المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين: - الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

[عبد الرحمن حبنكة الميداني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌فاتحة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌فاتحة كتاب؛ "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة وموقف الإسلام من التقدم الحضاري

- ‌المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري

- ‌المقولة الثانية: موقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري

- ‌الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات

- ‌الباب الأول: البناء الفكري للحضارة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: الحق والباطل

- ‌الفصل الثاني: الخير والشر

- ‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر

- ‌المقولة الثانية: من أسس الحضارة الإسلامية "مبدأ فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه

- ‌المقولة الثالثة: مفاهيم عامة تشتمل عليها حدود الخير والشر

- ‌المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية

- ‌المقولة الخامسة: فلسفة الإسلام في الوسائل والغايات

- ‌المقولة السادسة: فلسفة الإسلام فيما يجري به القضاء والقدر من نعم ومصائب

- ‌الفصل الثالث: العالمية والشمول في رسالة الحضارة الإسلامية

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الحضارة الإسلامية منفتحة الحدود

- ‌انفتاح الحدود الفكرية

- ‌ انفتاح الحدود النفسية:

- ‌ انفتاح الحدود المادية:

- ‌الفصل الرابع: المثالية والواقعية

- ‌المقولة الأولى: تعريفات وبيانات عامة للمثالية والواقعية

- ‌المقولة الثانية: شرح المثاليات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌المقولة الثالثة: شرح الواقعيات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌مدخل

- ‌شرح الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية

- ‌شرح الأمر الثاني: رفع التكليف في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها

- ‌شرح الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية

- ‌شرح الأمر الرابع: مراعاة حال واقع المجتمعات الإنسانية

- ‌شرح الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري

- ‌جدليات حول المثاليات والواقعيات الإسلامية:

- ‌الباب الثاني: وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا

- ‌مقدمات عامة:

- ‌الفصل الأول: التعلم والتعليم

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: الدفع الإسلامي إلى التعلم والتعليم

- ‌المقولة الثانية: إجمال طرق تحصيل المعارف المختلفة

- ‌المقولة الثالثة: تكريم الإنسان بأدوات التعلم ومسؤوليته بالنسبة إليها

- ‌المقولة الرابعة: مكافحة الإسلام التقليد الأعمى

- ‌المقولة الخامسة: تفصيل طرق اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السادسة: نظرات من خلال النصوص الإسلامية حول اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السابعة: منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية

- ‌المقولة الثامنة: البحث العلمي والإيمان

- ‌المقولة التاسعة: مكانة العلماء في الإسلام

- ‌الفصل الثاني: تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: موقف الإسلام من تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقولة الثانية: قواعد العمل في الإسلام

- ‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار

- ‌المقولة الرابعة: دفع شبهات

- ‌الفصل الثالث: التربية

- ‌الفصل الرابع: الجدال بالتي هي أحسن

- ‌المقولة الأولى: تعريف بالجدال بالتي هي أحسن وبيان لطائفة من قواعده العامة

- ‌المقولة الثانية: أمثلة جدالية من القرآن الكريم

- ‌الفصل الخامس: إقامة الحكم الإسلامي

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: البيعة وواجبات الحاكم والمحكوم

- ‌المقولة الثانية: فلسفة الحكم الإسلامي

- ‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته

- ‌الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال

- ‌المقولة الثالثة: الروح المعنوية لدى المقاتلين من حملة الرسالة الربانية

- ‌المقولة الرابعة: الجهاد بالقتال في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية

- ‌الباب الثالث: صور ونماذج من تطبيقات المسلمين الحضارية في مختلف المجالات العلمية والعملية

- ‌الفصل الأول: تلقي القرآن وتدوينه وتدبره

- ‌المقولة الأولى: تلقي القرآن وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم التفسير

- ‌الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة

- ‌المقولة الأولى: السنة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌المقولة الثانية: السنة بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الثالثة: السنة بعد القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الرابعة: حركة التصنيف الكبرى للسنة وزواتها

- ‌الفصل الثالث: أثر القرآن والسنة في ابتكار كثير من العلوم الإسلامية

- ‌الفصل الرابع: تأسيس علمي النحو والصرف وتدوين المعجمات العربية

- ‌الفصل الخامس: تأسيس علم الفقه الإسلامي، وعلم أصوله، وتدوينهما

- ‌المقولة الأولى: تأسيس علم الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: تأسيس علم أصول الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌الفصل السادس: نشأة علمي التاريخ والجغرافية والتدوين فيهما

- ‌المقولة الأولى: نشأة علم التاريخ البشري والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم الجغرافية والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌الفصل السابع: اهتمام المسلمين بالعلوم التي تتعلق بآيات الله في الكون وأدواتها العقلية والتجريبية

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الثالثة: الكيمياء

- ‌المقولة الرابعة: الفلاحة والنبات

- ‌المقولة الخامسة: الحيوان

- ‌الفصل الثامن: عناية المسلمين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية خلقا وسلوكا

- ‌النشأة والتأسيس

- ‌ العلم والتعليم والتربية في بلاد الشام:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أيام العباسيين في العراق والأقاليم حوله:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في مصر:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أقاليم المغرب من بلدان العالم الإسلامي:

- ‌كلمة موجزة عن أندنوسيا

- ‌ تعرض حضارة المسلمين لقتل علمائها وإبادة مصنفاتها من قبل همج الشرق ونصارى الإسبان:

- ‌الفصل التاسع: نظرات موجزات حول تطبيقات حضاريات مختلفات قام بها المسلمون

- ‌ مقدمة:

- ‌ الواقع الاقتصادي:

- ‌ المالية العامة:

- ‌ التنظيمات الإدارية:

- ‌ القضاء:

- ‌ نظام الحسبة ووظيفة المحتسب:

- ‌ التدبيرات العسكرية:

- ‌ العمران:

- ‌ الخط العربي

- ‌ الصناعات الخزفية:

- ‌ الصناعات الزجاجية:

- ‌ صناعة النسيج:

- ‌الباب الرابع: لمحات من أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية الأخرى

- ‌ مقدمة:

- ‌ من أقوال المنصفين:

- ‌تتبعات تاريخية مفصلة جاءت في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب

- ‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:

- ‌ أثر حضارة المسلمين في همج الشرق الفاتحين المدمرين:

- ‌خاتمة كتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌خاتمة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌فهرس الكتاب:

- ‌آثار المؤلف

الفصل: ‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:

4-

‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:

1-

أخذ المسلمون منذ تكونت لهم دولة ذات كيان مستقل، يبنون حضارتهم بهدي من تعليمات الإسلام، في القرآن الكريم، وبيانات الرسول العظيم القولية والعملية، وتوجهت أنظارهم لإصلاح شعوب الأرض، ودعوتها للسير على صراط الإسلام المستقيم، فانطلقوا شرقًا وغربًا فاتحين مهذبين ملتزمين فضائل الأخلاق ومحاسن الشيم، وعاملين بتعليمات الإسلام، إلا من شذ منهم عن العمل بتعليمات دينه اتباعًا للهوى، أو أخطأ في فهم نصوص الإسلام.

وفي انطلاقهم شرقًا وغربًا أخذوا يعلمون الناس ما هداهم إليه الإسلام من حضارة فكرية اعتقادية، وحضارة سلوكية فردية واجتماعية، وما دعاهم إليه الإسلام من بناء حضارة مادية تنشد الخير، وتقاوم الشر والضر والفساد، مؤمنين بأن الله جل جلاله سخر الكون للناس لينتفعوا بما فيه من خيرات وطاقات ظاهرات أو خفيات، ضمن قواعد الحق والخير والفضيلة والجمال، ومؤمنين بأن الله جل جلاله مكن الناس عن طريق البحث والتنقيب واستعمال الفكر، والتأمل العميق، والقيام بالتجارب العملية، والملاحظات المتأنيات للتجارب، من التوصل إلى مفاتيح كنوز الكون، طاقاته الخفيات، والتعرف على مسالكها، ومؤمنين بأن الله جل جلاله حثهم على أن يتابعوا البحث والتنقيب والتجارب والملاحظات المتأنيات، بكل ما لديهم من وسع متجدد، وقدرات على متابعة حلقات سلاسل المعارف المحجوبة عن أنظارهم القصيرة، وحثهم على أن

ص: 659

يحفروا أنفاق البحث، لاستخراجها حلقة فحلقة، بلا نهاية منظورة، وأن يكونوا دوامًا في ارتقاء حضاري، وأن يكونوا السابقين إلى كل فضيلة ومكرمة وعلم، وإلى امتلاك كل قوة يمكن أن يمتلكها الناس بتسخير الله ما في الكون لهم.

2-

وحين انطلق المسلمون يبنون حضارتهم في البلدان التي ملكوا نواصي السلطان فيها شرقًا وغربًا، كانت شعوب أوروبة، والشعوب العربية كافة، في جهل مطبق وأمية منتشرة في كل طبقاتهم، وتخلف حضاري بعيد، في الفكر، وفي السلوك الفردي والاجتماعي، وفي مختلف مجالات العلوم.

3-

وبينما كان كثير من علماء الدين الإسلامي يتوجهون باهتمام بالغ لدراسة العلوم الرياضية والعقلية والطبيعية، ويبحثون في الظواهر الكونية عن العلل والأسباب، وينقبون في كل موقع مادي أو معنوي يصلح للتنقيب فيه، بغية اكتشاف سنن الله وقوانيه في كونه، واستخراج الكنوز التي أودعها في خباياه، كان قادة الكنيسة ورجالها في أرجاء الأرض يعادون ويحاربون كل من يأتي بنظرية أو حقيقة علمية تخالف تعليماتهم التقليدية، ولو كانت خرافية، وربما كان جزاؤه الحرق بالنار لهرطقته ومخالفته في أفكاره التي جاء بها تعليماتهم.

مع أن تعليماتهم هي من أوضاعهم أو من الأساطير التي نقلوها عن أهل القرون الأولى، وليست من دين الله الذي أنزله الله على عيسى أو موسى أو إبراهيم أو أي رسول أو نبي يؤمن به اليهود أو النصارى من الصادقين.

4-

ولما كان المسلمون يتوضئون لصلواتهم، ويغتسلون اغتسالات واجبات، واغتسالات مندوبات، ويستنجون أو يستجمرون، ويتحرزون من النجاسات والقذارات، ويسرعون إلى إزالتها عن أجسادهم وثيابهم وأماكنهم وأدواتهم إذا وقعت عليها أو لامستها، كانت الشعوب الأوروبية، والشعوب الغربية عامة، لا تعرف شيئًا عن الطهارة وإزالة النجاسات من الأبدان والثياب والأمكنة والأدوات، ولا تعرف الاستنجاء بالماء حتى رأوا المسلمين يفعلون ذلك، واستمروا في الغالب على عاداتهم السابقات حتى اكتشف علماؤهم الجراثيم والميكروبات، ورأوا أن النجاسات والقذارات هي أعظم البؤر الحاملة لها، وأنها تسبب الأمراض والأوجاع والأوبئة الخطيرة.

ص: 660

وليس يخاف على أي ذي فكر ونظر أن الطهارة والعناية بها من أجلى مظاهر الحضارة البشرية.

مؤكدات لهذه الحقائق من بيانات غربية منصفة:

جاء في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب" للمستشرقة الألمانية "زيغريد هونكه" ما يلي:

1-

لقد قص "فيلهلهم" على رفاق سفره الدهشين ما يلي:

"كان عندنا في بلادنا فارس كبير القدر، فمرض وأشرف على الموت، فجئنا إلى قس كبير من قساوستنا، وقلنا: تجيء معنا حتى تبصر الفارس فلانًا؟

قال: نعم، ومشى معنا، ونحن نتحقق أنه إذا حط يده عليه عوفي.

فلما رآه قال: أعطوني شمعًا، فأحضرنا له قليل شمع، فلينه بيده وعمله مثل عقد الإصبع، ووضع واحدة في جانب أنفه الأيمن، ووضع أخرى في جانب أنفه الأيسر، فمات الفارس.

فقلنا له: قد مات.

قال: نعم، كان يتعذب، سددت أنفه حتى يموت ويستريح".

وعلقت "زيغريد" على هذه القصة بقولها:

"أيد توضع، وشيطان يطرد، وصلاة تقام

تلك كانت الوسائل المفضلة في المعاجلة التي حاول بها أطباء أوروبة -عن طريق مسموح الكهنوت والرهبان- إنقاذ الإنسانية المريضة، وتخليصها من براثن الداء والألم". شمس العرب "ص218".

2-

وجاء فيه قولها:

"ولعل من أهم عوامل انتصارات العرب "أي: المسلمين" هو ما فوجئت به

ص: 661

الشعوب من سماحتهم، حتى إن الملك الفارس "كيروس. KYROS" نفسه قال:"إن هؤلاء المنتصرين لا يأتون كمخربين" فما يدعيه بعضهم من اتهامهم بالتعصب والوحشية، إن هو إلا مجرد أسطورة من نسج الخيال تكذبها آلاف من الأدلة القاطعة عن تسامحهم وإنسانيتهم في معاملاته مع الشعوب المغلوبة". ا. هـ.

أقول: أليس هذا من مظاهر الارتقاء الحضاري لدى المسلمين، مع أنهم هم المنتصرون الفاتحون، وأصحاب السيادة والسلطان؟!

وتتبع المستشرقة "زيغريد" بيانها هذا بقولها:

"والتاريخ لا يقدم لنا في صفحاته الطوال إلا عددًا ضئيلًا من الشعوب التي عاملت خصومها والمخالفين لها في العقيدة بمثل ما فعل العرب "أي: المسلمون".

وكان لمسلكهم هذا أطيب الأثر، مما أتاح لحضارتهم أن تتغلغل بين تلك الشعوب بنجاح لم تحظ به الحضارة الإغريقية ببريقها الزائف، ولا الحضارة الرومانية بعنفها في فرض إراداتها بالقوة". ا. هـ. شمس العرب "ص357-358".

3-

وجاء فيه عقب بيانها الموسع عن اتجاه الإمبراطورية الرومانية لمحاربة البحث العلمي في الظواهر الطبيعية لاكتشاف قوانين الكون وسننه، وأن من الضلال البحث عن الحقيقة في غير الكتاب المقدس، والتفكير والتمحيص في أمور دنيوية، قولها:

"وكان أكبر دليل مؤلم على هذا التفكير الغريب أعمدة الدخان، وألسنة اللهب التي اندلعت فوق الإسكندرية، كنز المعرفة الإغريقية على مر العصور، والتي أصبحت حينذاك مركزًا للكنيسة المسيحية إلى جانب رومة.

احمرت بنيراها فوق دلتا النيل، وأحرقت نفائس ثمينة لا تُعَوَّض، من الشعر، والأدب، والفلسفة، والتاريخ، والعلم، والثقافة الإغريقية.

أحرقتها وأبادتها جموع من المسيحيين المتعصبين.

لقد ذهب جزء هام من المكتبة قبل ذلك، عام "48ق. م" طعمة للنيران

ص: 662

أثناء حصار "يوليوس قيصر" ولكن "كليوباطرة" عوضت هذه الخسائر من مكتبة "برجامون pergamon" وفي القرن الثالث الميلادي بدأت تبرز التخريبات المبيتة ضدها. فأغلق أحد البطاركة المسيحيين مدرسة متحف الإسكندرية، وطرد طلابها.

وفي أيام حكم القيصر "فالنس 336م valens" حول المتحف إلى كنيسة، وسلبت مكتبته، وطورد فلاسفته بتهمة السحر والشعوذة.

وفي عام "381م" استصدر البطريرك "تيوفيلس theophilos" من القيصر "تيودوسيوس theodosius" إذنًا بتخريب السرابيون، أكبر ما تبقى من الأكاديميات وآخرها، وإشعال النيران في مكتبته الثمينة.

وبهذه الطريقة فقدت البشرية جزءًا هامًّا من ثقافتها لا يمكن تعويضه".

وقالت أيضًا:

"وهكذا اختفت مراكز الحضارة الإغريقية واحدًا إثر واحد. وأُقفلت آخر مدرسة للفلسفة في آثنية عام "529م" وأحرقت في رومة عام "600م" مكتبة البلاتين، وهدم ما تبقى من آثار أبنية القدماء.

وعندما دخل العرب "أي: المسلمون" الإسكندرية عام "642م" مكتبة البلاتين، وهدم ما تبقى من آثار أبنية القدماء.

وعندما دخل العرب "أي: المسلمون" الإسكندرية عام "642م" لم يكن هناك منذ زمن طويل مكتبات عامة كبيرة.

وأما ما اتهم به قائدها "عمرو بن العاص" من إحراقه لمكتبة الإسكندرية، والذي يعبر به حتى اليوم عن صورة مفزعة للبربرية والوحشية، فقد ثبت في أكثر من مناسبة، وبعد أبحاث مستفيضة أنه مجرد اختلاق لا أساس له من الصحة.

إن "عمرو بن العاص" فاتح الإسكندرية، هو نفسه "عمرو" الذي ضرب المثل بتسامحه طوال فتوحاته، وحرم النهب والسلب والتخريب على جنوده، وعمل ما كان غريبًا عن فهم الشرقيين القدماء والمسيحيين على السواء.

لقد ضمن صراحة للمغلوبين حرية ممارسة شعائرهم الدينية المتوارة". ا. هـ. شمس العرب "ص362-363".

ص: 663

4-

وجاء فيه في معرض مقارنتها بين حث الإسلام على العلم، واكتساب المعرفة الدنيوية بالإضافة إلى المعرفة الدينية، وتخوف المسيحيين من المعارف الدنيوية قولها:

"مفهومان مختلفان، بل عالمان منفصلان تمامًا، حددا بهذا طريقين متناقضين للعلم والفكر، في الشرق والغرب.

وبهذا اتسعت الهوة بين الحضارة العربية "أي: الإسلامية" الشامخة، والمعرفة السطحية المعاصرة في أوروبا حيث لا قيمة لمعرفة الدنيا كلها". "أي: إبان ازدهار حضارة المسلمين".

وقولها بشأن رفض معلمي الكنيسة يومئذ فكرة كروية الأرض: "وأما ما يدعيه بعضهم من أن الأرض كروية فهو كفر وضلال، فمعلم الكنيسة "لاكتانتوس lactanius" يتساءل مستنكرًا: "هل هذا من المعقول؟ أيعقل أن يُجن الناس إلى هذا الحد، فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض، وأن أقدام الناس تعلو رءوسهم؟ ".

لقد كانت الأرض بالنسبة إلى بعض الناس تلًّا تدور الشمس حوله ما بين الشروق والغروب، وبالنسبة إلى الآخرين مسطحًا تحيط به المحيطات.

لقد قُضي بهذا التفكير الساذج على تطور العقل البشري في العصور السابقة، وعاد عصر الملاحظة البدائية والتفكير المشعوذ إلى الحياة من جديد.

ملعون من يقتنع أو يقبل في ذلك العصر تفسيرًا علميًّا لحوادث الطبيعة. خارج عن طاعة الرب من يشرح أسبابًا طبيعية لبزوغ كوكب، أو فيضان نهر، بل من يعلل علميًّا شفاء قدم مكسورة، أو إجهاض امرأة، فتلك كلها عقوبات من الله، أو من الشيطان، أو هي معجزات أكبر من أن ندرك كنهها!!.

وإذا كانت القوى الدينية "أي: المسيحية" قد كسرت جهدها للهدف الديني. فإنها قد هبطت بالمعرفة الدنيوية، فابتعدت تمامًا عن الثقافة، والفكر الإغريقي، وانغمست في الخرافات والترهات التي لن نستطيع اليوم أن نتصور مدى انتشارها، وسيطرتها على العقول الساذجة.

ص: 664

ولم تشمل هذه الحركة الرجعية العامة من الناس فحسب، بل إن المتعلمين أيضًا لم يكن لهم من زاد عقلي سوى بعض الأساطير المليئة بالخرافات المقتبسة أسوأ اقتباس عن اللاتينية البربرية، أو عن قصص الإغريق وأساطير الشرق القديمة.

وما وصلت إليه الكنيسة وكهنتها في المجال الديني لم يكن عامل إنقاد للحضارة بل كان عائقًا لها.

وظل الفكر الإغريقي بالنسبة إليهم غريبًا، فحوالي عام "300م" علل أسقف قيصرية "أوزيبوس Eusebius" ذلك المسلك لعلماء الطبيعة من "الإسكندرية" و"برجامون" قائلًا: إن موقفنا هذا ليس جهلًا بالأشياء التي تعطونها أنتم كل هذه القيمة، وإنما لاحتقارنا لهذه الأعمال التي لا فائدة منها، لهذا فإننا نشغل أنفسنا بالتفكير فيما هو أجدى وأنفع.

ولقد كان الفكر الإغريقي يُمثل للمسيحيين شبحًا ملعونًا، فلم يقتربوا منه، بل حطموا جزءًا كبيرًا من تراثه، وحرموا منه البشرية.

ولقد كان الفكر الإغريقي يُمَثِّل للمسيحيين شبحًا ملعونًا، فلم يقتربوا منه، بل حطموا جزءًا كبيرًا من تراثه، وحرموا منه البشرية.

حتى إن الغرب اضطر بعد صحوته أن يبدأ من جديد، على الرغم من أن الحضارات القديمة، والهيلينية1 على الخصوص، كانت قد وصلت في سالف أيامها إلى درجة كبيرة من الرقي.

وعلى الرغم من هذا فقد بدا للسادة المهيمنين على الأمور ضرورة تحريم الكتب، التي تهتم بالأمور الحقيرة الدنيوية على المتعلمين ورجال الدين المسيحي.

ففي عام "1206م" نبه مجمع رؤساء الكنائس المنعقد في باريس رجال الدين بشدة على عدم قراءة العلوم الطبيعية، واعتبر ذلك خطيئة لا تغتفر.

وقضى هذا التفكير الضيق على كل موهبة، وعاق كل بحث علمي، وأجبر كل المفكرين الذين لا تتفق أعمالهم ومعتقدات الكنيسة هذه، على إنكار ما قالوه

1 الهيلينية: أي: اليونانية.

ص: 665

من النظريات العلمية، وإلا كان مصيرهم الحرق العلني، بالنار، لكفرهم وخروجهم على المعتقدات الإلهية "بحسب زعمهم الفاسد".

ومن هنا فقط يتضح لنا تمامًا لماذا احتاجت الحضارة في الغرب ألفًا من السنين، قبل أن تبدأ بالازدهار تدريجيًّا، مع أنها قد كانت لديها فرصة مناسبة لتبدأ قبل الحضارة العربية "أي: حضارة المسلمين" بقرنين أو ثلاثة.

وما قال "هيجل HEGEL" عن بوم "منيرفا" الذي لا يبدأ طيرانه إلا عند الغسق، ينطبق على التراث اليوناني السائر إلى الوراء حينئذاك، بل ينطبق انطباقًا أكثر على العلوم في الغرب التي ظلت في دور الحضانة ألفًا من السنين.

وهو لا ينطبق على التطور العربي "أي: تطور المسلمين" ذلك لأن العلوم عندهم لم تكن قط ثمرة متأخرة لشجرة الحضارة.

فما أن انقضى قرن واحد من الزمان على الفتوحات الإسلامية حتى ازدهرت حضارة العرب "أي: المسلمين" وآتت أكلها مكتملة ناضجة". ا. هـ شمس العرب "370-372".

5-

وجاء فيه أيضًا قولها:

"لقد أحاط العرب "أي: المسلمون" الكتب بقلوبهم، حتى المؤلفات الفنية الدقيقة في الهندسة والميكانيكا والطب والفلك والفلسفة.

وكما تطلب الدولة المنتصرة من الدولة المنهزمة تسليم أسلحتها وسفنها الحربية، شرطًا أساسيًّا لعقد الصلح، هكذا طلب "هارون الرشيد" بعد احتلاله لعمورية وأنقرة تسليم المخطوطات الإغريقية القديمة.

وكما يستولي المنتصرون اليوم على المناجم، والصناعات الحربية الهامة، والأسلحة المدمرة مع مخترعيها، نرى "المأمون" بعد انتصاره على "ميخائيل الثالث" قيصر بيزنطية، يطالب بتسليم أعمال الفلاسفة القدماء، التي لم تتم ترجمتها بعد إلى العربية، ويعتبر ذلك بديلًا عن تعويضات الحرب.

إنها أسلحة تساهم في بناء المجد.

ص: 666

وما دام الأمراء العرب قد شغفوا بأوراق البردي والبرجامون نصف الممزقة، فإنه لم يكن هناك من طريق لكسب صداقتهم أنجح من إهدائهم بعض لفائف الكتب التي تراكم التراب فوقها.

هذا ما فكر به قاطنو البوسفور، فأرسلوا إلى "عبد الرحمن الثالث" أمير الأندلس، حقيبة كبيرة -بغية توطيد الصداقة معه- وهذه الحقيبة ملأى بالمخطوطات القديمة، ومن بينها تعاليم الطب والعلاج لـ"ديسقوريدس DIOSKURIDES" وكان ثمن بيع هذا الفكر القديم باهظًا، ولكن العرب "أي: المسلمين" كانوا على استعداد لدفع الثمن مهما كان.

وأُرسلت البعثات الخاصة من بغداد، للبحث عن كنوز العلم، حاملة أكياسًا من النقود، إلى بيزنطية والهند؛ إذ قام المتعلمون من مختلف البلدان بدور السماسرة.

وأصبح اقتناء المخطوطات التي لم تترجم حتى ذلك الحين هواية الأمراء، والوزراء، وسراة القوم. فضحوا بمبالغ طائلة من بلاد الإغريق وآسية الصغرى، وفي كل مكان وطئته أقدام الإغريق يومًا ما، عن طريق بعثات العلماء، أو عن طريق عملائهم الخاصين.

أجل لقد دفعوا ثمنًا باهظًا وجدوه باقيًا من الآثار العلمية، وكان قد نجا من أعمال التخريب الفظيعة الشائنة.

واستطاع العرب "أي: المسلمون" كذلك أن يكشفوا كثيرًا من الكنوز، ففي قبو مظلم تسكنه الفئران والعناكب في الإسكندرية، عثر القوم بين حجرين هائلين على كتاب في فنون الحرب، وعثروا على كتاب آخر في قدر مغلقة تحت جدران دير سوري.

وفي آسية الصغرى، وعلى مسير ثلاثة أيام من بيزنطية، عثر "محمد بن إسحاق" على مكتبة ضخمة في معبد قديم كبير، له باب لم ير من قبل بابًا حديديًّا في ضخامته.

لقد أنشأ الإغريق هذا المعبد يوم كانوا يعبدون النجوم والأوثان، وقدموا فيه القرابين لآلهتهم.

ص: 667

ويتحدث "محمد بن إسحاق" عن مجهوده في هذا السبيل، باعتباره مندوبًا عربيًّا في البلاط البيزنطي، فيقول:

"لقد رجوت الحاكم أن يفتح لي هذا المعبد، ولكنه ماطل في ذلك؛ لأن أبواب هذا المعبد لم تفتح منذ انتحلوا المسيحية، ولكنني لم أكف عن إغرائه، فعاودته في مناسبات عدة، وطلبت إليه ذلك كتابة ومشافهة في جلسة من جلسات بلاطه التي اشتركت فيها.

وأخيرًا وافق على فتحه، فرأيت في هذا المبنى المشيد بأحجار المرمر الفاخرة، رأيت على حوائطه من الكتابات والرسوم ما لم أر أفخم ولا أجمل منه، ومن المخطوطات القديمة شاهدت هناك ما يحمل جمالًا، إنها تقارب الألف كتاب، وكان جزء منها ممزقًا، وكان الجزء الآخر نصيبًا للديدان".

إن ما قام به العرب "أي: المسلمون" لهو عمل إنقاذي له مغزاه في تاريخ العالم.

إنها حضارة قد هوت وتحطمت، وكانت على وشك الفناء أمام أعين صانعيها الذين صار لهم هدف آخر يسعون إليه، وهذا الهدف لا يمت لهذا العالم بصلة.

فما بقي من هذه الحضارة يجب أن تشكر عليه البشرية اليوم العرب "أي: المسلمين" وحبهم للعلم، ولا يعود لبيزنطية فيه إلا فضل قليل". ا. هـ. شمس العرب " ص375-377".

ص: 668