الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعمال صالحة آثار أعماله الجارية ولو بعد موته، كنشر علم نافع، أو صدقة جارية، أو تأسيس دار لعبادة الله أو خدمة المسلمين.
ولا يقتضي هذا أن الإنسان لا يعطيه الله إلا ثواب ما سعى، بل فضل الله أوسع من سعيه بما لا حصر له.
القاعدة الرابعة:
لا تقبل الشفاعة للكافرين، ولا يقبل الاستغفار لهم.
القاعدة الخامسة:
لا تنفع الشفاعة للمؤمنين، إلا شفاعة من أذن له الرحمن ورضي له قولًا.
شرح الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري
تظهر لنا الواقعية في هذا المجال في مراعاة واقع حال النفس الإنسانية المفطورة على حب المخالفة، والنزوع إلى الشذوذ والمغامرة بامتحان المسالك الوعرة.
وكانت الواقعية الإسلامية في مراعاة هذاالواقع الإنساني متمثلة بفتح باب الغفران للإنسان، وتهيئة أفضل الوسائل ليتخلص من الإثم، وليلقي عن كاهله أثقال الأوزار.
الشرح:
لقد فطر الله النفس الإنسانية، وجعل فيها نزوعًا فطريًّا للاستقلال الذاتي، والخروج عن الطاعة، كما جعل فيها أهواء تلح على الإنسان بالمطالب التي لا تتم تلبيتها إلا بالانحراف عن صراط الهداية، وبارتكاب السيئات، وجعل في الإنسان ضعفًا.
وخلق الله في الإنسان إلى جانب ما سبق الدوافع الخيرة، والعقل المرشد
للصواب، والإرادة التي تمثل سلطة الحكم في داخله، ولا تكون هذه السلطة حكيمة ما لم تسترشد بالعقل، وما لم تتقيد بنصائحه ووصاياه.
ثم أنزل الله الشرائع هداية للعقول، وإرشادًا لها حتى لا تضل عن سواء السبيل.
وبهذه الأمور مجتمعة تمت الشروط الملائمة لابتلاء إرادة الإنسان في هذه الحياة.
ولكن هذا الكائن العجيب الذي تتجاذبه قوى متناقصة، لا بد أن يكون عرضة لضعف الإرادة أمام أواسر الأهواء والشهوات، مع اختلاف النسبة في ذلك بين أفراد الناس شدة وضعفًا، فمنهم السابقون في الخيرات الذين تقوى إرادتهم فتكثر صالحاتهم، وتندر فلتات مخالفاتهم وسيئاتهم، ومنهم المتذبذبون بين الاستقامة والانحراف، الذين يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ومنهم الظالمون لنفوسهم الذين استخذت إرادتهم وضعفت ضعفًا كليًّا، فسقطوا في الانحراف، وانغمسوا في الموبقات، أما المعصومون من البشر عن المخالفات فنماذج صانها الله ليجعلها قدوة حسنة للناس.
وإعلانًا عن هذا الواقع الذي عليه الإنسان بصفة عامة: قال الله تعالى سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
وقص علينا قصة المخالفة الأولى للإنسانين الأولين آدم وزوجه؛ إذ نهاهما الله عن أن يأكلا من شجرة معينة، بعد أن أباح لهما أن يأكلا من كل ما في الجنة سواها، فأكلا منها وعصيا، متأثرين في ضعفهما البشري بوساوس الشيطان، وأخرجهما الله من الجنة معاقبة لهما، وأهبطهما إلى الأرض، وبين لذريتهما أن الدوافع إلى المعصية منتقلة إليهم بالوراثة، وأن عداوة الشيطان تلاحقهم بالوساوس والإغواء، لتحجب عنهم الجنة التي تدعوهم إلى نفسها من طريق طاعة الله، وذلك بحسب وعد الله، إنه لا يخلف الميعاد.
ولما كانت الخطيئة في حياة الإنسان من الأمور الواقعية التي يعسر عليه جدًّا أن يصون نفسه عنها مدى حياته، ما لم يكن معصومًا بعصمة الله، كانت الواقعية في شريعة الله لعباده تستدعي أن من أخرجته الخطيئة عن طريق الجنة، ردته إليه حبال التوبة والاستغفار من جهته، المعقودة بحبال العفو والغفران من جهة الرحمن.
ولكيلا تظل صورة الخطيئة القبيحة مائلة في نفس الإنسان جعل الله الشيطان للإنسان قرينًا يلصق به وجهًا من وجهي الصورة القبيحة للخطيئة، ليشعر الإنسان بأن القبح في الحياة ليس من شأنه، وإنما هو بتأثير وساوس قرينه الملازم له، وهذا الشعور من شأنه أن يدفعه إلى الكمال، والتخلص من الخطايا التي يوسوس له بها عدوه وعدو أبويه من قبل، ومن شأنه أن ينسيه خطيئته إذا هو استغفر الله وتاب إليه، واستعاذ بالله من الشيطان، وألصق به مسئولية الإغواء.
وقد عرفنا في أصول التربية أن من وسائل الإصلاح أن نفتح لمن نربيه أبواب العذر إذا ارتكب الخطيئة ولو عاقبناه عليها، وذلك حتى نبقي له مجالًا يحتفظ فيه بصورة الكمال التي يريد أن يتصورها الناس فيه، وعرفنا أن من الخطأ في التربية أن نسد على من نربيه باب الاعتذار، ونشعره بأنه مهين، قد مارس الخطيئة عن عزم وتصميم وخبث في نفسه، وذلك لأن هذا الأسلوب من التربية المجانبة للصواب، من شأنه أن يغرس في الإنسان الوقاحة وعدم المبالاة، والإصرار على متباعة ارتكاب السيئات، فمن يفتضح بفعل المنكر ويعرف به بين الناس يكابر عليه بوقاحة لا استحياء معها، وفي الحديث الصحيح:
"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تتسح فاصنع ما شئت". رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذه النظرة الواقعية من مختلف جوانبها قد أعلنتها النصوص الإسلامية في أكثر المناسبات التي تضع الإنسان موضع المسئولية في الحياة.
وفيما يلي طائفة من هذه النصوص:
أ- ففي مجال بيان واقع حال النفس الإنسانية المفطورة على الضعف وحب المخالفة تستوقفنا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصوص كثيرة، تعرض هذه الحقيقة، أو تشير إليها:
فمنها قوله تعالى في سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
في هذا النص أمور ثلاثة مترابطة:
الأمر الأول: بيان واقع حال الإنسان المفطور على الضعف.
الأمر الثاني: أن الله يريد أن يتوب على الناس نظرًا إلى ما هم عليه من ضعف، وأن يخفف عنهم أثقال الأوزار وأعباء التكاليف الشديدة.
الأمر الثالث: أن دعاة الضلال متبعي الشهوات يريدون من المؤمنين أن يميلوا ميلًا عظيمًا إلى جانب المعاصي والمخالفات، حتى يبتعدوا عن مهابط رحمة الله وعفوه وغفرانه.
وخلال ترابط هذه الأمور في هذا النص نلاحظ روعة الواقعية الإسلامية، التي تراعي بحكمة بالغة، ورحمة عظيمة، واقع حال النفس الإنسانية المفطورة على الضعف وحب المخالفة.
ومن النصوص في هذا المجال قول الله تعالى في سورة "ق: 50 مصحف/ 34 نزول":
في هذا النص القرآني إشارة إلى ما عليه واقع حال النفس الإنسانية من تعرض لوساوس ذاتية متجددة ما استمرت فيها الحياة، والوسوسة لا تكون إلا بالأمر بالسوء، الذي فيه مخالفة ومعصية لله تعالى، ومع هذه الوساوس المتجددة.
لقد تضعف إرادة الإنسان، نظرًا إلى أنه خُلق ضعيفًا، فيسقط في بعض الخطايا، ولكن المؤمن توقظه الصدمة بعد السقوط، فيضحو من غفلته، فيتذكر الله، وعند ذلك يلجأ إلى التوبة والندم والاستغفار، فيجد الله توابًا رحيمًا.
ومن النصوص فيه هذا المجال أيضًا قول الله تعالى في سورة "يوسف: 12 مصحف/ 53 نزول" حكاية وإقرارًا لما قالته امرأة العزيز:
هذا النص يعلن أيضًا أن النفس في فطرتها أمارة بالسوء، ومع أوامرها المتكررة قد يغفل الإنسان وتضعف إرادته فيسقط في الخطيئة، ولكن المؤمن توقظه الصدمة بعد السقوط، فيضحو من غفلته فيتذكر الله، وعند ذلك يلجأ إلى التوبة والندم والاستغفار فيجد الله توابًا رحيمًا.
ومن النصوص أيضًا الآيات التي تضمنت وصف الأنفس، ووصف الإنسان، ونسرد من ذلك الآيات التاليات:
قوله تعالى في سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} .
وقوله تعالى في سورة "التغابن: 64 مصحف/ 108 نزول":
{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
وقوله تعالى في سورة "العاديات: 100 مصحف/ 14 نزول":
وقوله تعالى في سورة "الإسراء: 17 مصحف/ 50 نزول":
{وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} .
وقوله تعالى في سورة "الإسراء أيضًا":
إن هذه الآيات وأشباهها تبين جوانب الضعف في الإنسان التي قد يسقط بسببها في الخطيئة.
ومن النصوص في هذا المجال أيضًا طائفة كثيرة من الأحاديث النبوية، ونذكر منها الأحاديث التالية:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
أخرجه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وصححه الحاكم وابن القطان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه". رواه ابن ماجه، ورواه البخاري مختصرًا.
وفي الحديث القدسي:
"يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا اغفر الذنوب جميعًا". رواه مسلم.
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم". رواه مسلم.
وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم". رواه مسلم.
وفي كل ذلك دلالات واضحات على أن الله تعالى خلق في الإنسان ضعفًا، يجعله يتعثر فيسقط في المعصية، ليرتجع إلى ربه مستغفرًا تائبًا منكسرًا، ليغفر الله له، ويرحمه، ويكفر عنه سيئاته وبذلك يقف العبد بين يدي ربه موقف الضعف والاعتراف، ويتجلى الله له بالرحمة والإحسان.
ب- وفي مجال تخليص الإنسان من خطيئته وردت نصوص التوبة والغفران من جهة، ونصوص إلصاق خبث دوافع الخطيئة بالشيطان من جهة أخرى.
فمن نصوص التوبة والغفران النصوص التالية:
قول الله تعالى في سورة "الزمر: 39 مصحف/ 59 نزول":
ففي هذا النص نداء من الله للمسرفين يدعوهم أن لا يقنطوا من رحمة الله، مهما تعاظمت ذنوبهم في جنب الله، ومهما كثرت سيئاتهم، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا، وما على المسرفين إلا أن يستغفروا ربهم ويتوبوا إليه، ويمدوا أيديهم إلى رحمته.
وقول الله تعالى يصف المتقين في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول":
فمن صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم لم يستغرقوا فيما هم فيه من إثم، ولم يصروا على ما فعلوا، ولكنهم يتيقظون، فيذكرون الله، ويستغفرونه لذنوبهم، وعند ذلك يجدون الله توابًا رحيمًا.
وقول الله تعالى في سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
وقول الله تعالى في سورة "المائدة: 5 مصحف/ 112 نزول":
وفي الحديث القدسي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
عنان السماء: ما يبدو منها للناظر.
قراب الأرض: أي: قريب من مقدراها.
فهذه النصوص ونظائرها تثبت للإنسان أن وراء عثرة الخطيئة طمعًا برحمة الله، وأملًا بالمغفرة عن طريق التوبة والندم والعزم على الاستقامة، وفي هذا منتهى مراعاة الواقعية في أحوال الإنسان.
ولكن لهذه الواقعية حدودًا لا تتجاوزها، وتبرز هذه الحدود واضحة في أمرين:
الأمر الأول: الكفر بالله والشرك به، فمن مات على ذلك لم ينل من الله عفوًا ولا غفرانًا، قال الله تعالى في سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
الأمر الثاني: أن يملأ الإنسان حياته بفعل السيئات، ويعرض عن التوبة والاستغفار، حتى حضره الموت، وانكشفت له بعض الحقائق مما وراء الموت، قال: إني تبت الآن. فإن الله جل وعلا لم يتعهد لأمثال هذا المسرف على نفسه طوال حياته بأن يتوب عليهم، قال الله تعالى في سورة "النساء أيضًا":
ومن النصوص التي تحرر الإنسان من خبث دوافعه للخطيئة، وتفسح له مجالًا أن يلصق ذلك بالشيطان، رجاء أن يكون أقرب للإصلاح، وأكثر استعدادًا للاستقامة، النصوص التالية:
قول الله تعالى في سورة "الأعراف: 7 مصحف/ 39 نزول":
وقول الله تعالى في سورة "الإسراء: 17 مصحف/ 50 نزول":
ومع ذلك فقد بين الله تبارك وتعالى أن الشيطان ليس له سلطان على الذين يتحققون بعبوديتهم لله تعالى، قال تعالى في سورة "الحجر: 15 مصحف/ 54 نزول"، يخاطب الشيطان.
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
وذلك لئلا يتهرب الإنسان من المسئولية، فينغمس في الخطايا، ويلقي على الشيطان مسئوليتها.
وبهذا يتم التوازن في أمور التكليف والتربية، ويوضع كل أمر منها في محله الملائم له.