الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة
المقولة الأولى: السنة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
…
الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة
المقول الأولى: السنة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
1-
اهتمام المسلمين بالسنة النبوية
في مجال اقتباس المعرفة التي جاء بها الإسلام، وصعودًا في سلم الإرتقاء الحضاري الذي دعا إليه، اتجه المسلمون بعد العناية التامة بالقرآن المجيد، شطر العناية ببيانات الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والعملية، وصفاته الخلقية والذاتية، وإقراراته وموافقاته وسيرته.
وهم في كل ذلك يعملون بهدي قول الله عز وجل لهم في سورة "الحشر: 59 مصحف/ 101 نزول":
وبهدي قول الله عز وجل لهم في سورة "الأحزاب: 33 مصحف/ 90 نزول".
واندفع المسلمون طمعًا في الأجر العظيم الذي يظفر به مبلغو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما وعدهم به الرسول في عدة بيانات، منها:
1-
جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قوله:
"ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع".
2-
وروى الإمام الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"نضر الله تعالى عبدًا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها، وأداها، فرب، حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وأخرج هذا الحديث أحمد وأبو داود وابن ماجه، وراويه الصحابي "زيد بن ثابت الأنصاري" على ما أخرجه النسائي.
وأخذ المسلمون في هذا المجال يضطلعون بجانب من المسئولية الحضارية التي ألقاها الإسلام على عاتق كل مسلم، وأدركها المسلمون الأولون بوعي سليم وعاطفة فعالة.
ولهذا حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلقف ما يستطيعون تلقفه من سنته، واهتموا بحفظه وروايته وتبليغه لمن وراءهم.
وقد كان حفظ العلم النبوي في صدورهم أكبر همهم، وتاج مجدهم، ومن أجل الأعمال المبرورة التي يطمعون في ثوابها عند ربهم، وكان هذا عند الكثير منهم مساويًا للجهاد بالقتال في سبيل الله، الذي كانوا يبذلون فيه أموالهم وأنفسهم.
2-
كتاب السنة النبوية في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم:
لم يأذن الرسول صلى الله عليه وسلم أول الأمر لعامة المسلمين بكتابة ما يسمعونه منه من أحاديث وبيانات، خشية اختلاط شيء منه بما كانوا يكتبون من القرآن الكريم؛ لأن المسلمين كانوا في بداية تحولهم من أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب إلا قليلًا، إلى أمة قارئة كاتبة تدون معارفها، وتأخذ طرقها ومسالكها صاعدة إلى العلم، ومترقية في معارج الحضارة المثلى.
لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتخذ ثلاث خطط لحفظ سنته:
الخطة الأولى: أنه حمل أصحابه ومن يأخذ عنهم مسئولية حفظ أقواله وبياناته، ومسئولية تبليغها لمن وراءهم، كل منهم على مقدار استطاعته التي وهبه الله إياها.
وقد كان استعداد العرب لحفظ ما يسمعون من أقوال، وما يشاهدون من أحداث، استعدادًا عاليًا، بسبب صفاء فطرتهم، وجودة أذهانهم، واعتمادهم على ذاكراتهم، وفراغ أدمغتهم ما تزدحم به أدمغة سكان المدن الكبرى من ضجيج
أعمال الناس، وعلاقاتهم الاجتماعية، وصخب مشكلاتهم المختلفات، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية.
الخطة الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم قد أذن لبعض خاصة أصحابه بكتابة ما يسمعونه منه أقواله وبياناته، حينما وثق من ضبط هؤلاء ويقظتهم، وحسن تمييزهم لعناصر المعرفة، قرآنًا كانت أو سنة أو غير ذلك، وأنهم مأمونون من أن يخلطوا ما يكتبونه من أحاديثه بما يكتبونه من القرآن الكريم.
الخطة الثالثة: توجيه الإذن العام في آخر الأمر بكتابة سنته، وكان هذا حينما رأى أن اختلاط أقواله بكتاب الله عز وجل قد صار أمرًا غير محذور الوقوع لدى معظم الصحابة؛ إذ صار القرآن متميزًا بمكتوبات خاصة به، وصار لدى أكثر المسلمين من أصحابه ملكة التمييز العلمي العام بين عناصر المعرفة.
ولئن بقي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظل يُؤْثِر عدم كتابة سنة الرسول، فقد كان ذلك منهم استمرارًا لما استقر في نفوسهم من عدم الإذن السابق، ولم يكن قد بلغهم الإذن بها أخيرًا، وقد تبع هؤلاء الصحابة بعض التابعين.
لكن الذي استقر عليه المسلمون بعد ذلك هو العمل بكتابة السنة، اتباعًا لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون بإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو لم يأذن لهم ما فعلوا ذلك.
وقد ساق الدارمي في مقدمة سننه أحاديث وآثارًا تثبت بمجموعها إذن الرسول بكتابة الحديث عنه، فمنها:
1-
قول أبي هريرة: "ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب". "رقم 489".
2-
قول عبد الله بن عمرو بن العاص: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، يتكلم في الغضب والرضاء؟. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال:"اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق". "رقم الحديث 490".
3-
كتب الخليفة "عمر بن عبد العزيز" إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: "أن أكتب إلى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحديث عمرة، فإني قد خشيت درس هذا العلم1 وذهابه". "رقم 493".
وكتب أيضًا إلى أهل المدينة: "أن انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله". "رقم 494".
4-
كان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول لبنيه: "يا بني قيدوا هذا العلم". "رقم 497".
5-
عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال:"ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط، أما الصادقة: فصحيفة كتبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الوهط: فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها". "رقم 502".
6-
قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "قيدوا هذا العلم بالكتاب". "رقم 504".
إلى آثار أخرى تؤكد اهتمام الحريصين على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم من الضياع بأن يكتبوا ما لديهم منها، ثم شاعت هذه الكتابة وذاعت لدى كل حفاظ السنة ورواتها.
1 درس هذا العلم: أي: ذهابه وضياعه ومحو آثاره.
3-
المكتوبات الأولى من السنة النبوية:
من أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي، المشتملة على مجموعة من الأحاديث النبوية الصحف التالية:
1-
صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، التي سماها الصحيفة الصادقة. وقد ذكر ابن الأثير أنها اشتملت على ألف حديث.
2-
صحيفة لسعد بن عبادة الأنصاري، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروي منها، وروى البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه.
3-
صحيفة لسمرة بن جندب، فقد جمع سمرة أحاديث كثيرة في نسخة كبيرة، ورثها ابنه سليمان، ورواها عنه.
4-
صحيفة لجابر بن عبد الله، أشار إليها الإمام مسلم في صحيحه، وكان التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي يكبر من قيمتها، ويقول:"لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني من سورة البقرة".
5-
وقد عُني الصحابي الجليل "عبد الله بن عباس" بكتابة الكثير من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته، في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم.
ومن المشهور عند المؤخرين أنه ترك حين وفاته حمل بعير من كتبه، وكان تلميذه التابعي "سعيد بن جبير" يكتب عنه ما يملي عليه.
وظلت صحف ابن عباس معروفة متداولة مدة طويلة من الزمن، فقد ورثها ابنة علي، وتعاقب الناس على الرواية منها، والأخذ عنها، حتى امتلأت كتب التفاسير وكتب الحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته.
ولئن لم يبق شيء من هذه الصحف، فإن مضمونها موجود في كتب الحديث التي دونت فيما بعد.
وبهذا ندرك أن حركة التدوين العلمي قد بدأت منذ العصر الإسلامي الأول، وبدهي أن حركة التدوين العلمي أولى خطوات مسيرة التطبيق الحضاري، وقد سارها المسلمون بصدق وإخلاص وجد، طاعة لما دعاهم الإسلام إليه.