الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقولة الرابعة: الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية
تقوم الفلسفة الإسلامية بالنسبة إلى الوسائل الكونية على أساس أن جميع ما خلق الله في الوجود من وسائل سلط أيدي عباده عليها لا توصف لذاتها بأنها خير أو بأنها شر، وإنما هي وسائل يمكن أن تستعمل في الخير، ويمكن أن تستعمل في الشر، وقد وضعها الله تحت أيدي الناس ليبتليهم فيها، هل يستعملونها في الخير أم يستعملونها في الشر؟
فالاستعمال الإنساني هو الذي وجهها لجهة الخير أو لجهة الشر.
وتمشيًا مع الفلسفة الإسلامية لا نستطيع أن نطلق على أي شيء مما خلقه الله أو ألهم الإنسان ابتكاره وصنعه أنه شر لذاته أو أنه خير لذاته، وإنما هو وسيلة يمكن أن تستعمل في الخير، ويمكن أن تستعمل في الشر، وإرادة الإنسان المقرونة بعمله هي التي تحدد ذلك، وفي هذا التسليط الرباني لها على الأشياء يتم ابتلاؤها وامتحانها، وفق حكمة الله في الابتلاء، الذي من أجله خلق الموت والحياة.
فأدوات السلم كلها وأدوات الحرب التي توصل الإنسان إلى معرفتها، والتي سيهتدي إليها في المستقبل، لا تغدو أنها وسائل قابلة لأن تستعمل في الخير، ولأن تستعمل في الشر.
لذلك فإن المسلم لا يتوجس خيفة من أية وسيلة حديثة مبتكرة؛ لأن لديه الأسس الإسلامية العامة التي تهديه إلى طريقة استعمالها في الخير، وتحذره من استعمالها في الشر.
والمسلم البصير بإسلامه ينظر إلى السم القاتل على أنه مادة خلقها الله في كونه ليستعملها الإنسان فيما ينفع ولا يضر، فإذا أحسن استعمالها جلبت له خيرًا، فكم من أمراض فتاكة لا يشفي منها إلا السم، وفي مقابل ذلك ينظر إلى أطيب الأغذية على أنها مادة خلقها الله في كونه كذلك، ليستعملها الإنسان فيما ينفع ولا يضر، فإذا أساء استعمالها جلبت له شرًّا، فكم من أمراض فتاكة جلبتها
أغذية طيبة نافعة، وكان ذلك بسبب سوء استعمالها، وفي الحديث الشريف:"رب أكله منعت أكلات".
ويقاس على ذلك الطائرات والصواريخ والقنابل الذرية والهيدروجينية والمواد الكيماوية، والعقاقير الطبية، والأجهزة المصورة، والأجهزة الناقلة للصوت والصورة، وغيرها مما يفوق الحصر، حتى الخمر التي حرم الله شربها لما فيها من مضار صحية وفكرية ونفسية واجتماعية ودينية باستطاعة الإنسان أن يحسن استعمالها في غير الشرب، لقتل الجراثيم الضارة، وتعقيم الجروح، وتخليل المواد الكيميائية، ونحو ذلك.
والأدلة على هذه الفلسفة الإسلامية كثيرة في القرآن والسنة.
فمن الأدلة القرآنية قول الله تعالى في سورة "البقرة: 2 مصحف/ 87 نزول":
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} .
وقول الله عز وجل في سورة "الجاثية: 54 مصحف/ 65 نزول":
وكونه جل وعلا خلق لنا ما في الأرض جميعًا وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض يدل على أن كل شيء في الكون يملك الإنسان التصرف فيه موضوع تحت يده ليحسن الانتفاع منه، ولكنه جل وعلا ضم إلى هذا النص نصوصًا أخرى توضح للناس طرق الخير وطرق الشر، وتبين أنه ما من شيء في الوجود إلا يمكن استعماله في طريق الخير واستعماله في طريق الشر، وأن كل شيء في الوجود له عدة وجوه يمكن استعماله في أي منها، وبعض هذه الوجوه وجوه خير وبعضها وجوه شر، ومعنى ابتلاء الإنسان في هذه الحياة هو اختباره أمام هذه الوجوه المختلفة، التي يمكن أن يستعمل فيها ما سلط يده عليه، والإنسان الشرير يمكن أن يقتل أخاه بمصحف ثقيل عنده، مع أن فيه كلام الله وآياته، أو أن يخنقه بثوب الكعبة، أو أن يدسه حيًّا تحت مقام إبراهيم، أما
الإنسان الخير فيستطيع أن ينقذ حياة غصَّان بجرعة خمر، ويستطيع أن ينشر العدل والأمن والسلام بأخطر الأسلحة الفتاكة، وأن يبني الحضارة الإسلامية بأن يحسن استخدام كل وسيلة خلقها الله ووضعها تحت سلطة الإنسان.
إذن فلا بد لفهم المراد من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} من قرنه بالنصوص الأخرى التي توضح للناس طرق الخير وطرق الشر، والنصوص المبينة لفكرة ابتلاء الإنسان في هذه الحياة.
ومن الأدلة النبوية ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال:
"لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا".
فقال رجل: يا رسول الله أياتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال: "كيف قلت"؟ قال: قلت يا رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الخير لا يأتي إلا بخير، إن الخير لا يأتي إلا بخير، إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو؟ إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطًا 1 أو يلم 2 إلا آكلة الخضر حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس ثلطت 3 أو بالت ثم اجترت 4 فعادت فأكلت، فمن يأخذ مالًا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع"5.
فقد أنكر الرسول صلوات الله عليه في هذا الحديث أن يكون ما يخرجه الله للناس من زهرة الحياة الدنيا خيرًا، وأثبت للرجل السائل أن هذه
1 الحبط: أن تأكل الماشية فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها.
2 يلم: يقارب.
3 ثلطت: أي سلحت سلحًا رقيقًا.
4 اجترت: أي أخذت تمضغ ما تخرجه من بطنها.
5 انظر شرح هذا الحديث في كتاب "روائع من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم" للمؤلف.
الأشياء التي تسمونها خيرًا ما هي إلا وسائل يمكن أن تستعمل في الخير، ويمكن أن تستعمل في الشر، وضرب على ذلك مثلًا ماديًّا محسوسًا في الأنعام، فمنها ما يأكل من الربيع الذي يسميه الناس خيرًا فتكثر منه، وتسيء التصرف، فيقتلها. أو يجعلها قريبة من الهلاك، ومنها أنعام تقنع بما يكفيها فتنتفع منه وتربو عليه.
ومن الأدلة النبوية أيضًا ما تضمنه الحديث التالي:
مر النبي صلوات الله عليه بشاة ميتة لميمونة، فقال:"هلا انتفعتم بإهابها".
فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال:"إنما حرم أكلها" وقال أيضًا: "أيما إهاب دبغ فقد طهر". الإهاب: الجلد.
فدل بذلك على أن تحريم وجه من وجوه الاستعمال لشيء من الأشياء، لما فيه من ضرر، لا يغني تحريم ذات الشيء، أو اعتبار ذلك الشيء شرًّا بذاته، ولا يغني أيضًا تحريم سائر وجوه الاستعمالات الأخرى، التي لا ضرر فيها، فلكل وجوه من وجوه الاستعمال حكمه المناسب له بحسب القواعد العامة التي تستند إليها الأحكام الشرعية.
وهكذا ترقى الفلسفة الإسلامية إلى قمة سامقة، لا تدانيها قمة أخرى، ما لم تكن متفقة معها من كل الوجوه.