الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقولة السابعة: منهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية
لما كان الخبر الصادق طريقًا من طرق المعرفة، وقاعدة إنسانية لا مندوحة عن الاعتماد عليها في الحياة الاجتماعية، للتعرف على كثير من الحقائق التي لا يمكن لكل فرد أن يباشر معرفتها بنفسه عن طريق الحسن، أو عن طريق الاستدلال العقلي، فقد اعتمدت الشرائع الربانية عليه اعتمادًا كليًّا، في نقل العلوم الربانية إلى الناس، وتبليغهم الأحكام والتكاليف الإلهية، وغير ذلك، كما وجهت للاعتماد عليه في تحصيل كثير من العلوم التي توصل إليها العلماء بمسالكهم العلمية الصحيحة، وأمرت بسؤال أهل الذكر.
ولكن الإسلام وضع منهجًا سليمًا للحكم بسلامة الأخبار وصحتها، والقطع بأنها حق وصدق، أو الحكم بأرجحية صدق الخبر، أو الحكم بضعفه، أو عدم صلاحيته للاعتماد عليه.
ثم أوضح الإسلام ما يجب اتخاذه من الاحتياطات بالنسبة إلى بعض الموضوعات التي تتضمنها الأخبار، فحدد الشروط التي يجب توافرها فيها، حتى تكون الأخبار صالحة لبناء الأحكام القضائية أو غيرها عليها.
الخبر المقطوع بصدقه:
أما الخبر المقطوع بصدقه، والذي لا يخالطه احتمال الخطأ أو الكذب فقد أوضح الإسلام أنه لا بد أن يأتي عن أحد مسلكين كما سق:
المسلك الأول: أن يرد الخبر على لسان نبي من أنبياء الله تعالى، وقد
أحاط الله الأنبياء الذين يبلغون عنه بوضع يجعل التسليم بنقولهم وأخبارهم عن الله قضية مقطوعًا بها، عند كل المنصفين من العقلاء، ذلك بسبب ما ضانهم به من العصمة عن الكذب وسائر المعاصي، وبسبب ما أيدهم به من المعجزات الباهرات التي لا يأتي بها أو بمثلها إلا رسول مؤيد من عند الله، ومصدق من قبيله بلسان حال المعجزات.
وفيما يلي طائفة من الأدلة القرآنية تبين موقف الإسلام من الأخبار التي تبلغها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وتبين الأصل العقلي الذي يلزم العقلاء بالتسليم بها:
1-
جاء في قصة صالح عليه السلام مع قومه ثمود كما أوردها القرآن الكريم في سورة "الشعراء: 26 مصحف/ 47 نزول" قالت ثمود خطابًا لصالح: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ، مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .
وأمام هذا المطلب الحق الذي يدل على أنهم يطالبونه بالبينة على أنه صادق فيها يبلغ عن ربه استجاب الله لمطلبهم، فأرسل لهم معجزة الناقة، وتوعدهم بالعذاب، إذا هم كذبوا بعد هذا التأييد من الله بها، قال لهم صالح فيما حكاه الله عنه في السورة نفسها:
ونستطيع أن نستخلص من هذه القصة أصلين:
الأصل الأول: أن خبر الرسول متى ثبتت رسالته أمر مقطوع بصدقه.
الأصل الثاني: أن المعجزة التي يجريها الله على يد الرسول دليل قاطع على صدق رسالته.
2-
وضع الله المشركين الذين يدعون من دون الله في مأزق خرج من المناقشة الحرة المنطقية، وفسح لهم مجال إقامة الدليل على ما يدعون بالخبر الصادق، إذا هم عجزوا عن إقامة الدليل على ما يدعون عن طريق المشاهدة الحسية، أو عن طريق الاستبدال العقلي، وذلك في قوله تعالى يُعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة "الأحقاف: 46 مصحف/ 66 نزول":
ألسنا نلاحظ أن هذه الآية العظيمة قد علمت الرسول كيفية مطالبة المشركين بالدليل الحسي، أو الدليل العقلي، على إثبات هؤلاء الشركاء الذين يدعون من دون الله، وذلك بقوله:{أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ} .
أي: أثبتوا لي بدليل المشاهدة الحسية أو بدليل الاستدلال العقلي من خلال الظواهر الأرضية ذلك الشيء الذي خلقوه من الأرض، حتى استحقوا بخلقه أن تجعلوهم شركاء لله.
ثم علمته كيفية مطالبتهم بدليل الخبر الصادق على إثبات شركائهم الذين يدعون من دون الله، بقوله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} .
أي: فإن عجزتم عن إقامة الدليل الحسي أو العقلي، وأدعيتم شركتهم في السماوات وهي بعيدة عن مجال حسكم واستنتاجاتكم، فإننا نقبل منكم دليل الخير الصادق عن كتاب سماوي منزل من قبل القرآن، ونقبل منكم دليل الخير الصادق عن بقية من علم مأثور عن رسول من رسل الله، الذين تلقوا علومهم عن الوحي.
3-
أخذ اليهود يعترضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكله لحوم الإبل وشربه ألبانها، مع أنه ينادي بأنه على دين إبراهيم عليه السلام، فقال لهم
الرسول صلوات الله عليه: "كان ذلك حلالًا لإبراهيم فنحن نحله"، فقال اليهود: إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام. فنزلت الآيات من سورة "آل عمران" تعلم الرسول كيفية مناقشتهم، ومطالبتهم بالخبر الصادق على ما يزعمون، وبإحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين، قال الله تعالى في سورة "آل عمران: 3 مصحف/ 89 نزول".
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
فجاءت عصابة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا، لئن عافاه من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها "؟.
فقالوا: اللهم نعم.
وهكذا أقام عليهم الدليل بالخبر الصادق عن طريق الوحي، وطالبهم بمعارضة ذلك إن استطاعوا بدليل الخبر الصادق المؤيد بنصوص التوراة، إن كانوا صادقين.
المسلك الثاني: أن يخبر بالخبر جمع من الناس يستحيل في مقياس العقل السليم اتفاقهم على الكذب فيه.
ويكون ذلك حينما يروي الخبر جمع غفير من الناس تباينت أعراضهم، واقترفت مصالحهم، وكانوا بحيث لا يجمعهم على الكذب جامع.
ويلحق به ما تواردت عليه مجموعة من شواهد النقول الإخبارية، ودلائل الآثار الأرضية والكتابية، وبعض الاستدلالات والاستنتاجات العقلية، حتى يصير التسليم بمضمون الخبر أمرًا حتميًّا لا شك فيه لدى العقلاء المنصفين وحتى يصل في نفوسهم إلى درجة اليقين، كخبر الجمع من الناس الذين يستحيل عقلًا تواطؤهم على الكذب.
وهذا المسلك أصل مقطوع به شرعًا وعقلًا، وبه حفظ الله القرآن الكريم من التحريف والتبديل؛ إذ تكفل بحفظه كما قال تعالى في سورة "الحجر: 15 مصحف/ 54 نزول":
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
وأما الاعتماد على دلائل الآثار فيمكن الاستئناس له بقول الله تعالى في سورة "الروم: 30 مصحف/ 84 نزول":
وأما الاعتماد على الخطوط والكتابات فنستطيع الاستدلال له بأمر القرآن لنا بأن نكتب عقود مدايناتنا لتثبيت الحقوق لأربابها، وذلك في قول الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":
ولو لم يكن في الكتابة إثبات للحقوق لما كان في الأمر بها فائدة.
ويدخل في الكتابات أو يلحق بها المخططات والمصورات الهندسية، وغيرها مما يتم به تثبيت الوقائع، وتوثيقها والتحقق منها، وكذلك ما
استحدث في العصور الحديثة من تسجيل الوقائع والأحداث بصورها وأصواتها عن طريق الآلات المصورة، والآلات المسجلة للصوت، وكل ذلك يجب أن يكون مصحوبًا بالتبصر العقلي، وبالتمحيص الكامل، والاحتياط التام، حتى يشهد العقل بنفي احتمال التزوير في الوثائق، والخطأ أو الكذب في الأخبار.
الخبر الذي يترجح صدقه:
وأما الخبر الذي يترجح في العقول صدقه فقد وضع الإسلام له منهجًا واضحًا؛ إذ نلاحظ أن الإسلام قد أقر الناس على أخبارهم فيما بينهم، شريطة توافر دلائل ترجيح الصدق فيها، ووضع لذلك منهجًا سديدًا لتحري الصدق في الأخبار، ونفي ما كان منها كذبًا واضحًا، أو مشكوكًا فيه، أو مشتبهًا بكذبه، واشترط للحكم بأرجحية صدق الخبر أن يتوافر في كل راوٍ له ثلاثة شروط:
الشرط الأول: العدالة، وهي ألا يعهد على الراوي الكذب أو المعصية الظاهرة.
الشرط الثاني: الأهلية الفكرية لتحمل الأخبار ونقلها كما حملت دون نسيان أو اضطراب.
الشرط الثالث: اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن رواه له.
وهذه الشروط تستدعي الملاحظة الدقيقة لرواة الأخبار، والنظر في أحوالهم الفكرية والخلقية والسلوكية، للتأكد من أن أخبارهم صالحة للقبول وتستدعي النظر في صلتهم بمصادر الخبر أو بمن رواه لهم، وهنا تتسع مشكلة البحث العملي في تراجم الرجال، وتتبع أحوالهم، وتمحيصهم، لكشف الموثوقين الذين تقبل أخبارهم، وتمييز الضعفاء والوضاعين، وتحديد درجة كل منهم في القبول أو الرفض، ونحو ذلك من بحوث.
وقد تضافرت جهود علماء المسلمين للاطلاع بهذه المهمة الكبيرة على أحسن وجه عرفة التاريخ، فحرروا ما نقل عن الرسول صلوات الله عليه تحريرًا لم يسبقوا إلى مثله، لذلك فلا نجد لدى آية أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ذخائر علمية منقولة بالأخبار الصحيحة الموثقة مثلما نجد لدى علماء المسلمين، وذلك بسبب وضوح المنهج الذي اتبعوه في التثبت من صحة الأخبار، أو الحكم بأرجحية صدقها.
وقد تكلفت كتب علم مصطلح الحديث النبوي بتحديد هذا المنهج وتحريره وبيانه، وتفصيل مسالكه على أحسن وجه، كما تكفلت كتب تراجم الرجال ببيان أحوالهم وأوضاعهم، ودرجة الثقة برواية كل منهم، والعصر الذي عاش فيه، إلى غير ذلك مما تستدعيه أصول البحث السليم.
وفي العصر الحديث وجد العلماء الغربيون أنفسهم مضطرين للاهتداء بهدي هذا العلم، واتباع الأصول الإسلامية المقررة فيه، لتحقيق الأخبار والنقول التاريخية وغيرها، إلا أنهم لا يستطيعون استيفاء الشروط الإسلامية في بحث عدالة الرواة لدى التطبيق العملي؛ لأنه ليس لديهم أي مستند يكشف لهم أحوال رجالهم الغابرين، حتى يرجعوا إليه في تمحيص صادق الأخبار من كاذبها، وصادقي الرجال من كاذبيهم.
وما كل خبر يترجح صدقه يصلح في كل موضوع من موضوعات الحياة، بل لا بد من نسب في الأرجحية تتفاوت بحسب نسب أهمية الموضوعات وبحسب النتائج التي تترتب على قبول الأخبار فيها.
فما يقبل في رواية خبر تاريخي عادي لا يقبل في إثبات حق أو إدانة بجريمة، وما يقبل في إثبات حق مالي لا يقبل في الاتهام بالزنا، وما يقبل في رواية حديث نبوي لا يقبل في إثبات آية قرآنية.
ولنتبين ذلك لا بد لنا من النظر في مراتب الأخبار، وما يشترط منها في كل نوع من أنواع موضوعات الحياة.
مراتب الأخبار بحسب الموضوعات التي تتضمنها:
الذي يظهر لنا من الإحصاء الشرعي لمراتب الأخبار بحسب الموضوعات التي تتضمنها أنها تقع في ست مراتب، ولكل من هذه المراتب شروط محددة لقبول الأخبار التي تتضمنها، وهي كما يلي مرتبة من العليا إلى الدنيا:
المرتبة الأولى:
مرتبة النقل المباشر عن الوحي، وشرطه النبوة المستجمعة لصفتي العصمة والتأييد بالمعجزة، فمن لم يكن كذلك، ونقل عن الوحي مباشرة لم يقبل خبره، وإن كان في حكم الناس صادق الخبر، صحيح الرواية.
المرتبة الثانية:
مرتبة نقل الأخبار التي بلغها الرسل، المتضمنة إثبات عقيدة من عقائد الدين، أو أصل من أصوله الأولى، أو سورة من سور القرآن، أو آية من آياته، أو نحو ذلك مما نحكم بكفر جاحده.
وهذا ينبغي لاعتبار الخبر فيها مضافًا إلى طائفة ما يكفر جاحده، أن تنقل بالتواتر اللفظي أو المعنوي، أو ما هو في قوة التواتر، وذلك لأن موضوعاتها من الموضوعات التي يجب بحسب مركزها من الدين وتكفير جاحدها، أن يتوافر عليها النقل بالتواتر، أو ما هو في قوته، فإذا لم تنقل بالتواتر أو ما هو في قوته مع وجود الدواعي لنقلها به لم يسغ لنا أن نحلها في مركز الأمور التي يكفر منكرها؛ لأن من يحكم عليه بالكفر والردة يحكم عليه بإهدار الدم لزومًا، وذلك لا يجوز إلا بيقين.
المرتبة الثالثة:
مرتبة الإتهام بالزنا، وهذه المرتبة ينبغي للتثبت من صحة خبر الإتهام فيها أن يتوافر على الشهادة بوقوع الزنا أربعة شهداء، ويشترط في كل منهم أن
يستجمع صفات العدالة، والضبط، وانتفاء التهمة، وفق البيانات الموضحة في كتب الفقه الإسلامي.
وقد اشترط الإسلام الشهداء الأربعة لقبول خبر الاتهام بالزنا في القضاء الشرعي نظرًا إلى أهمية موضوع الخبر، ونظرًا إلى أن النفوس فيه قد يتجسم لديها الظن به حتى يصل إلى درجة التحقق دون أدلة مادية، فتشهد به، ونظرًا إلى ما يترتب عليه أيضًا من هدم الأسر، وإقامة الحد الشرعي، والخزي والعار والفضيحة لمن تثبت عليه التهمة، وحرصًا من الإسلام على أن لا تشيع الفاحشة بين المؤمنين. قال الله تعالى في سورة "النور: 24 مصحف/ 102 نزول":
وقال الله تعالى في سياق حديث الإفك في سورة "النور" أيضًا:
فقد جعل الله إشاعة الإتهام بالزنا دون إحضار أربعة شهداء عليه كذبًا يوجب إقامة حد القذف.
المرتبة الرابعة:
مرتبة إثبات الحقوق بين الناس بعضهم على بعض، وتتضمن هذه الحقوق الحقوق المادية، والأدبية، والجنائية، ونحوها.
هذه المرتبة ينبغي للتثبت من صحة الخبر فيها أن يشهد بالخبر رجلان ذوا عدل من المسلمين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، ممن يرضى المسلمون من الشهداء، ويشترط في كل شاهد أن تتوافر فيه العدالة، والضبط، وانتفاء التهمة، وفق البيانات الموضحة في كتب الفقه الإسلامي، قال الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":
وقال الله تعالى في سورة "الطلاق: 65 مصحف/ 99 نزول نزول":
ويدخل في حدود هذه المرتبة ما يثبت من الحقوق بشاهد ويمين، وما يثبت بأيمان القسامة، ونحو ذلك من أدلة الإثبات الشرعية، وما يقاس عليها في قوة التوثق.
المرتبة الخامسة:
مرتبة النقول العادية التي تتضمن أخبارًا علمية، أو تاريخية، أو رواية لحديث عن رسول الله صلى الله عيه وسلم يتضمن مواعظ وآدابًا وأحكامًا عملية، أو أخبارًا عن أمور ستحدث في المستقبل، كأشراط الساعة، وأحوال يوم القيامة، ونحو ذلك.
وهذه المرتبة يكفي للاعتماد على الخبر فيها أن يرويها راو واحد ذكرًا كان أو أنثى، ويشترط فيه توافر صفتي العدالة والضبط، وتلقي الخبر من مصدره، أو ممن رواه له، وكل ذلك وفق البيانات والشروط الموضحة في علم مصطلح الحديث.
وما أكثر الشواهد في النصوص الإسلامية على الاكتفاء بنقل خبر الواحد، في حدود هذه المرتبة، ما لم تقم التهمة على المخبر، بجرح في عدالته أو في أهليته لتحمل الخبر وأدائه، أو في صحة اجتماعه بمن روى عنه الخبر، فإن كان شيء من ذلك احتاج إلى معزز يعزز خبره.
المرتبة السادسة:
مرتبة النقول والأخبار التي تتناول مصلحة الشخص الذي يرد إليه الخبر،
في أمر من أمور دنياه، دون أن تتضمن هضمًا لحق آخر أو إتهامًا له، وذلك كأن تتضمن مثلًا التحذير من خطر لا ضرر من الاحتياط في الحذر منه، ولو بالظن الضعيف.
وهذه المرتبة يكفي فيها انفتاح النفس لقبول صحة الخبر، والاقتناع به، دون النظر في حالة المخبر وصفته؛ لأن موضوعه لا يتطلب أكثر من اتخاذ الاحتياطات والأسباب اللازمة لدفع الخطر، أو الفرار منه.
ويمكن أن نستأنس لهذا بما جاء في القرآن الكريم في حكاية فرار موسى عليه السلام من مصر، بعد قتله الرجل من أتباع فرعون، ثقة بخبر الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يخبره بأن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، قال الله تعالى في سورة "القصص: 28 مصحف/ 49 نزول":
ويلاحظ أن هذه المرتبة هي التي يعتمد عليها الناس في أكثر أمورهم الشخصية من تجارات وصناعات وزراعات وأمور سياسية وعسكرية وأشباه ذلك.
وعلى مقدار تفاوت الناس في دقة ملاحظاتهم ومحاكماتهم لما يعرض لهم من أمور الدنيا ينالهم التوفيق، ويحالفهم النجاح فيها، بالنظر إلى الأسباب الدنيوية الظاهرة.
هذه هي الخطوط العريضة لمنهج الإسلام في الاعتماد على الأدلة النقلية الإخبارية، والتثبت من الأخبار، عرضتها مجموعة في نسق فكري متماسك، وأما تفصيلاتها الجزئية، وأمثلتها فموزعة في كتب أصول الفقه الإسلامي، وأصول الحديث، وكتب الفروع الفقهية، وبهذا الجمع يتضح للباحث إشراقة بديعة من سمو المنهج العلمي في الإسلام.