الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: المثالية والواقعية
المقولة الأولى: تعريفات وبيانات عامة للمثالية والواقعية
1-
المثالية:
إن المثالية من صور العمل الإرادي للإنسان هي أسمى الصور المحتملة الوقوع بالنسبة إليه في أرقى مستوياته، وهي التي ينبغي أن تكون محل التطلع الأسْمَى له عند العسر، ومحل التنفيذ عند اليسر، فردًا كان أم جماعة، وذلك في كل مجالات العمل الإرادي للإنسان الفكرية، والنفسية، والجسدية.
2-
الواقعية:
أما الواقعية في صور العمل الإرادي للإنسان فهي الصور المستطاعة التنفيذ بوجه عام من دون عسر، وهي التي ينبغي أن لا يهبط الإنسان عن مستواها الواجب، ضمن ظروفه النفسية والجسدية والاجتماعية، والزمانية والمكانية.
فإذا كانت المثالية في عمل ما فكري أو نفسي أو جسدي، أو في مجموعة أعمال ومجموعة تصرفات في الحياة تقوم مثلًا بمائة درجة فإن الواقعية قد تقوم بخمسين درجة أو بما دون ذلك أو بأكثر من خمسين، وذلك على حسب العمل، أو مجموعة الأعمال، ضمن ظروف الإنسان المختلفة.
ولدى تحديد درجة الواقعية التي يجب على الإنسان أن لا ينزل عن مستواها، حتى يكون من السويين بأعمالهم وتصرفاتهم في الحياة على وجه الإجمال، لا بد من ملاحظة واقع الإنسان بشكل عام، في قدراته، واستطاعته، ومطالب غرائزه في نفسه وجسده، ومدى العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تؤدي به إلى الشرود، والانحراف، وفلتات الشذوذ.
3-
مواقع المثالثة في أسس الحضارة الإسلامية:
نظرة استقرائية شاملة للشريعة الإسلامية الدافعة إلى كل مجد حضاري كريم تكشف لنا أن من أسسها العامة الكبرى المثالية في العقائد والأهداف والغايات، والواقعية في الأعمال ومناهج الحياة.
تفصيل هذه الحقيقة:
أما المثالية فتنجلي في أمور ثلاثة:
الأمر الأول: الإيمان والأصول الاعتقادية، فهي في الإسلام الحقيقة المثلى، والإيمان بها يجب أن يكون تامًّا، وللمثالية في الإيمان درجات تتفاوت بحسب تفاوت الأفراد، نظرًا إلى استعداداتهم وإلى مدى تمسكهم بها.
الأمر الثاني: النيات وتكون المثالية فيها بابتغاء مرضاة الله في فعل الأعمال الحسنة، وفي ترك الأعمال السيئة، وملاحظة طاعته لدى فعل ما أمر به، أو ترك ما نهى عنه، أو فعل وترك ما أذن بفعله وتركه على السواء.
وهذا الابتغاء عمل من أعمال القلوب، ويطلق عليه اسم "النية". ولا غرو أن المثالية في هذا الأمر أيضًا ذات درجات، تتفاوت بحسب تفاوت الأفراد، نظرًا إلى استعداداتهم، وإلى مدى تمسكهم بها.
الأمر الثالث: نشدان الكمال في الأعمال، وذلك بالتطلع المستمر إلى الأحسن والأفضل والأنفع والأكمل من صور العمل واحتمالاته، وباستهداف الوصول إلى الغاية المثالية التي يمكن تحقيقها عن طريق العمل، ولو في أقل الأحوال الإنسانية، وأندرها.
وهذا النشدان يدفع الإنسان إلى التحسين والترقية باستمرار؛ سعيًا في طريق الكمال.
4-
وأما الواقعية في الأعمال ومناهج الحياة فتتجلى في خمسة أمور:
الأمر الأول: التكليف ضمن حدود الطاقة الإنسانية.
الأمر الثاني: رفع المسئولية في أحوال النسيان والخطأ والإكراه، التي لا يملك الإنسان دفعها.
الأمر الثالث: مراعاة مطالب الفكر والنفس والجسد، وعدم إهمالها، وذلك ضمن حدود طريق الخير.
الأمر الرابع: مراعاة واقع حال المجتمعات الإنسانية التي يتفاوت أفرادها في استعداداتهم، وخصائصهم، وذلك في البيانات الإسلامية، وفي أساليب التربية، وفي الأعمال الجماعية، وفي تحديد مناهج السلوك، وفي أصول المحاسبة والجزاء.
الأمر الخامس: مراعاة واقع حال النفس الإنسانية، المفطورة على حب المخالفة، والنزوع إلى الشذوذ، والمغامرة بامتحان المسالك الوعرة، ولهذا الواقع الإنساني مؤيدات صريحة في نصوص الشريعة الإسلامية.
منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون". حديث حسن.
وتكون مراعاة هذا الواقع بفتح باب الغفران للإنسان، وتهيئة أفضل الوسائل ليتخلص من الإثم، وليلقي عن كاهله أثقال الأوزار.
وهكذا تجمع أسس الحضارة الإسلامية بين المثالية والواقعية، جمعًا رائعًا، وتضع كلا منهما في محله الذي يليق به.
5-
وأعداء هذه الحضارة فريقان:
فريق يقول: إن الإسلام صورة مثالية غير ممكنة التطبيق بالنسبة إلى الجماهير الإنسانية، فهو يهاجم الإسلام بهذا.
وفريق آخر يقول: إن الإسلام يعد على فعل الخير بالأجر والثواب، فهو ينزل بالإنسان عن مستوى المثاليات الراقية التي تدعو إلى فعل الخير حبًّا بالخير لا طلبًا لمنفعة، أو خوفًا من مضرة.
وكلا الفريقين إما مضلل ماكر، أو جاهل بالواقع الإنساني وطبيعة النفس البشرية.
ونحن نقول لهم: إن الإسلام جاء لإصلاح الناس جميعًا ولم يأت لطبقة معينة منهم، لذلك فهو يحوي لكل صنف من الناس وسائل إصلاح وتقويمه.
6-
إن ما سبق بيانه عن المثالية والواقعية في أسس الحضارة الإسلامية لا يعدو أنه رسم للهيكل العام الذي يشتمل عليه هذا الأساس من أسس هذه الحضارة المجيدة.
واستيفاء بيان هذا الرسم يحتاج إلى شرح وأمثلة، وشواهد من النصوص الإسلامية.
وسأتناول -بعون الله- في المقولات التاليات من هذا الفصل شرح كل نقطة من النقاط المهمة، التي يشتمل عليها الهيكل الذي سبق رسم مخططه العام في هذه المقولة الأولى.