يسقط عنه المؤاخذة.
ومن أمثلة هذا النسيان أن ينسى المسلم الصلوات المفروضة عدة أيام متواليات؛ إذ لو لم يكن مهملًا متهاونًا غير مكترث لعبادة ربه، لم تعرض له
عوارض النسيان هذا، كيف ينسى وما في الأحداث الكونية والنفسية من مذكرات بها كثيرة متتابعة.
ومن أمثلة هذا النسيان أيضًا أن ينسى السجان أحد سجنائه في غرفة مقفلة، ثم يعود إليه بعد أن مات صبرًا، فإنه لا يعذر بمثل هذا النسيان إذا كان ناشئًا عن تهاون وتقصير، وهل كان ينسى لو أن السجين ولده، أو أحد أقربائه وأحبائه.
ولما كان هذا النوع من النسيان الذي يجلبه التهاون والتقصير وعدم المبالاة ومجالسة الغافلين، من اليسير على الإنسان أن يدفعه عنه، وذلك بدفع مسبباته، واتخاذ الوسائل المذكورة، مما هو بين يدي الاستطاعة الإنسانية بشكل عام، نهى الله عنه في مناسبات متعددات نهيًا مباشرًا أو غير مباشر.
فمن ذلك النصوص التالية:
أ- قول الله تعالى في مجال الترغيب بالعفو عن مطالبة من طلق قبل المس بنصف المهر المفروض في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول".
ففي هذا النهي عن النسيان تذكير بالفضل بين المسلمين من جهة، وتوجيه للنظر إلى ما يطرد عن الفكر عوامل النسيان، وإشعار بأن ما فضل الله به الرجال على النساء يقتضي من الرجال أن يعفوا، فلا يُطالبوا بنصف المهر الذي بذلوه لمطلقاتهم قبل الدخول بهن.
ب- وقوله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":
وفي هذا النص توبيخ من الله لأحبار اليهود على نسيانهم أحوالهم الخاصة، وهم يأمرون الناس بالبر، وذلك لأن أمرهم الناس بالبر من أقوى الدواعي المذكرة لهم بأنفسهم، ولكن عوامل نفسية منحرفة صرفتهم عن ذلك، وجعلتهم ينظرون إلى البر من زاوية عنصريتهم الضيقة، ذات الأنانية المغرقة.
وقد يراد بالنسيان في هذه الآية معنى الترك، أي: أتأمرون الناس بالبر وتتركون أنفسكم؟!!
ج- وقوله تعالى بشأن حزب الشيطان في سورة "المجادلة: 58 مصحف/ 105 نزول":
فهؤلاء فريق من الناس نسوا ذكر الله، بسبب أنهم اتبعوا الشيطان ودخلوا في حزبه، فاستحوذ عليهم بالشهوات، وما في الحياة الدنيا من زينة ومتع ولذات، فعوقبوا على هذا النسيان؛ لأنهم هم الذين أسلموا أنفسهم لأسبابه، وكان باستطاعتهم أن يسلكوا طريقًا آخر، تتدفق عليهم فيه المذكرات بالله من كل جانب.
استحوذ عليهم الشيطان: أي: استولى عليهم وساقهم بشدة، ومنه الحوذي، وهو سائق الدواب.
علاج النسيان:
وقد وضع الله بين يدي المسلم علاجًا مباركًا يطرد عنه عوامل نسيان أمور الخير، ويساعده على تذكرها، وهذا العلاج مؤلف من عنصرين:
العنصر الأول: مفارقة مجالس الظالمين، وهذا العنصر يوحي بالبعد عن مسببات النسيان كلها، وأهمها الانغماس في البيئة المساعدة عليه، قال الله تعالى في سورة "الأنعام: 6 مصحف/ 55 نزول":
العنصر الثاني: ذكر الله، وتدبر صفاته وأسمائه الحسنى، وهذا العنصر يوحي بتصفية النفس من شواغلها المادية، والغضبية، والشهوية، وغيرها، حتى تتفرغ للتذكر الخير، قال الله تعالى في سورة "الكهف: 18 مصحف/ 69 نزول":
الخطأ:
وتظهر لنا الواقعية الإسلامية في رفع التكليف حالة الخطأ الذي لا يملك الإنسان دفعه.
الخطأ: هو مجانبة سبيل الصواب مع قصده، أو عدم إصابة الهدف المرجو، أو إصابة غير الهدف المقصود، في العمل، أو في الفكر، أو في اللسان.
وهو ظاهرة طبيعية من الظواهر الإنسانية التي لا يملك الإنسان بحسب قدراته العامة دفعها، وهذه الظاهرة تتجلى في أعمال الإنسان، وفي أقواله، وفي إدراكاته الحسية، وفي أفكاره.
ومن الخطأ في الأفكار خطأ المجتهد في استنباطاته، وخطأ القاضي في أحكامه، وخطأ الباحث عن الحقيقة بصدق وإنصاف فيما توصل إليه بعد البحث.
ولما كانت هذه الظاهرة أمرًا طبيعيًّا في الإنسان، لا يستطيع في كل الأحوال دفعه، على الرغم من حرصه الشديد على مجانبة الخطأ، وبذله وسعه في ذلك، واتخاذه كل الاحتياطات المطلوبة منه، اقتضت الواقعية في أسس الإسلام مراعاة هذه الظاهرة، التي لا يملك الإنسان دفعها، وذلك برفع المؤاخذة عنه ضمن شروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون تصديه للأمر بعد تحقق غلبة الظن بأنه كفؤ له بحسب الأعراف العامة عند الناس.
الشرط الثاني: أن يتخذ الوسائل والاحتياطات المستطاعة التي تدفع عنه احتمالات الخطأ، أو تخفف منها قدر المستطاع.
الشرط الثالث: ألا يكون منه تقصير أو تفريط.
فإذا تحققت هذه الشروط لديه، ثم وقع منه الخطأ بعد ذلك فهو معذور عند الله، أما إذا أخل بها كلها أو بعضها فإن المسئولية تلاحقه منذ شروعه في
الأمر الذي هو فيه، أصاب فيه أم أخطأ؛ لأن ما بني على غير مأذون به فالخطأ فيه غير معفو عنه.
فمن قام بعمل لا يحسنه، أو مارس ما لا قدرة له على تصريفه، أو تصدى للقيام بأمر لا يستطيع القيام به، فوقع منه خطأ يؤاخذ به متعمده، فهو أيضًا كالمعتمد يؤاخذ به؛ لأنه قام بما لم يؤذن له فيه شرعًا.
ومن أمثلة ذلك أن يتصدى لتولي القضاء من ليس هو أهلًا له، فإنه مسئول في الإسلام عن كل الأخطاء التي يقع بها في أقضيته، ومؤاخذ عليها؛ لأنه قبل أن يتولى أمرًا ليس كفئًا له.
ومن أمثلة ذلك أن يتصدى لتطبيب الناس من لا علم له بالطب، فإنه لا يعذر في الإسلام عن الأخطاء التي يرتكبها في معالجته الطبية، فإذا أضر بمريضه أو قتله عوقب على ذلك بنسبة الجرم الذي ارتكبه، ولو كان ذلك منه على سبيل الخطأ في التطبيب؛ لأنه غير مأذون شرعًا بممارسة تطبيب الناس، وهو جاهل بالطب، ويسمى ممارس التطبيب وهو جاهل متطببًا، أي متعديًا على صنعة الطب التي لا يحسنها.
ومن أمثلة ذلك أيضًا أن يتصدى للفتيا واستنباط أحكام الشريعة الإسلامية من لا قدرة له على ذلك، ولم تتوافر لديه الشروط الواجبة للاجتهاد والفتيا واستنباط الأحكام الدينية، فإنه مسئول عن كل الأخطاء التي يرتكبها في اجتهاداته وفتاويه واستنباطاته الشرعية، ومؤاخذ عليها شرعًا؛ لأنه تطاول على ما لا قدرة له عليه، وتجرأ على الله في الدين.
وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
ومن التقصير الذي يوقع في الخطأ وتكون معه المؤاخذ الإسراع فيما يجب فيه التأني، والاعتماد على أضعف الأدلة وأيسر الوسائل، في أمور يجب فيها التروي والبحث على أقوى الأدلة، ويجب فيها اتخاذ المستطاع من الوسائل الممكنة.
ومن التقصير الذي يوقع في الخطأ وتكون معه المؤاخذة أن يقضي القاضي وهو شديد النعاس، أو يدفع أحد الأخبثين، أو في حالة من الحالات الإنفعال المضيع للصواب، والمشتت للذهن كالغضب ونحوه.
ومن التقصير الذي يوقع في الخطأ وتكون معه المؤاخذة على الخطأ.
أما من اتخذ ما يجب عليه اتخاذه، ولم يقصر، ولم يفرض ولم يتهاون فإنه إذا أخطأ فخطؤه معفو عنه، بهذا تقضي الواقعية في أسس الإسلام التكليفية، قال الله تعالى في سورة "الأحزاب: 33 مصحف/ 90 نزول":
ففي هذه الآية بيان واضح بأن من أسس الإسلام في التكليف أنه لا جناح على الإنسان فيما صدر منه على سبيل الخطأ، دون أن يكون قد تعمد ارتكابه، وهو يعلم أنه مجانب سبيل الصواب، ولكن الجناح على من تعمد مجانبة سبيل الصواب تلبية لهوى من أهواء النفس، أو شهوة من شهواتها، وهذا التعمد عمل من أعمال القلوب، ولذلك قال جل وعلا:{وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} .
ومن أمثلته في هذا المجال العملي القتل دون تعمد، كأن يسدد صياد ماهر على حيوان ليصيده، فتصيب رميته إنسانًا على سبيل الخطأ فتقتله، والأصل في
مثل هذا الخطأ أن ترتفع معه المسئولية ارتفاعًا تامًّا. تطبيقًا للقاعدة الإسلامية العامة، ولكن هذا الخطأ أمر تحيط به الملاحظات التاليات:
الأولى: أنه أمر جسيم يتعلق بحياة الناس.
الثانية: احتمال ادعاء الخطأ على سبيل الكذب فرارًا من القصاص، وإسقاطًا لحق أولياء القتيل.
الثالثة: احتمال وقوع تهاون وتقصير أفضيا إلى القتل الخطأ.
ونظرًا إلى هذه الملاحظات المرافقة للقتل على سبيل الخطأ رفع الله عن القاتل خطأ حكم القصاص، عملًا بأصل القاعدة، التي تتضمن رفع المسئولية وألزم القاتل بالكفارة، لتشتد حيطة الناس في مثل هذا الأمر الجسيم. وليبالغوا في البعد عن كل مظان الخطأ الذي قد يفضي إلى قتل البراءة، وألزم بالدية صيانة لحق أولياء القتيل، ومراعاة لاحتمال أن يكون ادعاء الخطأ ادعاء كاذبًا، مهما كانت القرائن مؤيدة صدق الأدعاء؛ لأن التعمد الحقيقي عمل من أعمال القلوب. فربما يوجد دون أن تدل عليه إمارة ظاهرة، قال الله تعالى في سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
ورفقًا بحال القائل خطأ جعل الإسلام الدية تكليفًا تعاونيًّا تلزم به العاقلة "العاقلة: أقرباء القاتل خطأ".
ومن أمثلة الخطأ في مجال الفكر خطأ المجتهد في استنباط الأحكام، إذا كان أهلا للاستنباط، وخطأ القاضي في الحكم إذا كان أهلًا للقضاء، وخطأ السلطان في الرأي إذا كان أهلًا لتصريف الأمور العامة، وخطأ كل راع في إدارة شئون رعيته.
وتفصيلًا للقاعدة الإسلامية التي تتضمن رفع المسئولية عن الخطأ، إذا لم يرافقه إهمال أو تقصير، أو إخلال بالشروط الواجبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص ونظيره عن أبي هريرة.
أما الأجران لمن أصاب فأجر اجتهاده، وأجر إصابته التي اعتمدت على تحريه الزائد، وأما الأجر الواحد لمن أخطأ فهو أجر اجتهاده، ولا إثم عليه فيما أخطأ به لأنه لم يتعمده، وقد كان على وجه الإجمال أهلًا للاجتهاد.
ونظر الرسول صلوات الله عليه إلى خطأ القاضي في حكمه إذا نتج عنه هضم حق إنسان، وإعطاء آخر ما ليس له به حق فحمل المستفيد من هذا الخطأ وزر أخذه ما ليس به حق؛ لأنه أخذه وهو يعلم أنه ظالم فيه، فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار" رواه البخاري ومسلم.
ومن أمثلة الخطأ في اللسان الذي ترتفع معه المؤاخذة ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
الإكراه:
وتظهر لنا الواقعية الإسلامية في رفع التكليف حالة الإكراه الذي لا يملك الإنسان دفعه
الإكراه: هو الإلزام على سبيل القهر والغلبة بالقيام بعمل من الأعمال تحت تأثير قوة ملجئة، أو تهديد بانتقام أشد ضررًا أو شرًّا من الضرر أو الشر اللذين يُفضي إليهما العمل المكره عليه، أو مساويين لهما، والملزم بالقيام بالفعل كاره له، مقهور عليه مغلوب على أمره فيه.
وقد اقتضت الواقعية في أسس الإسلام مراعاة مثل هذا الأمر الذي يتعرض له الإنسان في حياته، مما هو خارج عن نطاق إرادته الحرة؛ إذ تكون إرادته فيه مغلوبة مستكرهة، ولذلك نلاحظ أن الأحكام الإسلامية قررت مع هذا النوع من الإكراه رفع مسئولية الإنسان عن العمل المستكره عليه.
وهذا ما يقصد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:
"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
أي: وضع عنهم جزاء هذه الأمور، واعتبرت الأفعال الناجمة عنها مغفوًا عنها، وذلك ضمن شروط الإعفاء من المسئولية في كل منها.
والشرط في رفع المسئولية عن المكره ألا تتفق إرادته القلبية مع إرادة من استكرهه على العمل، أو ألا تكون إرادته القلبية موافقة على القيام بالعمل ذاته بعيدًا عن ملاحظة حالة الإكراه الضاغطة عليه.
ومن أمثلة ذلك إكراه أولياء الإماء على البغاء بسلطان الولاية، قال الله تعالى في سورة "النور: 24 مصحف/ 102 نزول":
أي: غفور لهن رحيم بهن؛ لأنهن كن مكرهات على ما فعلن كارهات له.
ومن أمثلة ذلك أيضًا أن يكره المؤمن على إعلان الكفر بتهديده وتوعده بالقتل الذي لا يستطيع دفعه، أو بالعذاب الشديد الذي لا يستطيع تحمله، وهنا،
يوازن المؤمن بين إعلانه الكفر أمام الكافرين وبين قتله أو تعذيبه، فقد يرى أن مثل هذا الإعلان أخف شرًّا وضرًا من القتل والتعذيب، فينجي نفسه من ذلك بما يرضي عدوه من قول أو فعل، وقلبه مطمئن بالإيمان.
قال الله تعالى في سورة "النحل: 16 مصحف/ 70 نزول":
ولا يشمل هذا الحكم فيما أرى من إذا أعلن الكفر ولو على سبيل الإكراه كفر من ورائه ناس مقتدون به كفرًا حقيقيًّا، وذلك لأن الشر الذي ينجم عن إعلانه هذا أشد بكثير من الضر الذي يناله باستشهاده في سبيل الله.
ومن أجل ذلك لم يأذن الله لحملة رسالاته للناس بمثل هذا الإعلان مهما نالهم من ضر وأذى، فهذا الإذن خاص بالأفراد العاديين، الذين لا يتأثر غيرهم بما يظهر منهم.
وقد استطاع كثير من صادقي الإيمان واليقين بالله أن يصبروا، ويتحملوا ألوان العذاب التي لم ترفع عنهم حتى لاقوا حتفهم، ولو أنهم تنازلوا فتفوهوا ببعض كلمات الكفر لنجوا، ولكنهم آثروا الصبر والشهادة على التظاهر بالكفر، وهذا هو سبيل الأبرار والمحسنين.
ولقد صبر المستضعفون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرًا عظيمًا على ألوان البلاء التي كان المشركين ينزلوها بهم، دون أن يتفوه هؤلاء المستضعفون بما يريد المشركون أن يقولوه من ألفاظ الكفر، ويمر الرسول صلوات الله عليه على بعضهم فيواسيهم ويعظهم بالثبات والصبر.
وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:
"قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم