الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقولة الرابعة: دفع شبهات
وبعد أن تبينا موقف الإسلام من العمل الصناعي والزراعي والعمراني، ومن الاختراع والابتكار والتحسين في مختلف مجالات الحياة المادية، لا بد أن يشتد عجبنا من الذين يفترون على الإسلام فيقولون: نريد أن نتخلص من القيود الإسلامية لندخل في عالم الصناعة الحديثة والاختراع والابتكار من أوسع الأبواب، كأن الإسلام في نظرهم عدو الصناعة والاختراع والابتكار.
إنهم بهذا يحاولون أن يطمسوا معالم الدعوة إلى الكمالات المادية التي نصبها الإسلام في طريق العاملين، وذلك ضمن دعوته المسلمين إلى العمل.
وغرض هؤلاء المفترين أن يحجبوا الملتزمين بإسلامهم عن العمل الصناعي، الذي يتوقف عليه التقدم المادي الحضاري.
ويردد بعض أبناء المسلمين الشبهات المستوردة من مصانع أعداء الإسلام التي تتهم الإسلام بالجمود، وعدم مسايرته لما يجد من ألوان الحضارة والتقدم المادي، التي تستند إلى متابعة البحوث العلمية، والمكتشفات المادية، والتجارب العملية.
وهي شبهات تغري عشاق التقدم الحضاري المادي المستند إلى البحث والاختبار والتجربة بأن تساورهم الشكوك حول الإسلام.
مع أن الحقيقة التي استبانت لنا عن الإسلام بالبحث الشامل تسير في طريق معاكس تمامًا للاتهامات التي تلصقها به هذه الشبهات، ما دامت المنجزات الحضارية المادية وغير المادية تحمل للناس الخير والقوة والرفاهية البريئة من الإثم، وتحمل الجمال الطاهر من عناصر الشر والفساد.
ولئن صح إطلاق مثل هذه الاتهامات في أوروبا يوم كانت الكنيسة تحارب كل تقدم علمي وترق حضاري، فإنه لا يصح بحال من الأحوال أن تعمم حتى تتناول المسلمين بوجه عام، وقد سجل تاريخهم الذهبي قبل عصور الانحطاط أروع صفحات العمل الحثيث لاقتباس كل علم، ومتابعة كل معرفة إنسانية، بالقدر الذي سمحت به ظروف نهضتهم وحضارتهم في المرحلة التاريخية التي تصدوا لقيادتها حينئذ.
ومما هو بعيد عن الإنصاف كل البعد إتهام الإسلام أو المسلمين بالجمود؛ لأن دورًا من أدوار الانحطاط أصاب الشعوب الإسلامية بالتخلف بعد أن تراكبت عليهم مجموعة من الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية فساقتهم إليه.
ويمكن وصف هذه الأسباب والعوامل جميعها بأنها أمور دخيلة عليهم، وليست من جوهر تعاليم الإسلام، ولا من أسس تربيتهم الإسلامية التي توارثوها من منبعها الأساسي، الذي تفجر مع فجر الإسلام بالخير والخصب والعلم، وبكل عمل نافع، وبكل تقدم حضاري كريم، وكل حياة سعيدة رغيدة طاهرة من الإثم والشر والفساد في الأرض.
هذه التربية الإسلامية التي قام عليها أول الأمر رسول الله صلوات الله عليه، ثم تلاميذ مدرسته التاريخية من بعده، فقدمت للعالم معجزة تاريخية لا تطاولها معجزة أخرى.
هذه هي التربية العجيبة التي استطاعت أن تحول في ربع قرن شعبًا متخلفًا في ثقافته وحضارته ومدنيته فتجعل منه شعبًا قائدًا رائدًا للعالم المتحضر يومئذ، فاتحًا فكره للعلم، وقلبه للإنسانية جمعاء، ونفسه لحب الخير والسعي إليه حيث كان، ومقدمًا جميع قواه وطاقاته للعمل المثمر في سبيل مجد الإنسانية وسعادتها الدنيوية والأخروية، وفي سبيل تحرير الإنسان من العبوديات المختلفات، وربطه فقط بعبوديته للقوة القاهرة، العليمة الحكيمة غير المنظورة، وهي العبودية لله وحده لا شريك له، وهي العبودية الاعتقادية والعملية الموافقة للحقيقة التي عليها واقع كل مخلوق.
فدار بهم الزمن آنئذ دورة حضارة راقية خالية من الشر والإثم والضر، ورافقتها أفضل مدينة عرفتها تلك العصور، فلم يدعوا مجالًا من مجالات المعرفة التي تيسرت لهم حينئذ إلا خاضوا غماره، ولا ميدانًا من ميادين السبق العلمي إلا كانوا مجلين فيه، بينما كانت أوروبا وسائر الشعوب تعط في نوم التخلف العميق، وظلام الجهل الدامس.
ولم يكن التقدم الذي أحرزه المسلمون آنئذ أثرًا من آثار طبائعهم القومية أو العنصرية، وإنما كان أثرًا من آثار التربية الإسلامية، وشواهد ذلك كثيرة جدًّا، من النصوص الإسلامية، والتاريخ الصحيح.