الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار
للعمل الصناعي والعمراني المتقدم المتطور بالاختراع والابتكار أركان أربعة:
الركن الأول:
العلم الذي يعتمد على وسائل الاختبار والتجربة والملاحظة والاستنباط، وموقف الإسلام منه -كما سبق- موقف التحريض والحث وفتح كل مجالات المعرفة أمام المسلمين الملتزمين بإسلامهم، إلا ما كان من هذه المجالات مزلقًا من مزالق الشر والأذى كالسحر.
الركن الثاني:
التخيل الذي يرتبط به الابتكار والاختراع، فالتخيل أفق من آفاق البحث العلمي الذي من شأنه أن يتناول الأشياء الموجودة بالدراسة، والأشياء غير الموجودة من الممكنات العقلية بقوة التخيل من جهة، وبمعالجة الأشياء بالتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، والامتحان والاختبار، من جهة أخرى، وموقف الإسلام من هذا الركن موقف الدفع والتحريض.
الركن الثالث:
اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون الواسع الأرجاء مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، وهذا الركن مما أعلنه الإسلام وحرض عليه، باستثناء ما يغلب ضرره على نفعه، أو يتساوى ضرره ونفعه، أو تكون نسبة ضرره كثيرة ويوجد بديل عنه لا ضرر فيه أو دونه في الضرر، وهذا الضرر يوجد نظيره في المباحات شرعًا.
الركن الرابع:
العمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار، وهذا الركن مما حرص عليه الإسلام أيضًا.
وبقليل من التأمل في نصوص الإسلام نجد أنه قد حرض القدرات الإنسانية على أن تستفيد من كل ما في هذا الكون، وحض على العلم والاختبار والتجربة والاستنباط، والاختراع والابتكار، والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي.
وحين ننظر إلى الركن الثالث وهو اعتبار كل ما تصل إليه القدرات الإنسانية في هذا الكون مسخرًا لمنفعة الناس، ومباحًا لهم، بشيء من التفصيل نجد أن الأدلة عليه من النصوص الإسلامية كثيرة، منها النصوص التالية:
1-
قول الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول" ممتنًا على الناس: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} .
ففي هذا النص دليل واضح على أن جميع ما في الأرض مسخر بإرادة الله وإذنه لمنفعة الناس، وحينما يُحرم الإسلام على الناس بعض الأشياء فإنما يُحرم عليهم أن يستعملوها فيما يضرهم، أو فيما للإسلام فيه هدف ديني من التحريم، أما إذا استعملوها في أمور أخرى نافعة غير ضارة فلا تحريم ولا منع، ومن أمثلة ذلك الكحول، فقد حرم الإسلام شربها، ولم يحرم استعمالها في قتل الجراثيم وتطهير الجروح منها، ولم يحرم استعمالها في تحليل المواد الكيميائية، وغير ذلك من أمور كثيرة تنفع الكحول فيها ولا تضر.
2-
وقول الله تعالى في سورة "الحج: 22 مصحف/ 103 نزول":
3-
وقول الله تعالى في سورة "الجاثية: 45 مصحف/ 65 نزول":
وفي هاتين الآيتين نلاحظ أن الله تبارك وتعالى قد ذكر طائفة من
المسخرات للناس في الطبيعة، وذلك في قوله:{سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض} وقوله: {سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْر} وقوله: {سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} .
وذكر طائفة من المسخرات التي دخلت فيها يد الصناعة الإنسانية في قوله: {وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} . وذلك لأن هذه المصنوعات ما كانت لتستطيع تأدية وظائفها لولا القوانين والسنن الدائمة التي طبع الله الأشياء عليها، وجعلها مسخرة لينتفع بها الإنسان.
في هذه النصوص ونظائرها نلمح مبلغ الدفع الإسلامي الشديد إلى العمل الصناعي والعمراني، والاختراع والابتكار.
والعمل الذي يرتبط به الإنتاج الصناعي والعمراني، والمستند إلى العلم وتحريض عوامل الاختراع والابتكار، هو الركن التطبيقي الذي لا يتم التقدم المادي الحاضري إلا به.
ولما كانت خطة الإسلام التي رسمها الله للناس محتوية على فسح مجالات التقدم المادي الحضاري الخير، الذي لا إثم فيه، ولا ضرر يكون منه، ولا شر يخالطه، كان من شأن النصوص الإسلامية أن تحمل دلالات قوية وصريحة تكشف هذه الخطة، وتوضحها للناس.
إن إعلان تسخير ما في السماوات وما في الأرض جميعًا للإنسان يتضمن بشكل قوي الدفع البالغ للعمل الصناعي، للانتفاع من هذه المسخرات؛ لأنه لا يستطاع الانتفاع بكل هذه المسخرات الكبرى ما لم تدخل فيها يد العمل، بالجني، أو بالاستنتاج، أو بالتعمير، أو بالتصنيع، أو بالتحليل والتركيب والجمع والتفريق، والاختبار والتجربة، والتخيل، والاستنباط، والاختراع والابتكار، ونحو ذلك.
ثم نجد في النصوص ما هو أكثر صراحة مما سبق.
1-
أليس في قول الله لنوح عليه السلام فيما قصه علينا في سورة "هود: 11 مصحف/ 52 نزول":
أمر من الله لرسول من رسله بصناعة مخترع جديد، لم يكن الناس على علم به؟ وقد أحاطت هذا المخترع الجديد عناية الله، ورافقه وحي منه، يدل على هذا قول الله تعالى في الآية:{بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} .
فأية دعوة للاختراع والابتكار والعمل الصناعي أقوى من هذه الدعوة؟
ولقد كان الملأ من قوم نوح يمرون عليه وهو يصنع الفلك فيسخرون منه، قال الله تعالى في سورة "هود: 11 مصحف/ 52 نزول":
وبهذا نلاحظ أن نقطة البداية لبناء السفن البحرية قد كانت وحيًا ربانيًّا لرسول من رسل الله، وهداية ربانية للناس، دفعهم الله بها إلى طريق العمل الصناعي الضخم لركوب البحار، والابتغاء من فضل الله على متونها.
وما يعرضه القرآن من أحوال الرسل، وما أوحاه الله إليهم مما لم ينسخه بحكم جديد، إنما يعطي الله به صورة للإسلام الحق الذي اصطفاه الله للناس أجمعين، والذي بدأه بما أنزل على آدم عليه السلام، وختمه بما أنزله على محمد صلوات الله عليه.
2-
أليس في قول الله تعالى في معرض الحديث عن داود عليه السلام في سورة "الأنبياء: 21 مصحف/ 73 نزول":
بيان واضح من الله أن اختراع دروع الحرب وصناعتها قد كانا بتعليم من الله لداود عليه السلام، وبتحريض له على أن يصنعها بيده، وهو نبي من أنبيائه، لتكون حصنا للمؤمنين من بأس الكافرين؟؟
ولم يكتف الله تبارك وتعالى بذلك، ولكنه أمر داود عليه السلام أن يتقن
صناعته ويُحكمها، فقال له كما قص علينا في سورة "سبأ: 34 مصحف/ 58 نزول":
{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} .
فمن إحكام وإتقان صنعته الدروع أن تكون سابغات، وأن تكون حلقاتها ذوات مقادير متناظرة.
وبهذا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى قد شق للناس طريق الابتكار الاختراع والتصنيع مع مراعاة الإتقان، واستكمال الشروط التي تحقق الأهداف المقصودة من الصناعة.
3-
وقد أمتن الله على الناس بما وهبهم من قدرة على تعمير البيوت، وصناعة الأثاث، وصناعة الألبسة المختلفة الأنواع، والمختلفة المصالح، فقال تعالى في سورة "النحل: 16 مصحف/ 70 نزول":
ألسنا نرى أن الله تبارك وتعالى أمتن علينا بالبيوت، وبالأثاث، وبالسرابيل، مع أن هذه الأشياء لا تتم بحسب السنن الأرضية المستمرة ما لم تدخل فيها يد الإنسان بالتعمير والصناعة.
ويتضمن هذا الامتنان عدة عناصر:
العنصر الأول: أن الله أوجد لنا المواد الأولى التي نستفيد منها، وذللها لقدراتنا.
العنصر الثاني: أن الله أذن لنا بالانتفاع من جميع ما خلق لنا في الأرض وذلك في وجوه لا ضرر فيها.
العنصر الثالث: أن الله وهبنا القدرات التي نستطيع بها أن نعمر المساكن ونصنع الأثاث والرياش والملابس، من هذه القدرات الفكرية الشاملة لقدرات البحث والمعرفة والتذكر والتخيل والابتكار، ومنها القدرات العملية التي نستطيع بها أن نعالج الأشياء بالاختبار والتجربة، والتحليل والتركيب، والجمع والتفريق، وأن تستخدم قواها وطاقاتها الظاهرة والكمينة، ونوجهها لما نريد من مصالح ومنافع.
وفي قول الله تعالى في آخر الامتنان: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُم} إشارة إلى الأشياء الكثيرة التي لا تحصر، مما سيبتكره الإنسان، حينما يتابع مسيرته في البحث العلمي، وفي العمل التطبيقي، وفي اختراع الوسائل التي تمنحه في الحياة القوة، والصحة، ورفاهية العيش، والراحة، واختصار الزمن.
4-
وفي قول الله تعالى في سورة "الحديد: 57 مصحف/ 94 نزول":
حث ملح على الاستفادة من الحديد باستخدامه في مجالات القوة لإعلاء كلمة الله، وإقامة العدل، وباستخدامه في مجالات المنافع المدنية الكثيرة.
أفيستفاد من الحديد مع إبقائه كتلًا غير مصنعة؟ أم لا بد من أن تدخل فيه يد الصناعة والاختراع؟.
وأما الدعوة إلى استعمار الأرض، أي: العمل في عمرانها، فنجدها في قول الله تعالى في سورة "هود: 11 مصحف/ 52 نزول":
أي: أنشأكم من الأرض، وطلب منكم أن تغمروها، ولا يتم ذلك على الوجه الأكمل إلا بالعمل بروية ودأب وإتقان، بعد اكتساب العلوم والمهارات العمرانية، التي منها الهندسة المختلفة وما يتعلق بها، ويشتمل الاستعمار أيضًا على كل الأعمال الحضارية المادية، على وجه العموم.