المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته - الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

[عبد الرحمن حبنكة الميداني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌فاتحة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌فاتحة كتاب؛ "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌الفصل الأول: تحليل معنى الحضارة وموقف الإسلام من التقدم الحضاري

- ‌المقولة الأولى: تحليل معنى الحضارة والسبيل إلى تحقيق التقدم الحضاري

- ‌المقولة الثانية: موقف الإسلام من أنواع التقدم الحضاري

- ‌الفصل الثاني: أثر الأسس الفكرية والنفسية في بناء الحضارات

- ‌الباب الأول: البناء الفكري للحضارة الإسلامية

- ‌الفصل الأول: الحق والباطل

- ‌الفصل الثاني: الخير والشر

- ‌المقولة الأولى: تعريفات للخير والشر

- ‌المقولة الثانية: من أسس الحضارة الإسلامية "مبدأ فعل الخير والعمل على نشره، وترك الشر والعمل على قمعه

- ‌المقولة الثالثة: مفاهيم عامة تشتمل عليها حدود الخير والشر

- ‌المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية

- ‌المقولة الخامسة: فلسفة الإسلام في الوسائل والغايات

- ‌المقولة السادسة: فلسفة الإسلام فيما يجري به القضاء والقدر من نعم ومصائب

- ‌الفصل الثالث: العالمية والشمول في رسالة الحضارة الإسلامية

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الحضارة الإسلامية منفتحة الحدود

- ‌انفتاح الحدود الفكرية

- ‌ انفتاح الحدود النفسية:

- ‌ انفتاح الحدود المادية:

- ‌الفصل الرابع: المثالية والواقعية

- ‌المقولة الأولى: تعريفات وبيانات عامة للمثالية والواقعية

- ‌المقولة الثانية: شرح المثاليات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌المقولة الثالثة: شرح الواقعيات في أسس الإسلام الحضارية

- ‌مدخل

- ‌شرح الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية

- ‌شرح الأمر الثاني: رفع التكليف في أحوال النسيان والخطأ والإكراه التي لا يملك الإنسان دفعها

- ‌شرح الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد الإنسانية

- ‌شرح الأمر الرابع: مراعاة حال واقع المجتمعات الإنسانية

- ‌شرح الأمر الخامس: مراعاة واقع حال الضعف البشري

- ‌جدليات حول المثاليات والواقعيات الإسلامية:

- ‌الباب الثاني: وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيا

- ‌مقدمات عامة:

- ‌الفصل الأول: التعلم والتعليم

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: الدفع الإسلامي إلى التعلم والتعليم

- ‌المقولة الثانية: إجمال طرق تحصيل المعارف المختلفة

- ‌المقولة الثالثة: تكريم الإنسان بأدوات التعلم ومسؤوليته بالنسبة إليها

- ‌المقولة الرابعة: مكافحة الإسلام التقليد الأعمى

- ‌المقولة الخامسة: تفصيل طرق اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السادسة: نظرات من خلال النصوص الإسلامية حول اكتساب المعارف والعلوم

- ‌المقولة السابعة: منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية

- ‌المقولة الثامنة: البحث العلمي والإيمان

- ‌المقولة التاسعة: مكانة العلماء في الإسلام

- ‌الفصل الثاني: تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: موقف الإسلام من تطبيق العلم بالعمل

- ‌المقولة الثانية: قواعد العمل في الإسلام

- ‌المقولة الثالثة: موقف الإسلام من العمل الصناعي والعمراني والاختراع والابتكار

- ‌المقولة الرابعة: دفع شبهات

- ‌الفصل الثالث: التربية

- ‌الفصل الرابع: الجدال بالتي هي أحسن

- ‌المقولة الأولى: تعريف بالجدال بالتي هي أحسن وبيان لطائفة من قواعده العامة

- ‌المقولة الثانية: أمثلة جدالية من القرآن الكريم

- ‌الفصل الخامس: إقامة الحكم الإسلامي

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الأولى: البيعة وواجبات الحاكم والمحكوم

- ‌المقولة الثانية: فلسفة الحكم الإسلامي

- ‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته

- ‌الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال

- ‌المقولة الأولى: مقدمات عامة

- ‌المقولة الثانية: الشروط التي يجب توافرها أثناء القتال

- ‌المقولة الثالثة: الروح المعنوية لدى المقاتلين من حملة الرسالة الربانية

- ‌المقولة الرابعة: الجهاد بالقتال في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية

- ‌الباب الثالث: صور ونماذج من تطبيقات المسلمين الحضارية في مختلف المجالات العلمية والعملية

- ‌الفصل الأول: تلقي القرآن وتدوينه وتدبره

- ‌المقولة الأولى: تلقي القرآن وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم التفسير

- ‌الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة

- ‌المقولة الأولى: السنة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌المقولة الثانية: السنة بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الثالثة: السنة بعد القرن الأول الهجري

- ‌المقولة الرابعة: حركة التصنيف الكبرى للسنة وزواتها

- ‌الفصل الثالث: أثر القرآن والسنة في ابتكار كثير من العلوم الإسلامية

- ‌الفصل الرابع: تأسيس علمي النحو والصرف وتدوين المعجمات العربية

- ‌الفصل الخامس: تأسيس علم الفقه الإسلامي، وعلم أصوله، وتدوينهما

- ‌المقولة الأولى: تأسيس علم الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌المقولة الثانية: تأسيس علم أصول الفقه الإسلامي وتدوينه

- ‌الفصل السادس: نشأة علمي التاريخ والجغرافية والتدوين فيهما

- ‌المقولة الأولى: نشأة علم التاريخ البشري والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌المقولة الثانية: نشأة علم الجغرافية والتدوين فيه لدى المسلمين

- ‌الفصل السابع: اهتمام المسلمين بالعلوم التي تتعلق بآيات الله في الكون وأدواتها العقلية والتجريبية

- ‌المقدمة:

- ‌المقولة الثالثة: الكيمياء

- ‌المقولة الرابعة: الفلاحة والنبات

- ‌المقولة الخامسة: الحيوان

- ‌الفصل الثامن: عناية المسلمين بالعلم والتعليم والتربية على الفضائل الإسلامية خلقا وسلوكا

- ‌النشأة والتأسيس

- ‌ العلم والتعليم والتربية في بلاد الشام:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أيام العباسيين في العراق والأقاليم حوله:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في مصر:

- ‌ العلم والتعليم والتربية في أقاليم المغرب من بلدان العالم الإسلامي:

- ‌كلمة موجزة عن أندنوسيا

- ‌ تعرض حضارة المسلمين لقتل علمائها وإبادة مصنفاتها من قبل همج الشرق ونصارى الإسبان:

- ‌الفصل التاسع: نظرات موجزات حول تطبيقات حضاريات مختلفات قام بها المسلمون

- ‌ مقدمة:

- ‌ الواقع الاقتصادي:

- ‌ المالية العامة:

- ‌ التنظيمات الإدارية:

- ‌ القضاء:

- ‌ نظام الحسبة ووظيفة المحتسب:

- ‌ التدبيرات العسكرية:

- ‌ العمران:

- ‌ الخط العربي

- ‌ الصناعات الخزفية:

- ‌ الصناعات الزجاجية:

- ‌ صناعة النسيج:

- ‌الباب الرابع: لمحات من أثر الحضارة الإسلامية في الحضارات الإنسانية الأخرى

- ‌ مقدمة:

- ‌ من أقوال المنصفين:

- ‌تتبعات تاريخية مفصلة جاءت في كتاب "شمس العرب تسطع على الغرب

- ‌ واقع حال أوروبة والغرب كله إبان ازدهار حضارة المسلمين:

- ‌ أثر حضارة المسلمين في همج الشرق الفاتحين المدمرين:

- ‌خاتمة كتاب "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها

- ‌خاتمة كتاب الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم:

- ‌فهرس الكتاب:

- ‌آثار المؤلف

الفصل: ‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته

‌المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسؤولياته

المقولة الثالثة: الموظف المسلم ومسئولياته

1-

الوظيفة في الإسلام فرع من فروع الأمانة العامة:

لدى الرجوع إلى جذور حكمة الله إذ خلق الناس ليبلوهم في ظروف الحياة الدنيا، ثم يحاسبهم ويفصل القضاء بينهم ويجازيهم في حياة أخرى، بعد برزخ فاصل بين الحياتين، نلاحظ أن الوظيفة في إدارات المجتمع الإسلامي فرع من فروع الأمانة العامة التي عرضت على النفوس الإنسانية، حين كانت في عالم الذر.

لقد اعترف كل إنسان وهو في عالم الذر لله عز وجل بربوبيته، بعد أن أُعطي الإرادة الحرة، وقدرات الفهم، وأعلمنا الله بهذا الاعتراف الذي نسيناه وبقيت في ذواتنا الفطرة العقلية والمشاعر الوجدانية التي تهدينا إليه، فقال الله عز وجل في سورة "الأعراف: 7 مصحف/ 39 نزول":

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} .

ص: 391

وبعد الاعتراف لله عز وجل بربوبيته، عرض الله على الإنسان الواعي لكل عناصر ما عرض عليه وشروطه ونتائجه، والمالك لحرية إرادته في القبول أو الرفض: أتريد أن تحمل الإمانة أو لا تريد؟، وهذا العرض نفسه عرضه الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملن الأمانة، لكن الإنسان استعد لحملها، طمعًا بما في حملها من تشريف له وتكريم، وأملًا بالخلود السعيد في جنات النعيم.

وتتلخص هذه الأمانة بأن يعبر رحلة امتحانه وهو يملك الإرادة الحرة، وقدرات الإدراك والفهم، ونوازع الخير والشر، والأهواء والشهوات، على أن تُسخر له بخلق الله الأشياء والقوى في ذات نفسه وجسده، وفي الكون الذي حوله، ليمتحن في ظروف حياة أولى، هي حياة دنيا، وتكون مادة امتحانه الإيمان والإسلام والعبادة.

فمن كفر فأشرك بالله شيئًا، أو جحده وأنكر ربوبيته أو إلهيته، كان مصيره إلى الخلود في عذاب النار، ومن آمن وكسب في إيمانه خيرًا ما، كان مصيره إلى الخلود في جنات النعيم، وعليه إذا عصى أوامر الله ونواهيه -مع إيمانه به- أن يتحمل عقاب ما اكتسب من المعاصي والآثام التي هي من دون الشرك بالله.

دل على هذا العرض وقبول الإنسان أن يحمل الأمانة، قول الله عز وجل في سورة "الأحزاب: 33 مصحف/ 90 نزول":

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

ولقد كان الإنسان ظلومًا جهولًا بعد حمله الأمانة، ودخوله رحلة الامتحان، ولم يكن ظلومًا جهولًا بسبب حمله الأمانة، فالأمانة تشريف عظيم من الله للإنسان، طمحت نفس الإنسان إليه حرصًا منه بحسب خصائص نفسه التي وهبها الله عز وجل له على أن يحتل المنزلة الرفيعة، التي تؤهلها له الإرادة

ص: 392

الحرة المصحوبة بشروط التكليف، الذي يعرضه للعبور في رحلة الابتلاء في الحياة الأولى الدنيا.

لكن السماوات والأرض والجبال لم تطمح لحمل هذه الأمانة، بل خفن من حملها، بعد أن أعطاهن الله القدرة على إدراكها، وأبين أن يحملنها ما دام الأمر عرضًا لا جبر فيه؛ إذ لم تُعط في أصل التكوين الصفات التي تجعلها تطمح هذا الطموح، وتغامر في عبور رحلة الابتلاء.

والأمانة تطلق على ما يوضع تحت سلطة الإنسان لحفظه وحمايته، والقيام بما يجب عليه نحوه، وتطلق على الوصف النفسي والسلوكي الذي يتم به حفظ وحماية ما استؤمن عليه، وقيامه فعلًا بما يجب عليه نحوه.

والولاية بدءًا من الإمارة العظمى فما دونها حتى أدنى وظائف الدولة هي أمانة توضع في يد من استؤمن عليها، فإذا حفظها وحماها وأدى ما يجب عليه فيها كان أمينًا حقًّا، وإذا أهملها فلم يرعها ولم يحفظها ولم يحملها ولم يؤد ما يجب عليه فيها كان خائنًا.

وكل شيء مادي أو معنوي يستأمن الإنسان عليه إذ يوضع في يده أمانة ويقبل متبرعًا لينال شرف الولاية عليه أو ثواب الله، أو يقبله مستأجرًا بمال أو نحوه، فعليه أن يقدم له من الرعاية والحفظ والخدمات ما يلائم حالة.

فراعي الأنعام المستأمن عليها مسئول عن طعامها وشرابها وحفظها وحمايتها، ومداواتها ودفع المؤذيات عنها، دون تهاون ولا تقصير.

وراعي المال المستأمن عليه، مسئول عن حمايته وحفظه، وعن القيام بما يجب عليه نحوه، ومسئول عن أداء الحقوق منه لأربابها دون هضم ولا نقص ولا توان، وإذا كان من وظائف أمانته أن يثمره فعليه أن يثمره كما يثمر أموال نفسه.

وراعي نفسه وجسده وما حوله من أشياء، المستأمن عليها مسئول عن حمايتها وحفظها، وعن القيام بما يجب عليه فيها تجاه ربه وتجاه الناس، وتجاه كل ما خلق الله من شيء، ومسئول عن اجتناب ما لم يأذن الله له به.

ص: 393

والمستأمن على السر مسئول عن حفظه وعدم إفشائه، فإذا أفشاه خان الأمانة.

والوظيفة في أي مجتمع إسلامي هي ولاية، سواء أكانت كبرى أم صغرى، وهي بدروها أمانة توضع في يد المسلم، فعليه أن يرعاها بالحفظ والحماية والقيام بالأعمال التي تتطلبها الأشياء التي استؤمن عليها فيها.

ويعتبر الموظف الأدنى بمثابة النائب والوكيل عن الرئيس الأعلى في المؤسسة التي هو موظف فيها، وإذا كانت هذه المؤسسة فرعًا من فروع الدولة فهو وكيل ونائب بالتسلسل الإرتقائي عمن هو فوقه في الدرجة الوظيفة، حتى الرئيس الأول في الدولة، والوكيل والنائب يمثل في عمله رئيسة الذي هو نائب عنه.

إن الرئيس في عوالم المخلوقات لا يستطيع بمفرده أن يقوم بالأعمال المسندة إليه كلها، فهو مضطر لأن يختار عنه وكلاء ونوابًا، بالتسلسل المتدني، فهو بالنسبة إليه كأعضاء الجسد الواحد، وفروع الأعضاء، وفروع الفروع، وكل واحد يؤدي من العمل ما يلائم تخصصه، وينبغي أن يوضع في الموضع الذي يحسن العمل فيه بإتقان.

وقد أبان الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإمارة وسلطة الحكم أمانة، فمن الخيانة أن يطلبها من ليس أهلًا لها، ومن الخيانة وضعها في غير من هو أهل لها.

روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنها قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال:

"يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها".

وروى البخاري عن أبي هريرة قال: بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث، إذ جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال؛ فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال:

ص: 394

"أين أراه السائل عن الساعة"؟.

قال: أنا يا رسول الله، قال:

"فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة".

قال: كيف إضاعتها؟ قال:

"إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

وروى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"من استعمل رجلًا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين".

هذه الأحاديث تدل على أن سلطة تولية الولايات، وإسناد الإمارات، والوظائف حتى الصغرى منها إلى غير أهلها الأكفياء لها خيانة.

وعلى هذا فمن الأمانة أن لا يطلب الوظيفة في أي مستوى من مستويات الوظائف مهما كانت دنيا من ليس كفئًا لها.

وحين يكون المجتمع مجتمعًا إسلاميًّا سليمًا فإنه لا تتم فيه تولية الوظائف إلا للذين هم الأكفاء لها، دون محاباة ولا أثره، ودون استجابة لضغوط الصراعات الشخصية، أو الحزبية أو التكتلية، التي يتكالب فيها الناس على اغتنام وظائف الدولة بغير حق، ولهذا نهى الرسول صلى الله عليه عليه وسلم عبد الرحمن بن سمرة عن طلب الإمارة.

روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها".

وبما أن الوظيفة ولاية في حدود دئارة العمل الذي يكلفه الموظف، فينطبق عليها ضمن حدودها ما ينطبق على الولاية العظمى مع إتساع في الولاية العظمى.

ص: 395

ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته".

وبناء على هذا فمسئولية الوظيفة مسئولية جسيمة، وفضلها لمن قام بواجباتها فضل عظيم جدًّا، ولهذا كان في طليعة من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا يظل إلا ظله".

وأبان الرسول أن أولهم: إمام عادل.

والموظف في دائرة من دوائر الأمة الإسلامية، هو بمثابة فرع من فروع الإمام الأعظم، يحمل من المسئولية بمقدار حدود دائرته.

2-

الوظيفة عقد استئجار بين جهة العمل والموظف المسئول عن العمل الوظيفي الذي استؤجر له:

لدي تحليل معنى الوظيفة نلاحظ أنها خدمة من قبل الموظف، واستئجار من قبل رب العمل، فهي عقد استئجار بين الدولة التي يمثلها رئيسها الأعلى، أو وكلاؤه ونوابه في مؤسساتها مهما تنازلت، إلى أدنى المؤسسات، وبين الموظف المسئول عن القيام بالعمل الوظيفي الذي استؤجر للقيام به.

وإذا كانت المؤسسة مؤسسة غير تابعة للدولة فهي استئجار بين مدير

ص: 396

المؤسسة أو وكلائه ونوابه، وبين الموظف المسئول عن القيام بالعمل الوظيفي الذي استؤجر للقيام به.

وبهذا نلاحظ أن كل موظف في الدولة، من أدنى الموظفين فيها حتى رئيس الدولة، أجراء للقيام بالأعمال والخدمات التي تتطلبها الوظيفة.

إن أعمال رئيس الدولة، وأعمال موظفي الدوائر الرسمية، وأعمال العسكريين، وأعمال الأساتذة والمعلمين، كلها خدمات.

فعلى الموظف أيًّا كانت وظيفته أن يدرك أنه مستأجر، وأن يشعر بمسئوليته التامة تجاه ما هو مستأجر فيه، وما هو مستأجر للقيام به، وأنه في الزمن الخاص للعمل الوظيفي مملوك الطاقات والقدرات الفكرية والجسدية للعمل الذي هو مستأجر فيه، فكل انتفاع من ذلك يجب أن يسخره لما هو مستأجر للقيام به، ما وجد سبيلًا لعمل نافع لوظيفته.

ولا بد أن يكون وجدان الموظف يقظًا دوامًا للقيام بما يجب عليه أن يقوم به تجاه وظيفته في دائرته، وتجاه أصحاب المصالح عنده.

إن الوظيفة ليست مغنمًا ولا مزرعة للاستثمار الشخصي، وتحقيق الربح المادي أو المعنوي الدنيوي الخاص بالموظف، بل هي استئجار لوقت محدد من عمر الموظف وقدراته الفكرية والنفسية والجسدية خلال هذا الوقت للقيام بالأعمال التي تتعلق بوظيفته.

وسرقة بعض هذا الوقت دون إذن من رب العمل هو نوع من الغلول، باستثناء أوقات الفراغ التي تضيع هدرًا، وذلك حين لا تتطلب الوظيفة منه عملًا ما.

وليس من حق الموظف أن يهدر الوقت بكلام خاص مع زميل أو زائر أو حاجات ومصالح خاصة للموظف -وهي ليست من متطلبات الوظيفة- وعنده عمل من متطلبات الوظيفة لا يؤديه؛ بل يُسوف فيه ويُماطل فيه بغير حق، أو يهدر فيه وقت مراجع ينتظر فراغه من ثرثرته، أو من عمله الخاص به الذي ليس هو من متطلبات وظيفته، أو من ضروريات حياة الموظف، وحاجاته التي لا غنى له عنها.

ص: 397

3-

الأهلية العامة لإسناد الوظائف:

ترجع الأهلية العامة لإسناد الوظائف إلى أصلين رئيسيين، هما القوة والأمانة.

فالأصل الأول: القوة، يراد بها القدرة على القيام بأعباء الوظيفة التي تسند إلى من يُنتقى لها.

وهذه القدرة تختلف باختلاف نوع عمل الوظيفة، فالأستاذ الجامعي يجب أن تكون لديه القدرة على تعليم نوع العلم الذي يوظف للقيام به، والمحاسب المالي يجب أن تكون لديه القدرة على إجراء الحسابات المالية التي يوظف للقيام بها، حتى من يوظف للقيام بإنشاء الحدائق ورعايتها وتحسين أشكالها، يجب أن تكون لديه القدرة على ذلك، والكاتب في الدوائر يجب أن تكون لديه القدرة على الكتابة الجيدة دون أخطاء.

وهكذا حتى أقل الوظائف وأدناها، مما يحسبه الأميون الذين لم يتعلموا قراءة وكتابة ولا صناعة، فلا بد أن تكون لدى من يختار لها القوة للقيام بها، فإذا كان معوقًا عاجزًا فإنه لا يجوز اختياره لها.

فلكل نوع عمل وظيفي نوع من القدرة يجب أن يتوافر في الذي يختار لوظيفة ذلك العمل.

ويدخل في القوة العلم المطلوب للوظيفة، والقدرات العلمية المكافئة لأعمال الوظيفة، والشجاعة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ونصرة المظلوم، ومقاومة الظالم، والضرب على أيدي المفسدين في الأرض، والصبر والجلد والدأب والمتابعة.

وبالأصل الثاني: الأمانة، ويراد بها هنا الصفة النفسية والسلوكية التي يجب أن يتحلى بها الموظف، ويكون بها الحفظ وحسن الأداء، وهذه الأمانة تقتضي أن يكون الموظف الأمين حريصًا على أمرين:

الأمر الأول: أن يكون شديد الحرص على الزمن المستأجر للقيام خلاله

ص: 398

بالعمل المطلوب منه، فلا يهدر منه شيئًا، ولا يستغل منه شيئًا لخصائص نفسه أو ذويه الأقربين أو أصحابه أو جماعته وحزبه، إلا بإذن عام، أو بإذن خاص من قتل من استأجره، إذا كان يملك مثل هذا الإذن.

فإن أهدر من الزمن شيئًا بغير حق، أو استغله لعمل آخر غير العمل المستأجر له، مع إهمال المطلوب منه في العمل المستأجر له، فقد خان الأمانة، إلا أن يأذن له صاحب العمل بذلك.

الأمر الثاني: أن يكون حريصًا على بذل ما يستطيع من علم وقدرات فكرية ونفسية وجسدية في العمل الذي استؤجر للقيام به. وذلك بحسب ما يحتاجه العمل المطلوب منه في وظيفته، فإن لم يبذل مستطاعه من ذلك فقد خان الأمانة، وإن استغل العمل لخصائص نفسه أو ذويه الأقربين أو أصحابه أو جماعته أو حزبه بغير إذن خاص بذلك، أو أخذ الرشوة للقيام به من أصحاب المصالح عنده فقد خان الأمانة.

وقد دل على هذين الأصليين: القوة والأمانة، عدة أدلة قرآنية:

1-

وصف الله عز وجل جبريل عليه السلام رئيس الملائكة ذوي الوظائف القدسية بأنه ذو قوة، وبأنه أمين، فقال الله عز وجل بشأنه في سورة "التكوير: 81 مصحف/ 7 نزول":

{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} .

فهو ذو قوة، وهو أمين.

2-

ما جاء في قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح من قوم مدين، وبنتيه اللتين سقى لهما موسى عليه السلام من ماء مدين، وعرض مقالة إحدى الابنتين لأبيها بإقرار مشعر بالثناء، إذ قالت له كما جاء في سورة "القصص: 28 مصحف/ 49 نزول" ثناء على موسى عليه السلام:

{يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} .

3-

وطلب سليمان عليه السلام من الملأ الذين في مجلسه من الإنس

ص: 399

والجن أن يأتيه واحد منهم بعرش بلقيس، قائلًا لهم كما جاء في سورة "النمل: 27 مصحف/ 48 نزول":

{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} .

فانتدب لتحمل الوظيفة، وأبان أهليته لها بأنه يتحلى بوصفين: القوة على القيام بالوظيفة التي انتدب لها، والأمانة التي لا تخالطها خيانة ما.

4-

ولما كان يوسف عليه السلام هو الرجل الوحيد القوي الأمين لتحمل وظيفة وزير التموين، للإعداد لسنوات القحط، كما جاء في الرؤيا التي عبرها يوسف عليه السلام لملك مصر، بعد أن استوثق من أنه صار لدى الملك مكينًا أمينًا، فهو في هذا بمثابة نائب الملك، قال له كما جاء في سورة "يوسف: 12 مصحف/ 53 نزول":

{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} .

وهو في هذا يطلب ضمن وظيفته التي منحه إياها الملك صلاحيات وزارة التموين، وأبان له الوصفين الواجبين للاطلاع بهذه الصلاحيات، وهما الحفظ والعلم بالجمع والتخزين والعدل في التوزيع، والحفظ والعلم من فروع القوة والأمانة.

ولكن يقل في الناس اجتماع صفتي القوة والأمانة، ونظرًا إلى ندرة اجتماعهما. قال أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" الخبير بخصائص الرجال الإدارية، الفاحص المتتبع الشديد المراقبة والمحاسبة لعماله:"اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة".

4-

مسئولية موظف دائرة معنية بالقضايا الإسلامية ونشر الإسلام:

وتزيد مسئولية موظف دائرة معنية بالقضايا الإسلامية ونشر الإسلام عن

ص: 400

مسئوليات سائر موظفي المؤسسات العامة والخاصة؛ لأن مهماتها من فروع الجهاد في سبيل الله، لنشر الإسلام ولخدمة الإسلام وقضايا المسلمين.

فعليه أن يملأ كل وقته بخدمة الإسلام والمسلمين، وكلما فرغ من العمل الموكول إليه، أو وجه له تكليفًا، فعليه أن يفكر في ما ينفع الأمة الإسلامية من خلال الموقع الذي هو فيه، ويقوم بما يستطيع من عمل في حدود صلاحياته العامة. فما من موقع من مواقع الأعمال إلا له سلم كمال، ومن فكر بإمعان وجد نفسه في أول درجات هذا السلم أو في بعض درجاته الوسطى، ووجد أن بإمكانه أن يقترح ما فيه ارتقاء تحسيني، وأن يُحسن أشياء يستطيع أن يفعلها بنفسه.

وعليه أن يصبر ويدأب ويبذل غاية جهده واجتهاده للقيام بالأعمال التي يمكن أن يقوم بها من خلال موقعه الذي هو فيه.

وإذا كانت لديه أفكار مناسبة يخدم فيها رسالة دائرته، ولا يملك هو تنفيذها ولا تنفيذ شيء منها، فعليه أن يقدم هذه الأفكار على سيل الاقتراح للذين بأيديهم الإقرار والتنفيذ، فالساعي في الخير كفاعله.

وعلى الموظف أن يعلم أن إهدار الأموال العامة في غير السبل النافعة لمهماتها، حتى الأوراق المكتبية، والأقلام والأدوات، وأن هضمها أو اختلاسها أو استغلالها للمصالح الخاصة هو من أشنع صور الغلول، وهو بمثابة أكل الأغنياء غير المستحقين لأموال الزكاة، أو إتلافها وإضاعتها وحرمان المستحقين منها.

وكذلك استغلال وقت الموظف فيها لمصالحه الخاصة أو مصالح ذويه أو أصحابه أو جماعته أو حزبه، أو إهداره وإضاعته بالكسل والخمول والنوم، أو بالعبث.

والسبب في هذا الإثم المضاعف أن أعمال المؤسسة المعنية بنشر الإسلام من الجهاد في سبيل الله، وأموالها بمثابة أموال المجاهدين في سبيل الله، ووقت الموظف فيها وطاقاته قيم مالية من أموال الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أن الجهاد في سبيل الله من المصارف الثمانية التي تبذل فيها الزكاة.

ص: 401

فالوظيفة فيها استئجار للقيام بأعمال الجهاد في سبيل الله، والموظف فيها مستأجر لهذه الغاية، فعليه أن يكون شديد الحرص والحذر من أن يغل في مال هو من أموال هذه المؤسسة، أو في وقت هو من أوقاتها، أو في طاقة هي من طاقاتها.

إن الغلول جريمة عظيمة في الإسلام، قال الله عز وجل في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول":

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

- وجاء في أخبار خبير فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، أن رجلًا من أشجع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس من ذلك، فقال:"إن صاحبكم غل في سبيل الله"، قال الراوي: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود ما يساوي درهمين، إن الغال يأتي بما غل يوم القيامة يحمله ليفتضح بغلوله أمام الخلائق، ثم لينال عذابه.

- وقد شدد الرسول صلى الله عليه وسلم بشأن الغلول وعظم أمره وحذر من عقوبته في حديث رواه البخاري ومسلم.

- وروى البخاري عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: كان على ثقل1 النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له "كركره" فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هو في النار" فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها، أي: أخذها من الغنائم قبل قسمتها وتوزيعها.

- وروى مسلم والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من الصحابة فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى

1 الثقل: المتاع.

ص: 402

مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة".

ويستهين بعض الموظفين بهذا الأمر، ويتحايل بحيل كثيرة ليصيب لنفسه منها منافع بغير حق، وهو من الغلول الشنيع.

5-

الوظيفة ووقت عمل الموظف فيها:

إن وقت عمل الموظف المخصص بحسب عقد التوظيف الذي هو عقد استئجار، ليس ملك الموظف لنفسه، بل هو وقدرات فكره ونفسه وجسده، ملك لأعمال وظيفته، ما دام فيها عمل هو مسئول عن أدائه، خلال ساعات العمل المرتبة له.

وتوجيه هذه القدرات خلال ساعات عمله لأعمال خاصة به، أو أعمال لذويه، أو أصحابه أو جماعته التي ينتمي إليها هو من الغلول، إذا كان بإمكانه أن يستغل ذلك في الأعمال التي تتطلبها وظيفته.

أما إذا لم يكن لوظيفته أعمال باستطاعته أن يقوم بها، فله عندئذ أن ينتفع من الفراغ لنفسه، أو لمن يحب، بعلم يستفيده، أو عبادة محضة، أو خدمة خاصة أو عامة، بشرط أن لا يؤثر ذلك على تأخير عمل يتعلق بالوظيفة مما يحتمل أن يأتيه وهو في فترة الفراغ.

وإذا كان عمله يرتبط بإنجاز معاملات المراجعين عنده فوقته ملك لهم بحسب تسلسل حضورهم عنده، وحرام عليه أن يأكل من وقتهم شيئا بغير حق، وحرام عليه أن يكون جائرًا، فيؤخر سابقًا، ويقدم متأخرًا، محاباة لمن قدمه، إلا بإذن من السابقين وإلا كان ظالمًا، وسارقًا من وقت السابق بغير حق.

إن الوقت ذو قيمة، وقد يكون الوقت الذي يراه الموظف قليلًا ذا قيمة عظيمة لدى بعض المراجعين، فالوقت الذي يضيعه أستاذ جامعي مجد، أو عالم باحث، أو مدير إدارة، أو صاحب مؤسسة، وهو ينتظر أن ينجزه له موظف

ص: 403

مهمل في عمله، قد يساوي في القيمة ساعات أو أيامًا أو شهورًا من أوقات بعض الناس.

ورب ساعة واحدة لإنسان باحث مجد تساوي أعمار آلاف مؤلفة من الناس، إن مبدعًا واحد مبتكرًا يملأ وقته بالجد والاجتهاد والبحث والتنقيب قد يساوي عمر شعب بأكمله يأكل ويشرب ويستمتع كما تستمتع الأنعام.

ومن الموظفين من لا يهتمون بأوقات المراجعين أصحاب المصالح عندهم، ويهدرون أوقاتهم الثمينة بغير حق؛ لأنهم لا يملكون شعورًا بالواجب الرباني، الذي فرضه الله عليهم تجاه الآخرين، ولا يملكون وجدانًا مسلكيًّا نحو وظائفهم، ولا يخطر في بالهم أنهم أجراء للأمة بوجه عام، ولأصحاب المصالح لديهم بوجه خاص، فهم يأكلون أجورهم بقبض الرواتب، ولا يؤدون العمل الذي يجب عليهم أن يؤدوه.

إن كل فرد من أفراد الأمة يدفع ضريبة للدولة، هو مساهم في دفع أجور عمالها وموظفيها، فالموظف أجير عنده، وله عليه حق إنجاز معاملته له بالحق والعدل، متى تعلقت مصلحته الخاصة به1.

ويترك بعض الموظفين مكتبة، وينصرف لقضاء مصالح لنفسه أو لمن يحب، هاضمًا حق الوظيفة في وقته وطاقاته، وغالًّا فيهما معًا.

وهنا نلاحظ كم تحمل مشاجب غرف الموظفين أردية وأغطية رءوس، ومعاطف، وعباءات لموظفين لا يجلسون وراء مكاتبهم، والمراجعون ينتظرون، وأوقاتهم تهدر وتبدد بالانتظار غير المحمود، بينما يكون الموظفون خارجين لأعمالهم الخاصة، أو لأعمال ذويهم ومن يحبون، بعد أن أثبتوا توقيعاتهم على سجل الحضور، أو أثبتها لهم بعض زملائهم، أو يجلسون في مكاتب أخرى للثرثرة وإضاعة الوقت.

1 ونطبق هذا القول سواء كانت الدولة تأخذ الضرائب من مواطنيها، أم كانت تستأجر الموظفين لخدمة أفراد الأمة.

ص: 404

وبعض الموظفين تهبط عليهم أنوار حب تأدية نوافل العبادات، كقراءة القرآن، أو أداء صلوات مسنونة كصلاة الضحى، واشتغال بالطهارة لهذه الصلوات المسنونة، فيضيع كثيرًا من وقت عمل الوظيفة في هذه النوافل، زاعمًا أنه من المتعبدين الصالحين، مع أنه غال مرتكب كبيرة من كبائر الإثم، في هضمه للوقت، وإراحة قدراته عن أن ينفقها في أعمال وظيفته التي هو مستأجر للقيام بها، وهو لا يملكها لنفسه في ذلك الوقت، وقد يظلم مع ذلك آخرين من المراجعين إذ يهدر أوقاتهم دون حق، ويرتكب بذلك معصية هي من الكبائر.

وسبب ذلك سوء فهمه لشمول الدين وتكامله، وعدم علمه بالحقوق والواجبات العامة، أو تحايله متسترًا بما يشعر بأنه من المتعبدين الصالحين.

إن نوافل العبادات لا يجوز أن تستغل لها الأوقات والقدرات التي هي ملك للعمل الوظيفي المسئول عنه شرعًا.

إن الدين الحق يفرض عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، دون شطط ولا وكس، ودون ظلم بالزيادة أو بالنقص.

لقد كان يقال: فلان الموظف ذو وجدان مسلكي ممتاز، إذا كان يعطي ما يملك من قدرات فكرية ونفسية وجسدية لأعمال وظيفته طوال ساعات عمله، إلا ما تدعو الضرورة والحاجة الماسة لاستثنائه.

أما الموظف الذي يقصر في شيء من ذلك فيقال في وصفه: سيئ الوجدان المسلكي، فإن زاد كان فاسده، أو محرومًا منه نهائيًّا، لا يصلح للعمل الوظيفي بحال من الأحوال.

إن المحرومين من الوجدان المسلكي في الوظائف هم لصوص الدوائر، يأكلون رواتبهم سحتًا.

6-

سوء فهم معنى الوظيفة:

كثير من الموظفين يرون أنه متى صدر قرار تعيينه في الوظيفة، فقد ملك

ص: 405

كل ما يتعلق بوظيفته من أمور مادية ومعنوية، ويرى أن راتبه يأخذه بحق التعيين فقط، ويستبعد أنه أجير يأخذ راتبه مقابل الأعمال التي يجب عليه أن يقوم بها خلال وقت الدوام الرسمي، ولو استهلكت هذه الأعمال كل وقته.

وبعضهم يرى أنه سلطان يأمر وينهى، ويتعاظم ويستكبر على ذوي المصالح عنده، وينسى أن ذوي المصالح العاملين في بلده يساهمون ببذل الأجرة التي يأخذها راتبًا في نهاية الشهر؛ لأنهم يدفعون الضرائب للدولة من أموالهم، وقسم منها يذهب لتسديد رواتب الموظفيين، فهو أجير عندهم بطريقة غير مباشرة؛ إذ هو استئجار جاء عن طريق الدولة التي هي المؤسسة العامة للأمة.

إن الولاية مهما علت درجتها أو نزلت خدمة مأجورة من قبل الأمة بوجه عام، والأمة هي التي تدفع من أموالها المجمعة في صندوق الدولة رواتب الموظفين الذين هم في الحقيقة أجراء.

والوظيفة في أية مؤسسة من المؤسسات العامة أو الخاصة ليست مقعدًا في تكية لارتزاق الفقراء والمساكين، أو في مأوى للعجزة والمعوقين، أو في مقهى للكسالى ومبددي الأوقات.

إن كل من يتسلم وظيفة من الوظائف، وهو لا يحسن الأعمال المتعلقة بها، بل كل همه أن يتقاضى راتبها المالي، ينتمي في الحقيقة إلى فئة فقراء التكايا، ومعوقي دور العجزة، الذين ليس لهم من يكفلهم، وليس لديهم ما ينفقون به على أنفسهم، إلا أنه مقنع زورًا وخداعًا بقناع أجير يحسن العمل الذي أجر نفسه ليقوم به.

7-

أخلاق الموظف المسلم:

كل الأخلاق الإسلامية الفاضلة يطالب الموظف المسلم بها بشدة؛ لأنه يمثل في حدود دائرة عمله إمام المسلمين، أو الرئيس الأعلى للمؤسسة، ومن أبرز الأخلاق المطلوبة وأكثرها وجوبًا الأمانة، والصدق، والعدل، والعفة، والرفق، والتواضع، والإخلاص في العمل، والاجتهاد في الإنجاز على أحسن

ص: 406

وجه وأتقنه، ومعاملة الآخرين من الزملاء والرؤساء والمرءوسين والمراجعين بما يجب أن يعامل هو به لو كان في أمكنتهم دون تجاوز لحدود الحق، ولا محاباة ولا أثرة.

- أما الأمانة؛ فقد سبق بيان أنها ركن أساسي من أركان العمل الوظيفي، فلا يصلح لأي عمل وظيفي خائن لا أمانة له.

- وأما الصدق؛ فهو شقيق الأمانة، ورفيقها الملازم لها وجودًا وعدمًا، والصدق يشمل الصدق في الحديث، والصدق في الوعد، والإخلاص في العمل.

فإذا وعد الموظف وعدًا فعليه أن يوفي به، وإذا قال قولًا فعليه أن يكون صادقًا فيه.

وكل من الخيانة والكذب لا يفطر عليهما المؤمن، أي: كل إنسان؛ لأن كل مولد يولد على الفطرة، وهي فطرة الإيمان والإسلام.

روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب".

وأبان الرسول صلى الله عليه وسلم بعض علامات المنافق، فقال فيما روى البخاري ومسلم:

"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".

- وأما العدل؛ فقد أجمعت عقول الأولين وتجاربهم على أن العدل أساس الملك، والعدل يكون بإعطاء كل ذي حق حقه، دون وكس ولا شطط.

والعدل من مبادئ الإسلام الدستورية العامة، قال الله عز وجل في سورة "النحل: 16 مصحف/ 70 نزول":

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

ومما ينافي العدل عدم التسوية بين أصحاب المعاملات في الحقوق

ص: 407

والواجبات، وإيثار بعضهم بالتيسير والتسهيل؛ لقرابة أو صحبة أو هوى، ومعاملة آخر بالتعسير والتشديد، وتقديم بعض أصحاب المعاملات المتأخرين في الحضور على المتقدمين فيه، لدى إنجاز معاملاتهم وتأخير ذوي الاستحقاق بمقتضى سبقهم في الحضور.

ومما ينافي العدل تكليف رئيس العمل بعض موظفيه بأعمال شاقة؛ مع إعفاء آخرين منها؛ محاباة لهم، وإيثارًا لقرابة أو صحبة أو هوى أو رشوة ظاهرة، أو مقنعة بالهدية، أو نزعة إقليمية.

- وأما العفة فهي توجب على كثير من الموظفين أن يكونوا شديدي الحذر من أن تخدش عفتهم في المواقف بمقتضى وظيفتهم، لمثيرات ينزلقون بها إلى السقوط في بعض الفواحش، أو مقدماتها، وينجم عن ذلك طامات كبريات.

وكم من رجال أسقطوا دولهم وجيوشهم وأمتهم في نكبات مهلكات مدمرات من خلال بعض أعمال خدشت عفتهم، فاستولى عليهم شياطين الإنس عن طريقها، وأسروهم وهددوهم بالفضيحة، إلا أن يحققوا لهم أغراضهم داخل شعوبهم، مستغلين سلطاتهم في وظائفهم.

- وأما الرفق بالناس فقد اهتم به الرسول صلى الله عليه وسلم اهتمامًا بالغًا؛ لأنه أحد الأسس المؤلفة للقلوب، والناظمة لأفراد الجماعة، ومن النصوص في الرفق ما يلي:

روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه".

وفي رواية: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".

وروى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ص: 408

"من يحرم الرفق يحرم الخير كله".

وروى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به".

ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في دعائه:

"اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به".

وروى البخاري ومسلم عن عائذ بن عمرو أنه دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

"إن شر الرعاء الحطمة".

الرعاء: جمع الراعي. والحطمة: هو الذي يشتد على إبله أو بقره أو غنمه فيسوقها سوقًا عنيفًا بلا رحمة ولا حكمة، ويدفع بعضها إلى بعض بالضرب، حتى يحطم بعضها بعضًا ويقتل بعضها بعضًا، وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الولاة القساة الذين يأخذون الناس بالشدة والعنف بالراعي الحطمة.

- وأما التواضع فهو من فضائل الأخلاق الأولى التي تُطلب من الموظف المسلم؛ لأن من طبيعة الوظيفة التي فيها أمر ونهي وقدرة على التسلط والتحكم بالناس، أن تُفسد صغار النفوس، فمن كان ذا نفس حقيرة صغيرة استكبر بنفسه واستعلى، ثم يفضي به استكباره إلى أن يكون جبارًا، لا يرى إلا نفسه، فلا تهمه إلا مصالح نفسه، ثم ينظر إلى الناس باحتقار.

- وأما الإخلاص في العمل فهو أولى صفات المؤمن؛ لأن الأعمال بالنيات كما فهو معلوم.

- وأما الاجتهاد في الإنجاز على أحسن وجه وأتقنه، فهو المطلوب الأول من كل عامل أجير، وقته وطاقته مملوكة لمن استأجره، طوال ساعات استئجاره.

- والقاعدة العامة العظيمة لمكارم الأخلاق: أن يعامل الإنسان الآخرين بما يجب أن يعاملوه به، كما جاء في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

ص: 409

8-

وصايا عامة للموظف المسلم:

في هذه المقولة أسرد في فقرات ما ينبغي للموظف المسلم أن يتحلى به، وكثير منها جاء فيما سبق بيانه وشرحه، وبعضها قد يمكن ضمه إلى بعض:

1-

على الموظف المسلم أن يتقي الله عز وجل في العمل الوظيفي الذي هو مسئول عنه بمقتضى وظيفته، وفي كل من له علاقة بعمله، من مواظفين آخرين في العمل، ومن مراجعين أصحاب مصالح عنده، وأن يتقي الله فيما تحت يده من أموال لا حق له فيها.

2-

وعلى الموظف المسلم أن يراقب الله عز وجل في عمله، طالبًا ثوابه منه، قائمًا بواجبات وظيفته مبتغيًا مرضاة الله عز وجل، خائفًا من عقابه العاجل والآجل، وأن يضع في حسبانه أن الله فوقه يراقبه ويحاسبه ويجازيه، فمن جار أو ظلم أو أهمل واجبات وظيفته انتقم الله منه.

3-

وعليه أن يكبح جماح أهوائه وشهواته، وأن يلتزم بما أوجب الله عليه، وأن يبتعد عما حرم الله عليه، مهما تعرض خلال وظيفته لمغريات مالية أو غير مالية:"كالغلول، والرشوة، وإيثار مصلحة نفسه على مصالح أصحاب الحقوق، إلى غير ذلك من المحرمات، ومنها الغيبة والنميمة والإضرار بالناس والإفساد فيما بينهم".

4-

وعليه أن يتحلى بفضائل الأخلاق، ومنها على وجه الخصوص:

الأمانة والصدق والعدل والعفة والرفق والتواضع ومعاملة الناس بما يحب أن يعاملوه به مع التزام الحق.

5-

وعليه أن يكون رحيمًا بالناس، يعاملهم باللطف والمحبة والإكرام، وأن يكون عفوًّا كريمًا، يتغاضى ويصفح عن إساءات الآخرين، ولا سيما غلاظات بعض المراجعين الثقلاء.

6-

وعليه أن لا ينظر إلى المراجعين على أنهم دونه؛ إذ صير الله حوائجهم إليه بمقتضى وظيفته.

ص: 410

7-

وعليه أن يتواضع للناس، ولا سيما أهل الأقدار والمكانات العلمية والاجتماعية، وأن يحذر من أن تأخذه العزة بالإثم، والاستكبار عن النصح، وتقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

8-

وعليه أن يحذر من الظلم والجور وحرمان ذوي الحقوق حقوقهم، وإيثار غيرهم لهوى من الأهواء، فمن ظلم عباد الله في الدنيا كان الله يوم القيامة خصمه، ومن الظلم تيسير مصالح الأقربين والأصحاب وأعضاء الجماعة الحزبية التي هو منها وتفضيلهم على غيرهم دون وجه حق، وعدم التسوية بين ذوي الحقوق المتساوية، بل يجب عليه إتاحة الفرص لهم بالتساوي، وتفضيل من هو الأكفأ علمًا وإخلاصًا وعملًا ودينًا، وليس شيء أدعى إلى تعجيل نقمة الله على عبده، وتحويل نعمته عنه من الظلم، فليحذر من دعوة المظلوم؛ إذ ليس بينها وبين الله حجاب، وإن الله للظالمين لبالمرصاد.

9-

وعليه أن يحذر الغلول، وهو اختلاس أي شيء من الأموال العامة، ومنه سرقة وقت عمل الوظيفة بغير حق أو إذن من رب العمل.

10-

وعلى متسلم إدارة جديدة أن يحذر من الاعتماد على موظفين كانوا لمديرين سابقين ظالمين أعوانًا لهم على ظلمهم، فهؤلاء يحسنون صناعة النفاق، والاستدارج إلى المزالق، ويحيطون به إحاطة عامة تحجب عنه حقائق الأمور، ثم يدفعون به من حيث يشعر أو لا يشعر إلى أن يسير في السبل التي سلكها الظلمة من قبله، وخير له أن يجتلب خبراء من الذين لم يسبق لهم أن أعانوا ظالمًا على ظلمه.

11-

وعليه أن يستدني أهل الورع والصدق، الذين يمحضون النصيحة، ولا يتخذون الإطراء وسيلة للتقريب، فالركون إلى مدح المداحين وإطراء المطرين يُفسد النفوس، بما يبذر في تربتها الخصبة من بذور الزهو والخيلاء، والإعجاب بالنفس، فمن أعجب بنفسه استكبر عن أن يسمع من أحد كلمة: اتق الله. وإذا سمعها أخذته العزة التي هو فيها بارتكاب الإثم، والانتقام ممن قال له ذلك.

ص: 411

12-

وعليه أن يحسن إلى من هم تحت سلطته من موظفين، وإلى ذوي الحاجات عنده، ببشره، وحسن استقباله، ولين أقواله، وبما يستطيع ويتيسر له من ضيافة من ماله، أو مما هو مأذون به، مع معاملة الجميع بالعدل.

13-

وعليه أن يسمع من أهل العلم والمعرفة، والسابقين له في الخبرة بالعمل الوظيفي نصائحهم، وأن لا يستبد برؤيته الخاصة، فللسابقين تجارب وخبرات مفيدة جدًّا، إذا كانوا من أهل العمل والرشد والحكمة والنصيحة المخلصة.

14-

وعلى من بيده سلطة التعيين في عمل وظيفي أن يُحسن اختيار الأصلح والأكفأ الأخلص الأورع.

15-

وعليه أن يحذر من المحاباة والأثرة ظالمًا بهما من هو الأحق والأفضل، فالمحاباة والأثرة من فروع الجور والخيانة.

16-

وعليه أن يحذر من الوعد التسويفي الكاذب، الذي لا يهمه الوفاء به، فالخلف في الوعد يوجب المقت عند الله وعند الناس، وليضع نصب عينيه قول الله عز وجل في سورة "الصف: 61 مصحف/ 109 نزول":

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} .

17-

وعليه أن يحذر من أن يستأثر لنفسه بشيء بحكم سلطته الوظيفية، في حين أن آخرين لهم فيه حق مساوٍ لحقه فيه.

18-

وعليه أن يحذر من تصديق النمامين المعروفين بالنميمة، فهم مفسدون، وفي الغالب هم كذابون، يفترون أو يبنون على الأوهام والظنون، أو يصدقون أضعف الأخبار وأوهنها، فينقلونها على أنها وقائع ثابتة، فإذا بلغه خبر فعليه أن يتبين بنفسه ويتثبت.

19-

وعليه أن يستمع إلى نصح الناصحين، ونقد الناقدين، ليصلح من أمره، أما المستكبر فإنه يغضب من نصح الناصحين ونقد الناقدين، فتتراكم

ص: 412

أخطاؤه وآثامه، حتى يفتضح ويسقط من أعين الناس أجمعين، وقد يخرج من عمله الوظيفي مطرودًا.

20-

وعليه أن يحذر من أن ينفخ فيه كرسيه الذي يحتله في العمل الوظيفي نزعة الكبر والاستعلاء على المراجعين، أو على من هم دونه في السلم الوظيفي.

21-

وعليه أن يعامل الآخرين كما يحب أن يعامل هو به لو كان هو المراجع صاحب الحاجة، أو هو الموظف الأدنى.

22-

وعليه أن يبادر بكل ما لديه من استطاعة أن يقضي حاجات ذوي الحاجات عنده، أو يستطيع أن يقضيها لهم في دائرة عمله، ولو كان العمل مما جعل من واجبات غيره لدى توزيع أعمال دائرته، وعليه أن يحذر من الإهمال والتسويف والمماطلة.

23-

وعليه أن لا يتهم بشكليات العمل الوظيفي التي لا تضبط حقًّا، ولا تمنع ظلمًا، ولا تقدم فائدة تذكر، بل تطول من إجراءات العمل، وتدير المعاملة التي يكفي فيها توقيع واحد على عدد من الموظفين، لا يقدمون للمعاملة إلا توقيعًا عليها، دون أن يكون له أثر يعتبر.

24-

وعليه أن لا يشدد على أصحاب المعاملات، متى وجد الأمر حقًّا سليمًا لا ظلم فيه، ولا حيلة تهضم حقًّا، أو تستولي على ما لا حق فيه لصاحب المعاملة، فمن عيوب بعض الموظفين أنه مغرم بالتعقيدات الشكلية، ويتعلل باللوائح التي يجد فيها مخارج تحله من التعقيدات، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا.

25-

وعليه أن لا يُرضي أحدًا من الناس بسخط الله، مستغلًّا موقعه الوظيفي، لكن عليه أن يجتهد في إرضاء الناس بحدود الشرع، فمن لم يرضه الشرع فلا أرضاه الله.

26-

وعليه أن يرفق في الناس في أقواله وأعماله، وأن يخفف عليهم التكاليف والإجراءات، ويسهل عليهم الأمور، وما وجد إلى ذلك سبيلًا.

ص: 413

وأخيرًا أقول: إن مما يؤسف له أن الحضارة الغربية قد أخذت لمصالحها الدنيوية بكثير من هذه الوصايا التي جاء بها الإسلام في أسسه الحضارية، في حين أن التأخر الحضاري الذي أصيب به المسلمون اليوم، قد جعلهم يتركون العمل بهذه الوصايا مع علمهم بها، ويجلبون إلى دوائرهم التعقيدات التي تركها الناس من حولهم.

ص: 414