المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار - الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

[عبد الرحمن حبنكة الميداني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌فاتحة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌فاتحة كتاب؛ "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة وموقف الإسلام من التقدم الحضاري

- ‌المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري

- ‌المقولة الثانية: موقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري

- ‌الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات

- ‌الباب الأول: البناء الفكري للحضارة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: الحق والباطل

- ‌الفصل الثاني: الخير والشر

- ‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر

- ‌المقولة الثانية: من أسس الحضارة الإسلامية "مبدأ فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه

- ‌المقولة الثالثة: مفاهيم عامة تشتمل عليها حدود الخير والشر

- ‌المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية

- ‌المقولة الخامسة: فلسفة الإسلام في الوسائل والغايات

- ‌المقولة السادسة: فلسفة الإسلام فيما يجري به القضاء والقدر من نعم ومصائب

- ‌الفصل الثالث: العالمية والشمول في رسالة الحضارة الإسلامية

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الحضارة الإسلامية منفتحة الحدود

- ‌انفتاح الحدود الفكرية

- ‌ انفتاح الحدود النفسية:

- ‌ انفتاح الحدود المادية:

- ‌الفصل الرابع: المثالية والواقعية

- ‌المقولة الأولى: تعريفات وبيانات عامة للمثالية والواقعية

- ‌المقولة الثانية: شرح المثاليات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌المقولة الثالثة: شرح الواقعيات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌مدخل

- ‌شرح الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية

- ‌شرح الأمر الثاني: رفع التكليف في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها

- ‌شرح الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية

- ‌شرح الأمر الرابع: مراعاة حال واقع المجتمعات الإنسانية

- ‌شرح الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري

- ‌جدليات حول المثاليات والواقعيات الإسلامية:

- ‌الباب الثاني: وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا

- ‌مقدمات عامة:

- ‌الفصل الأول: التعلم والتعليم

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: الدفع الإسلامي إلى التعلم والتعليم

- ‌المقولة الثانية: إجمال طرق تحصيل المعارف المختلفة

- ‌المقولة الثالثة: تكريم الإنسان بأدوات التعلم ومسؤوليته بالنسبة إليها

- ‌المقولة الرابعة: مكافحة الإسلام التقليد الأعمى

- ‌المقولة الخامسة: تفصيل طرق اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السادسة: نظرات من خلال النصوص الإسلامية حول اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السابعة: منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية

- ‌المقولة الثامنة: البحث العلمي والإيمان

- ‌المقولة التاسعة: مكانة العلماء في الإسلام

- ‌الفصل الثاني: تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: موقف الإسلام من تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقولة الثانية: قواعد العمل في الإسلام

- ‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار

- ‌المقولة الرابعة: دفع شبهات

- ‌الفصل الثالث: التربية

- ‌الفصل الرابع: الجدال بالتي هي أحسن

- ‌المقولة الأولى: تعريف بالجدال بالتي هي أحسن وبيان لطائفة من قواعده العامة

- ‌المقولة الثانية: أمثلة جدالية من القرآن الكريم

- ‌الفصل الخامس: إقامة الحكم الإسلامي

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: البيعة وواجبات الحاكم والمحكوم

- ‌المقولة الثانية: فلسفة الحكم الإسلامي

- ‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته

- ‌الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال

- ‌المقولة الثالثة: الروح المعنوية لدى المقاتلين من حملة الرسالة الربانية

- ‌المقولة الرابعة: الجهاد بالقتال في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية

- ‌الباب الثالث: صور ونماذج من تطبيقات المسلمين الحضارية في مختلف المجالات العلمية والعملية

- ‌الفصل الأول: تلقي القرآن وتدوينه وتدبره

- ‌المقولة الأولى: تلقي القرآن وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم التفسير

- ‌الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة

- ‌المقولة الأولى: السنة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌المقولة الثانية: السنة بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الثالثة: السنة بعد القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الرابعة: حركة التصنيف الكبرى للسنة وزواتها

- ‌الفصل الثالث: أثر القرآن والسنة في ابتكار كثير من العلوم الإسلامية

- ‌الفصل الرابع: تأسيس علمي النحو والصرف وتدوين المعجمات العربية

- ‌الفصل الخامس: تأسيس علم الفقه الإسلامي، وعلم أصوله، وتدوينهما

- ‌المقولة الأولى: تأسيس علم الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: تأسيس علم أصول الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌الفصل السادس: نشأة علمي التاريخ والجغرافية والتدوين فيهما

- ‌المقولة الأولى: نشأة علم التاريخ البشري والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم الجغرافية والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌الفصل السابع: اهتمام المسلمين بالعلوم التي تتعلق بآيات الله في الكون وأدواتها العقلية والتجريبية

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الثالثة: الكيمياء

- ‌المقولة الرابعة: الفلاحة والنبات

- ‌المقولة الخامسة: الحيوان

- ‌الفصل الثامن: عناية المسلمين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية خلقا وسلوكا

- ‌النشأة والتأسيس

- ‌ العلم والتعليم والتربية في بلاد الشام:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أيام العباسيين في العراق والأقاليم حوله:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في مصر:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أقاليم المغرب من بلدان العالم الإسلامي:

- ‌كلمة موجزة عن أندنوسيا

- ‌ تعرض حضارة المسلمين لقتل علمائها وإبادة مصنفاتها من قبل همج الشرق ونصارى الإسبان:

- ‌الفصل التاسع: نظرات موجزات حول تطبيقات حضاريات مختلفات قام بها المسلمون

- ‌ مقدمة:

- ‌ الواقع الاقتصادي:

- ‌ المالية العامة:

- ‌ التنظيمات الإدارية:

- ‌ القضاء:

- ‌ نظام الحسبة ووظيفة المحتسب:

- ‌ التدبيرات العسكرية:

- ‌ العمران:

- ‌ الخط العربي

- ‌ الصناعات الخزفية:

- ‌ الصناعات الزجاجية:

- ‌ صناعة النسيج:

- ‌الباب الرابع: لمحات من أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية الأخرى

- ‌ مقدمة:

- ‌ من أقوال المنصفين:

- ‌تتبعات تاريخية مفصلة جاءت في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب

- ‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:

- ‌ أثر حضارة المسلمين في همج الشرق الفاتحين المدمرين:

- ‌خاتمة كتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌خاتمة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌فهرس الكتاب:

- ‌آثار المؤلف

الفصل: ‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار

‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار

للعمل الصناعي والعمراني المتقدم المتطور بالاختراع والابتكار أركان أربعة:

الركن الأول:

العلم الذي يعتمد على وسائل الاختبار والتجربة والملاحظة والاستنباط، وموقف الإسلام منه -كما سبق- موقف التحريض والحث وفتح كل مجالات المعرفة أمام المسلمين الملتزمين بإسلامهم، إلا ما كان من هذه المجالات مزلقًا من مزالق الشر والأذى كالسحر.

الركن الثاني:

التخيل الذي يرتبط به الابتكار والاختراع، فالتخيل أفق من آفاق البحث العلمي الذي من شأنه أن يتناول الأشياء الموجودة بالدراسة، والأشياء غير الموجودة من الممكنات العقلية بقوة التخيل من جهة، وبمعالجة الأشياء بالتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، والامتحان والاختبار، من جهة أخرى، وموقف الإسلام من هذا الركن موقف الدفع والتحريض.

الركن الثالث:

اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون الواسع الأرجاء مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، وهذا الركن مما أعلنه الإسلام وحرض عليه، باستثناء ما يغلب ضرره على نفعه، أو يتساوى ضرره ونفعه، أو تكون نسبة ضرره كثيرة ويوجد بديل عنه لا ضرر فيه أو دونه في الضرر، وهذا الضرر يوجد نظيره في المباحات شرعًا.

الركن الرابع:

العمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار، وهذا الركن مما حرص عليه الإسلام أيضًا.

ص: 341

وبقليل من التأمل في نصوص الإسلام نجد أنه قد حرض القدرات الإنسانية على أن تستفيد من كل ما في هذا الكون، وحض على العلم والاختبار والتجربة والاستنباط، والاختراع والابتكار، والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي.

وحين ننظر إلى الركن الثالث وهو اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، بشيء من التفصيل نجد أن الأدلة عليه من النصوص الإسلامية كثيرة، منها النصوص التالية:

1-

قول الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول" ممتنًا على الناس: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} .

ففي هذا النص دليل واضح على أن جميع ما في الأرض مسخر بإرادة الله وإذنه لمنفعة الناس، وحينما يُحرم الإسلام على الناس بعض الأشياء فإنما يُحرم عليهم أن يستعملوها فيما يضرهم، أو فيما للإسلام فيه هدف ديني من التحريم، أما إذا استعملوها في أمور أخرى نافعة غير ضارة فلا تحريم ولا منع، ومن أمثلة ذلك الكحول، فقد حرم الإسلام شربها، ولم يحرم استعمالها في قتل الجراثيم وتطهير الجروح منها، ولم يحرم استعمالها في تحليل المواد الكيميائية، وغير ذلك من أمور كثيرة تنفع الكحول فيها ولا تضر.

2-

وقول الله تعالى في سورة "الحج: 22 مصحف/ 103 نزول":

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

3-

وقول الله تعالى في سورة "الجاثية: 45 مصحف/ 65 نزول":

{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}

وفي هاتين الآيتين نلاحظ أن الله تبارك وتعالى قد ذكر طائفة من

ص: 342

المسخرات للناس في الطبيعة، وذلك في قوله:{سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض} وقوله: {سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْر} وقوله: {سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} .

وذكر طائفة من المسخرات التي دخلت فيها يد الصناعة الإنسانية في قوله: {وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} . وذلك لأن هذه المصنوعات ما كانت لتستطيع تأدية وظائفها لولا القوانين والسنن الدائمة التي طبع الله الأشياء عليها، وجعلها مسخرة لينتفع بها الإنسان.

في هذه النصوص ونظائرها نلمح مبلغ الدفع الإسلامي الشديد إلى العمل الصناعي والعمراني، والاختراع والابتكار.

والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني، والمستند إلى العلم وتحريض عوامل الاختراع والابتكار، هو الركن التطبيقي الذي لا يتم التقدم المادي الحاضري إلا به.

ولما كانت خطة الإسلام التي رسمها الله للناس محتوية على فسح مجالات التقدم المادي الحضاري الخير، الذي لا إثم فيه، ولا ضرر يكون منه، ولا شر يخالطه، كان من شأن النصوص الإسلامية أن تحمل دلالات قوية وصريحة تكشف هذه الخطة، وتوضحها للناس.

إن إعلان تسخير ما في السماوات وما في الأرض جميعًا للإنسان يتضمن بشكل قوي الدفع البالغ للعمل الصناعي، للانتفاع من هذه المسخرات؛ لأنه لا يستطاع الانتفاع بكل هذه المسخرات الكبرى ما لم تدخل فيها يد العمل، بالجني، أو بالاستنتاج، أو بالتعمير، أو بالتصنيع، أو بالتحليل والتركيب والجمع والتفريق، والاختبار والتجربة، والتخيل، والاستنباط، والاختراع والابتكار، ونحو ذلك.

ثم نجد في النصوص ما هو أكثر صراحة مما سبق.

1-

أليس في قول الله لنوح عليه السلام فيما قصه علينا في سورة "هود: 11 مصحف/ 52 نزول":

{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} .

ص: 343

أمر من الله لرسول من رسله بصناعة مخترع جديد، لم يكن الناس على علم به؟ وقد أحاطت هذا المخترع الجديد عناية الله، ورافقه وحي منه، يدل على هذا قول الله تعالى في الآية:{بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} .

فأية دعوة للاختراع والابتكار والعمل الصناعي أقوى من هذه الدعوة؟

ولقد كان الملأ من قوم نوح يمرون عليه وهو يصنع الفلك فيسخرون منه، قال الله تعالى في سورة "هود: 11 مصحف/ 52 نزول":

{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} .

وبهذا نلاحظ أن نقطة البداية لبناء السفن البحرية قد كانت وحيًا ربانيًّا لرسول من رسل الله، وهداية ربانية للناس، دفعهم الله بها إلى طريق العمل الصناعي الضخم لركوب البحار، والابتغاء من فضل الله على متونها.

وما يعرضه القرآن من أحوال الرسل، وما أوحاه الله إليهم مما لم ينسخه بحكم جديد، إنما يعطي الله به صورة للإسلام الحق الذي اصطفاه الله للناس أجمعين، والذي بدأه بما أنزل على آدم عليه السلام، وختمه بما أنزله على محمد صلوات الله عليه.

2-

أليس في قول الله تعالى في معرض الحديث عن داود عليه السلام في سورة "الأنبياء: 21 مصحف/ 73 نزول":

{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ، وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} .

بيان واضح من الله أن اختراع دروع الحرب وصناعتها قد كانا بتعليم من الله لداود عليه السلام، وبتحريض له على أن يصنعها بيده، وهو نبي من أنبيائه، لتكون حصنا للمؤمنين من بأس الكافرين؟؟

ولم يكتف الله تبارك وتعالى بذلك، ولكنه أمر داود عليه السلام أن يتقن

ص: 344

صناعته ويُحكمها، فقال له كما قص علينا في سورة "سبأ: 34 مصحف/ 58 نزول":

{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} .

فمن إحكام وإتقان صنعته الدروع أن تكون سابغات، وأن تكون حلقاتها ذوات مقادير متناظرة.

وبهذا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد شق للناس طريق الابتكار الاختراع والتصنيع مع مراعاة الإتقان، واستكمال الشروط التي تحقق الأهداف المقصودة من الصناعة.

3-

وقد أمتن الله على الناس بما وهبهم من قدرة على تعمير البيوت، وصناعة الأثاث، وصناعة الألبسة المختلفة الأنواع، والمختلفة المصالح، فقال تعالى في سورة "النحل: 16 مصحف/ 70 نزول":

{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} .

ألسنا نرى أن الله تبارك وتعالى أمتن علينا بالبيوت، وبالأثاث، وبالسرابيل، مع أن هذه الأشياء لا تتم بحسب السنن الأرضية المستمرة ما لم تدخل فيها يد الإنسان بالتعمير والصناعة.

ويتضمن هذا الامتنان عدة عناصر:

العنصر الأول: أن الله أوجد لنا المواد الأولى التي نستفيد منها، وذللها لقدراتنا.

العنصر الثاني: أن الله أذن لنا بالانتفاع من جميع ما خلق لنا في الأرض وذلك في وجوه لا ضرر فيها.

ص: 345

العنصر الثالث: أن الله وهبنا القدرات التي نستطيع بها أن نعمر المساكن ونصنع الأثاث والرياش والملابس، من هذه القدرات الفكرية الشاملة لقدرات البحث والمعرفة والتذكر والتخيل والابتكار، ومنها القدرات العملية التي نستطيع بها أن نعالج الأشياء بالاختبار والتجربة، والتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، وأن تستخدم قواها وطاقاتها الظاهرة والكمينة، ونوجهها لما نريد من مصالح ومنافع.

وفي قول الله تعالى في آخر الامتنان: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم} إشارة إلى الأشياء الكثيرة التي لا تحصر، مما سيبتكره الإنسان، حينما يتابع مسيرته في البحث العلمي، وفي العمل التطبيقي، وفي اختراع الوسائل التي تمنحه في الحياة القوة، والصحة، ورفاهية العيش، والراحة، واختصار الزمن.

4-

وفي قول الله تعالى في سورة "الحديد: 57 مصحف/ 94 نزول":

{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

حث ملح على الاستفادة من الحديد باستخدامه في مجالات القوة لإعلاء كلمة الله، وإقامة العدل، وباستخدامه في مجالات المنافع المدنية الكثيرة.

أفيستفاد من الحديد مع إبقائه كتلًا غير مصنعة؟ أم لا بد من أن تدخل فيه يد الصناعة والاختراع؟.

وأما الدعوة إلى استعمار الأرض، أي: العمل في عمرانها، فنجدها في قول الله تعالى في سورة "هود: 11 مصحف/ 52 نزول":

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب} .

أي: أنشأكم من الأرض، وطلب منكم أن تغمروها، ولا يتم ذلك على الوجه الأكمل إلا بالعمل بروية ودأب وإتقان، بعد اكتساب العلوم والمهارات العمرانية، التي منها الهندسة المختلفة وما يتعلق بها، ويشتمل الاستعمار أيضًا على كل الأعمال الحضارية المادية، على وجه العموم.

ص: 346