الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: التعلم والتعليم
المقدمة:
عرفنا أن بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا يحتاج إلى وسائل متعددة، وفي مقدمة هذه الوسائل السعي إلى معرفة حقائق الأمور، وخصائص الأشياء وسائر صفاتها، والأعمال ونتائجها، عن طريق التعلم والتعليم.
لقد عمل الإسلام على غرس وتنمية الدوافع الذاتية في المسلمين، التي تحرضهم على تحقيق هذه الوسيلة، والأخذ بها على مقدار استطاعتهم الفردية والجماعية.
فأخذ بتغذية ميل الإنسان الفطري لمعرفة ما يجهل، واستخدام كل وسيلة إنسانية مستطاعة لإبلاغ هذا الميل إلى مرتبة الشغف بالعلم، والتلهف المستمر لمتابعة المعرفة الشاملة لكل ما في الوجود من حقائق وسنن مادية، وقوانين مجردة.
وذلك لأن من شأن متابعة المعرفة الشاملة شغفًا بالعلم أن تأخذ بيد الشعوب المتصفة بها، وتسير بها، صعدًا في طريق المجد الذي لا تتناهى قممه، فكلما بلغت الإنسانية إلى قمة منه تجددت أمامها معارج قمم أخرى كانت خفية عنها من قبل، ومن شأن متابعة المعرفة أيضًا أن تكشف للإنسان مجالات جديدة لأنواع من التقدم والترقي الحضاريين، يضيفها إلى حصائله الأولى، أو يحلها ملحها؛ لأنها أكمل وأنفع منها، أو أكثر اختصارًا للزمن والجهد، أو ألطف وأجمل، أو أكثر تحقيقًا للرفاهية، أو غير ذلك من المصالح المعتبرة في نظر الناس.
وفي هذا السبيل حمل الإسلام للناس رسالة العلم فحث على التعلم،
وحث على التعليم، ومجد العلماء، ورفع منزلتهم بين الناس ووعد طالبي العلم بالأجر العظيم، وأعلن أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وجعل مجالس العلم أفضل من مجالس العبادة، وحصر الخشية من الله بالعلماء، واستخدم كل وسيلة ميسرة للمسلمين لنشر العلم بينهم، وحث على متابعة البحث العملي، في مختلف المجالات الممكنة الفكرية والتجريبية، في آفاق السماء، وفي بطون الأرض، وفي أغوار الأنفس، بشكل ليس له نظير.
وحذر الإنسان من أن يندفع في سلوكه في الحياة اندفاعًا عشوائيًّا جاهلًا، ووضعه موضع المسئولية عن تصرفاته حتى لا يقفوا أمرًا ليس له به علم.
ومن أجل ذلك لا يرضى الإسلام من المسلم أن يكون إمعة يتبع الناس على جهالة، وهو يقول:"أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت" ولا يرضى منه أن يقاتل تحت راية عُمِّيَّة "مجهولة الهدف" يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فإن قتل حينئذ مات في حكم الإسلام ميتة جاهلية، ولهذا ألغى الإسلام في مجتمع المسلمين العصبية الجاهلية التي جعلت الشاعر العربي يقول:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
…
غويت وإن ترشد غزية أرشد
فالعلم في نظر الإسلام يقع في المرتبة الأولى، وتأتي من ورائه أنواع السلوك العملي في الحياة، وهذا هو الترتيب الطبيعي المنطقي، في حياة العقلاء.
وضمن هذا المنهج تجلى موقف الإسلام الواضح في أمور الدين، وفي أمور الدنيا سواء بسواء، وفي ضوئه تدرج المسلمون المتقيدون بالإسلام في بناء حضارتهم المجيدة.