الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس: الجهاد في سبيل الله بالقتال
المقولة الأولى: مقدمات عامة
1-
دواعي الجهاد بالقتال في سبيل الله:
في الواقع الإنساني القائم على التصارع بين حملة رسالة حضارية عالمية شاملة أساسها الحق والخير، وبين أحزاب وفرق شتى ذات أنانيات ضيقة يوجهها الباطل والشر، تدعو الضرورة إلى اتخاذ وسيلة القتال في سبيل الله، وذلك ليتسنى لحملة رسالة الحضارة الإسلامية العمل على بنائها بناء واقعيًّا على أسسها الفكرية الراسخة، وإلا لم يترك لهم الهدامون المنتشرون في طول الأرض وعرضها فرصة لإقامة بنائهم الحضاري المجيد.
ويكون الجهاد بالقتال في سبيل الله بإعداد واستخدام القوة المادية، وذلك لإرهاب أعداء الله، ومقاومة شرورهم، ضمن قواعد السياسة الخارجية الإسلامية.
وينظر المسلمون إلى مخالفيهم نظرة شفقة ورحمة، ما لم يمارس هؤلاء المخالفون عداوتهم بشكل عملي.
والمخالفون في نظر بناء الحضارة الإسلامية جاهلون ومرضى، والرسالة الخيرة التي يحملها العلماء الأصحاء إنما هي تعليم الجاهلين، وتطبيب المرضى، ومساعدتهم، والرفق بهم، والأخذ بأيديهم في طريق الصحة والسلامة الفكرية والقلبية والنفسية والجسدية.
فإذا لم تجد الوسائل الهينة اللينة، والبيانية والتربوية على اختلاف صورها وأشكالها الترغيبية والترهيبية، لإصلاح نفوس أعداء رسالة الحضارة الإسلامية، أو تجميد عداوتهم، وهدم أحاقدهم، وصرفهم عن مكايدهم ضد الإسلام
والمسلمين، فإن الضرورة قد تدعو بناه هذه الحضارة أن يلجئوا إلى وسائل أخرى تترقى فيه أساليب العنف شيئًا فشيئًا، مع ضبط النفس، وعدم اتباع الهوى، ومع الرغبة الملحة بالانتصار للحق فقط، دون أن تتدخل عوامل نفسية أخرى.
وقد يغدو فريق من مخالفي رسالة الحضارة الإسلامية أعداء معلنين عداواتهم، متربصين بالمسلمين، أو شاهري أسلحتهم في وجوههم، وفي مواجهة هؤلاء يجد حملة رسالة الحضارة الإسلامية أنفسهم أمام أمر لا زب لا مناص منه، يفرض عليهم أن يكونوا مدافعين، أو مهاجمين بما لديهم من قوى مادية ومعنوية.
وأمام هذا الأمر الذي لا مفر منه في الواقع الإنساني، فإن من واجب حملة رسالة الحضارة الإسلامية أن يتخذوا وسائل الدفاع الكافية، والمبادهة في بعض الأحيان قبل المباغتة، مع التزام شروط رسالتهم الربانية، التي يطلعون بمهمتها، ويكون ذلك بأمرين:
الأمر الأول: إعداد القوة التي تربو على قوة العدو، من مال، وسلاح، ورجال، وخبرات، ومعارف، وحصون، وغير ذلك، قال تعالى في سورة "الأنفال: 8/ مصحف/ 88 نزول":
الأمر الثاني: القتال لإعلاء كلمة الله، مع التأكيد على أن القتال وسيلة تكون في آخر الأمر، حينما لا تجدي الوسائل الأخرى من دونه، وحينما يصبح حملة رسالة الحضارة الإسلامية تحت الخطر المداهم، أو هدفًا للخطر المستوفز أو المتربص من قبل أعدائهم.
وحينما تُلجئ الضرورة إلى سلوك سبيل القتال، فإن القتال يستدعي الجود بالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ولذلك كان لمن يجود بنفسه في هذا السبيل حظ الشهادة في سبيل الله، وكان للمقاتل في هذا السبيل من الضمان
الرباني أن يدخله الله الجنة، وأن ينال ما لا يوصف من أجر عظيم عنده، أو يعود إلى أهله نائلًا ما نال من غنيمة وأجر.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه بما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل".
1-
الركن الأساسي للجهاد بالقتال:
وللجهاد بالقتال المأذون به أو المحرض عليه في أسس الحضارة الإسلامية ركن أساسي لا بد منه، وهو أن يكون في سبيل الله.
هذا الركن العام يشمل في دلالته تحديد الباعث إلى القتال، والمطلب المنشود تحقيقه في الدنيا به، والغاية القصوى المرجوة عند الله منه.
وذلك لأن الضمان الذي ضمنه الله للمجاهد من إدخاله الجنة، أو إرجاعه إلى منزله الذي خرج منه، بما نال من أجر أو غنيمة، إنما ضمنه لمن خرج مجاهدًا بالقتال في سبيله، لا يخرجه أي دافع دنيوي، وإنما يخرجه أمور ثلاثة:
الأمر الأول: باعث أسمى في نفسه يحركه للخروج إلى القتال، ألا وهو باعث الإيمان بالله، والتصديق برسله.
أما من خرج في سبيل ضلالات إلحادية، أو في سبيل وثنيات مادية، فإنه يعرض نفسه إلى تهلكتين:
الأولى: تهلكة الموت أو القرح في الدنيا.
الثانية: تهلكه العذاب الأليم في الآخرة.
ولا يدخل الدفاع عن المال أو العرض أو الأرض في هذا، فإنه دفاع مأذون به شرعًا، وإن لم يكن في مفهوم الإسلام جهادًا في سبيل الله، ما لم يتحقق فيه الركن الأساسي للجهاد في سبيل الله.
الأمر الثاني: مطلب يسعى إلى تحقيقه في الدنيا؛ إذ يقذف بنفسه إلى معترك الموت بإذن الله وطاعته، فيَقتل أو يُقتل، ألا وهو نشر دين الله، وإعلاء كلمته، والسعي لبناء الحضارة الإسلامية المجيدة.
وقد أوضح هذا الأمر الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل لشجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل غضبًا، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
الأمر الثالث: غاية قصوى يرجوها عند الله، ألا وهي نيل رضوانه، وبلوغ جنته، والظفر بما أعد الله من أجر عظيم للمجاهدين المقاتلين في سبيله.
وأما الظفر في الدنيا على الأعداء فهو أمر إن قضاه الله فتلك حُسْنَى عاجلة أكرم الله بها المؤمنين المجاهدين في سبيله، وإن لم يقضه الله فقد حقق المؤمنون غايتهم القصوى، وهي نيل رضوان الله وجنته، وتحصيل الأجر العظيم الذي أعده، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى في سورة "النساء: 4 مصحف/ 92 نزول":
وهكذا تنحصر دوافع القتال في سبيل الله بالباعث الأسمى وهو الإيمان بالله والتصديق برسله، وبالمطلب العاجل وهو العمل على إعلاء كلمة الله ونشر دينه وبناء الحضارة الإسلامية المجيدة، وبالغاية القصوى وهي ابتغاء مرضاة الله، ونيل ثوابه الذي أعده للمحسنين.
وهذه الدوافع التي تحرك بناه الحضارة الإسلامية المجيدة إلى القتال حينما تلجئهم الضرورة إليه، هي على النقيض تمامًا من دوافع العدوان الذي يقوم به أعداء الإسلام، ومهدموا أركان حضارته وأبنية المجد العظيم التي يبنيها للناس.