الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: تطبيق العلم بالعمل
المقدمة:
لا يصعب علينا ملاحظة أن الوسيلة الثانية من وسائل بناء الحضارة الإسلامية بناء واقعيًّا بعد وسيلة التعلم والتعليم، إنما هي وسيلة تطبيق العلم بالعمل، وذلك عن طريق الاستفادة المباشرة من المعارف، وعن طريق الاختراع والابتكار والتحسين.
أما الاستفادة المباشرة من المعارف والعلوم فتتمثل بكل ما يمارسه الإنسان في حياته من عمل، وبكل ما يجتنيه من أمر، مستهديًا بحقائق المعرفة التي توصل إليها، وبالقواعد والقوانين والسنن والتجارب الكونية التي عرفها، بأي طريق من طرق اكتساب المعارف والعلوم الحسية أو الاستدلالية العقلية أو الخبرية.
فالنار مثلًا حقيقة من الحقائق الكونية ذات صفات، والعاقل الذي يعرف حقيقة النار ويعرف صفاتها وخصائصها، من شأنه أن يحسن الاستفادة من الخصائص والصفات التي عرفها لها بشكل مباشر، فهو يبتعد عنها خشية أن تحرقه أو تحرق متاعه، ويبعدها عن كل مكان تؤذي فيه إذا حلت به، ثم هو ينضج طعامه عليها، ويصهر معدنه، ويستخدمها في كل ما يحتاج إصلاحه إلى درجة حرارة مرتفعة، إلى غير ذلك من منافع، مع اتخاذه كل الوسائل المستطاعة للوقاية من ضرها وأذاها.
والماء أيضًا حقيقة من الحقائق الكونية، وهو ذو صفات وخصائص، والعاقل الذي يعرف صفات الماء وخصائصه يحسن الاستفادة منه بشكل مباشر، فيشرب منه، ويغسل به الأدران، ويسبح فيه، ويجري الجواري عليه، ويسقي
منه الأرض والدواب والأنعام، ويبحث عن أحواضه وينابيعه، ويستنبطه بكل وسيلة ممكنة، ثم هو يجتنب ما فيه من ضر وأذى، فيتخذ كل وسيلة ممكنة للوقاية من ضره وأذاه.
وهكذا في كل الحقائق الكونية المادية والمعنوية ذات المنافع أو المضار، إذ يتعرف الإنسان العاقل بكل وسائل المعرفة التي لديه على منافعها ومضارها، فيستفيد منها استفادات مباشرات بنسبة ما لديه من معارف عنها، متقيًا ما فيها من مضار.
وأما الاستفادة غير المباشرة من المعارف والعلوم، فتتمثل بما يمارسه الباحثون من الانتقال من المنافع المباشرة التي تتضمنها حقائق الأشياء وصفاتها وخصائصها، إلى الاختراع والابتكار وتحسين الوسائل وتطويرها، إلى ما فيه اختصار للزمن، وتوفير للجهد، ومضاعفة للقوة، ورفاهية للعيش، وراحة وأمن، ودفع للآلام أو تخفيف لها، وتحقيق للعدالة الاجتماعية، مستهدين في كل ذلك بأصول المعرفة التي لديهم عن حقائق الأشياء وصفاتها وخصائصها.
فهم لا يقفون عند حدود الانتفاع من الأشياء بما تتضمنه من منافع جاهزة مهيأة فيها بوضعها الفطري، ولكنهم يجمعون المفردات القابلة للتلاؤم، فيوجدون منها أشياء جديدة، ذات خصائص أكثر منفعة وفائدة لبني آدم، ويدخلون على الأشكال الموجودة في الأشياء الفطرية أشكالًا جديدة، ويضيفون إلى صفاتها صفات جديدة أو يبذلون منها، عن طريق الجمع أو التفريق، لتكون الأشياء أكثر فائدة للناس، وأعظم منفعة.
ولا يتم لهم ذلك إلا بقدرة عالية من حسن التخيل والتصور، مع اختيارات وتجارب حكيمة للاحتمالات الممكنة، ومع تتبع واستقصاء، وتأمل وتفكر، وأناه وصبر، ودقة في التنفيذ، واعتماد على الأصول الثابتة التي توصلت إليها المعرفة الإنسانية، خلال قرونها الخوالي.
ومن شأن تطبيق العلم في أنواع الاستفادات المباشرات وغير المباشرات أن يجعل للتقدم الحضاري والمدني أثرًا ظاهرًا في نظم الحياة، وطرق العيش، والعلاقات الاجتماعية، وأثرًا ظاهرًا في العمران والزراعة، والصناعة والصحة والطب، ووسائل الرفاهية والقوة، إلى غير ذلك مما تحتوي عليه المدنيات الراقيات، من كل ما فيه خير الإنسانية أفرادًا وجماعات.
والعمل التطبيقي تنفيذ وتجربة واختبار مع جهد حثيث لارتقاء كل مرتقى حضاري كريم، وهذا مما يدعو إليه الإسلام، وبحث عليه بإلحاح شديد.